Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ كتاب الجامع - باب الأدب ١٢٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ : ((يُجْزِىءُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن بمجموع طرقه . وقد أخرجه أبوداود، وأحمد، والبيهقي، وأبويعلى، والضياء في المختارة، ونقل عن النيسابوري، قال: هذا حديث حسن، وحسّنه الحافظ في (نتائج الأفكار)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدَّم أنَّ الابتداء بالسَّلام سنة كفاية، إذا قام به أحد المسلمين، كفى عن الباقين، وإنْ حصل السَّلام منهم، كان أفضل. ٢ - وأنَّ الجواب فرض كفاية، إذا قام به واحدٌ منهم، كفى عن الباقين، ولكن الأفضل أنْ تكون الإجابة من الجميع . ٣- والحديث الّذي معنا يبين الحد الأدنى من المجزىء. ٤ - قال في شرح الإقناع: وابتداء السَّلام من جماعة سنة كفاية، والأفضل السَّلام من جمعهم؛ لحديث ((أفشوا السلام)) [رواه مسلم (٥٤)]. ورده فرض عين على المنفرد، وفرض كفاية على الجماعة المسلّم عليهم، فيسقط برد واحد منهم. ٥- اختلف العلماء في معنى السَّلام، فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله؛ (١) أبوداود (٥٢١٠)، البيهقي (٤٩/٩). ------ - توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٠٢ السَّلام عليك، يعني: أنت في حفظ الله . تقول له: الله يصحبك، الله معك . وقال بعضهم: إنَّه بمعنى السَّلامة، أي: السَّلامة ملازمة لك. ٣٠٣ كتاب الجامع - باب الأدب ١٢٥٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه : ((لاَ تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى بالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقيْتُمُوهُمْ في طَرِيقٍ، فَاصْطَرُوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١- جاء في سنن الدَّارقطني (٢٥٢/٣) من حديث عائذ المزني؛ أنَّ النَّبِي وَّل قال: ((الإسلام يعْلُو، وَلاَ يُعْلَى)). ٢ - فيه دليلٌ على أنَّ اليهود والنصارى إذا صاروا ذميين في حماية الإسلام مقابل الجزية، وساكنوا المسلمين في ديارهم: أنَّ لهم أحكامًا خاصَّة ذكرت في باب أحكام أهل الذمة . ٣- من تلك الأحكام: أنَّ الكتابي إذا قابل المسلم في الطريق، فإنَّ المسلم يلجئه إلى أضيق الطريق، ويكون وسط الطريق وسعته للمسلم؛ إشعارًا بعزَّة الإسلام عليهم، ولعلَّ في هذه المضايقات لهم ما يدفعهم إلى الإسلام؛ لأَنَّه ليس بينهم وبين هذه العزّة إلاَّ الدخول في الإسلام، ليكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. ٤ - هذه الأحكام الآن معطّلة بسبب ضعف الإسلام، وتبعية المسلمين للأمم الكافرة؛ ولكنَّنا لا نيأس أن يعود للإِسلام عزَّته، وغلبته، وسيادته؛ فقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اَللَّهِ يِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوَّ [التوبة]. ٣٢ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ ٥ - وفي الحديث النَّهي عن بداءة اليهود والنَّصارى بالسَّلام، فإنْ بدؤوا (١) مسلم (٢١٦٧). ٣٠٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام بالسلام، فقد جاء في البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنس؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((إِذَا سلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم)). وإثبات الواو في الرد عليهم: هو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعضهم: إلى حذفها، والنص أولى بالاتباع، والله أعلم. ----- -- ٣٠٥ كتاب الجامع - باب الأدب ١٢٥٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِّوَلِ قَالَ: ((إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ للهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُل لَهُ: يَهْدِيكُمُ اللهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١) . * مفردات الحديث: - يصلح: يُقال: صلح الشيء يصلُح ويصلَح، من بابي نصر وفتح، ومصدره صلاحٌ وصلوحٌ، والصَّلاح ضد الفساد. - بالكم: البال: القلب، والحال، والشَّأن؛ يُقال: رجل رضي البال، أي: واسع الحال، فالمعنى: يصلح قلبكم وحالكم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - العطاس: زفير مفاجىء قوي يخرج عن طريق قصبة الأنف دون إرادة الشخص، ينشأ عن تهيُّج الغشاء المخاطي للأنف، أو يخرج مرضًا؛ كما يحدث في الزكام، وانحباسه يحدث خمولاً في الجسم، أمَّا خروجه: فيحس العاطس بعده بخفة في بدنه . ٢- لذا استحب للعاطس أن يحمد الله تعالى: أنْ سهّل خروج الأبخرة من جسمه، فيقول سامعه: يرحمك الله، وهو دعاء مناسب لمن عوفي في بدنه، ثمّ یجیب العاطس، فيقول: یھدیکم الله، ويصلح بالكم. وجواب العاطس كإجابة المسلّم عليه للمسلِّم، ويكون بدعاء مشابه لدعائه. ٣- قال في الآداب الشرعية: قال ابن هبيرة: إذا عطس الإنسان، استدل بذلك (١) البخاري (٦٢٢٤). ٣٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام على صحة بدنه، وجودة هضمه، واستقامة قوته؛ فينبغي أن يحمد الله . وفي صحيح البخاري (٦٢٢٣): ((إنَّ الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب))؛ لأَنَّ العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاؤب يدل غالبًا علی ثقل البدن، وامتلائه، واسترخائه. وقال في شرح الأدب المفرد: قوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: ((إنَّ الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب))، المحبة والكراهية منصرفان إلى أسبابهما؛ وذلك أنَّ العطاس يكون من خفة البدن وانفتاح المسام، بخلاف التثاؤب؛ فإنَّه يكون من الثقل والامتلاء، فالأوَّل يجلب النشاط للعبادة، والثّاني يجلب الكسل والفتور، فندبت الشريعة حمد الله بعد العطاس؛ لسلامة الأعضاء، ولخفة البدن بدفع الأذى والثقل من الدماغ، وزوال مواد النزلة، وهذه كلها من منن الله تعالى، فيستحب حمد الله عليها، وظاهر الأمر الوجوب، ولكن لم يقل به أحد. قوله ◌َّهِ: ((فحقٌّ على كلِّ مسلم سَمِعَهُ أنْ يشمته)). قال ابن القيم: قال جماعةٌ منّ علمائنا: إنَّ التشميت فرض عين؛ لأَنَّهُ جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحقِّ الدَّال عليه . وذهب آخرون: إلی أنّه فرض كفاية، ورجَّحه ابن رشد، وابن العربي، وقال به أبو حنيفة، وجمهور الحنابلة، قال الحافظ: وهو الرَّاجح من حيث الدلیل. ٤- وقد جاء في السنن عند أبي داود (٥٠٢٩) والترمذي (٢٧٤٥) بسند حسن، من حديث أبي هريرة قال: ((كان رسول الله وَّ إذا عطس، وضع يده أو ثوبه علی فمه)). ٥- قال في الآداب الشرعية أيضًا: تشميت العاطس وجوابه فرض كفاية، وهو ظاهر مذهب مالك وغيره، وقيل: سنة، وهو مذهب الشَّافعي وغيره. ----- ٣٠٧) كتاب الجامع - باب الأدب ١٢٥٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((لاَ يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث فيه الثَّهي عن الشرب، والأصل في النَّهي التحريم؛ ولذا ذهب الظاهرية إلى تحريم الشرب قائمًا . ٢ - أمَّا الجمهور: فحملوه على أنَّه خلاف الأولى؛ لمعارضته ما في صحيح مسلم (٢٠٢٧) من حديث ابن عباس قال: ((سقيت رسول الله وَّر من زمزم، فشرب وهو قائم)). وجاء في صحيح البخاري (٥٦١٥) ((أَنَّ عليًّا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - شرب قائمًا، وقال: رأيت رسول الله وي فعل كما رأيتموني فعلت))؛ ممَّا يدل على أنَّ النَّهي ليس للتحريم . ٣- قال في الآداب الشرعية: ويتوجَّه أنَّه - عليه الصلاة والسلام - شرب قائمًا ليبين الجواز، وأنَّه لا يحرم؛ فالنَّهي للكراهية، أو لترك الأولى. قال السفَّاريني في شرح منظومة الآداب: الأخبار في الشرب قائمًا صحيحة؛ فالنَّهي محمولٌ على خلاف الأولى، وشربه وَّ قائمًا لبيان الجواز . قال الحافظ ابن حجر: لِسُنَّةِ صُفَّةٍ أَهْلِ الحِجَازِ إِذَا رُحْتَ تَشْرَبُ فَاقْعُدْ تَفُزْ وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازْ وَقَدْ صَخَّحُوا شُرْبَهُ قَائمًا (١) مسلم (٢٠٢٦). ٣٠٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقال ابن القيم في الهدي: من هديه وَّر الشرب قاعدًا حيث كان هديه المعتاد، وصحَّ عنه ◌َّ أنَّه نهى عن الشرب قائمًا، وصحَّ عنه أنَّه شرب قائمًا : فقالت طائفة: لا تعارض بينها أصلاً؛ فإنَّما الشرب قائمًا للحاجة . وما قاله ابن القيم من الجمع بين النصوص بهذه الطريقة هو الأولى؛ ذلك أنَّ النَّهيَ للكراهة فقط، والكراهة تبيحها الحاجة، والمكان الَّذي عند زمزم الَّذي شرب عنده قائمًا، ليس محل جلوس، والله أعلم. --- ٣٠٩ كتاب الجامع - باب الأدب ١٢٦٠ - وَعَنْ عَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّه : (إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ))(١) . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حديث عائشة الَّذي في البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨): ((أَنَّ النَّبِيَّ وَلِيل يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنهِ كلِّه))، فكان ◌َّل يبدأ باليمين، ويقدمها للأشياء الطيبة، ويؤخرها لما سوى ذلك؛ فكان إذا انتعل قدم اليمنى، وإذا لبس القميص قدم اليمنى، وإذا دخل المسجد قدم اليمنى. ويقدِّم الشِّمال لما سوى ذلك، فيقدمها عند دخول الخلاء، وعند الخروج من المسجد، ويقدمها عند خلع النعلين، والقميص، ونحو ذلك. ٢ - وكان يخص اليمين في الأكل، والشرب، والمصافحة، وتناول الأشياء الطيبة، ويخص الشمال للأوساخ، والأشياء المستكرهة، هذه هي سنته وَلآ التي يستطيبها، ويعجبه فعلها . ٣- وكان في الطهارة يقدِّم غسل اليد اليمنى، والرجل اليمنى، وفي حلق النسك يقدم الجانب الأيمن من رأسه على الأيسر؛ وهكذا شأنه صلوات الله وسلامه عليه . ٤- أنَّ تقديم اليمنى في الأشياء المستطابة، وتخصيصها لها، وتخصيص الشمال للأشياء المستقذرة: هو الأفضل شرعًا وعقلاً وطبًّا؛ ولذا صارت القاعدة الشرعية المستمدَّة من سنته هي تقديم اليمين نفسها في كلِّ ما كان (١) البخاري (٥٨٥٦)، مسلم (٢٠٩٧). ٣١٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام -- فعله من باب التكريم، وما كان ضدها استحب له الشِّمال. ٥- قال ابن العربي: البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصَّالحة؛ لفضل اليمين حسًّا في القوّة، وشرعًا في الندب إلى تقديمها. وقال الحليمي: إنَّما يبدأ بالشمال عند الخلع؛ لأَنَّ اللباس كرامة، ولأَنَّه وقاية، فلمَّا كانت اليمين أكرم من اليسرى، بُدِىءَ بها في اللبس، وأخرت في الخلع؛ لتكون الكرامة لها أدوم، وحصَّتها منها أكثر. --- ٣١١) كتاب الجامع - باب الأدب ١٢٦١ - وَعَنْ عَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّى: ((لاَ يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا)) مُنَّفَقٌ عَلَيْهِمَا(١). * مفردات الحديث: - لينعلهما: ضبطه النووي بضم حرف المضارعة، من باب الإنعال، وضمير التثنية للرَّجلين، وإنْ لم يَجْرِ لهما ذكر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الإسلام كامل، ويدعو إلى الكمال، وجميل يحب الجمال؛ فإن مشي الإنسان في نعل واحدة، أو خفِّ واحدة، ففيه مُثْلَةٌ وتشهير، ومخالفة للمعتاد؛ لذا نهى عن المشي في نعل واحدة، فإما أن ينعل الرجلين جميعًا، وإما أن يتركهما، ويكون حافيًا، وكان ◌َّ تارة ينتعل، وتارة يمشي حافيًا. ٢ - الأصل في النَّهي هو التحريم، إلاَّ أنَّ جمهور العُلماء حملوا هذا النَّهي على الكراهية؛ لما روى الترمذي (١٧٧٧) عن عائشة قالت: ((رُبما انقطع شسع نعل النبي ◌َّ، فمشى في النعل الواحدة حتَّى يصلحها)). قال في الفروع: يكره المشي في نعلٍ واحدة بلا حاجة، ونصَّ عليه الإمام أحمد، ولو يسيرًا . ٣- قال الخطابي: الحكمة في النَّهي: أنَّ النَّعْل شُرِعت لوقاية الرجل عمَّا يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أنْ يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجيّة (١) البخاري (٥٨٥٥)، مسلم (٢٠٩٧). ٣١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار. وقيل: لأَنَّه لم يعدل بين جوارحه، وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الزّأي، أو ضعفه. وقال ابن العربي: قيل: العلّة فيه أنَّها مشية الشيطان. : ---- ---- ..- --** ----------- ----- ---- ---- ----- ----- ٣١٣) كتاب الجامع - باب الأدب ١٢٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لاَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ)) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - خُيَلاء: بضم الخاء، آخره ألف ممدودة، الخيلاء: التكبُّر والعُجْبُ بالنفس، و ((خيلاء)): حال من فاعل ((جر)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه وعيد شديد لمن جر ثوبه خيلاء، بأنَّ الله تعالى يُعْرِض عنه، ولا ينظر إليه نظرة رحمة، وعطف، ولطف. وهذا الوعيد يدل على تحريم الإسبال، وأنَّه من كبائر الذنوب. ٢- أجمع العلماء على تحريم إسبال الثياب تِيهًا وخيلاء، واختلفوا فيما إذا فعل ذلك من غیر خيلاء: فذهب طائفة منهم: إلى أنَّ الإسبال ونزول الثوب عن الكعبين حرام، سواء فعل ذلك من أجل الكبر والخيلاء، أو فعله وليس في قلبه من ذلك شيء، وقالوا: إنَّ النصوص كلها تدل على تحريم ذلك، لكن من جرَّه جرًّا وأرخاه حتَّى لمس الأرض، فهذا هو صاحب الوعيد، الّذي لا ينظر الله إليه، ولا یکلمه، ولا یزکیه، وله عذاب أليم. وأمَّا الَّذي نزل إزاره، أو قميصه عن الكعبين فقط، فما نزل عن ذلك، فهذا الجزء الَّذي نزل إليه القميص في النَّار، وهو وعيد أخف من الأوَّل؛ لأَنَّ هذا العمل أخف من العمل الأوَّل. (١) البخاري (٥٧٨٣)، مسلم (٢٠٨٥). ٣١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقالوا: لا يصلح حمل مطلق النصوص على مقيدها؛ لأَنَّ من شرط حمل المطلق على المقيد هو اتحاد السبب واتحاد الحكم، وهنا لم يتحدا، فالسبب مختلف في الثوب؛ فإنَّ إسباله وجره غير نزوله عن الكعبين، والحكم مختلف؛ فكون الله تعالى لم ينظر إلى المسبل، ولا يكلِّمه، وله عذابٌ أليم، مغايرٌ ومخالفٌ لمن لا يمس العذاب منه إلاّ أسفل كعبيه . أمّا الطائفة الأُخرى: فذهبوا في هذه النصوص إلى حمل مطلقها على مقيدها، وأنَّ الوعيد على ذلك كله واحد، وهو الإسبال مع الخيلاء والکبر، وأنَّ الإسبال ابتداؤه ما نزل من الكعبين، وقد يطول ويقصر، وهو كله محرَّم بالنصوص، بلا تفریق بین هذا وهذا. وإنَّ القاعدة الأصولية هي حمل المطلق على المقيد، وهي قاعدة مطردة في عموم نصوص الشريعة . والشارع الحكيم لم يقيد تحريم الإسبال ((بالخيلاء)) إلاّ لحكمة أرادها، ولولا هذا، لم يقيده. والأصل في اللباس الإباحة؛ فلا يحرم منها إلاَّ ما حرّمه الله ورسوله، والشَّارع قصد من تحريم هذا اللبسة الخاصَّة قصد الخيلاء من الإسبال، وإلاّ لبقيت اللبسة المذكورة على أصل الإباحة . وإذا نظرنا إلى عموم اللباس وهيئاته وأشكاله، لم نجد منه شيئًا محرَّمًا إلاَّ وتحريمه له سبب، وإلاَّ فما معنى التحريم وما الغرض منه؟! لذا فإنَّ مفهوم الأحاديث أنَّ من أسبل، ولم يقصد بذلك الكبر والخيلاء، فإنه غير داخل في الوعيد. ويؤكّد هذا ما جاء في صحيح البخاري (٣٦٦٥) أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((مَن جرَّ ثوبه لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبوبكر الصديق - رضي الله عنه -: يارسول الله! إنَّ إزاري يسترخي، إلاّ أنْ أتعاهده؟ فقال رسول الله وَلَهُ: إِنَّك ---... ------ - ٣١٥ كتاب الجامع - باب الأدب لست ممَّن یفعله خیلاء)). فهذا نصٌّ صحيحٌ صريحٌ في المسألة في أنَّ القصد من التحريم هو الخيلاء، لا كثرة نزول الإزار، أو قلته، وإلاَّ لقيد به . قال الإمام النووي في شرح مسلم: وأمَّا قوله بَّر: ((المسبل إزاره)) فمعناه: المرخي له، الجار طرفه خيلاء؛ كما جاء مفسّرًا بالحديث الآخر . وهذا التقييد بالجر خيلاء يخصِّص عموم من أسبل إزاره، ويدل على أنَّ المراد بالوعيد مَنْ جرَّه خيلاء، وقد رخّص النَّبِي ◌َّةِ لأبي بكرِ الصديق - رضي الله عنه - وقال: ((لست منهم))؛ إذ كان جرَّه لغير الخيلاء. وقال الإمام ابن جرير: وذَكَرَ الإسبال للإزار وحده؛ لأَنَّه كان عامّة لباسهم، وحکم غيره من القميص حكمه. قال النووي: وقد جاء ذلك مبينًا منصوصًا عليه من كلام رسول الله وَل قال: ((الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، فمن جرَّ شيئًا خيلاء، لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة)) [رواه أبوداود (٤٠٩٤) والنسائي (٥٣٣٤) وابن ماجة (٣٥٧٦) بإسنادٍ حسن]، والله أعلم. والرَّاجح فقهًا: هو ما ذهب إليه حاملو مطلق نصوص المسألة على مقيدها، والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل. ٣١٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ و ◌َله قَالَ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدَّم لنا في حديث عائشة الصحيح: ((أنَّ النَّبِيَّ وَلَ كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنِهِ كله)) [رواه البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨)]. ومن هذه الشؤون التي يعجبه التيمن فيها: الأكل والشرب، فكان عادته الكريمة أنْ لا يأكُّل ولا يشرب إلاَّ بيمينه، وقال لعمر بن أبي سلمة: (يَاغَلَام! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بيمينك، وكل ممَّا يليك)) [رواه البخاري (٥٣٧٦) ومسلم (٢٠٢٢)]. وقال لرجلٍ أكل عنده بشماله: ((كل بيمينك، فَقَالَ: لا أستطيع - لم يمنعه إلاّ الكبر - فقال: لا استطعت، فما رفعها إلى فمه)) . ٢ - وحديث الباب فيه الأمر بالأكل باليمين، والشرب باليمين؛ فيدل على أنَّ هذا للوجوب؛ لأَنَّ مقتضى الأمر الوجوب، ويدل على أنَّ ضده - وهو الأكل والشرب بالشمال - حرام. ٣ - وبيَّن ◌َِّ أَنَّ الأكل والشرب بالشمال هو عمل الشيطان، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم، والتشبه بالشیاطین محرَّم لا يجوز. ٤- قال في شرح منظومة الآداب: اليد اليمنى يستحب مباشرتها للخيرات، (١) مسلم (٢٠٢٠). -------- ----- --------- ٣١٧ كتاب الجامع - باب الأدب وتقديمها في القربات، فهي لما شَرُفَ، واليسرى لما خبث. فيندب تقديم اليمنى في الوضوء، والغسل، والتيمم، ولبس الثوب، والنعل، والسروال، والخف، ودخول المسجد، والمنزل، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشَّارب، وحلق الرَّأس، ونتف الإبط ، والسَّلام في الصَّلاة، والأكل، والشرب، والمصافحة، والمناولة، واستلام الحجر الأسود، والركن اليماني، وما في ذلك كله. وأمَّا ما خبث من نحو تقديم رجله اليسرى، لدخول الخلاء، والحمام، والامتخاط، والاستنجاء، وما شابه ذلك، فيندب أنْ تكون باليسرى. والأصل في ذلك: قول عائشة - رضي الله عنها -: ((كَانت يد رسول الله وَالر اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلافه وما كان من الأذى)) [رواه أبو داود (٣٣) وغيره بإسنادٍ صحیح]. ٣١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٦٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُم - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: «كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبَسَنْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، وَلاَ مَخْيَلَةٍ)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ(١) . * درجة الحديث: الحدیث صحیح . عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح أوَّل كتاب اللباس لأبي داود الطيالسي، والحارث ابن أبي أسامة في مسنديهما، ولابن أبي الدنيا في الشكر، وهو حسنٌ أو صحيح على قاعدة ابن حجر؛ حيث أورده في زيادات الباب، وقد صحّحه الحاكم، وقال المنذري: رواته ثقات محتجٌّ بهم في الصحيح. * مفردات الحديث: - سَرَف: بفتح السين والرَّاء: قال النحاس: أحسن تفسير للسرف أنَّه الإنفاق في غير طاعة الله تعالى . وقال العيني: السرف: صرف الشيءٍ فيما ينبغي زائدًا، والتبذير: صرف الشيء فيما لا ينبغي. - المَخْيَلة: الخيلاء والتكبر والعجب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الله تبارك وتعالى أباح لعباده الطيبات من الرِّزق: من مأكلٍ، ومشربٍ، (١) الطيالسي (٢٢٦١)، أحمد (٦٦٩٥)، البخاري (٢٥٢/١٠/ فتح). e mmmm . ٣١٩ كتاب الجامع - باب الأدب وملبسٍ، ومسكنٍ، ومركب، وغير ذلك من طيبات الحياة الدنيا، ولم يحرم من ذلك إلاَّ ما فيه مضرَّةٌ على الدِّين، أو على البدن، أو العقل، أو العِرض، أو المال؛ وهي الضروريات الخمس . ٢ - وفي هذا الحديث الإباحة في أكل، وشرب، ولبس ما طابَ من متع الحياة الدنيا المباحة؛ فلا يحرم نوعٌ من الأنواع، ولا جنسٌ من الأجناس، ولا قدر معيَّنٌ منها، فالله تعالى قال: ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ٣- إنَّما المحرَّم من ذلك ما بلغ حدَّ الإسراف والخيلاء والاستعلاء بذلك على النَّاس، فهذا محرَّم؛ لأَنَّهِ خروج عن حدِّ الإباحة إلى السرف؛ قال تعالى: ﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ فالآية الكريمة أباحت الأكل، ولم تحده إلاّ بالسرف، والسرف: مجاوزة الحد المباح. ٤ - قال الشيخ عبداللطيف البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النَّفس والجسد في الدنيا والآخرة؛ فإنَّ السرف مضرٌّ بالجسد، ومضر بالمعيشة، ويؤدِّي إلى الإتلاف، فيضر بالنَّفس؛ إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال. والمَخْيَلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من النَّاس. ٣٢٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب البر والصلة ١٢٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١). * مفردات الحديث: - مَنْ أحبَّ: ((من)): اسم شرط جازم، ((أحب)): فعل الشرط، وجوابه: «فليصل رحمه)). - أَنْ يُبْسَط له في رزقه: بالبناء للمجهول، أي: يوسع، قال النووي: بسطه وتوسيعه : كثرته، ورزقه، أي: مرزوقه، مصدر بمعنى المفعول. - أنْ يُنسَأ: مبني للمجهول، فهو مضموم الياء، ثمَّ نون ساكنة، بعدها سين مهملة، ثمَّ همزة، من الإنساء وهو التَّأخير، و((أنْ)) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به . - أثره: بفتحتين، مصدر أثر، من باب قتل، أي: أجله وبقية عمره، وسمي الأجل أثرًا؛ لأَنَّه يتبع العمر . - فليَصِلْ رَحِمَةُ: أمر بصلة الرحم، والصَّلة مصدر وصل، ضد قطع، وصلة الرحم: كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتفضل علیھم، والرفق بهم. (١) البخاري (٥٩٨٥). ----------- ------ -- -