Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب القضاء - باب الشهادات
وذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشَّافعي وأحمد - في المشهور عنه -: إلى
قبولها؛ لأَنَّه الأصل، ولما أخرجه أبوداود (٢٣٤٠) والترمذي (٦٩١) من
حديث ابن عباس: ((أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النَّبِي ◌ِّ فقال: إنِّ رأيت الهلال،
فقال: أتشهد أنْ لا إله إلاّ الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أنَّ محمدًا رسول الله؟
قال: نعم، قال: فأذِّن في النَّاس يابلال أنْ يصوموا غدًا)).
أمَّا حديث الباب: فحملوه على مَنْ لا تعرف عدالته من أهل البادية.
قال في شرح المنتهى: وتقبل شهادة بدوي على قروي؛ وحديث: ((لا
تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) محمولٌ على من لا تعرف عدالته من أهل
البدو .
والرَّاجح: قبولُ شهادة من عرف بالعدالة منهم على أنفسهم وعلى
الحاضرة، فهذا هو الأصل ما دام أنَّه لم يوجد مانع من موانع الشَّهادة، والله
أعلم.

٢٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢١٩ - وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّه خَطَبَ
فَقَالَ: ((إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وإِنَّ
الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ)) رَوَاهُ
البُخَارِيُّ(١).
مفردات الحديث:
- يؤخذون: يُقال: أُخِذَ به يؤخذ مؤاخذة، والمؤاخذة: المعاقبة على الذنب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الأثر من عمر بن الخطاب - رضِيَ اللهُ عَنْهُ - قاله للنَّاس، وهو أمير
المؤمنين؛ فأقروه عليه، فصار مثل الإجماع، وهو موافق لقواعد الشريعة.
٢ - يدل على هذا الأصل ما رواه الحافظ ابن كثير في الإرشاد، من أنَّه شهد عند
عمر رجلٌ، فقال له عمر- رضي الله عنه -: ((لست أعرفك، فأتِ بمن
يعرفك» رواه البغدادي بإسنادٍ حسن.
٣- قال الشيخ تقي الدِّين: خبر الفاسق ليس بمردود، بل هو موجب للتبين
والتثبت؛ كما قال تعالى: ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾ [الحجرات: ٦].
قال ابن القيم: الفاسق باعتقاده إذا كان محافظًا في دينه، فإنَّ شهادته
مقبولة، وإنْ حكمنا بفسقه؛ كأهل البدع من الخوارج، والمعتزلة،
ونحوهم؛ هذا منصوص الأئمة .
٤- كان النَّبِي وَلّ في حياته يعرف المنافقين، فكان يخبر بهم بعض الصحابة،
ومنهم حذيفة .
(١) البخاري (٢٦٤١).

٢٠٣
كتاب القضاء - باب الشهادات
٥- استدل بالحديث على قبول شهادة من لم تظهر منه ريبة، نظرًا إلى ظاهر
حاله، وأنَّه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدل الاستقامة، من غير
كشفٍ عن حقيقة سريرته؛ لأَنَّ ذلك متعذّرٌ إلاّ بالوحي، فقد انقطع.
٦ - قال في الروض وحاشيته: ويكفي في التزكية عدلان يشهدان لعدالة الشَّاهد،
هذا هو المشهور من المذهب، وعنه، تكفي تزكية الواحد للواحد، وعليه
العمل.

٢٠٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢٢٠ - وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ وَهُ: ((أَنَّهُ
عَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الزُّور: تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتَّى يخيل إلى من سمعه،
أو رآه أنَّه بخلاف ما هو به؛ فهو تمويه الباطل بما يوهم أنَّه حقٌّ.
وقد جعل رسول الله مَّ﴾ قول الزور عديلاً للشرك ومساويًا له؛ فإنَّ
لشهادة الزور مفاسد كبيرة كثيرة :
- فهي سببٌ في أكل المال بالباطل.
- وهي سببٌ لإضلال الحكّام؛ ليحكموا بغير ما أنزل الله.
- وهي سببٌ لإضاعة الحقوق، وحرمان المُحِقِّ من حقِّه.
٢ - وإنَّما اهتمَّ رَّ بإخبارهم عن شهادة الزور، وجلس وأتى بحرف التنبيه،
وكرَّر الإخبار؛ لكون قول الزور وشهادته أسهل على الَّلسان، والتهاون بها
أكثر، والمفاسد بها أكبر؛ لأَنَّ الحامل عليها أمور كثيرة: من العدواة،
والحسد، وغيرهما؛ فاحتيج إلى الاهتمام بشأنها .
٣- فقد جاء في البخاري (٦٩١٩)، ومسلم (٨٧) أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((ألاَ أُنَّبِّتُكم
بأكبر الكبائر ثلاثًا؟ قالوا: بلى يارسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق
الوالدین، وجلس ۔ و کان متکثًا ۔ ثمّ قال: ألا وقول الزور، فما زال يكرِّرها
حتَّی قلنا: لیته سكت)).
٤- وبهذا فشهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب.
(١) البخاري (٢٦٥٤)، مسلم (٨٧).
-- -----

٢٠٥
كتاب القضاء - باب الشهادات
١٢٢١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبيَّ ◌َهِ قَالَ
لِرَجُلِ: ((تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ))
أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ(١).
** درجة الحديث:
إسناده ضعيف .
قال الألباني: أخرجه العقيلي، وابن عدي، والحاكم، والبيهقي، من
طريق محمد بن مسمول.
قال العقيلي وابن عدي: لا يعرف إلاَّ بابن مسمول، وكان الحميدي
يتكلّم فيه، أمَّا الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: قلت: واهٍ؛
فعمرو بن مالك البصري كان يسرق الحديث، وابن مسمول ضعَّفه غير واحدٍ.
وقال الحافظ: صحَّحه الحاكم فأخطأ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الشَّهادة مشتقّة من المشاهدة؛ فالشَّاهد يخبر عمَّا شاهده، وهي حجَّةٌ شرعية
تظهر الحق .
وبناءً عليه: فلابدَّ في أدائها من العلم اليقيني برؤية ما شهد عليه، أو
سماعه، : فالرؤية: تختص بالأفعال؛ كالقتل، والغصب، والسرقة.
والسَّماع ضربان: سماع من المشهود عليه؛ كالطَّلاق، والإبراء،
والعقود، ونحوها، وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذَّر علمه غالبًا؛
كالنَّسَب، والموت، والنكاح عقدًا ودوامًا، والطلاق، وشرط الوقف.
(١) ابن عدي (٢٢١٣/٦)، الحاكم (٩٨/٤).

٢٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال في شرح الإقناع: ويجوز أنْ يشهد بالاستفاضة إذا علم ما شهد به عن
عددٍ يقع العلم بخبرهم، واختار المجد والشيخ: ولو واحدًا يُسْكَنُ إليه.
٢- وإلى العمل بشهادة الاستفاضة ذهب الشَّافعي وأحمد.
قال في فتح الباري: اختلف العلماء في ضابط ما تفيد الشهادة
بالاستفاضة :
فيصح عند الشَّافعية: في النسب، والولادة، والموت، والولاء،
والوقف، والنكاح، والتعديل، والتجريح، والوصية، والرشد، والسفه،
وبلَّغها بعض الشَّافعية بضعة وعشرين موضعًا .
وأمَّا عند الحنابلة: فشهادة الاستفاضة في تسع مواضع هي :
النسب، والموت، والملك المطلق، والنكاح عقدًا ودوامًا، والوقف،
والعتق، والخلع، والطلاق، والولاية، فيشهد بالاستفاضة في ذلك كله؛
لأَنَّ هذه الأشياء تتعذَّر الشَّهادة عليها في الغالب بمشاهدتها، ومشاهدة
أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة .
وعند الحنفية : في خمسة مواضع هي :
النكاح، والنسب، والموت، والولاء، وولاية القضاء.
قال القُدُورِيُّ مع حاشيته: فإنَّه يسعه أنْ يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره مَنْ
يثق به؛ لأَنَّ هذه الأمور تختص بمعاينة أسبابها الخواصُّ من النَّاس، ويتعلَّق
بها أحكام تبقى القرون والأعوام، فلو لم يقبل فيها بالتسامع، لأدَّى إلى
تعطيل الأحكام؛ وإنَّما يجوز للشَّاهد أنْ يشهد بالاشتهار إذا أخبره رجلان
عدلان، أو رجل وامرأتان؛ ليحصل له نوعٌ من العلم.
٤- استدل العلماء على وجوب التحقق من الشهادة بقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا
﴾ [الإسراء].
٣٦
لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
ففي الآية الكريمة النَّهي أنْ يقول الإنسان ما لا يعلم؛ فإنَّ هذه الآلاء التي

٢٠٧
كتاب القضاء - باب الشهادات
أنعم الله عليه بها هي ابتلاء واختبار، فإن استعملها في الخير، استحق
الثواب، وإن استعملها في الشرِّ، استحق العذاب.
ومن ذلك: الشَّهادة إنْ كانت عن يقين، أو كانت عن ظنٍّ وكذب، والله
أعلم.

٢٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ
ونَ﴿ فَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُودَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ،
وقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ(١) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ،
والتِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) .
* درجة الحديث:
رواية أبي هريرة صحَّحها كُلٌّ من: ابن حبان، وأبي حاتمٍ، وأبي زرعة،
وحسَّنها الترمذي، ولهذه الرواية طريقان آخران، قال الإمام أحمد: ليس في
هذا الباب حديثٌ أصح منه. ورجاله رجال الصحيحين، وقال السيوطي
والكتاني: إنَّه من المتواتر .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد:
إلى الحكم بالشَّاهد الواحد، ويمين المدَّعِي؛ فقد روى مسلم (١٧١٢) من
حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس: ((أنَّ رسول الله وَّلِ قضى بشاهد
ویمین)).
قال الشَّافعي : حديث ابن عباس ثابت، ومعه ما یشده.
قال ابن القيم في الطرق الحكمية: وقد روي القضاء بالشَّاهد مع اليمين:
(١) مسلم (١٧١٢)، أبو داود (٣٦٠٨)، النسائي في الكبرى (٤٩٠/٣).
(٢) أبو داود (٣٦١٠)، الترمذي (١٣٤٣)، ابن ماجة (٢٣٦٨).

٢٠٩
كتاب القضاء - باب الشهادات
عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن
عباس، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبدالله، وزيد بن
ثعلبة، وجماعةٍ من الصحابة .
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عامله بالكوفة: ((اقض بالشَّاهد مع اليمين؛
فإنَّه سنَّةً)) [رواه الشَّافعي في الأم (٢٥٥/٦)].
٢ - وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه: إلى أنَّها لا تقبل شهادة واحدٍ ويمين في
شيءٍ .
قال الجصاص: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشِْدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ
يَكُوْنَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يوجب
بطلان القول بالشَّاهد واليمين، ولا يجوز الاقتصار على ما دون العدد
المذكور؛ ففي تجويز أقل منه مخالفةٌ للكتاب، ولا يجوز إسقاط العدد؛ إذ
كانت الآية مقتضية لاستيفاء أمرين: العدد، والعدالة، فغير جائز إسقاط
واحدٍ منهما، وفي مضمون ذلك ما ينفي قبولَ يمين الطالب والحكمَ له
بشاهد؛ لما فيه من الحكم بغير ما أمر الله به من الاحتياط والاستظهار،
ونفي الريبة والشك، وفي قبول يمينه أعظمُ الريب والشك، وأكبر التهمة؛
وذلك خلاف مقتضى الآية .
وأما ابن القيم في الطرق الحكمية فقال: ((روى الترمذي (١٣٤٣)، وابن
ماجه (٢٣٦٨)، وأبوداود (٣٦١٠) من حديث أبي هريرة: ((أن النبي وَل
قضى باليمين والشاهد))، وفي مراسيل مالك: ((أن النبي ◌ُّ قضى باليمين مع
الشاهد الواحد))، وذكر أبوالزناد بن عامر قال: ((حضرت أبابكر، وعمر،
وعثمان، يقضون بشهادة الواحد، واليمين)) [رواه الدار قطني (٢١٥/٤)]
وقضى به علي - رضي الله عنه - بالعراق)).
٣- وقال ابن القيم أيضًا: قال الشَّافعي: اليمين والشَّاهد لا تتخالف مع ظاهر

٢١٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
القرآن شيئًا؛ لأنَّا نحكم بشاهدین، وشاهد وامرأتین، فإذا كان شاهد واحد
حكمنا بشاهدٍ ويمين، وليس ذا يخالف القرآن؛ لأَنَّه لم يحرِّم أنْ يكون أقل
ممَّا نصَّ عليه في كتابه، ورسولُ الله أعلم بمراد الله، وقد أمرنا الله أن نأخذ
ما أتانا به .
وقال ابن القيم: وليس في القرآن أنَّه لا يُحْكَمُ إلاَّ بشاهدين، أو شاهد
وامرأتين؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أنْ
يحافظوا على حقوقهم بهذا النصاب، ولم يأمر بذلك الحُكَّامَ أنْ يحكموا
به، فضلاً عن أنْ يكون قد أمرهم أنْ لا يقضوا إلاَّ بذلك؛ ولهذا يحكم
الحاكمُ بالنكولِ، واليمينِ المردودةِ، والمرأةِ الواحدة، والنساء المنفردات
لا رجل معهنَّ، وغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن، فإنْ
كان الحكم بالشَّاهد مخالفًا لكتاب الله، فهذه أشد مخالفةً لكتاب الله منه،
وإنْ لم تكن هذه الأشياء مخالفة للقرآن، فالحكم بالشَّاهد واليمين أولى ألاَّ
يكون مخالفًا .
فطرق الحكم شيء، وطرق حفظ الحقوق شيءٌ آخر، وليس بينهما
تلازُمٌ، فتحفَظُ الحقوقُ بما لا يَحْكُمُ به الحاكم ممَّا يعلم صاحب الحق أنَّه
يحفظ به حقَّه، ولا خطر على باله النكولُ، وردُّ يمين، وغير ذلك، ومن
العجائب رد الشَّاهد واليمين، والحكمُ بمجرَّد النكول، الّذي هو سكوت،
ولا ينسب إلى ساکت قول.
٤- وإذا قضى بالشَّاهد واليمين، فالحكم بالشَّاهد وحده، واليمينُ تقوية
وتوكيد، هذا منصوص أحمد، فلو رجع الشَّاهد، كان الضمان كله عليه.
٥- الَّذي يظهر من الأحاديث ومن التعليل والتحليل، والمقارنة بين القولين هو
رجحان القول بقبول الشَّاهد مع اليمين في الحقوق المالية، والله أعلم.

٢١١
كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات
باب الدعاوى والبينات
مقدمة
الدَّعَاوَى: واحدها دَعْوَى، وهي إضافةُ الإنسان إلى نفسه استحقاقُ شيءٍ
في يد غيره، أو ذمَّته .
والمدَّعِي: من يطلب غيره بحقٍّ يذْكُرُ استحقاقَهُ عليه، وإذا سكت عن
الطلب، تُرِكَ .
أمّا البينات: فواحدها بينة، من أبان الشيء، أي: أوضحه، وهي العلامة
الواضحة كالشَّاهد؛ هذا مذهب أحمد في البينة .
وأمَّا ابن القيم: فلا يَقْصُرُ البينةَ على الشَّاهد، وإنَّما يرى أنَّ البينة اسمٌ
لكلِّ ما يبيِّنُ الحقَّ ويُظْهرُهُ، وَمَنْ خصَّها بالشَّاهدين، أو الأربعة، أو الشَّاهد، لم
يُعْطِ مسمّاها حقَّه، ولم تأت البينة قط في القرآن مرادًا بها الشَّاهدان، وإنَّما أتت
مرادًا بها الحجَّة، والدليل، والبرهان، مفردةً ومجموعة.
والشَّاهدان من البينة، ولا ينفيان غيرهما من أنواع البينة، ممَّا قد يكون
أقوى منهما؛ لدلالة الحال على صدق المدَّعي؛ فإنَّها أقوى من دلالة أخبار
الشَّاهد، والبينة، والدَّلالة، والحجَّة، والبرهان، والعلامة، والأمارة، متقاربة
في المعنى.
والشَّارِعُ لم يُلْغِ القرائنَ، والأماراتِ، ودلالاتِ الأحوال، بل من استقرأ
الشرع في مصادره، وموارده ، وجده شاهدًا لها بالاعتبار، مرتَّبًا عليها الأحكام.

٢١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢٢٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَ قَالَ:
(لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لاَذَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ، وأَمْوَالَهُمْ؛
وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «الْبَّةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى
مَنْ أَنْكَرَ))(١) .
* درجة الحديث:
زيادة البيهقي سندها صحيح؛ كما قال المصنّف - رحمه الله - وحسَّنَهَا
النووي في الأربعين، وكذلك حسَّنها ابن الصَّلاح، وقال ابن رجب: قد استدلَّ
بهذا الحديث الإمام أحمد وأبوعبيد، وهما لم يستدلا به، إلاَّ أنَّه عندهما
صحيح محتجٌّ به، ثمَّ قال ابن رجب: وفي معناه أحاديث كثيرة، ثمَّ سردها في
شرح الأربعين .
* مفردات الحديث:
- البيّة: بانَ الأَمْرُ يَبِينُ، فهو بَيِّن، من بان الشيء، أي: ظهر، فهي العلامة الواضحة.
وشرعًا: اسمٌ لما يبيِّن الحقَّ ويظهره.
- اليمين: تطلق لغةً على القوّة، ومنه الیمین لليد.
وشرعًا: توكيد المحلوف عليه بذكر معظّم على وجهٍ مخصوص، وسُمِّيت
يمينًا؛ لأَنَّ الحالف يعطي يمينه، ويضرب بها على يمين صاحبه.
(١) البخاري (٤٥٥٢)، مسلم (١٧١١)، البيهقي (١٠/ ٢٥٢).

٢١٣
كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يبين النَّبِي وََّ في هذا الحديث أنَّ من اذَّعَى على أحدٍ دعوى، فإنَّ عليه
الإثبات والبينَةَ على دعواه، فإنْ لم يكن لديه بينةٌ، فعلى المدعى عليه اليمين
- لنفي ما ادُّعِيَ - عليه به من حقِّ .
٢- ثمَّ ذكر ◌َّ الحكمة في كون البينة على المدعي، واليمين على من المنكِر،
وهي أنَّه لو أُعْطِيَ كُلُّ من ادَّعَى دعوى ما ادعاه، لادَّعَى كلُّ من لا يراقب الله
تعالى على الأبرياء دماءً وأموالاً، يبهتونهم بها؛ ولكن الحكيم العليم جعل
حدًّا وحكمًا؛ لتخف وطأة الشر، ويقل الظلم والفساد.
قال ابن دقيق العيد: الحديث يدل على أنَّه لا يجوز الحكم إلاَّ بالقانون
الشرعي الذي رُقِّب، وإنْ غلب على الظنِّ صدق المدَّعِي.
٣- أنَّ اليمين على المدَّعى عليه، وأنَّ البينة على المدعي، كما في رواية
البيهقي؛ وذلك أنَّ اليمين تكون في الجانب القوي من المترافعين، وجانب
المدعى عليه بلا بينة من المدعي هو القوي؛ لأن الأصل براءة ذمته، فاكتفي
منه بالیمین.
قال ابن القيم: الذي جاءت به الشريعة: أن اليمين تشرع من جهة أقوى
المتداعیین، فأي الخصمین ترجح جانبه، جعلت اليمين من جهته .
وهذا مذهبُ جمهورِ العلماء؛ كأهل المدينة، وفقهاء المحدِّثين؛
كأحمد، والشَّافعي، ومالك، وغيرهم.
٤- البيِّنَة عند كثيرٍ من أهل العلم هي الشهود، والأيمان، والنكول.
وهي عند المحقّقين: اسمٌ لكلِّ ما أبان الحقَّ وأظهره، من الشهود،
وقرائن الحال، وَوَصْفِ المذَّعي في نحو اللُّقَطَة.
قال ابن رجب: كل عينٍ لم يدعها صاحب اليد، فمن جاء فوصفها
بأوصافها الخفية، فهيَ له، فإنْ نازعه أحدٌ ما في يده، فهي لصاحب اليد

٢١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بيمينه، مالم يأت المدَّعي ببينةٍ أقوى من اليد.
قال ابن القيم: البيِّنة في كلام الله تعالى، وكلام رسوله الكريم وَّ،
وكلام الصحابة: اسمٌ لما يبيِّن الحق، فهي أعم من البيِّنة في اصطلاح
الفقهاء، حيث خصوها بالشَّاهد أو الشَّاهد واليمين، ولا حجر في
الاصطلاح مالم يتضمَّن حجر كلام الله، وكلام رسول الله وَّة، فيقع في ذلك
الغلط في فهم النصوص، وحملها على غير مراد المتكلُّم منها.
٥- حديث الباب قاعدةٌ عظمى من قواعد القضاء؛ فعليها يدور غالب الأحكام.
٦ - هذا حديثٌ عظيم القدر، فهو أصلٌ من أصول القضاء والأحكام؛ فإنَّ
القضاء بين النَّاس إنَّما يكون عند التنازع، هذا يدَّعي على هذا حقًّا من
الحقوق، والآخر ينكره ويتبرأ منه .
٧- من ادَّعى عينًا، أو دينًا، أو حقًّا على غيره، وأنكر المذَّعَى عليه الدعوى،
فالأصل مع المنكِر؛ لأَنَّ الأصل براءة الذِّمة.
فإنْ أتى المدَّعي ببينةٍ تثبت ذلك الحقَّ، ثبت له به، وإنْ لم يأتِ ببينةٍ
، فليس له على المدَّعَى عليه إلاَّ اليمينُ على نفي دعواه.
٨- الحديث يدل على مذهب جمهور العلماء، ومنهم الشَّافعية، والحنابلة:
على أنَّ اليمين متوجِّهةٌ على المدعى عليه، سواءٌ كان بينه وبين المدَّعي
اختلاطُ، أم لا.
أمَّا مذهب المالكية، وأهل المدينة، ومنهم الفقهاء السبعة: فإنَّ اليمين لا
تتوجَّه إلاَّ على من بينه وبين المدَّعِي خلطة؛ لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل
بتحلیفھم .
٩ - أمَّا من كان عليه دينٌ، أو حقٌّ ثابتٌ بذمته، وطولب به، فادَّعى أنَّ ذمته برئت
بوفاءٍ، أو إسقاطِ، أو صلح، أو غير ذلك، فالأصل أنَّ ما في ذمته باقٍ، فإنْ
لم يأت ببينةٍ على الوفاء والبراءة، فإنَّ له على صاحب الحقِّ اليمينَ على أنَّ

٢١٥
كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات
حقَّه لا يزال باقيًا بذمته؛ لأَنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان.
١٠ - ومثل ذلك دعوى العيوب، ودعوى الشروط، والآجال، والوثائق، الأصلُ
عدَمُهَا، وَعَدَمُ الالتزام بها، ومن ادَّعاها فعليه البينةُ، فإنْ لم يكنْ بينّة،
فعلى منكرها اليمين .
١١ - فهذا الحديثُ أصلُ المرافعات، والمنهجُ الَّذي رَسَمَتْهُ هذه القاعدةُ في
إنهاءِ الدَّعوى، هو سبيلُ فصلٍ في منع الدَّعاوى الباطلة، وإثباتِ الحقوق
الصحيحة .
١٢ - قال المحقِّقون من العلماء: إنَّ الشريعة جعلت اليمين في أقوى جانبٍ من
المدَّعي، أو المدعى عليه، والله أعلم.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ البينة على المدَّعِي، واليمين
على من أنكر.
١٣ - قال ابن رجب في شرح الأربعين: معنى قوله: ((البينة على المدَّعي)) يعني:
أَنَّه يَسْتَحق بها ما ادَّعَى؛ لأَنَّها واجبة يؤخذ بها .
ومعنى قوله: ((اليمين على المدَّعى عليه)) أي: يبرأ بها؛ لأَنَّها واجبةٌ
عليه يؤخذ بها على كلِّ حالٍ .
١٤ - وقال رحمه الله تعالى: المدعي إذا أقام شاهدًا، فإنَّه قد قَوِيَ جانبه، فإذا
حلف معهُ قُضِيَ له.
١٥ - وقال: البينة كل ما بيَّن صحَّة دعوى المدَّعي، وشهد بصدقه، فاللوث مع
أقسامه بيِّنة، والشاهد مع اليمين بينة .
١٦ - وقال: قوله: ((لو يعطى النَّاس بدعواهم ... )) يدل على أنَّ مدَّعي الدَّم
والمال لا بدَّ له من بينة تدل على ما ادَّعاه، ويدخل في عموم ذلك: أنَّ من
ادَّعى عليه رجل أنَّه قتل مورِّثه، وليس معه إلاَّ قول المقتول عند موته: جرحني
فلان، أنَّه لا يكتفي بذلك، ولا يكون بمجرَّدہ لوثًا؛ وهذا قول الجمهور.

٢١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
خلافًا للمالكية، فإنَّهم جعلوه لوثًا يقسم معه الأولياء، ويُسْتَحَقُّ الدم.
١٧ - وقال: قوله: ((واليمين على المدَّعى عليه)) يدل على أنَّ كلَّ من دُعِيَ عليه
دعوى، فأنكر، فإنَّ عليه اليمين؛ وهذا قول أكثر الفقهاء.
وقال مالك: إنَّما تجب اليمين على المنكر، إذا كان بين المتداعيَيْنِ نوع
مخالطة؛ خوفًا من أنْ يبتذل السفهاء على الرؤساء بطلب أيمانهم.
قال شيخ الإسلام: كنا عند نائب السلطنة وأنا إلى جانبه، فادَّعى بعض
الحاضرين أنَّ له قِبَلِي وديعةً، وسأل إجلاسي معه وإحلافي، فقلت
لقاضي المالكيَّة، وكان حاضرًا: أتسوغ هذه الدعوى، وتسمع؟ فقال:
لا، فقلت: فما مذهبُك في مثل ذلك؟ فقال: تعزير المدَّعي، قلت:
فاحكم بمذهبك، فأقيمَ المدَّعِي، وأُخرج.
١٨ - قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله، ((البينة على المدّعي، واليمين
على من أنكر))؛ ياله من كلام ما أبلغه، وأجمعه لجميع الوقائع والجزئيات
بين النَّاس في جميع الحقوق؛ فهو أصلٌ تنطبق عليه جميع المشكلات.
فيدخل في هذا أمور:
الأوَّل: من ادَّعى حَقًّا على غيره، وأنكر المدَّعَى عليه.
: الثاني: من ثبت عليه حقٌّ، ثمَّ اذَّعى البراءةَ منه، وأنكر صاحب الحق.
الثالث: من ثبتت يده على شيءٍ، وادَّعى آخر أنَّه له، وأنكر صاحب
الید .
الرَّابع: إذا اتفقا على عقد، وادَّعى أحدهما أنَّه مختلٌّ لفقد شرط
ونحوه، وأنكر الآخر، فالقول قول مدَّعِي السَّلامة.
الخامس: من ادَّعى شرطًا، أو عيبًا، أو أجلاً، ونحو ذلك، وأنكر
الآخر، فالقول قول المنكر.
إلى غير ذلك من الأمور التي تدخل تحت هذه القاعدة.
... - -

٢١٧
كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات
١٢٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أنَّ النَّبِيَّ
صَلى الله
وسلم
عَرَضَ عَلَى قَوْمِ اليَمِينَ، فَأَشْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيَّنْهُمْ في
اليَمِينِ، أَيُّهُمْ يَخْلِفُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- عَرَضَ: يَعْرِضُ عرضًا، من باب ضرب، ومعناه هنا: أظهر لهم اليمين؛
لِيُقْدِموا على الحلف أو يَدَعُوا.
- يسهم: أسم يسهم إسهامًا، أي: أقرَعَ بينهم، والسهم: هو الحظ والنصيب،
جمعه أسهُمٌ وسُهْمَان .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تمام الحديث ما رواه أبوداود (٣٦١٦)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧/٣) من
طريق أبي رافع، عن أبي هريرة؛ أنَّ رجلين اختصما في متاع ليس معهما
بينة، فقال النَّبي ◌َّ: ((استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها)).
قال الخطابي: معنى استهما هنا: الاقتراع، فيقترعان، فأيهما خرجت له
القرعة، حلف، وأخذ المدَّعى به.
٢- قال في شرح الإقناع في باب اللقطة: فإنْ وصف اللقطة اثنان فأكثر معًا، أو
وصفها الثاني بعد الأوَّل؛ لكن قبل دفعها إلى الأوَّل - أُقرع بينهما.
أو أقاما بينتين باللقطة أقرع بينهما؛ لأَنَّه لا مزية لأحدهما على الآخر،
فَمَنْ قَرَعَ - أي: خرجت له القرعة - حلف أنَّ اللقطة له؛ لاحتمال صدق
صاحبه، وَأَخِذَهَا؛ لأَنَّ ذلك فائدة القرعة.
(١) البخاري (٢٦٧٤).

٢١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- أمَّا إنْ وصفها إنسانٌ بعد دفعها لمن وصفها أوَّلاً، فلا شيء للواصف الثاني؛
لأَنَّ الأوَّل استحقها بوصفه إياها، مع عدم المنازع له، فوجب بقاؤها له؛
کسائر ماله؛
:
---- --

٢١٩
كتاب القضاء - باب الدعاوى والبينات
١٢٢٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الحَارِثِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ
اللهِوََّ قَالَ: (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ
النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَّإِنْ كَانَ شَيْئًا يسِيرًا يَارَسُولَ
اللهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكِ!)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- قضيباً: الغُصْنُ من الشجرة.
- أراك: بفتح الهمزة، قال في لسان العرب: شجرٌ معروف، وهو شجر
السواك، يُسْتَاكُ بفروعه.
وقال في الوسيط: الأراك واحدته أراكة، نباتٌ شُجَيْريّ من الفصيلة
الأراكية، كثير الفروع، خوَّر العود، ينبت في البلاد الحارَّة.
(١) مسلم (١٣٧).

٢٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢٢٦ - وعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ
اللهِ بَّهِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ علَىْ يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ
فِيْهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- فاجر: الفاجر: العاصي المصرُّ على المعاصي، غير مكترثٍ بأحد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذين الحديثين وعيدٌ شديدٌ لمن اقتطع مال امرىءٍ بغير حقٍّ، وإنَّمَا
اقتطعه بخصومته الفاجرة، ويمينه الكاذبة الآثمة، فهذا يلقى الله وهو عليه
غضبان، ومَن غَضِب الله علیه، فهو هالك.
٢ - تحريم أخذ أموال النَّاس وحقوقهم، بالدَّعاوى الفاجرة، والأيمان الكاذبة،
فهو من كبار الذنوب؛ لأَنَّ ما ترتَّب عليه غضب الحليم - جلَّ وعلا - فهو
كبيرة .
٣- تقييده بالمسلم من باب التعبير بالغالب، وإلاَّ فمثله مالُ وحَقُّ المعصوم
الذمي، والمعاهد .
هذا ما لم يتحلَّل ممَّن ظلمه، فإنْ فعل، فالتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها بالإجماع.
٤ - قوله: ((هو فيها فاجر)) ليخرج النَّاسي والجاهل؛ فإنَّ العقاب لا يستحقه إلاَّ
العامد .
٥- إثبات صفة الغضب لله تعالى، إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
[الشورى].
شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (
(١) البخاري (٢٦٧٦)، مسلم (١٣٨).
----------- -