Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب القضاء
١٢١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللهِ وَّهُ يَقُولُ: ((يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ
الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيِّنَ اثْنَيْنِ فِي عُمُرِهِ)) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ،
وَأَخْرَ جَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ: ((فِي تَمْرَةٍ)(١).
* درجة الحديث:
الحدیث إسناده حسن .
قال في التلخيص الحبير: رواه أحمد، والعقيلي، وابن حبان، والبيهقي.
قال العقيلي: عمران بن حطّان الراوي عن عائشة لا يتابع عليه، ولا يتبين
لي سماعه منها .
قال ابن حجر في التهذيب: ليس كذلك؛ فإنَّ الحديث الَّذي في البخاري
وقع عنده التصريح بسماعه منها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه بيان خطر القضاء، وعظم أمره؛ لأنَّ موضوعه هو الفصل في
حقوق النَّاس، من الدماء، والأعراض، والأموال؛ فصاحبه مكلّف
بالاحتياط الشديد، والتحري الأكيد؛ لإصابة الحق والصواب.
٢ - وفيه دليلٌ على شدَّة حساب القضاة يوم القيامة؛ وذلك لما يتعاطونه من
الخطر، فيجب عليهم الحيطة والتقصِّي، وبلوغ الجهد، والاستعانة بالله
تعالى، وأهل الحق والإنصاف، والابتعاد عن قرناء السوء، والكتّاب
(١) ابن حبان (١٥٦٣)، البيهقى (٩٦/١٠).

١٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والأعوان أصحاب الأنفس الدنيئة، والقلوب المريضة بإيثار الدنيا على
الآخرة.
٣- إذا كان ما جاء في الحديث في القاضي العدل، فكيف بقضاة الظلم،
والجور، والجهل، اتخذوا المناصب الدينية، والسلطة القضائية أداةً لجمع
الأموال من غير حلها؟!
٤- من هذا الحديث وأمثاله التي تذكر خطر القضاء، وعظيم أمره، هرب من
توليه، والسَّلامة منه كثير من أصحاب الورع.
فقد دُعِيَ أبو قلابة إلى القضاء؛ فهرب من العراق إلى الشَّام، ودعي إليه
سفيان الثوري؛ فهرب إلى البصرة، وتوفي وهو متوار، وضرب على قبوله
أبو حنيفة؛ فلم يقبله حتَّى مات، وقال الشعبي: القضاء محنةٌ وبلية، من
دخل فيه، عرَّض نفسه للهلاك.
وهناك أحاديث وآثار تحث على قبول القضاء، واتباع سلوك العدل؛
فاتخذ العلماء المحققون طريق التوفيق بين الأمرين :
وهو أنَّ التحذير لمن طلب القضاء، ولم يف بحقِّه.
وأمَّا الترغيب: فهو لمن وَلِيَ بدون طلب، وسلك مسلك الخوف
والرّجاء.

١٨٣
كتاب القضاء
١٢١١ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيَّ ◌َّرِ قَالَ:
(لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال الله تعالى: ﴿اَلِرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
قال محمد رشيد رضا: أي: من شأنهم المعروف المعهود القيام على
النساء بالحماية، والرعاية، والولاية، والكفاية، ومن لوازم ذلك: أنْ يفرض
عليهم الجهاد دونهنَّ؛ فإنَّه يتضمن الحماية لهن ... وسبب ذلك: أنَّ الله
تعالى فضَّل الرِّجال على النِّساء في أصل الخِلقة، وأعطاهم ما لم يعطهنَّ من
الحول والقوّة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثرًا للتفاوت في
الفطرة والاستعداد؛ ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنثِى﴾ [آل عمران: ٣٦]، فالرِّجال أقدر
على الكسب، والاختراع، والتصرُّف في الأمور، فلأجل هذا كانوا هم
المكلفين أنْ ينفقوا على النِّساء، وأنْ يحموهنَّ، ويقوموا بأمر الرئاسة العامَّة
في مجتمع العشيرة، ويتبع هذه الرئاسة: جعل عقدة النّكاح في أيدي
الرِّجال، هم الَّذين يبرمونها برضا النِّساء، وهم الَّذين يحلونها بالطَّلاق.
وأوَّل ما يذكره جمهور المفسِّرين المعروفين في هذا التفضيل: النبوة،
والإمامة الكبرى، والصغرى، وإقامة الشَّعائر؛ كالأذان، والإقامة، والخطبة
في الجمعة، وغيرها، ولا شكَّ أنَّ هذه المزايا تابعةٌ لكمال استعداد الرِّجال
في مقتضى الفطرة .
(١) البخاري (٤٤٢٥).

١٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢ - الحديث صريحٌ في عدم صحّة ولاية المرأة، وأنَّ الأمَّة التي توليها لن تفلح
في أمور دينها، ولا في أمور دنياها، وعدمُ صحَّة ولايتها هو مذهب جمهور
العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد.
وذهب الحنفية: إلى جواز توليتها الأحكام إلاَّ الحدود، وقولهم مصادمٌ
للنَّصِّ، وللفطرة الربانية .
٣- والدول التي ولتها إنَّما هيَ ولاية صورية لا حقيقية؛ فبلادهم يحكمها دستورٌ
لا يتخطَّاه أحدٌ منهم، لا حاكمٌ ولا محكوم، وعلى فرض أنَّ لها السيطرةَ،
ونفوذَ الكلمة، فإنَّهم لم يفلحوا لا في شؤون دینهم، ولا في شؤون دنیاهم،
والله المستعان .
٤- ولمَّا قال تعالى في كتابه: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنثِّى﴾ [آل عمران: ٣٦] ليس معناه:
أنَّه أهمل جانب المرأة، وأعفاها من المسؤولية وجعلها - فقط - أداة متعة
ونظر، وإنَّما جعل لها من الحقوق مثل ما للرَّجل؛ فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ
اُلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٨٢٢]؛ إلاَّ أنَّ هذه المسؤولية، وتلك الحقوق
والواجبات هي من نوع آخر؛ ﴿لِّرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا
أُكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢].
فمسؤولية البيت وشؤون المنزل مهامُّ كبيرة: من ترتيبه، وتنظيمه،
والقيام بشؤونه، وحفظه، ورعايته، ثمَّ وظائفُ الحمل، والولادة، وتربية
الأطفال، وإصلاح شؤونهم، هي أمورٌ هامَّةٌ جدًّا، ومع أهميتها: فإنَّ الرَّجل
لا يستطيع الصبر عليها، ولا يحسن القيام بها، ومتى أهمِلت هذه الأمور بلا
راع مسؤول، تعطّل كلُّ شيءٍ، وضاع جهد الرَّجل خارج المنزل.
فالرجل: عمله خارج المنزل لإعداده، وتكوينه البدني، والنَّفسي،
والعقلي، بما يحويه من صلابةٍ في العضلات، وتحكّم في العاطفة،
ومنطقية في التفكير.
---------

١٨٥
كتاب القضاء
وأمَّا المرأةُ: فهي المُعَدَّةُ بدنيًّا، ونفسيًّا، وعقليًّا بكلِّ ما تحويه من مرونة
في الملبس، ورقة في المشاعر، وجيشان في العاطفة، وانفعال في
الوجدان، هذا هو الاستعداد الحقيقي لأنبل المهام، وأهمها على الإطلاق،
وهي مهمة بناء الإنسان .
فهذه نظرة الإسلام إلى الجنسين، تلك النظرة القائمة على الاستعدادات
((البيولوجية)) التي جَعَلَ الله تعالى منها خصائصَ ذات طابع ذكري وأنثوي،
وجَّهت كلّ إلى ما خُلِقَ له، ولله في خلقه شؤون !!
أمَّا الَّذين يُنادون بما يسمَّى ((تحرير المرأة)) لتشارك الرِّجال في أعمالهم،
فهؤلاء جهلوا مراد الله تعالى من خلق الجنسين، وغفلوا عن الإعداد الفطري
الَّذي أنشأ عليه المرأة لتقوم بوظائفها الخاصَّة بها، والأعمال التي لا يحسنها
غيرها؛ وبهذا الجهل، وتلك الغفلة: هدموا البيوت، وقوَّضوا معالم
الأسرة، وأضاعوا الأولاد؛ ليصبحوا مشرَّدين مهملين، وأسعدهم حظًّا
الَّذي تليه خادمةٌ جاهلٌ أجنبيةٌ جافّة، بدل حنان الأُم وتربيتها وعنايتها
وعطفها، وقد قال ◌َّ: ((كلٌّ ميَسَرٌ لما خُلِقَ لَه)) [رواه البخاري (٦٥٩٦)
ومسلم (٢٦٤٩)]، والله المستعان .

١٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢١٢ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ - رَضِيَ الله عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ وَلَّه
قَالَ: ((مَنْ وَلَهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ،
وَفَقِيرِهِمُ - احْتَجَبَ اللهُدُونَ حَاجَتِهِ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالتِّرْ مِذِيُّ (١).
: درجة الحديث:
الحدیث سنده جید .
قال ابن حجر في التلخيص: رواه الترمذي، وأبوداود، والحاكم
وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وأورد له الحاكم شاهدًا، وعنه رواه أحمد،
والترمذي، ورواه الطبراني في الكبير، من حديث ابن عباس، قال ابن أبي حاتم
عن أبيه في العلل: هذا حديث منكر.
والحديث المرفوع سكت عنه أبوداود، وقال الترمذي: حديثٌ غريب،
ولم يطعن فيه المنذري.
قال الصنعاني: ورواه الطبراني برجال ثقات، إلاَّ شيخه فإنَّه قال:
المنذري لم يقف فيه على جرحٍ، ولا تعدیل.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ١٣٣): سنده جيد.
* مفردات الحدیث:
- ولاَه: يُقال: ولاَّه الأمر تولية: جعله واليًا عليه، وملَّكه أمره.
- احتجب: يُقال: حَجَبَهُ يَحْجُبُهُ حَجْبًا: ستره ومنعه، واحتجب: استتر.
- حاجة: يُقال: حَاجَ الرَّجل يحوج: إذا احتاج، والحاجة جمعها حوائج،
وهي: ما يفتقر إليها الإنسان ويطلبها .
(١) أبوداود (٢٩٤٨)، الترمذي (١٣٣٣).
---- - ---- --
------ ------------

١٨٧
كتاب القضاء
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - من ولاَّه الله تعالى أمرًا من أمور المسلمين، فقد أصبح أجيرهم، والقائم
بأمورهم، والمتولِّي على شؤونهم، ومثل هذا يجب عليه مقابلتهم، وسماع
شكاويهم وحاجاتهم؛ ليقضي ما يتعيَّن عليه قضاؤه، ويوجّههم إلى ما
يحتاجون إليه من التوجيه .
٢ - أمَّا من يقفل دونهم بابه، أو يجعل له حُجَّابًا قساةً جفاةً، يمنعون أصحاب
الحاجات من الوصول إليه، فهذا حرامٌ لا يجوز، فإنِ احتجب عنهم، فإنَّ
الله تعالى يحتجب عن حاجته يوم القيامة، جزاءً وفاقًا؛ فالجزاء من جنس
العمل، وكما تدين تُدان .
٣- قال في شرح الإقناع: ولا يتخذ القاضيَ في مجلس الحكم حاجبًا، ولا بوَّابًا
إلّ لعذرٍ؛ لأَنَّ الحاجب ربَّما قدَّم المؤخَّر، وأخَّر المتقدِّم؛ لغرض له،
وليس له أن يحتجب إلاّ في أوقات الاستراحة؛ لأَنَّهَا ليست وقتًا للحكومة،
ويكون له من يرتَّب النَّاس إذا كثروا، فيكتب الأوَّل فالأوَّل.
٤- فليحذر القاضي - وكل قائمٍ على عملٍ يتصل بجمهور النَّاس - من قرناء
السوء، ومروِّجي الدعاوى باسمه، وبواسطة القرب منه؛ فإنَّهم يموِّهون
على النَّاسِ أنَّ لهم تأثيرًا على القضاة، وأصحاب الأعمال يدركون بها
مطلوبهم، ليحذروهم، ولا يكن حوله إلاَّ من يتَّقي الله تعالى ويراقبه، من
الأمناء أصحاب النفوس العفيفة، والضمائر الطيبة، والله ولي التوفيق.

١٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ
اللهِ وَِّ الرَّاشِيَ، وَالمُرْتَشِيَ في الْحُكْم)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ،
وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الأَرْبَعَةِ إِلَّ النَّسَائِيَّ(٢).
** درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبغوي، قال الترمذي:
حديثٌ حسنٌ صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
ورجاله ثقات، رجال الشيخين، وله شاهدٌ من حديث عبدالله بن عمرو.
قال الدَّارمي: هو أحسن شيءٍ في هذا الباب وأصح.
قال الهيثمي: أخرجه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات.
وقال الشوكاني: لا مطعن في إسناده .
وله شواهدُ أخر: عن عائشة، وأمّ سلمة، وعبدالرحمن بن عوف،
و ثوبان .
* مفردات الحديث:
- الراشي: يقال: رشاه يرشوه رشوًا: أعطاة الرِّشْوة، والرَّاشي: هو الذي يعطي
المال الذي يعينه على الباطل .
- المرتشي: هو آخذ الرِّشْوة.
(١) أحمد (٣٨٧/٢)، الترمذي (١٣٣٦)، ابن حبان (١١٩٦)، ولم يروه باقي أصحاب السنن.
(٢) أبوداود (٣٥٨٠)، الترمذي (١٣٣٧)، ابن ماجة (٢٣١٣).

١٨٩
كتاب القضاء
* ما يؤخذ من الحديث :
١ - الرَّاشي: هو من يُعطي العطية؛ ليحكم له بباطل، أو يدفع عنه حقًّا.
المرتشي: هو الّذي يأخذ الرشوة؛ ليحكم بإسقاط حقٍّ، أو إثبات باطل.
الرشوة: هو ما يُعْطَی الحاکِمُ بعد طلبه لها .
٢ - يَحْرُمُ بذلها، وأخذُهَا، والتوسُّطُ فيها، والإعانةُ عليها؛ لأَنَّ ذلك من أكل
أموال النَّاس بالباطل، مع ما فيها من تغيير حكم الله تعالى، والحكم بغير ما
أنزل الله؛ فقد ظَلَمَ بأخذها نفسه، وظَلَمَ المحكومَ له، وظَلَمَ المَحكومَ
عليه .
٣- الرشوة من كبائر الذنوب؛ لأَنَّ رسول الله وَّل لعن آخذها، ومعطيها، واللعنُ
لا يكون إلاّ على كبيرةٍ من كبائر الذنوب، وقد أجمع العلماء على تحريمها.
٤- قال في شرح الإقناع: ويحرم قبول القاضي هدية، وهي الدفع للقاضي
ابتداءً من غير طلب، إلاَّ ممَّن كان يهدي إليه قبل ولايته، إنْ لم يكن
للمهدي حكومة؛ لأَنَّ التهمة منتفية؛ لأَنَّ المنع إنَّما كان من أجل
الاستمالة، أو من أجل الحكومة، وكلاهما منتف .

١٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢١٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ:
(قَضَى رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيِّنَ بَدَىِ الْحَاكِمِ)) رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ الْحَاكِمُ(١) .
* درجة الحديث:
الحدیث فيه ضعف.
قال المؤلِّف: رواه أحمد، وأبوداود، والحاكم وصحَّحه، وأقرَّه
الذهبي، ورواه البيهقي، كلهم من رواية مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير،
وفيه كلام، قال أبوحاتم: إنَّه كثير الغلط .
وله شاهدٌ من حديث أمِّ سلمة: رواه أبو يعلى، والدَّارقطني، والطبراني،
وفي إسناده عبادة بن كثير، وهو ضعيف.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - العدالة بين الخصمين مطلوبةٌ في كلِّ شيء؛ فيجب على القاضي أنْ يعدل
بينهما في مجلسه .
قال ابن رشد: أجمعوا على أنَّه يجب عليه أنْ يسوِّيَ بين الخصمين في
المجلس .
قال الطيبي: ليس على القاضي أمرٌ أشق ولا أخوف من التسوية بين
الخصمین .
وقال ابن القيم: نهى عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال
عليه، والقيام له دون خصمه؛ لئلا يكون ذريعةً إلى انكسار قلب الآخر،
(١) أبو داود (٣٥٨٨)، الحاكم (٤/ ٩٤).

١٩١
كتاب القضاء
وضعفه عن القيام بحجته .
٢ - قال فقهاؤنا: يجب أنْ يعدل بين الخصمين في لحظه، ولفظه، ومجلسه،
ودخولهما عليه .
ويحرم أنْ يسارَّ أحدهما، أو يلقّنه حجته، أو يضيّقه، أو يعلِّمه كيف
يدَّعي، إلاَّ أن يترك ما يلزمه ذكره في الدعوى؛ كشرطٍ، أو عقد، وسبب
إرث، ونحوه، فله أنْ يسأل عنه ضرورةً لتحرير الدعوى، ولأَنَّ أكثر
الخصوم لا يعلم ذلك، وليتضح للقاضي وجه الحكم.

١٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الشهادات
١٢١٥ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ
وَسِّ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؛ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ
يُسْأَلَهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١) .
١٢١٦ - وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُوْلُ اللهَِّهِ: ((إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،
ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ،
وَيَنْذُرُونَ، وَلاَ يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).
* مفردات الحديث:
- خير: جمعه: أخيار وخيار، يستعمل اسم تفضيل، وأصله: أخْيَرُ، فحذف
الهمزة على خلاف القياس؛ لكثرة الاستعمال، فصار متصرّفًا لمغايرته وزن
الفعل .
- قرني: القرن جمعه قرون، وهو مصدر، وهو مدة، قيل: أربعون سنة،
(١) مسلم (١٧١٩).
(٢) البخاري (٢٦٥١)، مسلم (٢٥٣٥).

١٩٣
كتاب القضاء - باب الشهادات
وقيل: أقل، وقيل: أكثر، والرَّاجح عند اللغويين: أنَّه مائة سنة، وعليه جرى
المؤرّخون .
ولعل المراد هنا أهل زمانٍ واحد.
- يُسْتَشهدون: الشَّاهد جمعه شهود، يُقال: شهد المجلس، أي: حضره،
وشهد عند الحاكم لفلان على فلانٍ بكذا: أدَّى ما عنده من الشهادة، أي:
أخبر بما عنده خبرًا قاطعًا .
فمعنى ((يستشهدون)) أي: يؤدون الشهادة قبل أنْ تُطلَب منهم .
- يخونون: خانه في كذا يخونه خونًا وخيانة، فهو خائن، والجمع خَوَنَةٌ،
والخيانة : خلاف الأمانة .
- يؤتمنون: يُقال: أَمُنَ يَأْمُنُ أمانةً، ضد خان، فهو أمين.
فمعنی يُؤتمنون : يُتخذون أمناء .
- ينذرون: النَّذر مصدر نَذَرْتُ أَنْذُرٌ بضم الذَّال، من باب قتل، والنَّذْرُ في
الشرع: إلزَامُ مكلّفٍ مختارٍ نَفْسَهُ بعبادة الله تعالى.
- يوفون: يُقالُ: وَفَى بالعهد والوعد يفي وفاءً، بمعنى: أتمه وحافظ عليه،
وهو ضد الغدر، فهو وفيٌّ ووافٍ، فأوفى نذره: أحسن الإيفاء.
- السمن: يُقال: سمن يسمن سمانةً وسِمنًا: کثر لحمه وشحمه، ضد هزل،
فهو سمين، والجمع سِمَان .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الشَّهادات واحدها شهادة، مشتقّة من المشاهدة: إمَّا بالبصر، أو البصيرة؛
لأَنَّ الشَّاهد يخبر عمَّا شاهده، وتطلق الشَّهادة على التحمُّل والأداء.
٢ - الشَّهادةُ: هي الإخبار بما يعلمه بلفظ أَشْهَدُ، أو شَهِدتُ، وهذا هو المشهور
من مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
والرواية الأخرى عن أحمد: أنَّه لا يشترط في أداء الشهادة لفظ

١٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أَشْهَدُ؛ واختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم.
قال الشيخ: وهو مقتضى قواعد أحمد وغيره، ولا أعلم نصًّا يخالفه، ولا
يعرف عن صحابي، ولا تابعي اشتراط لفظ الشَّهَادة.
وقال ابن القيم: الإخبار إشهادٌ محض في أصح الأقوال.
وهو قول الجمهور؛ فإنَّه لا يشترط في صحَّة الشهادة لفظ أشْهَدُ، بل متى
قال الشاهد: رأيتُ، أو سَمِعْتُ، أو نحو ذلك، كانت شهادةً منه، وليس في
كتاب الله، ولا في سنَّة رسول الله وَ له موضعٌ واحدٌ يَدُلُّ على اشتراط لفظ
الشهادة، ولا عن رجلٍ واحدٍ من الصحابة، ولا قياس، ولا استنباط
يقتضيه، بل الأدلَّةُ المتضافرةُ من الكتاب، والسنَّة، وأقوال الصحابة، ولغة
العرب: تنفي ذلك.
٣- الحديثان متعارضان؛ فحديث زيد: مدح الَّذي يأتي بالشَّهادة قبل أنْ
يُسْأَلَهَا، وتطلب منه، وحديث عمران: ذمَّ الَّذين يَشْهَدون قبل أنْ
يُستَشْهدوا، وتُطلَبَ منهم، وجُمِعَ بينهما بعدَّة أوجهٍ :
أحسنها: كونه يَشْهَد قبل أنْ يُسْتَشهد مذمومٌ، إلاَّ أنْ يكون عنده شهادة بحق
لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي إليه، ويخبره بها، أو يموت صاحبُ الحق
فيأتي إلى ورثته، فيخبرهم بأنَّ عنده لهم شهادة؛ فهذا هو أحسن الوجوه في
الجمع بين الحديثَیْنِ .
قال في الإنصاف: مَنْ عنده شهادة لادمي يعلمها لم يقمها حتَّى يسأله،
فإنْ لم يعلمها، استحب له إعلامه بها .
٤ - قال شيخ الإسلام: يجب على من طُلِبَتْ منه الشهادةُ أداؤها، فإذا امتَنَعَ
الجماعةُ من الشهادة، أثموا كلهم باتفاق العلماء.
وقال ابن القيم: إنَّ الشَّاهد إذا كتم الشهادة بالحقِّ، ضمنه؛ لأَنَّه أمكنه
تخليص حق صاحبه، فلم يفعل؛ فلزمه الضمان.
٠٠ -
11 -- -- ------- -------- ----

١٩٥
كتاب القضاء - باب الشهادات
٥ - قال فقهاؤنا: تحمُّلُ الشهادة في غير حق الله تعالى فرضُ كفاية، وإنْ لم
يوجد من يكفي، تعينت عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾
ج
[البقرة: ٢٨٢]، أي: لتحمل الشهادة، فعليهم الإجابة، وعند جمهور
العلماء: أن تحملها فرض كفاية، والأداء فرض عين .
٦- قال فقهاؤنا: وأداء الشهادة فرض عين على من تحمَّلها متَّى دعي إليها؛
لقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛
فهذا وعيدٌ شديد، وإنَّما خصَّ القلب؛ لأنَّه موضع العلم بالشهادة، فدلَّت
الآية على فرضية أدائها عينًا على من تحمَّل متَّى دعي إليها .
٧- قال العلماء: إنْ لَحِقَ الشَّاهدَ ضررٌ بتحمُّلِ الشهادة، أو أدائها في بدنه، أو
عرضه، أو ماله، أو أهله - لم تلزمه.
٨- حديث عمران بن حصين دليل على أنَّ الصحابة - رَضيَ الله عنهم - هم
أفضل الأُمّة، وهم أفضل من التَّابعين، والتَّابعون أفضل من تابع التّابعين.
٩- الصحيح أنَّ فضل الصحابة على لتَّابعين هو فضل جملة على جملة، لا
فضل كل فرد على كل فرد؛ فإنَّه قد يكون في فضلاء التَّابعين من يَفْضِّلُ
بعض الصحابة؛ ولكن يستثنى من هذا أمران :
أحدهما: مشاهير الصحابة، وأصحاب السَّابقة منهم، من المهاجرين
والأنصار، لا سيما أهل بدر وأهل الشجرة؛ فهؤلاء لا يلحقهم أحدٌ في
فضلهم، وسابقتهم، ونصرهم دينهم، وما خصَّهم الله تعالى به من صحبة
نبيه ◌َل .
الثاني: أنَّ المفضول من الصحابة أمام الفاضل من التَّابعين وغيرهم،
فالصحابي يفضل على غيره بالصحبة، فلا يلحقه أحدٌ فيها، وإن امتاز عليه
الآخر بالعلم، والعبادة، والفضل، فللصحابي مهما كانت حاله فضيلةُ
الصحبة .

١٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠ - الحديث يدل على فضل هذه القرون الثلاثة المفضّلة ممَّن ساروا على نهج
نبيهم، واقتفوا أثره؛ فكانوا خير أمَّةٍ أُخرِجَتْ للنَّاسِ.
فلمَّا جاء القرن الرَّابع، بدأت الخلافات في المقالات، وتعددت
المذاهب المنحرفة، والمقالات الكلامية، وحدثت البدع؛ فأخذت معالم
العقيدة الصحيحة تتغيَّر، ومحاسنها تنطمس .
١١- ويدل الحديث على أنَّ الفضيلة ليست بعمارة الحياة الدنيا، وبهجتها،
وزينتها، وإنَّما الفضيلة موجودة حيث توجد الأمانة، ويوجد الوفاء
بالعهود، والعقود، والنذور، وتكون الآخرة هي أكبر هم المسلم؛ لأَنَّ
المسلم ليس همه، وكده، وجده، فيما يعود عليه بالترف من حسن
المآكل، والملابس، والمراكب، والمساكن؛ فإيثار الحياة الدنيا على
جَ وَاَلْآَخِرَةُ
الآخرة هو عين الخسارة؛ قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنَّا
[الأعلى].
١٧
خَيْرٌ وَأَبْقَىِّ
٣٠
۔۔
1 --- -- - -- inrmi-rm

١٩٧
كتاب القضاء - باب الشهادات
١٢١٧ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلاَ خَائِنَةٍ، وَلاَ ذِي غَمَرٍ عَلَى
أَخِيهِ، ولاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَهْلِ البَيَّتِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
أخرجه أحمد، وأبوداود، والدَّارقطني، والبيهقي، وإسناده حسن، قال
الحافظ : وسنده قوي .
وقال في التنقیح: ومحمد بن راشد ۔ أحد رواته - وثّقه أحمد ویحیی بن
معين، وغيرهما، ولا مطعن فيه .
** مفردات الحديث:
- خائن: خان الشيء خونًا وخيانة: نقضه وخان العهد فيه، وخان الأمانةَ: لم يؤدها .
ــ ذي غَمَرٍ: بفتح الغين المعجمة، وفتح الميم، بعدها راء، وهو الحقد والشحناء.
- القانع: بالقاف، ثمَّ ألف، بعدها نون، ثمَّ عين مهملة: هو الخادم المنقطع
لخدمة أهل البيت، وقضاء حوائجهم؛ لما لهم عليه من السلطة، ولما له
عندهم من المنفعة، فالتهمة بمواليهم قائمة .
- لأهل البيت: الَّلام هنا متعلّقة بمحذوف، تقديره: مقارنة لأهل البيت، فتكون
حالاً من ((القانع)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - بيان شيءٍ من موانع الشهادة التي إذا وُجِدَ شَيْءٌ منها في شخصٍ، فإنَّها لا
(١) أحمد (٢/ ٢٠٤)، أبو داود (٣٦٠٠).

١٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
تقبل شهادته .
قال في شرح الإقناع: الموانع تحول بين الشهادة ومقصودها؛ فإنَّ
المقصود منها قبولها، والحكم بها، ومن الموانع ما يلي:
الأوَّل: الخيانة: فالخائن ضد الأمين، وهي إمّا أنْ تكون خيانة في حقوق
الله تعالى؛ من تضييع ما افترض الله عليه من الواجبات؛ فقد قال تعالى:
﴿يَأَ يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]؛ فمن
ضيَّع شيئًا ممَّا أمر الله تعالى به، أو ارتكب شيئًا ممَّا نهي عنه، فليس بأمین،
وإنَّما هو خائن، لا تصح أنْ تقبل شهادته.
وإمّا أنْ تكون الخيانة فيما ائتمنه النَّاس عليه من الودائع، والأمانات؛ فلا
يوجد عنده تقوى تمنعه من الحفاظ عليها وأدائها، فهذا لا يحصل الاطمئنان
إلی خبره؛ فلا تصح شهادته .
قال في الروض المربع وحاشيته: السَّادس: العدالة، وهي أداء
الفرائض، واجتناب المحارم.
قال ابن رشد: اتفق المسلمون على اشتراط العدالة في قبول شهادة
الشاهد؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال الشيخ: رَدُّ شهادة من عرف بالكذب متفق عليه بين الفقهاء.
والعدل في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وطائفةٍ بحسبها، فيكون الشَّاهد في كلِّ قوم
مَنْ كان ذا عدل فيهم، وإنْ كان وجوده في غيرهم، لکان عدله على وجهٍ
آخر، بهذا يمكن الحكم بين النَّاس .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: شروط الشهادة تعتبر حسب الإمكان.
الثاني: ذو الغَمَر: هو الحاقد ذو الشحناء والبغضاء؛ فلا تقبل شهادته
على من يضمر له عداوة وشحناء.
قال في الروض المربع وحاشيته: ولا تقبل شهادة عدوٍّ على عدوه؛ وهو

١٩٩
كتاب القضاء - باب الشهادات
مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشَّافعي، وأحمد، وحجتهم: ((لا تقبل
شهادة خصم ولا ظنين)) [رواه أبوداود في المراسيل (ص ٢٨٦)]، قال ابن
حجر: ليسَ له إسنادٌ صحيح؛ لكن له طرق يقوِّي بعضها بعضًا.
قال ابن القيم: منعت الشريعة من قبول شهادة العدو على عدوه؛ لئلا
يتخذ ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة، وقد أجمع الجمهور
على تأثيرها في الأحكام الشرعية.
الثالث: القانع : وهو الخادم لأهل البيت، المنقطع للخدمة، وقضاء
الحوائج، وموالاتهم، ذلك أنَّ الخادم متعلقةٌ مصالحه وحاجاته بأهل
البيت، ولهم عليه سلطة، وتأثيرٌ كبير، وهذا مظنّة تتهمه أنه يحب دفع
الضرر عنهم، أو جلب المصلحة والخير إليهم؛ فَمُنِعَتْ شهادته من القبول.
قال في الروض المربع: ولا تُقبل شهادة من عُرِفَ بعصبيةٍ، وإفراط
حمية؛ لحصول التهمة بذلك .
٢ - ذكر الفقهاء أشياء أخرى ممَّا تُرَدُّ به الشهادة؛ منها: شهادة عمودي النسب،
وهم الآباء وإنْ عَلَوْا، والأولاد وإنْ نزلوا، فلا تُقبل شهادة بعضهم لبعض .
قال ابن رشد: اتفقوا على رد شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه، وكذا الأم
لابنها، وابنها لها؛ لتهمة القرابة.
٣- ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه عند أكثر العلماء؛ لأَنَّ كلّ منهما
يتبسط في مال الآخر؛ فالتهمة موجودة.
٤- وتقبل الشَّهادة من عمودي النسب بعضهم على بعض؛ كما تقبل شهادة أحد
الزوجين على الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَ
أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ نصَّ عليه الإمام أحمد، قال
الموفق: لم أجد خلافًا لأحد.

٢٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ
وَ قَالَ: ((لاَ تَجُوزُ شَهَادَةٌ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبٍ قَرْبَةٍ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ،
وَابْنُ مَاجَهٍ(١).
: درجة الحديث:
الحديث منکر .
أخرجه أبوداود، وابن ماجه، وابن الجارود، عن طريق ابن الهاد، عن
محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به.
قال ابن دقيق العيد: رجاله إلى منتهاه رجال الصحيح؛ فالحديث صحيح
الإسناد، رجاله كلهم ثقات؛ فهم رجال الشيخين.
قال ابن عبدالهادي: رواته ثقات.
لكن قال الذهبي: هو حديث منكر، مع نظافة سنده.
* ما يؤخذ من الحديث:
اختلف العلماء في قبول شهادة البدوي على الحضري:
فذهب الإمامان: مالك، وأحمد - في إحدى الروايتين عنه : - إلى عدم
قبول شهادة البدوي على الحضري؛ لأَنَّ بينهما شحناء لا تمنع البدوي الَّذي
يغلب عليه الجفاء في الدِّين، وقلّةِ معرفة الأحكام الشرعية، وعدم ضبطه
ومعرفته لما يُلقی علیه، ويسمعه.
قال الإمام أحمد: أخشى أنْ لا تُقبل شهادة البدوي على صاحب القرية؛
لهذا الحدیث.
(١) أبوداود (٣٦٠٢)، ابن ماجة (٢٣٦٧).