Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الأيمان - باب النذر
يقل: لا ينتفع إلاَّ بما سعى، وكان شيخنا - ابن تيمية - يختار هذه الطريقة، ويرجحها.
* خلاف العلماء :
اختلف العلماء في قضاء الصوم عن الميت على ثلاثة أقوال :
أحدها: لا يقضى عنه بحال؛ وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
الثاني: يُقضى عنه النَّذر والواجب بأصل الشرع؛ وهو مذهب أحمد.
الثالث: أنَّه يقضى عنه النذر دون الواجب بأصل الشرع، وهو مذهب
أهل الحديث، ونصره ابن حزم والبيهقي، واختاره الشيخ عبدالرحمن
السعدي؛ لحديث: ((من مات وعليه صيامٌ، صامَ عنه وليه)) متفق عليه .
وهل يجب قضاء نذر الصوم عن الميت، في ذلك ثلاثة أقوال :
- جمهور العلماء: يرون أنَّ قضاءه عن الميت من وارثه مستحب.
- والظاهرية: أوجبوا القضاء؛ عملاً بحديث سعد بن عبادة.
- الحنابلة: قالوا: إنْ كان الميت خلَّف تركة وجب القضاء، وإلاَّ فهو
مستحب، وقالوا : إنْ صامَ غير الوارث، أجزأه .
قال فقهاؤنا: وإنْ مات وعليه صوم نذرٍ، أو حج نذر، أو اعتكاف نذر،
أو صلاة نذر، استُحب لوليه قضاؤه؛ لأَنَّ النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها،
والنَّذر أخفُّ حكمًا من الواجب بأصل الشرع.
وإنْ خلَّف تركةً، وجب فعل النَّذر، فيفعله الولي، أو يدفع إلى من يفعله عنه.
وهذا كله فيمن أمكنه فعل ما تقدَّم بأنْ مضى وقتٌ يتسع لفعله قبل موته
فلم يفعله، فليفعله عنه؛ لثبوته في ذمته لقضاء الدَّين من تركته .
فإنْ لم يخلف النَّاذر تركةً، لم يلزم الولي شيءٌ اتفاقًا، لكن يسن فعله
عنه؛ لتفرغ ذمته .
والولي هو الوارث، قال النووي: الولي: القريب عصبةً أو نسبًا، وارثًا
أو غیر وارث.

١٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٩٨ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: «نَذَرَ
رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنْ يَنْحَرَ إِلاَ بِبُوَانَةً، فَأَتَى رَسولَ اللهِ
وَةِ، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ
فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالَ: لاَ، فَقَالَ: أَوْفٍ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ
لِنَذْرِ فِي مَعصيَةِ اللهِ، وَلاَ في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ .
رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالَّلَفْظُ لَهُ، وَهِّوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ(١).
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرْدَمِ عِنْدَ أَحْمَدَ(٢).
** درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال في التلخيص: رواه أبوداود من حديث ثابت بن الضحاك بسندٍ
صحيح، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وسمَّى الموضع
(بُوَانَة)) ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: أصل هذا
الحديث في الصحيحين، وهذا الإسناد على شرطهما، ورجال إسناده كلهم
ثقات مشاهير، وهو متصلٌ بلا عنعنة .
قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى - في كتاب التوحيد:
رواه أبوداود، وإسناده على شرطهما.
(١) أبو داود (٣٣١٣)، الطبراني (٧٥/٢).
(٢) أحمد (٤١٩/٣).

١٤٣
كتاب الأيمان - باب النذر
قال ابن عبدالهادي: رجال سنده رجال الصحيحين .
* مفردات الحديث:
- بُوَانة: بضم الباء، وتخفيف الواو، ثمَّ نون، وهاء، هَضبةٌ وراء ينبع، قريبةٌ من
ساحل البحر الأحمر.
- وَثَن: بفتح الواو، والثَّاء المثلثة، هو التمثال يُعبَد، سواءٌ كان من نحاسٍ، أو
ذهبٍ، أو فِضَّةٍ، أو حجرٍ، أو خشبٍ، أو غير ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على أصل النَّذر، وانعقاده، ولزومه إذا قصد بعقده، والوفاء به
وجه الله تعالى .
٢ - أنَّ من المحاذير التي يجب اجتنابها مشابهةَ الكفّار في عباداتهم وأعيادهم،
ووجوب البعد عن الأمكنة التي يقيمون فيها لهم عيدًا؛ فإن هذا يُفضي إلى
تشابه عبادة المسلمين وأعيادهم بعبادة الكفَّار وأعيادهم، فإذا كان في عقد
النَّذر أو الوفاء به شائبة من ذلك، فإنَّه لا يجوز عقده، وإذا عقد فيحرم الوفاء
به .
٣- في الحديث أنَّ تخصيص النَّذر ببقعةٍ جائزٌ، إذا خلا من الموانع الشرعية،
التي منها أنْ يكون في البقعة صنمٌ، أو قبرٌ، أو يُقام فيها أعيادٌ للكفَّار،
ونحوه من وسائل الشرك بالله تعالى وأسبابه، فإنْ كان فيها شيءٌ من ذلك،
فلا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأَنَّه نذر معصية.
٤- وفي الحديث التحذير من مشابهة الكفَّار في أعيادهم، وأمكنة عبادتهم.
قال شيخ الإسلام: العيد اسمٌ لما يصدر من الاجتماع العام على وجهٍ
معتاد، إمَّا بالسَّنَة، أو الأسبوع، أو الشَّهر، أو نحو ذلك، وقد يختص العيد
بمكان يعينه، فكلٌّ مِن هذه الأمور قد يُسمَّى عيدًا، وقد يكون لفظ العيد
اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب.

١٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥- قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب: إنَّ المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذا
الطّاعة، وإنَّ تخصيص بقعة بالنَّذر لا بأس به، إذا خلا من الموانع .
وإنَّ من المانع أنْ يكون فيه عيدٌ من أعيادهم، ولو بعد زواله، أو يكون
فيه وثنٌ من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله، فإنْ كان فيه شيءٌ من ذلك،
فإنَّه لا يجوز الوفاء بما نذَرَ في تلك البقعة؛ لأَنَّه نذر معصية.
٦- وقال الشيخ محمد - أيضًا -: وفي الحديث الحذر من مشابهة المشركين في
أعيادهم، ولو لم يقصده.
وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: وفيه المنع من اتخاذ آثار المشركين
محلاً للعبادة؛ لكونها صارت محلاً لما حرَّم الله من الشركِ والمعاصي،
والحديث - وإنْ كان في النَّذر - فيشمل كلَّ ما كانَ عبادة، فلا تُفْعَل في هذه
الأماكن الخبيئةِ .
٧- قوله: ((أَوف بنذرك)) قال شيخ الإسلام: فهذا يدل على أنَّ الذَّبحَ بمكانٍ
عيدهم، ومحل أوثانهم معصيةٌ لله من وجوه :
أحدها: أنَّ قوله: ((أوفِ بنذرك)) تعليقٌ للوصف بالحكم بحرف الفاء،
وذلك يدل على أنَّ الوصف هو سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاءِ،
ولو لم يكن معصية، لجاز الوفاء به .
الثاني: أنَّه عقب ذلك بقوله: ((لا وفاء لنذرٍ في معصية الله))، ولولا
اندراج الصورة المسؤول عنها في هذا الَّلفظ العام، وإلاّ لم يكن في الكلام
ارتباط المنذور، وإنْ لم يكن معصية، لكن لما سأله عن الصورتين قال له:
((أوف بنذرك)) يعني: حيث ليس هناكَ ما يوجب تحريم الذبح هناك، فكان
جوابه ◌َّ﴾ فيه أمرٌ بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهي عنه عند وجود هذا.
الثالث: أنَّه لو كان الذَّبح في موضع العيد جائزًا، لسوَّع ◌َّ للنَّاذر الوفاء
به، كما سوَّغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به، بل لأوجب الوفاء به

١٤٥
كتاب الأيمان - باب النذر
إذ کان الوفاء بالمکان المنذور واجبًا .
٨- وقال الشيخ تقي الدِّين - أيضًا -: وإذا كان الشَّارع قد حسم مادة أعياد أهل
الأوثان خشية أنْ يدَّس المسلم بشيءٍ ما، فالخشية من تَدَُسِهِ بأوصاف
الكتابيين أشد، والنَّهي عنه أكثر .
وقال: ومعلومٌ أنَّه لولا نهيه وَّهِ ومنعه، لَمَا ترك النَّاس تلك الأعياد؛ لأَنَّ
المقتضي لها قائمٌ من جهة الطبيعة التي تحب ما يُصنَع في الأعياد، خصوصًا
أعياد الباطل من اللعب والَّلذات، فلولا المانع القوي، لما درست تلك الأعياد.
٩ - لذا فالواجب على المسلمين الَّذي بُلُوا بمجاورة الكفَّارِ من كتابيين وغيرهم،
أنْ يحذروا من مشاركتهم في أعيادهم - المعروفة - وأنْ لا يبادلوهم التَّهاني،
أو أن يهدوا إليهم، أو يبيعوا لهم شيئًا ممَّا يجعلونه في تلك الأعياد من
المأكولات والزهور، أو نقلهم إلى أماكنهم بالسيارات أو غيرها، فإنَّ هذه
المشاركة هي إعانةٌ ورضا بأعيادهم الشركية، والإسلام ينهى أشد النَّهي عن
ذلك، فمن فعل ذلك فقد أضاع دينه، وباعه بثمنٍ بخسٍ من متاع الحياة
الدنيا، وويلٌ لهم ممَّا يكسبون .
١٠ - قال الشيخ حامد الفقي: الأعياد التي يسميها أهل العصر ((الموالد))، أو
يسمونها الذكريات لمعظّميهم من مُدِّعي الأولياء وغيرهم، ولحوادث
يزعمون أنَّها كان لها شأنٌ في حياتهم من ولادة ولد، أو تولي ملك، أو
رئيس، أو نحو ذلك، فكل ذلك إنَّما هو إحياءٌ لسنن الجاهلية، وإماتة
لشرائع الإسلام، وإنْ كَانَ أكثر النَّاس لا يشعرون بذلك؛ لشدَّة استحكام
ظُلْمَة الجاهلية على قلوبهم، ولا ينفعهم ذلك الجهل عذرًا، بل هو الجريمة
كل الجريمة التي تولد عنها كل الجرائم، من الكفر، والفسوق، والعصيان.
١١ - ويدل الحديث على أنَّ من نذر أنْ يعصيَ اللهَ تعالى بفعل محرَّم، أو ترك
واجبٍ؛ كقطيعة رحمٍ، أو نذر على حق غيره، فهذا نذرٌ لاغ لا ينعقد، ولا

١٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
كفَّارة فيه عند طائفةٍ من العلماء.
قال في المقنع: ويحتمل أنْ لا ينعقد النَّذر المباح، ولا المعصية، ولا
يجب به كفَّارة، وجزم به الموفق في العمدة، وهو مذهب مالك
والشَّافعي .
---------

١٤٧
كتاب الأيمان - باب النذر
١١٩٩ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَوْمَ الْفَتْح:
(يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةً أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيَّتِ
المَقْدِسِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، فَسَأَلَهُ،
فَقَالَ: فَشَأْنَكَ إِذَّا)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ الْحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال المصنّف: رواه أحمد، وأبوداود، وصحَّحه الحاكم، ووافقه
الذهبي، وصحَّحه ابن دقيق العيد .
* مفردات الحديث:
- شأنك: منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به، أي: الزم شأنَك.
- إذًا: جواب وجزاء، أي: إذا أَبَيْتَ أنْ تُصلِّيَ هُنَا، فافعل ما نذرت به من
صلاتِكَ في بيت المقدس .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - انعقاد النَّذْر المعلق على حصول مطلوبٍ؛ كـ: إنْ شفى الله مريضه، أو
حصل ماله الغائب، أو نحو ذلك، فلله عليه كذا من العبادة البدنية؛
كالصَّلاة والصيام، أو مالية، كالصدقة والعتق، انعقد نذره، ووجب عليه
الوفاء بما نذره، إذا حصل شرطه المعلق عليه.
وقد ينذر الطّاعة بدون تعليق؛ كَـ(لله عليَّ صلاة كذا، وصوم كذا))،
(١) أحمد (٣٦٣/٣)، أبوداود (٣٣٠٥)، الحاكم (٣٠٤/٤).

١٤٨):
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فیجب عليه الوفاء.
ويسمَّى هذا النَّذر: ((نذر التبرر، أو نذر التقرب)).
٢- قال في شرح الإقناع: ويجوز فعل النَّذر قبل وجود شرطه؛ كإخراج الكفَّارة
بعد الیمین، وقبل الحنث.
٣- قال شيخ الإسلام: تعليق النَّذر بالملك؛ نحو: ((إنْ رزقني الله مالاً، فللهِ
عليَّ أنْ أتصدق به، أو بشيءٍ منه)) يصح إجماعًا؛ ويدل عليه قوله تعالى:
﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الآية [التوبة: ٧٥].
٤- يدل الحديث على أنَّ من نذر الصَّلاة، أو أي عبادة في بيت المقدس، أنَّه
يجزىء أن يصليها في المسجد الحرام؛ لأَنَّ المسجد الحرام أفضل من
الأقصى؛ لكن لو عيَّن الأفضل - كالمسجد الحرام - لم يجز فيما دونه.
وهو مذهب الأئمة الثلاثة، أمَّا أبو حنيفة: فيرى أنَّ الصلاة لا تتعيَّن في
مسجد بحال .
٥ - يدل الحديث على أنَّ كثرة السؤال، والإلحاح فيه، والتنطع في الأمور:
مكروه، وأنَّه يفضي صاحبه إلى إضجار المسؤول، وارتكاب الخطأ.
٦ - ويدل الحديث على وجوب الوفاء بالنَّذر ما دام أنَّه نذر تبرر وتقرب إلى الله
تعالی .
٧- كما يدل الحديث على فضل المسجد الحرام، وأنَّه أفضل البقاع وسيدها،
فمن نذر عبادة في غيره، أغنى أداؤها فيه؛ لأَنَّها فيه أفضل، وأكمل، وأتم.

١٤٩)
كتاب الأيمان - باب النذر
١٢٠٠ - وعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ
وٍَّ قَالَ: ((لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ،
وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١).
* مفردات الحديث:
- لا تُشَدُّ: ((لا)) نافية، والفعل بعدها مبني للمجهول.
تشد: يُقال: شدَّ الشيء يشدُّه شدًا: عقده وأوثقه، ومنه شدَّ الرِّحال، وهو
كنايةٌ عن السفر .
- الرِّحال: جمع رحل، والرحل هُنَا: اسمٌ لما يوضع على البعير من قتبه وكوره
- بضم الكاف - ويربط ذلك من حبال.
- الأقصى: الأبعد، من قصى المكان: إذا بَعُدَ، وسمِّي الأقصى لبعده عن
المسجد الحرام، وقيل: لأنّه لم یکن وراءه حينئذٍ مسجد .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذه المساجد الثلاثة المفضلة، وهي: المسجد الحرام، والمسجد النبوي،
والمسجد الأقصى، لها ميزات خاصَّة، وفضائل لا يلحقها بها غيرها من
بقاع الأرض، فهذه المساجد المطهرة بناها الأنبياء، فالمسجد الحرام بناه
إبراهيم الخليل، والمسجد النبوي بناه رسول الله محمد وَّله، والمسجد
الأقصى بناه يعقوب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
٢- قال شيخ الإسلام: المساجد التي تشد الرِّحال إليها هي المساجد الثَّلاثة،
فالسفر إليها للصلاة فيها، والدعاء، والذُّكر، والقراءة، والاعتكاف، من
(١) البخاري (١١٩٧)، مسلم (٨٢٧).

١٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الأعمال الصَّالحة.
٣- وقال أيضًا: وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم،
حتَّى مسجد قباء، يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع
شد الرِّحال إليه؛ ففي البخاري (١١٩٣) ومسلم (١٣٩٩) عن ابن عمر قال:
((كان النَّبِي وَّهِ يأتي مسجد قباء كلَّ سبتٍ ماشيًا، وراكبًا، وكان ابن عمر
يفعله))؛ وفي لفظ لمسلم: ((فیصلي فيه ركعتين)).
٤- وقال الشيخ أيضًا: اتَّفق العلماء على استحباب إتيان المساجد الثلاثة للصَّلاة
ونحوها، ولكن لو نذر ذلك هل يجب الوفاء؟ :
فمذهب مالك، وأحمد، وغيرهما: أنَّه يجب إتيانها بالنَّذر، ولكن إنْ
أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول؛ وذلك لحديث: ((من نذر أنْ يطيع الله
فلیطعه)) وهو یعم کل طاعةٍ.
٥ - قال الشيخ: اتَّفق الأئمة على صحّة هذا الحديث ((حديث الباب)) والعمل به،
فلو نذر الرَّجل أنْ يصلي بمسجدٍ أو مشهد، أو يعتكف فيه، ويسافر إليه،
غير الثلاثة، لم يجب عليه باتفاق الأئمة، وأمَّا السفر إلى بقعةٍ غير المساجد
الثَّلاثة: فلم يوجبه أحدٌ من العلماء.
٦ - الحديث صريحٌ في تحريم السفر للعبادة إلى غير المساجد الثلاثة، ويعظم
الإثم إذا قصد المسافر بسفره قبرًا؛ ليعظّمه، ويغلو بصاحبه، فهذا إنْ كان
يعتقد أنَّ دعاء الله عنده أفضل فهو مبتدع، وإنْ كان يدعو صاحب القبر فعمله
كفر .
٧- وتحريم السفر إلى قبور الصالحين ونحوها من المواضع - غير هذه المساجد
الثَّلاثة - هو قول محقِّقي العلماء، منهم أبو محمد الجويني، والقاضي
عياض، والشيخ تقي الدِّين، وابن القيم، وابن رجب، والشيخ محمد بن
---

١٥١
كتاب الأيمان - باب النذر
عبدالوهاب، وأبناؤه، وأحفاده، وتلاميذهم، وسائر علماء الدعوة السلفية،
وهو قول علماء الحديث.
٨- تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة هو منع للشرك، ووسائله المفضية
إليه؛ فإنَّ الشرك لم يحدث إلاَّ من تعظيم البقاع والأمكنة التي لم يعظِّمها الله
تعالى، ولم يشرع الرحلة إليها، لا سيما الأمكنة التي فيها قبور أنبياء، أو
أولياء، أو علماء، ونحوهم؛ فشدُّ الرِّحال إليها وتعظيمهم هو الَّذي جرى
عليه كثير من النَّاس، فأضلَّهم عن دينهم الحق إلى البدع والشرك.
٩ - فالإسلام بنصوصه الكريمة، حسم مادّة تعظيمها والغلو فيها؛ لئلا يكون
وسيلة إلى الكفر والضلال.
١٠ - قال شيخ الإسلام في الرَّد على الأخنائي: والقول بتحريم السفر إلى غير
المساجد الثّلاثة، وإنْ كان قبر نبينا مَّ، هو قول مالك، وجمهور
أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد، وأهل الحديث؛ ثمَّ قال رحمه
الله: وأهل الجهل يجعلون السَّفر إلى زيارة قبر مَن يعظّمونه، ويسافرون
إليه؛ ليدعوه، ويدعو الله عنده، ويقعدون عند قبره، ويكون عليه، أو عنده
مسجد بُني لأجل القبر، فيصلون في ذلك المسجد؛ تعظيمًا لصاحب
القبر، وهذا ممَّا لعن النَّبِي وَّ أهل الكتاب على فعله، ونهى أمَّته عن
فعله؛ فقال ◌َّ في مرض موته: ((لعن الله اليهود والنَّصارى؛ اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد، يحذر ممَّا صنعوا)) [رواه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم
(٥٣١)].
١١ - الزيارة الشرعية إلى المدينة المنورة هي أن يقصد المسافر العبادة في
المسجد النبوي الشريف، الَّذي جعل الله له ميزة وشرفًا، وضاعف فيه
ثواب الأعمال الصَّالحة، فإذا وصل إليه زار القبر الشريف، وقبري
الصحابيين الكريمين؛ لحديث: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها))

١٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
[رواه مسلم (١٩٧٧)]؛ فهذه رحلةٌ شرعية، وقصد حسنٌ مشروع،
وكذلك إذا وصل إلى المدينة المنورة، فإنَّه يشرع له زيارة البقيع، وشهداء
أحد، كل ذلك للترحم عليهم والاعتبار، وكذلك يذهب إلى مسجد قباء
الصَّلاة فيه، فإنَّ النَّبي ◌َّ فعل ذلك كله، أمَّا بقية المزارات المعروفة
الآن، مثل مسجد القبلتين، والمساجد السَّبعة، ومسجد الغمامة، فلا
يشرع الذهاب إليها؛ لأَنَّهُ لم يرد أنَّ النَّبِي وَله كان يذهب إليها، والعبادات
مبناها على التوقيف؛ كما أنَّها غير مؤكّدة وثابتة .

١٥٣)
كتاب الأيمان - باب النذر
١٢٠١ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قُلْتُ: يَارَسُولَ
اللهِ! إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرَامِ،
قَالَ: فَأَوْفٍ بِنَذْرِكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَزَادَ البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: ((فَاعْتَكَفَ لَيْلَةَ)) (١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدَّم أنَّ الاعتكاف شرعًا: هو لزوم مسلم عاقلٍ مسجدًا لعبادة الله تعالى،
وأنَّه ثابتٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
وأنَّ الغرض منه: حبس النّفس والبدن على عبادة الله تعالى، وقطع
العلائق عن الخلائق؛ للاتصال بخدمة الخالق، وإخلاء القلب من الشواغل
عن ذكر الله تعالى.
٢- الحديث من أدلَّة مشروعيته، قال الإمام أحمد: لا أعلم عن أحدٍ من أهل
العلم خلافًا أنَّه مسنون.
٣- ويدل الحديث على صحّة الاعتكاف، وجوازه بلا صوم؛ لأَنَّ نذر عمر
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - اعتكاف ليلة، ولو كان الصوم شرطًا، لما صحَّ اعتكاف
الليل؛ لأَنَّه لا صيام فيه، فلم يشترط الصيام كالصَّلاة؛ ولأَنَّ إيجاب الصوم
حكم لا يثبت إلاّ بالشرع، ولم يصح فيه نصٌّ، ولا إجماع.
وهذا مذهب الإمامين؛ الشَّافعي، وأحمد، واشترط أبو حنيفة، ومالك
الصيام، والقول الأوَّل أصح، وأسعد بالدليل.
قال المجد، وحفيده تقي الدِّين، والشَّارح، وغيرهم: ليس في اشتراط
(١) البخاري (٢٠٣٢، ٢٠٤٢)، مسلم (١٦٥٦).

١٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الصوم في الاعتكاف نصٌّ من كتابٍ، ولا سنَّةٍ، ولا إجماع، ولا قياسٍ
صحيح، أمَّا ما رُوي عن عَائِشَةَ: ((لا اعتكاف إلاَّ بصوم)) فموقوف، ومن
رفعه فقد وهم، وكذا ما جاء في أبي داود (٢٤٧٤) في رواية: ((اعتكف
وصم)) فهو ضعيف.
وعلى فرض رفع الأوَّل، وصحَّه الثاني، فالمراد به الاستحباب، فإنَّ
الصوم فيه أفضل.
٤- قال الفقهاء: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا، لزمه الجمع
بين الاعتكاف والصيام؛ لما روى البخاري (٦٧٠٠) من حديث عائشة أنَّ
النَّبي ◌َِّ قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه))، والأمر يقتضي الوجوب.
٥- ويدل الحديث على أنَّ الكافر إذا نذر في حال كفره، وكان نذره على وفاق
حكم الإسلام، ثم أسلمَ، أنَّه يجب عليه الوفاء بنذره، وإن عقده وهو كافر؛
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، والبخاري، وابن جرير، وجماعةٌ من
الشافعية، والحديث صريح الدلالة على ذلك، ولأن الكفار مخاطبون بفروع
الشريعة، كما هم مخاطبون بأصولها .
وذهب أكثر العلماء: إلى أنَّه لا ينعقد؛ لأنَّ الكافر لا تصح منه العبادة
حتَّى يُسلم؛ قال الطحاوي: لا يصح من الكافر التقرب بالعبادة.
والقول الأول أصح.
٦- وفيه دليلٌ على أنَّ من حلف في حال كفره فأسلم، ثم حنث، أنه يلزمه
كفَّارة .
ومثل ذلك ظهاره، فإنه صحيحٌ موجبٌ للكفَّارة، وهذا هو مذهب
الإمامين؛ الشافعي، وأحمد، رحمهما الله تعالى.
انتهى كتاب الإيمان

١٥٥
كتاب القضاء
كتاب القضاء
مقدمة
القضاء لغةً: مصدر قضى يقضي قضاءً، فهو قاضٍ، ويُطلق على عدَّة
معانٍ هي: حَكَم، وفَصَل، وأحكم، وأمَضى، وفَرَغْ من الشيء، وَخَلَق،
والمعنى الظَّاهر في هذا الباب من هذه المعاني: هو حَكَمَ وفَصَلَ .
وجمع القضاء: أقضية، وجُمِعَ - مع أنَّه مصدر، والمصادر لا تُجمع -
باعتبار أنواعه .
وشرعًا: إنشاء للحكم والفصل .
والقضاء فرض كفاية، فلا بُدَّ للنَّاس من حاكم؛ لئلا تذهب الحقوق.
وفيه فضلٌ عظيمٌ لمن قَوِيَ على القيام به، وأدَّى الحقَّ فيه، فهو من أفضل
القربات، والأعمالُ بالنِّيات، وفيه خطرٌ عظيمٌ، ووزرٌ كبيرٌ لمن لم يؤدِّ الحقَّ
فيه .
ويجب على إمام المسلمين: أنْ يختار لهذا المنصب أفضل من يجد علمًا
وورعًا، فإنْ لم يجد، قَدَّمَ الأمثل، فالأمثل.
وللقاضي آدابٌ وأحوال، ذكرها العلماء في ((كتاب القضاء)) يحسن
الرجوع إليها .

١٥٦)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٢٠٢ - عَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّه :
((القُضَاءُ ثَلاَثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ في الجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ،
فَقَضَىْ بِهِ، فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ
في الحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، ورَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ
عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ)) رَوَاهُ الأَربَعَةُ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال في المحرر: إسناده جيد، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال
الحافظ في التلخيص: له طرق جمعتها في جزء. ومن هذه الطرق:
الأولى: أخرجها أبوداود، وابن ماجة، والبيهقي، عن أبي هاشم، عن
ابن بريدة، عن أبيه، قال أبوداود: وهذا أصح شيء فيه، يعني حديث ابن
بريدة، قلت - الألباني -: وهذا إسناد رجاله ثقات، رجال مسلم، غير أنَّ فيه
خلف بن خليفة، اختلط في الآخر، ولكن لم يتفرَّد به.
الثانية: أخرجها الحاكم عن حكيم بن جبير، عن ابن بريدة، عن أبيه،
وقال: صحيح الإسناد، وردّه الذهبي بقوله: قلت: ابن بكير الغنوي منكر
الحدیث، وهو من رجال السند.
الثالثة: أخرجها الحاكم، والبيهقي عن سهل بن عبيدة، عن ابن بريدة،
عن أبيه، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(١) أبوداود (٣٥٧٣)، الترمذي (١٣٢٢)، النسائي في الكبرى (٤٦١/٣)، ابن ماجة
(٢٣١٥)، الحاكم (٩٠/٤).

١٥٧
كتاب القضاء
والحديث بمجموع هذه الطرق صحيح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث قسّم القضاة إلى ثلاثة أصناف:
أحدها: قاضٍ عرف الحقَّ، والحكم الشرعي، فقضى به؛ فهذا القوي
الأمين على ما ولاَّه الله إيّاه؛ فهذا من أهل الجنَّة، إنْ شاء الله.
الثاني: قاضٍ عرف الحقَّ، واستبان له الحكم الشرعي، ولكن هواه
- والعياذ بالله - أغراه، فقضى بغير الحق؛ فهذا من أهل النَّار، والعياذ بالله.
الثالث: قاضٍ لم يعرف الحقَّ، ولم يفهم الحكم الشرعي؛ ولكنَّه تجرَّأَ
فحكمَ بالجهل؛ فهذا من أهل النَّار، سواءٌ أصابَ في حكمه، أو لا .
قال شيخ الإسلام: القضاة ثلاثة: مَن يصلح، ومن لا يصلح،
والمجهول، فلا يُرَدّ من أحكام الصَّالح إلاَّ ما علم أنَّه باطل، ولا ينفذ من
أحكام من لا يصلح إلاّ ما علم أنَّه حقٌّ، واختاره الموفق، وغيره.
٢ - ففي الحديث التحذير الشديد من القضاء بالهوى، أو القضاء بالجهل؛
فحقوق الخلق أمرها عظیمٌ، وعذاب الله شدید.
٣- قال شيخ الإسلام: الواجب اتخاذ ولاية القضاء دينًا وقربة؛ فإنَّها من أفضل
القربات، وإنَّما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها .
وقال في شرح الإقناع: وفي القضاء خطرٌ عظيمٌ، ودورٌ كبيرٌ لمن يريد
الحق فيه؛ ولهذا جاء الحديث: ((من جُعِل قاضيًا، فقد ذُبِحَ بغير سكين)»
٤ - ويحرم الدخول في القضاء على من لا يحسنه؛ قال شيخ الإسلام: من باشر
القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية، وأصرّ على ذلك، عاملاً بالجهل
والظلم، فهو فاسق، ولا تنفذ أحكامه.
٥- وقال الشيخ تقي الدِّين - أيضًا -: الفرق بين القاضي والمفتي: أنَّ القاضي
يبين الحكم الشرعي، ويلزم به، والمفتي يبينه فقط.

١٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فالمفتي أوسع دائرةً من القاضي؛ لأَنَّه يُفتي في الأمور المتنازع عليها
وغيرها، والقاضي لا يتعلَّق قضاؤه إلاّ بالمسائل المتنازع فيها بين النَّاس.
٦ - قال الشيخ محمد بن إبراهيم: لا يجوز الترويج في الفتيا، وتخيير المسائل،
وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أنْ يبين بيانًا مزيلاً للإشكال.
* فوائد:
الأولى: القضاء إلزامٌ بالحكم الشرعي، وفصل للخصومات، فالحاكم له
ثلاث صفات: فهو من جهة الإثبات شاهد، وهو من جهة تبيين الحكم مفتٍ،
وهو من جهة الإلزام بذلك ذو سلطان .
الثانية: الأصل في القضاء قوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِى
اُلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ﴾ [ص: ٢٦]، وقوله ◌َّ: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب
فله أجران، وإنْ أخطأ فله أجر)) [رواه البخاري (٦٩١٩) ومسلم (١٧١٦)].
قال شيخ الإسلام: الشّارع نصوصه كلمات جوامع، وقضايا كلية،
وقواعد عامَّة، يمتنع أنْ ينص على كل فردٍ من جزئيات العالم إلى يوم القيامة،
فلا بد من الاجتهاد في جزئيات، هل تدخل في كلماته الجامعة أو لا؟
الثالثة: القضاء فرض كفاية؛ كالإمامة العظمى، قال الإمام أحمد: لابُدَّ
للنَّاس من حاكم؛ لئلا تذهب حقوق النَّاس.
وقال شيخ الإسلام: قد أوجب النَّبِي ◌َّرَ تأمير الواحد في الاجتماع
القليل العارض في السفر، وهو تنبيهٌ على أنواع الاجتماع.
الرَّابعة: نصبُ الإمام للقاضي واجبٌ؛ لفصل خصومات النَّاس، ولأنَّ
القضاء من مستلزمات الإمام الأعظم، فهو القائم بأمر الرعية، فينصب القضاة
بقدر الحاجة، نوابًا عنه في الأمصار والأقاليم.
الخامسة: قال مجلس المجمّع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في أحد
قراراته: على قادة المسلمين أنْ يبادروا إلى تطبيق شريعة الله؛ لينعموا، وتنعم
-------

١٥٩
كتاب القضاء
رعيتهم بالأمن والطمأنينة في ظلِّ الشريعة الإسلامية، كما حصل ذلك السلف
هذه الأُمّة، الَّذين وفَّقهم الله لتطبيق شرعه، فجمع لهم بين النَّصر على الأعداء،
والذكر الحسن في هذه الحياة الدنيا .
ولا شكَّ أنَّ الحالة التي وصل إليها العرب والمسلمون من ذلك أمام
الأعداء : نتيجة حتمية لعدم تطبيق الشريعة الإسلامية .
والله المسؤول أنْ يوفق المسلمين جميعًا إلى ما فيه عزهم وفلاحهم على
أعدائهم ؛ إنَّه سميعٌ مجيب .
السَّادسة: قال الشيخ محمد بن إبراهيم: بلغنا أنَّ بعض القضاة يرد بعض
القضايا إلى مكتب العمل، أو إلى غيره من الدوائر؛ بحجة أنَّ ذلك من
اختصاص جهة معينة، وغير خافٍ على أنَّ الشريعة الإسلامية كفيلةٌ بإصلاح
الأحوال البشرية في كلِّ المجالات، وفيها كفاية لحلِّ النزاع، وفصل
الخصومات، وإيضاح كل مشكل، وفي الإحالة إلى تلك الجهات إقرار
للقوانين الوضعية، وإظهار للمحاكم بمظهر العجز؛ فاعتمدوا النظر في كلِّ ما
يرد إليكم، والحكم فيه بما يقتضيه الشرع الشريف.
السّابعة: قال الشيخ تقي الدِّين: ولا تثبت ولاية القضاء إلاَّ بتولية الإمام،
أو نائبه؛ لأَنَّ ولاية القضاء من المصالح العامة؛ فلم تجز إلاَّ من جهة الإمام.
والولاية لها كفاية القوَّة والأمانة، فالقوَّة في الحكم ترجع إلى العلم
والعدل في تنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى.
الثَّامنة: قال الشيخ تقي الدِّين - أيضًا -: شروط القضاء تعتبر حسب الإمكان،
ويجب تولية الأمثل، فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره؛ فيولَّى لعدم
التقي أنفع الفاسقين، وأقلّهم شرًّا، وأعدل المقلِّدين، وأعرفهم بالتقليد.
التاسعة: قال ابن القيم: معرفة النَّاس وأحوالهم أصلٌ عظيمٌ، يحتاج إليه
الحاكم، فإنْ لم يكن فقيهًا فيه، وفقيهًا في الأمر والنَّهي، ثمَّ يطبّق أحدهما على

١٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الآخر، کان إفساده أکثر من إصلاحه .
وإذا لم يكن فقيه النَّفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده،
وفي قرائن الحال، والمقال، كفقيه في كليات الأحكام، أضاع حقوقًا كثيرةً
على أصحابها، وحَكَمَ بما يعلم النَّاس بطلانه، اعتمادًا منه على نوع ظاهرٍ لم
يلتفت إلى باطنه، وقرائن أحواله؛ فالرجوع إلى القرائن في الأحكام متَّفَقٌ عليه
بين الفقهاء .
العاشرة: قال في التنوير: ينبغي أنْ يكون القاضي موثوقًا به في عفافه،
وعقله، وصلاحه، وفهمه، وعلمه بالسنّة والآثار، ووجوه الفقه والاجتهاد،
وألاّ يكون فظًّا غليظًا.
وقال في ردِّ المحتار للحنيفة، وشرح الإقناع للحنابلة: ينبغي أنْ يكون
القاضي شديدًا في غير عنفٍ، لينًا في غير ضعف، فكل من هو أعرف، وأقدر،
وأوجه، وأهيب، وأصبر على ما يصيبه من النَّاس، كان أولى.
الحادية عشرة: نختم هذه الفوائد بختام مسك، وهو قوله بَّهِ لأَبي ذَرِّ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أوصيك بتقوى الله في سرِّكَ وعلانيتك، وإذا سألت
فأحسن، ولا تسألنَّ أحدًا شيئًا، وإنْ سقط سوطك، ولا تقبض أمانة، ولا تقض
بين اثنين)) [رواه أحمد (٢١٠٦٣)].
۔۔
---------
------