Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كتاب الأطعمة كالكرة، وبذلك يقي نفسه من خطر الاعتداء عليه، وجمعه قنافذ، ويُقال: العسعاس؛ لكثرة ترددها بالليل. وهو مولعٌ بأكل الأفاعي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على تحريم أكل القنفذ، وأنَّها خبيثةٌ من الخبائث، وكأنَّ ابن عمر - رضِيَ اللهُ عَنْهُ - لم يبلغه الحديث، فأفتى على موجب اجتهاده من عموم الآية الكريمة بحلها، فلمَّا بلغه النَّص قدَّمه على الاجتهاد. ٢ - اختلف العلماء في تحريم القنفذ، فذهب إلى ذلك الإمامان: أبو حنيفة : وأحمد؛ لهذا الحديث، ولأَنَّه من الخبائث، والله تعالى حرَّم الخبائث. وذهب مالك، والشافعي: إلى حله؛ تمشيًا مع القول بأن الأصل في الحيوان الإباحة، وفيها خلافٌ أصوليٌّ، وأمَّا الحديث فلم يثبت لديهم. ٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: (نَهَىْ رَسُولُ اللهِ بَّهِ عَنِ الجَلَّلةِ، وَأَلْبَانِهَا)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ، وحسَّنَهُ التِّرمِذِيُّ(١). درجة الحديث: الحدیث حسن . أخرجه أبوداود، والترمذي، وابن ماجة، والبيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. ورجاله ثقات، إلاَّ أنَّه اختلف فيه على ابن أبي نجيح، لكن رواه البيهقي من وجهٍ آخر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر . وقد حسَّنه الترمذي، فإنَّ له شواهد تشهد له بالصحة، جاءت عن ابن عبَّاس، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة: فحديث ابن عباس: رواه أحمد، والأربعة، وصححه ابن دقيق العيد، وحسَّنه الحافظ . وحديث ابن عمرو: رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي، والحاكم. وحديث أبي هريرة: رواه الحاكم، والبيهقي، وإسناده قوي. * مفردات الحديث: - الجَلاّلة: من صيغ المبالغة، هي الحيوان الَّذي يأكل الجُلّة، والعذرة، والنَّجاسات، سواءٌ أكانت الجَّلة من الإبل، أو البقر، أو الغنم، أو الدجاج، أو غير ذلك من الحيوان، والطير المأكول. (١) أبو داود (٣٧٨٥)، الترمذي (١٨٢٤)، النسائي (٣١٨٩). ٢٣ كتاب الأطعمة قال الدميري: الجلَّلة من الحيوان: هو الَّذي يأكل الجلَّة، والعذرة. وقال في شرح الإقناع: ((الجلَّلة هي التي علفها النجاسة)). وقال النووي: ((لا تكون جلالة إلاَّ إذا غلب على علفها النجاسة)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - حديث الباب له شواهد كلها مرفوعة إلى النَّبي ◌َّةِ، منها: ( أ) ما رواه أحمد (١٩٩٠)، وأبوداود (٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٥) عن ابن عبّاس: ((نهى عن شرب لبن الجلالة))، وفي رواية: ((نهى عن ركوب الجلالة)». (ب) ما رواه أبو داود (٣٧٨٧) عن ابن عمر: «نهى عن الجلاَّلة في الإبل: أنْ يركب عليها، أو يشرب من ألبانها)). (ج) ما رواه أحمد (٦٩٩٩)، وأبوداود (٣٨١١)، والنسائي (٤٤٤٧)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((نهى عن لحوم الحمر الأهلية والجلالة: عن ركوبها وأكل لحومها)). ٢- وأمَّا حبسها عن النجاسة فهناك روايات: ( أ) ما أخرجه الحاكم (٤٦/٢)، والدَّار قطني (٢٨٣/٤)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص: ((حتَّى تعلف أربعين ليلة)). (ب) ((كان ابن عمرو إذا أراد أكلها، حبسها ثلاث ليال بأيّامها)). ٣- الأحاديث تفيد الثَّهي عن أكل لحوم الجلاَّلة، وشرب لبنها، وركوبها؛ لأَنَّ لحمها، ولبنها، وعرقها، متولدات من النجاسة، فهي نجسة . ٤- قال في شرح الإقناع: وتحرم الجلَّلة، ويحرم لبنها، وبيضها؛ لأَنَّه متولدٌ عن نجاسة . ويكره ركوبها؛ لأجل عرقها حتَّى تحبس ثلاث ليال بأيامهنَّ، وتطعم الطَّاهر، وتُمنع النجاسة، طائرًا كان أو بهيمة، فإذا تمَّت المدَّة طهرت وحلَّت. ٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١٥٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي قِصَّةِ الحِمَارِ الْوَحْشِيِّ: ((فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ◌ِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - قال في حياة الحيوان: الحمار الوحشي يسمَّى الفَرَاء، ويعيش طويلاً، وهو من الصيد، قال في شرح الإقناع: ويجب في كلِّ واحدٍ من حمار الوحش بقرةٌ، قضى به عمر، وقال عروة ومجاهد: لأنَّها شبيهة به. ٢- تمام حديث الباب، كما في الصحيحين عن أبي قتادة قال: ((كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النَّبِي وَّ في منزل في طريق مكَّة، ورسول الله وَل* أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم - عام الحديبية - فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يُؤذنُوني، وأحبوا لو أنِّي أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثمَّ ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت: لهم ناولوني السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضبت، ونزلت، فأخذتهما ثمَّ ركبت، فشددت على الحمار، فعقرته، ثمَّ جئت به، وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثمَّ إنَّهم شكوا في أكلهم إيَّاه ـ وهم حرمٌ - فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله وَ ل﴿ فسألناه، فقال: هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها وهو محرم، وسأل هل أشار إليه إنسان منكم، أو أمره بشيءٍ؟ فقالوا: لا، قال: فأكلوه)). ٣- الحديث يدل على إباحة وجواز أكل الحمار الوحشي، وأنَّه من الصيد الطيب، وجواز أكله إجماع العلماء، قال الإمام الشافعي: لا نعلم في حل الحمار الوحشي خلافًا، إلاَّ ما روي عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، وأهلُ العلم قاطبةً على خلاف قوله. (١) البخاري (٢٨٥٤)، مسلم (١١٩٦). ٢٥ -( كتاب الأطعمة ١١٥٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: (نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِن ◌َّلَ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١). ما يؤخذ من الحديث: ١ - الفرس: قال في الموسوعة الدينية: ((حيوان ثديي، وحيد الحافر، يتبع الفصيلة الخيلية، يستعمل للركوب، والحصان العربي أرقى أنواع الخيل، يمتاز بالسرعة، وقوة الاحتمال، وخفّة الحركة)). ٢ - الحديث دليل على إباحة أكل لحم الفرس، فقد أقرَّ النَّبِي ◌َّ أكله، وإقراره على الشيء من سنته . ٣- النحر: هو تذكية الإبل خاصَّة، وما عداها فهو يذبح ذبحًا، لا نحرًا، ورواية الحديث عن أسماء تقول: إنَّهم نحروه. وقد أجاز جمهور العلماء نحر ما يذبح من الحيوان والطير، وذبح ما ينحر منها، إلاَّ أنَّ الأفضل في الإبل النحر، وفيما عداها الذبح. خلاف العلماء: ذهب الإمام مالك: إلى أنَّ أكل لحوم الخيل مكروهٌ كراهةَ تنزيهِ. وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنَّه يكره أكله، واستدل على كراهته بقوله تعالى: ﴿وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرَكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]؛ فالآية جاءت للامتنان، ولو أبيح أكلها، لكان أعظم منَّة من الركوب والزينة. والجواب: أنَّ الآية خرجت مخرج الغالب؛ لأَنَّ الغالب في الخيل إنَّما هي للزينة والركوب دون الأكل. (١) البخاري (٥٥١٠)، مسلم (١٩٤٢). ٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وذهب الإمامان: الشافعي، وأحمد إلى إباحة أكل لحومها؛ لما يأتي: ١-حديث الباب صحيحٌ صريح. ٢ - ما في البخاري (٤٢١٩) ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر: ((أنَّ النَّبِي ◌َّ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأُذِنَ في لحوم الخيل)). ٣- وفي رواية الترمذي (١٧٩٣): ((أطعمنا رسول الله لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر)). وحِلها هو مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، ومنهم ابن الزبير، وشريح، والحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحمَّاد بن زيد، والليث، وابن سيرين، وسفيان الثوري، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المبارك، وإسحاق، وأبوثور، وغيرهم من السلف، والله أعلم. 1 ٢٧ كتاب الأطعمة ١١٥٩ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((أُكِلَ الضَّبُّ عَلَىْ مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِّه)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - الضَّبّ: بفتح الضاد، وتشديد الباء الموحدة، جمعه ضباب وأضب، وهو حيوان من جنس الزواحف، من رتبة العظاه، غليظ الجسم، خشنه، وله ذنب عريض ذو عُقَد، يسكن في الصحاري العربية. قال في الوسيط: ((الضب حيوانٌ من جنس الزواحف، من رتبة العظاه، غليظ الجسم، خشنه، وله ذنب عريض حرش أعقد، يكثر في صحاري الأقطار العربية)) . وقال في الموسوعة الميسرة: ((الضب آكل عشب، يعدو بسرعة، ويتسلق بخفة)) . وقال الدميري: «الضب حيوان بري، يشبه الورل، جمعه ضباب وأضب، والأنثى ضبة». وقال ابن خالويه: ((الضب: لا يشرب الماء، ويعيش سبعمائة سنة، لا تسقط له سن، وهو طويل الدم؛ فإنَّه يمكث بعد الذبح ليلة، ويُلْقَى في النَّار فیتحرَّك)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تمام حديث الباب ما جاء في البخاري (٥٣٩١) ومسلم (١٩٤٦) عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد؛ أنَّه أخبره أنَّه دخل مع رسول الله وَّ على (١) البخاري (٧٣٥٨)، مسلم (١٩٤٧). ٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ميمونة - وهي خالة ابن عبّاس - فوجد عندها ضبًّا محنوذًا، قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فَقَدَّمَتْ لرسول الله وَلِّهِ، فأهوى بيده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أَخْبِرْنَ رسول الله وَله بما قدمته له، قلن: هو الضب يارسول الله! فرفع رسول الله ◌َ و يده، فقال خالد بن الوليد: أحرامٌ الضب يارسول الله؟ قال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه))، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله وَخلال ينظر، فلم ينهني . ٢- الحديث يدل على جواز أكل الضب، وأنَّه حلال، وهو من الصيد الذي يحرم قتله وصيده في الحرم والإحرام، قال في شرح الإقناع: ((وفي الضب جدي قضى به عمر، والجدي الذكر من أولاد المعز، ما بلغ ستَّة أشهر)). ٣- وقال في شرح الإقناع: فيباح ضب، قال أبوسعيد: ((كُلِّنا معشر أصحاب محمد ◌َّ، لأن يُهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة)). وحِلُّ أكله هو إجماع العلماء، وقال النووي: ((لا تصح كراهته عن أحد، وإنْ صحَّ فمرجوحٌ بالنصوص، وإجماع من قبله)). وكونه عافه وَّر لا ينافي كونه لا يعيب طعامًا قط، وما ذُكِر أنَّه ممسوخٌ، فقد ثبت بالأحاديث أنَّ كُلَّ ممسوخ لا عقب له. ٢٩ كتاب الأطعمة ١١٦٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ يَّه عَنِ الصِّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ؟ فنَهَى عَنْ قَتْلِهَا)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَخَّحَهُ الْحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال المصنّف: أخرجه أحمد، والحاكم، وأبوداود، والنسائي، والبيهقي، وقال: هو أقوى ما ورد في النَّهي عن قتل الضفدع؛ وله شاهدٌ في الصحيح . وقد جاء من حديث ابن عمر: ((لا تقتلوا الضفدع، فإنَّ نقيقها تسبيح»، قال البيهقي: إسناده حسن، وقد صحّحه الحاكم. * مفردات الحديث: - الضِّفْدَع: جمع ضفدعة، حيوان برمائي (نسبة إلى البر والماء)، ذو نقيق، ويُقال للذكر والأنثى، وجمعه ضفادع. قال في الموسوعة: ((الضفدع: حيوانٌ برمائي يوجد بالمياه العذبة الهادئة، والأحراج، أملس الجلد، أخضر اللون في الغالب، أو بني. لبعض أنواعه إفرازات بهيجة أو سامَّة، يعيش الضفدع في جميع أنحاء العالم )). قال الدميري: ((الضفدع: بكسر الضاد، وسكون الفاء، والعين المهملة، بينها دال مهملة، واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة)). (١) أحمد (٤٩٩/٣)، الحاكم (٤١١/٤)، أبوداود (٣٨٧١)، النسائي (٢١٠/٧). ٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الضفادع أنواع كثيرة، وتتولد في المياه القاتمة الضعيفة الجري، ومن العفونات، وعقب الأمطار الغزيرة، وهي من الحيوانات التي لا عظام لها، ومنها ما يَنِق وما لا يَنِق، وتوصف بحدة السمع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يفيد النهي عن قتل الضفدع، والنهي يقتضي تحريم قتلها. ٢ - تحريم قتلها يفيد تحريم أكلها؛ فإنَّه لو جاز أكلها، لما حرم قتلها، وتحريم أكلها والنّهي عن قتلها: هو إجماع العلماء. قال البيهقي عن حديث الباب: هو أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع . ٣- الطبيب سأل النَّبي ◌َّ عن الضفدع يجعلها في دواء؟ فنهى عن قتلها . قال الدميري: لحوم الضفادع تغئي النفس، وتورث إسهالاً دمويًّا، فيتغير منه لون البدن، ويختلط العقل، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد. : ٣١ كتاب الأطعمة - باب الصيد باب الصيد مقدمة الصيد: مصدر صاد يصيد صيدًا، فهو صائد، وقد أطلق المصدر على اسم المفعول، فعومل معاملة الأسماء، فأوقع على الحيوان المصيد؛ كقوله تعالى: ﴿لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ و﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٥_٠١٩٦ وتعريفه شرعًا: الصيد: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا، غير مملوك، ولا مقدور عليه . وهو مباح بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس : قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيّدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٥-٩٦] والأحاديث كثيرة، ومنها ما في البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (١٥٧٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((من اتخذ كلباً - إلاّ كلب صيدٍ، أو زرع، أو ماشيةٍ - انتقص من أجره كل يوم قيراط)). وقد أجمع العلماء على حله، وإباحة أكله، ويقتضيه القياس الصحيح. قال في شرع الإقناع: والصيد أفضل مأكول؛ لأَنَّه حلال لا شبهة فيه. وقال أيضًا: الزراعة أفضل مكتسب؛ لأنَّها أقرب إلى التوكل من غيرها، وأقرب للحل، ومنها عمل اليد، والنفع العام للآدمي، والدواب. وقيل: التجارة أفضل المكاسب، وأفضلها التجارة في البز والعطر، وأبغضها التجارة في رقيقٍ، وصَرْفٍ؛ للشبهة . ٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ويُسن التكسب، ومعرفة أحكامه؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِ مَنَاكِهَا وَكُواْ مِن رِّزْقِهِ ﴾ [الملك: ١٥]. فالأخذ بالأسباب المباحة المشروعة من التوكل . ولا يُعتقد أنَّ الرزق من الكسب، بل هو من الله، بواسطة أسبابه التي هدانا الله تعالى إليها . ويُشترط لحلِّ الصيد أربعة شروط : أحدها: أهلية الصَّائد، وهو الَّذي تحل ذبيحته. الثاني: الآلة، وهي نوعان: إمَّا آلة حادة، أو سهم يخرق الجلد. والنوع الثاني: الجارح المعلّم؛ كالكلب، والصقر. الثالث: إرسال الآلة قاصدًا للصيد؛ فلا يحل إنْ استرسل بنفسه. الرّابع: قول الصائد : ((باسم الله)) عند إرسال جارحه، أو سهمه؛ فلا يُباح ما لم يذكر عليه اسم الله تعالی من عالِمٍ عامد. ٣٣ كتاب الأطعمة - باب الصيد ١١٦١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ : ((مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا - إِلَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ - انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - ماشية: الماشية اسم يقع على الإبل، والبقر، والغنم، وأكثر ما تستعمل في الغنم، ويُجمع على مواشٍ. - أو: من حروف العطف، ولها فيه معان كثيرة، أحدها: التنوع، وهو المراد هنا . - قيراط: القيراط: معيار في الوزن، اختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو الآن وزن أربع قمحات، وفي القياس جزء من أربعة وعشرين جزءًا، ولكنه في مثل هذه النصوص أمرٌ مجهول المقدار، وقد قال رَليه: ((من تبع جنازة مسلم، وكان معها حتَّى يفرغ من دفنها، فإنَّه يرجع بقيراطين: كل قيراط مثل جبل أُخُد)). قيراط: مرفوع على أنَّه نائب فاعل . - الكلب: حيوانٌ أهليٌّ، من الفصيلة الكلبية، من رتبة اللواحم، جمعه كلاب وأكلب . قال الدميري: الكلب حيوان ليس سبعًا، ولا بهيمة، فهو من الخلق المركَّب؛ لأَنَّه لو تمَّ له طباع السبعية، ما ألف النَّاس، ولو تمَّ له طباع البهيمة، ما أكل لحم الحيوان، وهو نوعان: أهلي، وسلوقي؛ نسبة إلى (١) البخاري (٢٣٢٢)، مسلم (١٥٧٥). ٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أسلوق وهي مدينة باليمن تنسب إليها الكلاب السلوقية، وكلا النوعين في الطبع سواء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جاء في البخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله وَّ قال: ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، إحداهنَّ بالتراب)» فهذا يدل على أنَّ نجاسة الكلب نجاسة مغلَّظة لشدَّة قذارته. ٢- حديث الباب يدل على تحريم اقتنائه، واتخاذه. فقد روى مسلم (٢١١٣) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبِي وَلّ قال: ((لا تصحب الملائکة رفقةً فیھا کلبٌ أو جرس)). ٣- ويدل الحديث على نقص أجر مقتني الكلب كل يوم قيراطًا من الأجر، وهو قدرٌ عظيم قرَّبِهِ النَّبي ◌ََّ إلى الأفهام في بعض الأحاديث بأنَّه مثل الجبل العظيم : جبل أُحُد. ٤- اكتُشفت بالمكبرات الحديثة أنَّ في لعاب الكلب ميكروبات معدية فتاكة؛ ولذا صارت نجاسته مغلظة، فلا يطهر ما أصابته إلاَّ بغسله سبع مرَّات، إحداهنَّ بالتراب الَّذي يحمل قوَّة الإنقاء والتطهير. ٥ - قال الأستاذ عفيف طبارة: ومن حِكَم الإسلام وقاية الأبدان من نجاسة الكلاب، وهذه معجزة علمية للإسلام، سبق بها الطب الحديث الَّذي أثبت أنَّ الكلاب تنقل كثيرًا من الأمراض إلى الإنسان. قال الدكتور الألماني (كوسموس): إنَّ زيادة شغف النَّاس باقتناء الكلاب في هذا العهد الأخير، يضطرنا إلى لفت الأنظار للأخطار التي تنجم عن ذلك، وخاصَّة إذا دفع اقتناؤها إلى مداعبتها وتقبيلها، والسماح لها بلمس أيدي أصحابها، وتركها تلعق فضلات الطعام من أوانيها . ٣٥ كتاب الأطعمة - باب الصيد فكل ما ذكر مع نبوّه عن الذوق السليم، فإنَّه لا يتفق ومبادىء الصحة، فإنَّ الأخطار التي تهدد صحة الإنسان وحياته بسبب هذا التسامح ممَّا لا يستهان بها؛ فإنَّ الكلاب تصاب بدودة شريطية تتعدّاها إلى الإنسان بمرض عُضال، قد تصل إلى حد العدوان على حياته. وقد ثبت أنَّ جميع أجناس الكلاب حتَّى أصغرها حجمًا لا تسلم من الإصابة بهذه الديدان الشريطية . ٦- استثني من تحريم اقتناء الكلب ثلاث حالات: إحداها: الكلب الّذي يحرس الماشية من السباع، كالذئاب، ويحرسها من اللصوص . الثانية: الكلب الَّذي يعد لحراسة المزارع، لا سيما مزارع الأطراف والضواحي، التي يخشى على أهلها، وعلى مواشيهم، وثمارهم، وزروعهم من اللصوص والسباع . الثالثة: الكلب المعد للصيد، الَّذي سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى. فاقتناء الكلاب واتخاذها لواحدةٍ من هذه الحالات الثلاثة مباح، ومستثنى من التحريم . ٧- قال العلماء: حكمة التحريم في بقاء الكلب في البيت واقتنائه، هو ما يسبب من ترويع النَّاس، وامتناع دخول الملائكة في بيتٍ فيه كلب، وما فيه من النجاسة والقذارة . * خلاف العلماء : اختلف العلماء هل اقتناؤه واتخاذه لغير حاجة، محرم، أو مكروه؟ فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى أنَّ اقتناءه محرَّم لما جاء من الأحاديث الصحيحة من شدَّة نجاسته، وعدم دخول الملائكة بيتًا هو فيه، ونقص الثواب والأجر باقتنائه لغير حاجة . ٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال في المجموع: وحكى الروياني عن أبي حنيفة جوازه. قال النووي: ويجوز اقتناء الكلب للصيد أو الزرع أو الماشية بلا خلاف. وأمَّا اقتناؤه لحفظ الدور والدواب فوجهان مشهوران : أحدهما: لا يجوز؛ للخبر. الثاني: يجوز؛ لأَنَّه لحفظ مال، فأشبه الزرع والماشية. واختلف العلماء في جواز بيع الكلب: فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى بطلانه، وأنَّه لا يجوز؛ لما جاء في البخاري (٥٣٤٦)، ومسلم (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود عقبة بن عامر قال: ((نهى رسول الله وَّل عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن)). وغيره من الأحاديث. وقال بتحريم بيعه وبطلانه كل من: الحسن البصري، وربيعة، وحماد، والأوزاعي، وداود. وذهب أبو حنيفة: إلى جواز بيع الكلاب كلها، وأخذ ثمنها، وضمانها على من أتلفها . واختلف أصحاب مالك: فبعضهم أجاز بيع الكلب المأذون في إمساكه، وبعضهم قال : لا يجوز. واحتج من أجاز بيعه بما أخرجه مسلم (١٥٦٩) من حديث جابر قال: ((زجر النَّبِي وَّر عن ثمن الكلب والسنور))، ولأَنَّه يُباح الانتفاع به، ويصح نقل الید فیه، والوصية به، فصح بيعه؛ کالحمار. وممَّن أجاز بيعه من السلف: جابر بن عبدالله، وعطاء، والنخعي. ٣٧ كتاب الأطعمة - باب الصيد ١١٦٢ - وعَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمِ - رَضِي اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قالَ لِى رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا، فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَكُلُّهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبَا غَيْرَهُ، وَقَدْ قَتَلَ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَىْ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا، فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلاَّ أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي المَاءِ، فَلاَ تَأْكُلْ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١) . ١١٦٣ - وَعَنْ عَدِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ بَّهُ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ فَقَالَ: ((إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ، فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ؛ فَلاَ تَأْكُلْ)) رواهُ البُخاريُّ(٢). * مفردات الحديث: - المِعْرَاض: بكسر الميم، وسكون العين المهملة، ثمَّ ألف، بعدها ضاد معجمة، وهو عصا في طرفه حديدة يرمي بها الصائد، فما أصاب بحده، يؤكل، وما أصاب بغير طرفه الحاد فهو وقيذٌ لا يؤكل. - حدّه: حدّ كل شيءٍ: طرفه الرقيق الدقيق الحاد. - عَرضه: العرض بفتح العين المهملة، وسكون الراء: جانب الشيء، وناحيته. (١) البخاري (٥٤٨٤)، مسلم (١٩٢٩). (٢) البخاري (٥٤٧٦). ٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - وقيذ: بفتح الواو، وكسر القاف المثنَّة، وذال معجمة، بزنة عظيم، والموقوذة: هي المضروبة بمثقل من عصا، ونحوه، حتَّى يموت. - السهم: واحد النبل، وهو نصل يُرمى به من القوس، جمعه أسهم وسهام. ٣٩ كتاب الأطعمة - باب الصيد ١١٦٤ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِنَّهِ قَالَ: (إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ، فَكُلُّهُ مَالَمْ يُنِْنْ)) أخْرَجَهُ مُسْلِمْ(١). 1. (١) * مفردات الحديث: - مالم يُنتن: بضم الياء، وفتحها، وكسر التاء، من أنتن الرباعي، ومعناه: ما لم تتغير رائحته، وتخبث. * ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة: ١- إباحة صيد الكلب المعلّم للصيد؛ قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ أي: وأحل الله لكم صيد ما علّمتم من الجوارح، وهي الكواسب من الكلاب ونحوها . قال القرطبي: ((إنَّ الكلب إذا لم يأكل من صيده الَّذي صاده، وذُكر اسم الله عند إرساله، فإنَّ صیدہ مباح، يؤكل بلا خلاف. ٢ - لا يحل صيد الكلب وغيره من الجوارح إلاّ بعد التعليم؛ قال تعالى: ◌ْ مُكِلِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ يِّمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: مؤدبين لهذه الجوارح، ومعلمين لهنَّ ممَّا خلقه الله فيكم من العقل، الَّذي تهتدون به إلى تدريبها وتعليمها، حتَّى تصير قابلة الإمساك الصيد . ٣- قالٍ في نيل المآرب: الثاني من شروط حل الصيد: أنْ يكون الجارح معلَّمًا، وتعليم الكلب ونحوه من السباع يكون بثلاثة أشياء: (أ) إذا أرسل استرسل. (١) مسلم (١٩٣١). ٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام (ب) إذا زُجر انزجر. (ج) إذا أمسك لم يأكل. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: قال بعض الأصحاب: التعليم ما يُعَدّ بالعرف تعليمًا، وهو أقرب لظاهر الآية، ولسهولة الأمر. ٤- لا يحل الصيد ما لم يذكر اسم الله تعالى عند إرسال الجارح؛ قال تعالى: وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ . وقال ◌َّ: ((إِذَا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه)) [رواه مسلم (١٩٢٩)]. فإنْ تَرَك التسمية عمدًا، فمذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: أنَّها لا تحل. وذهب الشافعي: إلى أنَّها سنَّة، وليست بواجبة، وهي رواية عن أحمد. وإنْ ترك التسمية ناسيًا، أبيح صيده، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وغيرهم. ٥- قوله: ((إذا أرسلت كلبك)) مفهوم الشرط أنَّ غير المرسَل ممَّا يسترسل بنفسه لا یحل صیده، وهو قول جمهور العلماء. ذلك أنَّه صاد لنفسه، ولم يصد لمقتنيه؛ فإنَّ حقيقة التعليم هو أنْ يكون بحیث یرسل فیقصد الصید، ویزجر فیکف عنه. ٦ - قوله: ((فأدركته حيًّا، فاذبحه)) فهذا دليل على وجوب تذكية الصيد إذا وجد حيًّا، فإنَّه لا يحل إلاَّ بالتذكية، وهذا بإجماع العلماء. قال النووي: وإنْ أدركه وفيه بقية من حياة، فإنْ كان قد قطع حلقومه أو مريئه أو جرح أمعاءه أو أخرج حشوته، فيحل بلا ذكاة إجماعًا . ٧- قوله: ((وإنْ أدركته قد قتل، فَكُلُهُ)) وأصرح من هذه الرواية ما جاء في البخاري (٥٤٨٤) ومسلم (١٩٢٩) أيضًا من حديث عدي بن حاتم قوله