Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الجهاد - باب الهدنة
١١٤٢ - وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ خَرَجَ عَامَ الحُدَيْنِيَّةَ ... )) فَذَكَرَ الحَدِيثَ
بِطُولِهِ، وَفِيهِ: ((هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ
عَمْرٍو، عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأُمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفتُ
بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ(١).
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَفِيهِ :
((أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنََّ رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَ))
فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ
فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا، وَمَخْرَجًا))(٢).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
فأصله في البخاري، كما قال المؤلف، ورجاله ثقات؛ ذلك أنَّه جاء من
طريق محمَّد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن
مخرمة .
* مفردات الحديث:
- المسور بن مخرمة: بن نوفل القرشي الزهري، له ولأبيه صحبة، وهو من
صغار الصحابة، وأبوه من مسلمة الفتح، وحسن إسلامه، وكان عالمًا
(١)
أبو داود(٢٧٦٦)، البخاري (٢٧٣١).
(٢) مسلم (١٧٨٤).

٤٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بالأنساب، والمثالب.
- مروان: بن الحكم الأموي ابن عم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من صغار
الصحابة، له ولأبيه صحبة، وتولى إمارة الشام، ثم صارت الخلافة العامة في
ابنه عبدالملك، ثم في أحفاده، حتى قامت الدولة العباسية عام (١٣٢هـ).
- الحُدَيْنِيّة: بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وسكون الياء، ثم باء مكسورة،
ثم فتح الياء الثانية، تصغير: ((حدْباء))، وبعض اللغويين يثقلها، وبعضهم
يخففها، والصواب التخفيف، سميت باسم بئر فيها، وكان فيها الشجرة التي
بايع الصحابة تحتها النبي وَّل سنة ست، والحديبية فضاء على طريق مكة
جدة، بعضه في الحل، وبعضه في الحرم، وهو أبعد حدود الحرم، وفيه
أنصاب الحرم، ويسمى الآن الشميسي، صار فيه الصلح المشهور بين النبي
وَلّ، وكفار قريش، سنة ست من الهجرة، يبعد حد الحرم في الحديبية عن
المسجد الحرام بنحو ثلاثة وعشرين کیلومترًا .
- الفَرَج: لغة: الشق، والمراد هنا: سهولة الأمر وانكشاف الهمّ، والغمّ.
- المخرج: موضع الخروج، والمراد هنا: الأمر الذي ينجيه، ويخرجه من کل
کرب في الدنيا والآخرة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - خلاصة عمرة الحديبية، والصلح الجاري فيها: أنَّ النَّبِيَّ وَّ خرج من
المدينة إلى مكة مُحْرمًا، يريد العمرة، ومعه نحو ((ألف وأربعمائة)) رجل من
أصحابه، فلما قرب من مكة خرج إليه مشركو قريش؛ ليمنعوه من دخولها
عليهم عنوة، فتواقف الطرفان عدة أيام في الحديبية، ترددت بينهم الرسل،
حتى تم الصلح على شروط .
منها: أن يعود النبي وَّل هذا العام، ويأتي من العام القابل؛ ليعتمر،
ويقيم فيها ثلاثة أيام، ثم يخرج، ومنها: وضع الحرب بين الطرفين عشر
.----

٤٤٣
كتاب الجهاد - باب الهدنة
سنين .
ومنها: أنَّ من جاء من كفار قريش مسلمًا، رده النبي ◌ََّ، وأنَّ من
جاء إليها من المسلمين، لم ترده قريش إلى النبي ◌ُّر، في شروط مذكورة
في هذا الصلح المشهور .
فحلَّ النبي ◌َّ وأصحابه إحرامهم، وعادوا بعد إبرام هذا الصلح،
الذي وفَّى النَّبِي وَّ ببنوده وشروطه، إلاَّ أنَّ قريشًا نقضته، فصار نقضه سبب
فتح مكة المشرفة، ولله الحمد.
٢ - ففي القصة، والصلح الواقع فيها دليل جواز مهادنة الكفار، بوضع الحرب
بينهم وبين المسلمين، ولا يعتبر هذا تعطيلاً للجهاد، وإنما هو تأجيل؛
نظرًا إلى مصلحة المسلمين العامة التي قد تقضي ذلك.
٣- لذا فإنَّ هذه الموادعة، والهدنة تكون مؤقتة بمدة معلومة.
قال في ((الروض المربع)): والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال
مدة معلومة، ولو طالت بقدر الحاجة.
٤ - قال الشيخ تقي الدين: يجوز عقدها مؤقتًا، والمؤقت لازم الطرفين، يجب
الوفاء به ما لم ينقضه العدو، وإذا مات الإمام، أو عُزِل، لزم من بعده الوفاء
بعقده .
٥- يصح أن يكون من الشروط أنَّ من ارتد عن الإسلام، ولجأ إلى الكفار أنَّهم
لا يردونه على المسلمين، وأنَّ من أسلم وجاء إلى المسلمين من الكفار يرد
إليهم، والرضا بهذا الشرط الأخير إنما يكون عند الحاجة إليه، بظهور
مصلحة الصلح للمسلمين .
٦- الموافقة على هذا الشرط، وإن كان فيه غضاضة على المسلمين حسب
الظاهر، لكن فيه خير أراده الله تعالى، فإنَّ النَّبِيَّ وَّهِ بِيَّنْه ووضَّحه بقوله:
((إنَّه من ذهب منَّا إليهم، فأبعده الله تعالى؛ لأنَّه مرتد عن الإسلام ولا خير

٤٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فيه، وأما من جاء منهم، ثم رددناه إليهم، فإنَّ الله تعالی سیجعل له فرجًا
ومخرجًا)).
٧- هذا الشرط خاص بالرجال، أما النساء فإنَّهن مستثنيات منه بقوله تعالى:
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِهِنَّ فَإِنْ
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
٨- الإمام ابن القيم - رحمه الله - بعد أن ساق قصة الحديبية في ((زاد المعاد))،
أبرز كثيرًا من فوائدها، وأحكامها ، ونحن هنا ننقل بعض الأحكام،
والفوائد المتعلقة بهذه القطعة من القصة، التي ساقها ابن القيم، ونزيد
عليها ما تيسر فهمه، وقد تقدمت بعض أحكامها، وأما البعض الآخر فمنه:
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدٍ أَنْ
أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٤٨] فإنَّه لولا هذا الكف الذي قدره الله، فإنه
سيحصل مقتلة بين المسلمين وبين المشركين، وستكون المقتلة من الطرفين
كبيرة جدًا، وذلك أنَّ المسلمين متحمسون للقتال، وقد بايعوا النبي ◌َّ على
ألا يفروا إلى الموت، وهم صفوة الصحابة، وحملة الشريعة، ومنهم
الخلفاء الأربعة، الذين أعزَّ الله بهم الإسلام.
أما المشركون فعندهم حقد شديد، وعندهم أنفة وعزة أن يدخل عليهم
عدوهم دارهم عنوةً وقهرًا، وسيقاتلون، ويدافعون عن هذه الإهانة
والمذمة، وسیجالدون، ويقاتلون حتى الموت.
ومنهم في ذلك الوقت من أسلموا، فصاروا قواد المسلمين بعد
إسلامهم، من أمثال خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي
جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبي سفيان بن الحارث،
وأبي سفيان بن حرب من الأعيان، والوجوه الذين أسلموا بعد قليل من هذا
الصلح، فصاروا زينة الإسلام، وعز الإيمان .

٤٤٥
كتاب الجهاد - باب الهدنة
٩- ومن هذه الفوائد والأحكام أنَّ هذه الهدنة، والموادعة مع مشركي أهل
مكة، هي التي صارت سببًا لإسلام عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد،
وأبي سفيان بن الحارث، وعبدالله بن أبي أمية من أعيان مكة، وزعماء
قريش، الذين لما أسلموا انقاد بسبب إسلامهم خلق كثير منهم.
فههذه الموادعة عرَّفت المشركين أحوال الإسلام، وآدابه، ووفاء أهله.
١٠- ومن الحِكم والفوائد أنَّ هذا الصلح صار سبب فتح مكة بعد أقل من
سنتين؛ ذلك أنَّ قريشًا نقضت العهد باعتدائهم على حلفاء النبي وَّ من
قبيلة خزاعة، فجاء رسول الله وَلو بعشرة آلاف مقاتل، ففتح مكة، ودخلها
عنوة بقتال يسير، وأصبحت بفضل الله تعالى بلدة إسلامية .
ولذا فإنَّه لما انصرف النبي وَل بعد إتمام الصلح عن الحديبية ببضعة
[الفتح] .
١
أميال، أنزل الله تعالى عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًامُبِينًا
فقد روى البخاري من حديث البراء قال: ((تعدون أنتم الفتح فتح مكة،
وقد كان فتح مكة فتحًا، ولكن نحنَّ نعد الفتح بيعة الرضوان يوم
الحديبية)) .
١١- ومنها: تحقق الفرَج والمخرَج، الذي أشار إليه النبي ◌ُّ في حق المسلمين
المردودين على الكفار؛ فإنَّهم هربوا من قريش ولم يأووا إلى النَّبِي وَّ،
وإنما أقاموا في طريق قوافل قريش إلى الشام، فصاروا يعرضون لها،
ويقتلون من معها، ويغنمون أموالهم حتى ضجَّت قريش، وطلبت من النبي
وَ لّ إلغاء هذا الشرط، وإيوائهم مع أصحابه في المدينة، ومن يتَّق الله
يجعل له مخرجا، ویجعل له من أمره یسرًا.
١٢ - الدليل على هذه الإرادة الإلهية، والتدبير الرباني -: أنَّ المسلمين لما
وصلوا الثنية التي تهبط على حدود الحرم من جهة الحديبية - المسماة الآن
((الشميسي)) - بركت ناقة النبي ◌َّ، فقال الصحابة: خلأت القصواء؛ أي:

٤٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
حزنت، فقال النبي ◌َله: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بُخلق، ولكن
حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألون خطة يعظمون
بها حرمات الله، إلاَّ أعطيتهم إيَّاها، ثم زجروها، فوثبت به بعد هذا القسم،
فعدل عن قصد مكة، حتى نزل بأقصى الحديبية مما يلي جدة، كل هذا
تجنبًا للقتال في الشَّهر الحرام، والبلد الحرام، إلاّ أن تلجيء إليه الضرورة.
١٣ - قال ابن القيم: ومنها أنَّ المشركين، وأهل البدع، والبغاة، والظلمة إذا
طلبوا أمرًا يعظمون به حرمة من حرمات الله تعالى - أجيبوا إليه، وأعطوه،
وأعينوا عليه، فيعانون على تعظيم ما فيه حرمات الله، لا على كفرهم،
وبغیھم .
فكل من التمس المعاونة على محبوب الله تعالى، أجيب إلى ذلك،
كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مكروه أعظم
منه، وهذا في أدق المواضيع، وأصعبها، وأشقها على النفوس.
ولذلك ضاق عنه من ضاق من الصحابة في إجابتهم إلى هذه الشروط.
١٤- ومنها: جواز بدء الإمام بطلب صلح من العدو، إذا رأى المصلحة
للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على ابتداء الطلب من الكفار.
١٥ - ومن الفوائد: أنَّ المشهود عليه إذا عُرف باسمه، واسم أبيه أغنى ذلك عن
ذكر جده وقبيلته، فإنَّ النَّبِيَّ وَّ اكتفى بكتاب الصلح بقوله: ((محمَّد بن
عبدالله))، و ((سهيل بن عمرو)).
١٦- فهذه القصة العظيمة، وذلك الصلح الهام، وتلك الوثيقة المحكمة،
أجراها الله تعالى العليم الخبير، ظاهرها الغِبطة للمشركين، ولكن باطنها
الحكمة، والفائدة، والعز، والتمكين للمسلمين.
ولذا قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: هي أكبر وأجل من أن يحيط بها
إلاّ الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته.
------

٤٤٧
كتاب الجهاد - باب الهدنة
١١٤٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ
وَِّّ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ مُعَاهَدًا، لَمْ يُرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ
مِنْ مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ عَامًا)). أَخَرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- يُرِح: بضم الياء، وكسر الراء؛ أي: لم يجد رائحة الجنة.
- رائحة الجنة: الرائحة: النسيم، ورائحة الجنة: ريح نسيمها الطيب العطر.
قال ابن القيم في ((حادي الأرواح)): وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في
الدنيا تشمه الأرواح أحيانًا، ولا تدركه العبارة، وريح يدرك بحاسية الشم
للأبدان، وهذا يشترك في إدراكه في الآخرة من قَرُّب، ومن بعد.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قال في ((شرح الإقناع)): ويحرم بالأمان قتل، ورِق، وأسر، وأخذ مال،
والتعرض لهم، لعصمتهم به، وروى سعيدبن منصور في ((سننه))؛ أنَّ عمر
ابن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ((لو أنَّ أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء
فنزل بأمانه فقتله، لقتلته به)).
٢- الحديث يدل على تحريم قتل المعاهد، وأنَّه كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنَّه
رتَّب عليه حرمانه من دخول الجنة في ظاهر الحديث.
٣- جاء في بعض روايات الحديث بأنَّ القتل ((بغير جرم))، و((بغير حق))، ولكن
التقييد معلوم من قواعد الشرع.
٤- أما بالحق فإنَّ الذمي والمعاهد تقام عليهما الحدود؛ لأنَّهما ملتزمان بأحكام
المسلمين، بخلاف حربي، ومستأمن، فإنَّهما غير ملتزمين بأحكام الإسلام.
(١) البخاري (٣١٦٦).

٤٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب السبق والرمي
مقدمة
السبق: مصدر سبق يسبق سبقًا، والسَّبَقُ بتحريك الباء: الجُعل الذي
یسابق عليه .
ويسكون الباء: هو الفعل، أي: المجاراة بين حيوان ونحوه.
قال الشيخ تقي الدين: السباق بالخيل، والرمي بالنَّبل، ونحوه من آلات
الحرب مما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّه مما يعين على الجهاد في سبيل الله.
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: المغالبات ثلاثة أقسام:
الأول: يجوز بلا عوض، ولا يجوز بالعوض، وهذا هو الأصل، فدخل في
هذه: المسابقة على الأقدام، والسفن، والمصارعة، ومعرفة الأشد
فيما ليس فيه تهلكة.
الثاني: لا يجوز بعوض، ولا بغير عوض؛ وذلك كالشطرنج، والنرد، وكل
مغالبة ألهت عن واجب، أو أدخلت في محرم.
الثالث: تجوز بعوض؛ وهي المسابقة، والمغالبة بين السهام، والإبل،
والخیل.
وقال الأستاذ طبارة: الصلاة هي رياضة دينية إجبارية، لكل مسلم
يؤديها خمس مرات، بلا إجهاد، ولا إرهاق، فتكون خير مقوم للبدن،
ومنشط لأمعائه، ورياضة صالحة لعضلات جسمه ومفاصله، وإذا
تأملنا حركات الصلاة وجدنا شبهًا بينها وبين النظام السويدي في

٤٤٩
كتاب الجهاد - باب السبق والرمي
الرياضة، والنظام السويدي لا يزيد عمره عن مائة سنة، في حين أنَّ
نظام الصلاة في الإسلام مضى عليه ألف وأربعمائة عام.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: اللعب بأنواع الرياضيات في وقت
الصلاة المكتوبة لا يجوز بحال، وهو من المنكرات الواجب إنكارها،
فإن لم تکن وقت صلاة، فلا نرى مانعًا يمنع جوازها .
وحكم الرياضة في الإسلام الجواز والاستحباب، ما كان منها بريئًا
هادفًا إلى ما فيه التدريب على الجهاد، وتنشيط الأبدان، وتقوية
الأرواح.

٤٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٤٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((سَابَقَ النَّبِيُّ
صَلى الله
وسلم
بِالخَيْلِ الَّتِي قَدْ ضُمِّرَتْ مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ،
وَسَابَقَ بَيِّنَ الخَيْلِ الَّتِي لمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَِّيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ،
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيْمَنْ سَابَقَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ البُخَارِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ: ((مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ
أَمْيَالٍ، أَوْ سِنَّةٌ، وَمِنَ الثَِّيّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ))(١).
* مفردات الحديث:
ـ ضُمِّرتْ: مبني للمجهول، فهي مضمومة الأول، مشددة الميم، فراء
مفتوحة .
قال علماء اللغة: التضمير: أن يكثر له العلف، والماء مدة أربعين يومًا
حتى يسمن، ثم يرده إلى القوت، ويجريه في الميدان، حتى تجف، وتدق،
وتضمر .
- الحفياء : - بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، بعدها مثناة تحتية ممدودة،
وقد تقصر -. قال السمهودي: الحفيا: بأدنى الغابة، شامي البركة، مغيض
العين .
قال محرره: والغابة: وهي محل السباق من شمال المدينة، من وراء جبل
أحد .
- أمدها: بفتح الهمزة، وفتح الميم، ثم دال مهملة؛ أي: غايتها .
(١) البخاري (٤٢٠، ٢٨٦٨)، مسلم (١٨٧٠).

٤٥١
كتاب الجهاد - باب السبق والرمي
- ثنية الوداع: الثنية: هي العقبة، وجمعها ثنايا، وقد اختلف العلماء في ثنية
الوداع التي قرب المدينة: هل هي على طريق مكة، أو على طريق الشام؟
وقال الفيروز آبادي في ((معالم طابة)): ثنية الوداع، بفتح الواو من التوديع،
وهي ثنية مشرفة يطؤها من يريد مكة، وقال أهل السير، والتاريخ، وأصحاب
المسالك: إنَّها من جهة مكة، وأهل المدينة يظنونها من جهة الشام، وكأنهم
اعتمدوا قول ابن القيم، فإنَّه قال: من جهة الشام ثنيات الوداع، ولا يطؤها
القادم من مكة ألبتة، ووجه الجمع أنَّ كلتا الثنيتين تسمى: ثنية الوداع، والله
أعلم.
- مسجد بني زريق: بنو زريق بطن من الخزرج من الأنصار، وهو تصغير أزرق،
ومحلتهم: قِبلة المسجد النبوي الشريف، داخل سور المدينة المنورة.
قال السمهودي: وقد أحدث في جهة قبلة المصلى مما يلي المغرب
مسجدان بعد (٨٥٠) ذراعًا، نبهت على ذلك؛ لئلا يتقادم العهد بها، فيظن أنَّ
أحدهما مسجد بني زريق؛ لكون ذلك بالناحية المذكورة، والله أعلم.
- خمسة أميال: الميل: ألف وستمائة متر .

٤٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صَلىالله
وسلم
١١٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبيَّ
سَابَقَ بَيِّنَ الخَيْلِ، وَفَضَّلَ القُرَّحَ فِي الغَابَةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُدَ،
وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
: درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال ابن عبدالهادي : إسناده صحيح.
وقال الشوكاني: سكت عنه أبوداود، والمنذري، وصححه ابن حبان،
وقد حسّنه الترمذي.
* مفردات الحديث:
- سابق: من: المسابقة، وهي السبق الذي يشترك فيه اثنان، وباب المفاعلة
يقتضي ذلك، وهذا اللفظ الذي جاء في الصحيحين .
أما الشيخ محمَّد أمين كتبي فقال: ((سابق الخيل)»، هكذا بالألف من باب
فاعل. وفي نسخ ((البلوغ))، و((سبل السلام))، والذي في النسخة الهندية،
والمصرية: ((سبَّق)) بتشديد الباء، ومعناه: أعطى السبق للسابق.
- القُرَّح : - بضم القاف، وتشديد الراء، آخره حاء مهملة - جمع: قارح، وهي
التي سقطت سنها، التي تلي الرباعية، ونبت مكانها نابها، وذلك إذا أتمت
السنة الخامسة .
- فضَّل القُرح: يجعل غايتها أبعد؛ لقوتها وجلدها.
(١) أحمد (١٥٧/٢)، أبوداود (٢٥٧٧)، ابن حبان (٤٦٦٩).
.-----

٤٥٣
كتاب الجهاد - باب السبق والرمي
- الغاية: بالغين المعجمة، ثم ألف، بعده ياء مثناة تحتية، ثم تاء التأنيث، غاية
كل شيء نهايته وآخره، وجمع الغاية: غاي وغايات، والغاية: مسافة
المضمار من مبتدأ انطلاق المتسابقين إلى نهايته .

٤٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٤٦ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَِّ ((لَاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَو حَافٍِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ،
وَالثَّلاَثَةُ، وَصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ(١) .
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال ابن عبدالهادي: رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي، والترمذي، وابن
حبان، وصحَّحه ابن القطان. اهـ.
وصححه ابن دقيق العيد، كما في التلخيص لابن حجر .
قال الشيخ الألباني: أخرجه أحمد، وأبوداود، والنسائي، والترمذي،
وابن حبان، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن، وإسناده صحيح،
فرجاله كلهم ثقات، وللحديث طرق :
١- عن أبي هريرة أيضًا: أخرجه أحمد، وابن ماجه، والنسائي، وفيه
أبو الحکم، وهو مجهول.
٢- عن أبي هريرة أيضًا: أخرجه أحمد، والنسائي، وفيه ابن لهيعة، وإسناد
النسائي صحيح، فرجاله كلهم ثقات.
٣- عن ابن عباس: أخرجه الطبراني، ورجاله موثوقون، وفيه الغروي ضعيف.
٤- عن ابن عمر: أخرجه ابن عدي، وابن حبَّان، وفيه عاصم بن عمر ضعيف،
فالحديث بهذه الطرق صحيح .
(١) أحمد (٤٧٤/٢)، أبوداود (٢٥٧٤)، الترمذي (١٧٠٠)، النسائي (٢٢٦/٦)، ابن
حبان (٤٦٧١).

٤٥٥
كتاب الجهاد - باب السبق والرمي
* مفردات الحديث:
- لا سبقَ: السبق بفتح الباء: هو الجُعل، والعِوض الذي يوضع لذلك، فهو
المنفي المنهي عنه، وأما بسكون الباء فهو مصدر: سبق يسبق سبقًا .
- خُف: بضم الخاء، ثم فاء مشدّدة، المراد بالخف: الإبل؛ لأنَّها ذوات
الأخفاف .
- نصْل: بفتح النون، وسكون الصاد المهملة، آخره لام، المراد به: السهم.
- حافر: المراد بالحافر: الخيل؛ لأنَّها من ذوات الحافر، وكلها من إقامة
المضاف مقام المضاف إليه .
** فائدة:
قال ابن بطال في ((غريب المهذب)): الخف للإبل، والحافر للفرس،
والبغل، والحمار، والظَّلْف لسائر البهائم، والمِخْلب للطير، والظفر للإنسان.
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١- المغالبات، والمراهنات، والمخاطرات ممنوعة كلها، لا سيَّما إذا كانت
بِعِوض؛ لأنَّها من أنواع الميسر الذي قال تعالى فيه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا
اْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٩
[المائدة] .
٢ - الميسر هو القمار، ويدخل فيه كل المغالبات على عوض، ذلك القمار الذي
يفضي إلى العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله بما يسبب لأصحابه من
الغفلة، والذهول، وتعلق القلب بالكسب والخسارة.
فهو يجلب أرباحًا كبيرة بلا تعب، ولا عناء، ولا جهد، ولا كدّ، أو
يسبب خسارة عظمى، وإفلاسًا، وبسبب هذا - أي: التقلب المفاجيء -
يصبح الإنسان غنيًّا كبيرًا، أو يمسي فقيرًا مُدقِعًا، فمن أجل مفاسده الكبيرة،
حرَّمه الله .

٤٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- فالشرع أجاز من هذه المغالبات ما أعان على الجهاد في سبيل الله، فإنَّه
أجاز السباق على الخيل، والإبل، كما أجاز الرمي والمناضلة؛ لأنَّ هذا
کله مما يعين تعلمه، والمهارة فيه على الجهاد في سبيل الله، ونصر دينه.
٤- الحديث رقم (١١٤٤): يدل على جواز المسابقة على الخيل؛ لأنَّ الخيل
في ذلك الزمن هي العُدة التي يقاتل عليها أعداء الإسلام.
قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ،
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
٥- ومن نظام المسابقة عليها أنَّ كل نوع من الخيل يتسابق أفراده بعضه مع
بعض، فالخيل المُضمرة تتسابق وحدها، والخيل التي لم تُضمر تتسابق
وحدها؛ ليحصل الفوز بين واحد، وآخر بنفس الجودة والقوة، فلا يعزى
السبب إلى شيء آخر خارج عن موضوع المنافسة .
٦ - الفرق بين المضمرة، وغير المضمرة: أنَّ المضمر أخف، وأسرع في الجري،
وأمتع في طول الحضر، بخلاف غير المضمرة، فهي بطيئة الجري.
٧- الخيل المضمرة: هي التي دقت، ولطفت بطونها، ونشف الماء من لحمها،
وأعدت للسباق، أو القتال؛ وذلك بأن تعلف حتى تسمن، ثم بعد السمن
تعطى من العلف قليلاً جدًا، حتى يذهب ماؤها ورهالها، وتخفف حتى
يكون فيها بقية السمن، وفيه الخف، والضمر من الترهيل.
أما غير المضمرة: فقد علفت حتى سمنت، وبقيت في زيادة الأكل، فلا
تزال في بدانتها، وانتفاخها .
٨- ليأخذ السباق دوره الحقيقي، فإنَّه جعل لكل نوع من الخيل غايته، ومداه
الذي يناسبه، ويليق به، فالخيل المضمرة غايتها من الحفياء إلى ثنية الوداع،
وقدر هذه المسافة خمسة أميال، أو ستة .
وأما التي لم تضمر فأمدها، وغايتها من الثنية إلى مسجد بني زريق،
----

٤٥٧
كتاب الجهاد - باب السبق والرمي
وغاية هذه المسافة، وأمدها میل واحد.
٩- أما الحديث رقم (١١٤٥): فإنَّ النبيَّ ◌َّه سابق بين الخيل، وفضَّل القُرَّح،
وهي ما كمل سنها خمس سنين؛ لأنَّها أمتع، وأقوى على الجري،
والسباق .
١٠ - القتال وسلاحه وعُدته تطور الآن عن حالته السابقة تطورًا بعيد المدى،
وأصبحت العلوم العسكرية، والفنون الحربية تتلقى الآن في المدارس
والكليات المنوعة، وميادين التدريب، وأصبحت الحرب بمعرفة استعمال
أسلحته من الرشاشات، والمدافع والصواريخ، والطائرات الحربية
المقاتلة، والدبابات، والمدرعات، والغواصات، وما أشبه ذلك.
وأصبح رجال الحرب، والدفاع برتبهم، ومؤهلاتهم وتخصصاتهم
وحماية الأوطان، وإعطاء الرتب الرفيعة، لمن قام بعمل بطولي، أو تقدم
في ميدان علمي عسكري مشروع؛ لتنشيط وتشجيع البارزين، والمتفوقين
في هذه الميادين، كما أنَّ إجراء المنافسة، والتسابق في التفوق في
الميادين الحربية هو من الأمور المحبوبة المشروعة؛ لأنَّها يعز بها
الإسلام، ويرد به كيد أعداء الإسلام والمسلمين، ويحمي الوطن
والمواطنين من الأعداء، والطامعين، والمعتدين.
١١- أما الحديث رقم (١١٤٦): فهو يدل على ما قلنا من أنَّ المراهنة
والمخاطرة لا تجوز إلاَّ في ثلاثة أشياء هي :
١- الخف: والمراد بها: الإبل.
٢ - النصل: هو الرمي بالنشاب ونحوه.
٣- حافر: والمراد بها: الخيل.
١٢ - وتقدم أنَّ هذه الأمور هي أداة القتال، والجهاد في سبيل الله في ذلك
الزمن، وأنَّ ما ظهر من الأسلحة المتطورة، وآلات القتال، ومراكبه

٤٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الحديثة، فإنَّها داخلة في هذا النص، نظرًا إلى أنَّ العبرة عموم المعنى،
لا خصوص اللفظ .
١٣ - قال ابن القيم: السبق: عقد مستقل بنفسه، له أحكام يختص بها، ويتميّز
بها عن الإجارة، والجعالة، والنذور، والفداء، ونحوها، وليس من باب
الجعالة، ولا الإجارة، ومن أدخله في أحد هذين البابين تناقض.
إلاَّ أن يقصد الباذل تمرين من يسبقه، كولده، والمعلم للمتعلم، فهذا
هو الجعالة المعروفة، والغالب فيها مسابقة النظراء بعضهم لبعض.
١٤ - قال شيخ الإسلام: السباق بالخيل، والرمي بالنبل، ونحوه من آلات
الحرب مما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّه مما يعين على الجهاد في سبيل الله،
فالسبق والصراع ونحوهما طاعة، إذا قصد به نصرة الإسلام، وأخذ
العوض عليه أخذ بالحق.
١٥ - وقال : يجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة، بلا مضرة، وما ألهى وشغل
عما أمر الله به فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه كالتجارة، وأما سائر ما
يتلهى به من أنواع اللهو، وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به في حق
شرعي فکله حرام.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: اللعب بأنواع الرياضيات في وقت
الصلاة، أو ما يقارب وقتها لا يجوز بحال، وهو من المنكرات، وحكمه
حكم ما يلهي عن ذكرا الله، وعن الصلاة.
فإن لم تكن وقت صلاة، ولا قرب المساجد، فلا نرى مانعًا يمنع
جوازها، فحكم الرياضة في الإسلام الاستحباب؛ لما كان بريئًا منها،
هادفًا إلى ما فيه التدريب على الجهاد، وتنشيط الأبدان.
١٦ - وقال الأستاذ طبارة: الصلاة رياضة دينية بغير إجهاد، ولا إرهاق، فهي
خير مقوٍّ لبدن الإنسان، ومنشط لأمعائه وعضلات جسمه، ومفاصله.

٤٥٩
كتاب الجهاد - باب السبق والرمي
وإذا قارنًا بين حركات الصلاة، وبين ماجاء به نسج السويدي، نرى أنَّ
حركة الجسم أثناء الصلاة أحکم، وأصلح لكل سن، وجنس.
* قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع: «الملاكمة والمصارعة الحرة ومصارعة الثيران»:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا
محمّد ێ، وعلى آله وصحبه.
أما بعد :
فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، لرابطة العالم الإسلامي في
دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر
١٤٠٨ هـ الموافق ١٧ أكتوبر ١٩٨٧م، إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨هـ،
الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٨٧ م، قد نظر في موضوع الملاكمة والمصارعة من حيث
عدهما رياضة بدنية جائزة، وكذلك في مصارعة الثيران المعتادة في بعض البلاد
الأجنبية، هل تجوز في حكم الإسلام أو لا تجوز؟
وبعد المداولة في هذا الشأن من مختلف جوانبه، والنتائج التي تسفر
عنها هذه الأنواع التي نسبت إلى الرياضة، وأصبحت تعرضها برامج البث
التلفازي في البلاد الإسلامية وغيرها .
وبعد الاطلاع على الدراسات التي قدمت في هذا الشأن بتكليف من
مجلس المجمع في دورته السابقة من قِبل الأطباء ذوي الاختصاص، وبعد
الاطلاع على الإحصائيات التي قدمها بعضهم عما حدث فعلاً في بلاد العالم
نتيجة لممارسة الملاكمة، وما يشاهد في التلفزة من بعض مآسي المصارعة
الحرة، قرَّر مجلس المجمع ما يلي:
أولاً: الملاكمة: يرى المجلس بالإجماع أنَّ الملاكمة المذكورة، التي أصبحت
تُمارس فعلاً في حلبات الرياضة، والمسابقة في بلادنا اليوم، هي ممارسة
محرَّمة في الشريعة الإسلامية؛ لأنَّها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من

٤٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المتغالبين للآخر إيذاءً بالغًا في جسمه، قد يصل به إلى العمى، أو التلف
الحاد، أو المزمن في المخ، أو إلى الكسور البلغية، أو إلى الموت، دون
مسؤولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر، والابتهاج بما
حصل للآخر من الأذى.
وهو عمل محرم، مرفوض كليًّا وجزئيًّا في حكم الإسلام؛ لقوله تعالى:
﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
ج
ا﴾ [النساء].
وقوله وقال: ((لا ضرر، ولا ضرار)).
وعلى ذلك، فقد نص فقهاء الشريعة على أنَّ من أباح دمه لآخر، فقال
له: ((اقتلني)) أنه لا يجوز له قتله، ولو فعل كان مسؤولاً، ومستحقًا للعقاب.
وبناءً على ذلك، يقرر المجمع أنَّ هذه الملاكمة لا يجوز أن تسمى
رياضة بدنية، ولا تجوز ممارستها؛ لأنَّ مفهوم الرياضة يقوم على أساس
التمرين، دون إيذاء أو ضرر، ويجب أن تحذف من برامج الرياضة المحلية،
ومن المشاركات فيها في المباريات العالمية، كما يقرر المجلس عدم جواز
عرضها في البرامج التلفازية ، كيلا تتعلّم الناشئة هذا العلم السيء، وتحاول
تقلیده .
المصارعة الحرة: وأما المصارعة الحرة التي يستبيح فيها كل من
المتصارعين إيذاء الآخر، والإضرار به، فإنَّ المجلس يرى فيها عملاً مشابهًا
تمام المشابهة للملاكمة المذكورة، وإن اختلفت الصورة؛ لأنَّ جميع المحاذير
الشرعية التي أشير إليها في الملاكمة موجودة في المصارعة، التي تجري على
طريقة المبارزة، وتأخذ حكمها في التحريم.
وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التي تمارس لمحض الرياضة البدنية،
ولا يستباح فيها الإيذاء، فإنَّها جائزة شرعًا، ولا يرى المجلس مانعًا منها.