Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الحدود - باب حد القذف
٤ - قال في ((شرح الإقناع)): والقذف محرَّم إلاَّ في موضعين:
أحدهما: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه، ولو دون الفرج،
فيعتزلها، ثم تلد ما يمكن أن يكون من الزاني، فيجب عليه قذفها، ونفي
ولدها؛ لأنَّ ذلك يجري مجرى اليقين في أنَّ الولد من الزنا.
الثاني: أن يراها تزني، ولم تلد ما يلزم نفيه، أو يستفيض زناها في الناس،
أو يخبره ثقة، ونحو ذلك، فلا يجب قذفها؛ لأنَّه يمكنه فراقها، وهو أولى
من قذفها؛ لأنَّه أستر، وتقدم.

٢٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب حد السرقة
مقدمة
يقال: سرق يسرق سرقًا، فهو سارق، والشيء مسروق، وصاحبه
مسروق منه .
والسرقة لغة: أخذ الشيء في خفاء وحيلة.
وشرعًا: هي أخذ مال محترم لغيره، من حرز مثله، لا شبهة له فيه،
على وجه الاختفاء.
فلا قطع على منتهبٍ، ولا مختلسٍ، ولا خائنٍ، ولا جاحد وديعة،
ونحوها من الأمانات؛ لأنَّهم لا يدخلون في التَّعريف المذكور.
والأصل في قطع يد السارق: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
فمن القرآن :
قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَ اْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَانَكَلًا
مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (جَ﴾
[المائدة: ٣٨].
ومن السنة :
ما يأتي من الأحاديث.
وأجمع عليه العلماء؛ استنادًا إلى هذه النصوص.
وأما القياس:
فإنَّ القياس والحكمة تقتضي إقامة الحدود كلها، كما أمر الله تعالى،
--
11 ---- ------- ----------- -------- --
-------
----
---
------

٢٦٣
كتاب الحدود - باب حد السرقة
حفظًا للأنفس، والأعراض، والأموال؛ ولذا نرى البلاد التي عملت بأحكام
الله، ونفذت حدوده - استتب فيها الأمن، ولو كانت ضعيفة العدة.
ونرى الفوضى، وقتل الأنفس، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال
في البلاد التي حكمت القوانين، ولو كانت قوية متمدنة، فمضت حياتها ما
بین سلب ونهب.

٢٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٦٧ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهُ: ((لاَ تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ، إِلَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ، فَصَاعِدًا)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ .
وَلَفْظُ البُخَارِيِّ: ((تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعُ دِيْنَارٍ فَصَاعِدًا)).
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَد: ((اقْطَعُوا فِي رُبُعُ دِينَارٍ، وَلاَ تَقْطَعُوا فِيمَا
هُوَ أَذْنَىْ مِنْ ذُلِكَ))(١) .
* درجة الحديث:
رواية أحمد - وإن ضعفها بعض العلماء - فإنَّها تقوى بحديث عائشة
المتقدم في الصحيحين؛ فإنَّ معناهما واحد.
* مفردات الحديث:
- فصاعدًا: منصوب على الحال المؤكدة، يستعمل بالفاء، وثم، ولا
یستعمل بالواو، ومعناه: ولو زاد.
- الدينار: هو المثقال من الذَّهب وزنه (٤) غرامات وربع من الذهب
الصافي .
(١) البخاري (٦٧٨٩). مسلم (١٦٨٤)، أحمد (٨٠/٦).
------------- ----
---
--- --
------
..---

٢٦٥
كتاب الحدود - باب حد السرقة
-
١٠٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ
قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
عَلىله
وسلم
ـة
* مفردات الحديث:
- مِجَن : - بكسر الميم، وفتح الجيم المعجمة، آخره نون مشددة - هو
الترس، جمعه ((مجَان))، وزان: دواب، مأخوذ من: الاجتنان، وهو
الاستتار؛ لأنَّ المِجن يُتَّقى به ضرب السلاح في الحرب.
- الدرهم: وزن الدهم من الفضة هو (٢,٩٧٥) غرامًا .
(١) البخاري (٦٧٩٥)، مسلم (١٦٨٦).

٢٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٦٩ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّه: ((لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ
الحَبْلَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا (١).
* ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - أمَّن الله عزَّوجل دماء الناس، وأعراضهم، وأموالهم بكل ما يكفل ردع
المفسدين المعتدين، فكان أن جعل عقوبة السارق، الذي يأخذ المال
من حرزه على وجه الاختفاء ، قطع العضو الذي تناول به المال
المسروق؛ ليكفر القطع ذنبه، وليرتدع هو وغيره عن الطرق الدنيئة،
وينصرفوا إلى اكتساب المال من الطرق الشرعية الكريمة، فيكثر العمل،
وتُستخرج الثمار، فيعمر الكون، وتعز النفوس.
٢ - ومن حكمته تعالى: أن جعل النصاب الذي تقطع فيه اليد ما يعادل ربع
دينار من الذَّهب؛ حمايةً للأموال، وصيانةً للحياة، وليستتب الأمن،
وتطمئن النفوس، وينشر الناس أموالهم للكسب، والاستثمار.
٣- قطع يد السارق، والمراد بالسارق: الذي يأخذ المال من حرزه على
وجه الاختفاء، وليس منه الغاصب، والمنتهب، والمختلس.
قال القاضي عياض - رحمه الله -: صان الله الأموال بإيجاب القطع
للسارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة؛ كالاختلاس، والانتهاب،
والغصب؛ لأنَّه قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا
النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمر، وتسهل إقامة البينة عليه، بخلاف
(١) البخاري (٦٧٩٩)، مسلم (١٦٨٧).

٢٦٧
كتاب الحدود - باب حد السرقة
السرقة، فإنَّه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها
أبلغ في الزجر عنها .
وقد أجمع المسلمون على قطع يد السارق في الجملة .
٤- في الحديثين الأولين: أنَّ نصاب القطع ربع دينار من الذَّهب، أو ما
قيمته ثلاثة دراهم من الفضة، ويأتي قريبًا مذاهب العلماء في بيان النصاب.
٥ - قال ابن دقيق العيد: القيمة، والثمن مختلفان في الحقيقة، فلو اختلفت
القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه، لم تعتبر إلاَّ القيمة.
٦- للعلماء شروط في قطع يد السارق، تقدم بعضها، وأهم الباقي:
( أ ) أن يكون المسروق من حرز مثله، والحرز يختلف باختلاف
الأموال والبلدان والحاكم، ومرجع الحرز العرف، فلا قطع في سرقة
من غير حرز مثلها .
(ب) وأن تنتفي الشبهة، فلا قطع من مال له فيه شركة؛ كسرقة الابن من
أبيه، أو الأب من ابنه، والفقير من غلة على الفقراء، أو من مال في
شرکة .
(ج) وأن تثبت السرقة: إما بإقرار من السارق معتَبر، أو من شاهدين
عدلين .
٧- لهذا الحكم السامي، حكمته التشريعية العظمى.
فالحدود كلها على وجه العموم رحمة ونعمة؛ فإنَّ في المجموعة
البشرية أفرادًا تربَّت نفوسهم على حب الأذى، وإقلاق الناس، وإفزاعهم
في أنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وأنه إذا لم يجعل لهؤلاء
المجرمين رادع: من التأديب، والعقوبة، اضطربت الأحوال، وتقطعت
السبل.
ومن رحمته تعالى، أن جعل عقوبات تناسب هذه الجرائم؛ ليرتدع

٢٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بها المجرم، وليكف عن الجرائم من يحاول غشيانها، ومن ذلك قطع
يد السارق .
فهذا المعتدي الذي ترك ما أباح الله تعالى له، من المكاسب
الشريفة، التي تعود عليه، وعلى مجتمعه بالصالح العام، فأقدم على
أموال الناس بغير حق، وأفزعهم - وأخافهم - يناسبه في العقوبة أن
تقطع يده؛ لأنَّها الآلة الوحيدة لعملية الإجرام، ولكنا مع الأسف ابتلينا
بهذه الطوائف المتزندقة، التي عشقت القوانين الأوربية الآثمة، تلك
القوانين التي لم تحجز المجرمين عن إفسادهم في الأرض، وإخافة
الأبرياء في بيوتهم وسبلهم.
عشقوا تلك القوانين التي حاولت إصلاح المجرمين المفسدين بغير
ما أنزل الله تعالى عليهم من العلاجات الشافية لهم، ولمن في قلبه
مرض من أمثالهم، فلم تفلح، بل زادت عندهم الجرائم والمفاسد؛ لأنَّ
عقابهم وعلاجهم السجن، مهما عظمت المعصية، وكبر الإجرام.
والسجن يلَذ لكثير من المفسدين العاطلين، الذين يجدون فيه الطعام
والشراب، وفي خارجه الجوع والبطالة.
ولما كانت الحكومة السعودية، وفَّقها الله قائمة بتحكيم شرع الله
تعالى - قلَّت عندها أعمال الإجرام، لا سيَّما سلب الأموال، بينما غيرها
من الأمم تعج بالمنكرات، وعصابات المجرمين، وقطاع الطريق
والمهاجمين، أعاد الله المسلمين إلى حظيرة دينهم، والعمل بما فيه من
الخير والبركة.

٢٦٩
كتاب الحدود - باب حد السرقة
* قرار المجمع الفقهي بشأن حكم زراعة عضو استؤصل في حد، أو قصاص:
قرار رقم (٥٨):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم
النبيين، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس
بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠هـ،
الموافق ١٤ - ٢٠ آذار (مارس)» ١٩٩٠ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:
((زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص)).
واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبمراعاة مقاصد الشريعة من
تطبيق الحد في الزجر، والردع، والنكال، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام
أثرها للعبرة والعظة، وقطع دابر الجريمة، ونظرًا إلى أنَّ إعادة العضو
المقطوع تتطلب الفورية في عرف الطب الحديث، فلا يكون ذلك إلاّ
بتواطؤ، وإعداد طبي خاص، ينبىء عن التهاون في جدية إقامة الحد
وفاعلیته .
قرَّر :
١- لا يجوز شرعًا إعادة العضو المقطوع؛ تنفيذًا للحد؛ لأنَّ في بقاء أثر
الحد تحقيقًا كاملاً للعقوبة المقررة شرعًا، ومنعًا للتعاون في استيفائها،
وتفاديًا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر.
٢- بما أنَّ القصاص قد شرع. لإقامة العدل، وإنصاف المجنى عليه، وصون
حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار - فإنَّه لا يجوز إعادة
عضو استؤصل تنفيذًا للقصاص، إلاَّ في الحالات التالية:

٢٧٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
( أ ) أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع.
(ب) أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه .
٣- يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد، أو قصاص بسبب خطأ في
الحكم، أو في التنفيذ. انتهى القرار.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في قدر النصاب الذي تقطع فيه يد السارق :
فذهب الظاهرية إلى: أنَّه في القليل والكثير؛ مستدلين بقول الله
تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٥] وهي مطلقة في
سرقة القليل والكثير.
وبما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله :
((لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده))
وذهب جمهور العلماء إلى: أنَّه لابد في القطع من نصاب السرقة،
مستدلين بالأحاديث الصحيحة في تحديد النصاب.
وأجابوا عن أدلة الظاهرية: بأنَّ الآية مطلقة في جنس المسروق
وقدره، والحديث بیان لها .
وأما حديث البيضة والحبل: فالمراد بذلك بيان سخف وضعف عقل
السارق، وخساسته، ودناءته؛ فإنَّه يخاطر بقطع يده للأشياء الحقيرة
التافهة .
فههذا التعبير نوع من أنواع البلاغة، فيه التنفير والتبشيع، وتصوير
عمل المعاصي بالصورة المكروهة المستقبحة.
ثم اختلف الجمهور في تحديد قدر النصاب الذي يقطع فيه، على
أقوال كثيرة نذكر منها القوي:
فذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، إلى: أنَّ النصاب ربع دينار، أو
-- --
- -.
----

٢٧١
كتاب الحدود - باب حد السرقة
ثلاثة دراهم، أو عرض تبلغ قيمة أحدهما .
وذهب الشافعي إلى: أنَّ النصاب ربع دينار ذهبًا، أو ما قيمته ربع
دينار من الفضة، أو العروض، وبه قال كثير من العلماء، منهم عائشة،
وعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، والليث، وأبو ثور.
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري إلى -: أنَّ النصاب
عشرة دراهم مضروبة، أو ما يعادلها من ذهب، أو عروض.
صَلَى اللّه
استدل الإمام أحمد، ومالك بما رواه أحمد ومسلم أنَّ النَّبِىَّ
قال: ((لا تقطع يد السارق، إلاّ في ربع دينار، فصاعدًا)).
وسيلة
وكان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا،
[رواه أحمد عن ابن عمر].
وكما في حديث الباب عن ابن عمر، أنَّه ◌َّ: ((قطع في مِجَن، قيمته
ثلاثة دراهم)) .
واستدل الشافعي والجمهور بالحديث السابق: ((لا قطع إلاّ في ربع
دينار فصاعدًا))، فإنَّه جعل الذَّهب أصلاً يرجع إليه في النصاب.
ولا ينافي حديث ابن عمر، فإنَّ قيمة الدراهم الثلاثة في ذلك الوقت
ربع دينار؛ لأنَّ صرف الدينار اثنا عشر درهمًا .
واستدل أبو حنيفة وأتباعه: بما ثبت في الصحيحين من أنَّه وَّةِ قطع
في مجن، وقد اختلف في قيمة هذه المجن، ومما جاء فيها ما أخرجه
البيهقي والطحاوي من حديث ابن عباس: ((أنَّه كان ثمن المجن على عهد
رسول الله (َ﴾ عشرة دراهم)).
وهذه الرواية وإن خالفت ما في الصحيحين من أنَّ قيمته ثلاثة دراهم
- فالواجب الاحتياط فيما يستباح به قطع العضو المحرَّم، فيجب الأخذ به،
وهو الأكثر.

٢٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وما أخرجه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي رَّ أنه قال:
((لا قطع إلاَّ في عشرة دراهم))، وضعف العلماء هذا الحديث، وله طريق
حسَّنها ابن حجر.
واختلف العلماء في حقيقة اليد التي تقطع على أقوال:
وأصحها ما ذهب إليه الجمهور، بل نقل فيه الإجماع، من أنَّها التي
تبتدىء من الكوع، فالآية الكريمة ذكرت قطع اليد، واليد عند الإطلاق هي
الكف فقط، ومع هذا، فقد بيّنتها السنة؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] والنَّبِي ◌َّرَ مسح على كفَّيه فقط.
ثم إنَّ الجمهور ذهبوا إلى أنَّ أوَّل ما يقطع اليد اليمنى، وبه قرأ ابن
مسعود ((فاقطعوا أيمانهما))، فإن سرقَ ثانيًا، قطعت الرجل اليسرى، ثم إن
سرق، قطعت اليد اليسرى، ثم إن سرق، فالرجل اليمنى، هذا عند
الجمهور، وذكروا أدلتهم في المطولات.
وفي الحديث دليل على جواز لعن العصاة غير المعينين؛ لأنَّه لعن
جنس صاحب المعصية، لا له بعينه، وقد جاءت النصوص بذلك، كما قال
[هود].
١٨
تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
---

٢٧٣
كتاب الحدود - باب حد السرقة
١٠٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ لاَّه
قَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ
الشَّرِيْفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ».
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ .
وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ:
(كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِقَطْعِ
يَدِهَا))(١) .
١٠٧١ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِّ وَِّهِ قَالَ:
(َيْسَ عَلَى خَائٍِ، وَلاَ مُخْتَلِسٍ، وَلاَ مُنْتَهِبٍ قَطْعُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالأَرْبَعَةُ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ(٢).
* درجة الحديث (١٠٧١):
الحديث صحيح.
أخرجه أبوداود، والنسائي، والدارمي، وابن حبان والدارقطني،
والبيهقي، كلهم عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به.
(١) البخاري (٦٧٨٨)، مسلم (١٦٨٨).
(٢) أحمد (٣٨٠/٣)، أبوداود (٤٣٩١)، الترمذي (١٤٤٨)، النسائي (٨٨/٨)، ابن ماجه
(٢٥٩١)، ابن حبان (١٥٠٢).

٢٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
لكن أعله الإمام أحمد، وأبوحاتم، وأبوزرعة، وأبوداود، والنسائي؛ بأنَّ
ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، وتابعه سفيان الثوري عند النسائي
لكن قال: لم يسمعه سفيان من أبي الزبير، وتابعه أيضًا المغيرة بن مسلم
عند النسائي وغيره، فصحَّ بذلك الحديث.
* مفردات الحديث:
- خائِن: ضد ((الأمين))، فهو الذي يخون ماجعل عليه أمينًا؛ كأن يخون في
وديعة أو عارية، أو نحوهما، فيدعي ضياع ما اؤتمن عليه، أو تلفه،
وهو، كاذب.
- مُخْتلس: اسم فاعل من: اختلس الشيء، إذا اختطفه، فالاختلاس نوع
من الخطف؛ ذلك أنَّه يستخفي في ابتداء اختلاس الشي، ثم يمر به
بانتهاء أمره.
- مُنتهِب: المنتهب اسم فاعل من: انتهب الشيء، إذا استلبه، فهو الذي
يأخذ المال على وجه العلانية، والمكابرة قهرًا.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- كانت امرأة من بني مخزوم تستعير المتاع من الناس احتيالاً؛ ثم
تجحده، فاستعارت مرة حليًّا، فجحدته، فوُجِد عندها، وبلغ أمرها
النبيَّ بَّه، فعزم على تنفيذ حد الله بقطع يدها، وكانت ذات شرف،
ومن أسرة عريقة في قريش، فاهتمت قريش بها، وبهذا الحكم الذي
سينفذ فيها، وتشاوروا فيمن يجعلونه واسطة إلى النبي ◌َّر، ليكلمه في
خلاصها، فلم يروا أولى من أسامة بن زيد؛ فإنَّه المقرَّب المحبوب
للنبي و الر، فكلّمه أسامة؛ فغضب منه وَلّه، وقال له منكرًا عليه: ((أتشفع
---- ---
--

٢٧٥
كتاب الحدود - باب حد السرقة
في حد من حدود الله؟!)) ثم قام خطيبًا في الناس؛ ليبين لهم خطورة مثل
هذه الشفاعة، التي تعطل بها حدود الله، ولأنَّ الموضوع يهم الكثير
منهم، فأخبرهم أنَّ سبب هلاك من قبلهم في دينهم، وفي دنياهم أنَّهم
يقيمون الحدود على الضعفاء والفقراء، ويتركون الأقوياء والأغنياء،
فتعم فيهم الفوضى، وينتشر الشر والفساد، فيحق عليه غضب الله،
و عقابه .
ثم أقسم ◌َّلر - وهو الصادق - المصدوق لو وقع هذا الفعل من سيدة
نساء العالمين: ابنته فاطمة، وقد أعاذها الله من ذلك - لنفَّذ فيها حكم
الله تعالى.
٢- تحريم الشفاعة في الحدود، والإنكار على الشافع، وذلك بعد أن تبلغ
الحاكم .
قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على امتناع الشفاعة في الحد
بعد بلوغه السلطان، وفيه تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله
تعالى.
قلتُ: في تقييد ذلك بـ((قبل بلوغها الحاكم)) ليس مأخوذًا من هذا
الحديث الذي معنا، وإنما من نصوص أخر، مثل ما أخرجه أصحاب
السنن، وأحمد عن صفوان بن أمية؛ أنَّ النَّبيَّ نَّهِ لما أمر بقطع يد الذي
سرق رداءه، فشفع فيه، فقال: ((هلاَّ كان ذلك قبل أن تأتيني به؟)).
وأما قبل بلوغ الحاكم، فهل يرفعه أو يتركه؟
الأولى أن ينظر في ذلك إلى ما يترتب على ذلك من المصالح أو
المفاسد، فإن كان ليس من أهل الشر والأذى، فالنبي ◌َّه قال: ((أقيلوا
ذوي الهيئات زلاًتهم)).
فإن كان يترتَّب عليه شيء من المفاسد، فالأحسن عدم رفعه، وإن

٢٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
كان في تركه مفسدة، وهو من أهل الأذى، ونحو ذلك من دواعي الرفع
- فالأولى رفعه.
٣- أنَّ جاحد العارية حكمه حكم السارق، فيقطع، ويأتي الخلاف فيه.
٤- وجوب العدل والمساواة بين الناس؛ سواء منهم الغني أو الفقير،
والشريف، أو الوضيع في الأحكام والحدود، وفيما هم مشتركون فيه.
٥- أنَّ إقامة الحدود على الضعفاء، وتعطيلها في حق الأقوياء ، سبب
الهلاك والدمار، والشقاوة في الدارين.
٦ - مشروعية القَسم في الأمور الهامة؛ لتأكيدها وتأييدها.
٧- جواز المبالغة في الكلام، والتشبيه والتمثيل لتوضيح الحق، وتبيينه،
وتأكيده.
٨- منقبة كبرى لأسامة؛ إذ لم يروا أولى منه للشفاعة عند النبي وَّة، وقد
وقعت الحادثة في فتح مكة .
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في جاحد العارية، هل يقطع، أو لا؟
فذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك،
والشافعي - إلى: أنَّه لا يقطع، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها من
أصحابه الخرقي، وأبوالخطاب، وابن قدامة، وصاحب ((الشرح الكبير))؛
لقوله ◌َله: ((لا قطع على خائن)).
وأجابوا عن حديث الباب: بأنَّها ذكرت بجحد العارية للتعريف، لا
لأنَّها قطعت من أجله، وقد قطعت لأجل السرقة، ولذا وردت لفظة
((السرقة)) في الحديث.
وأجابوا بغير ذلك، ولكنها أجوبة غير ناهضة.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنَّه يقطع، وهي المذهب.

٢٧٧
كتاب الحدود - باب حد السرقة
قال عبدالله بن الإمام أحمد: سألتُ أبي، فقلت له: تذهب إلى هذا
الحديث؟ فقال: لاأعلم شيئًا يدفعه.
وبهذا القول قال إسحاق، والظاهرية، واستدلوا بههذا الحديث الذي
جاء في قصة المخزومية، وجعلوا حديث: ((لا قطع على خائن)) مخصصًا
بغير خائن العارية، والمعنى الموجود في السارق موجود مثله في جاحد
العارية، بل الأخير أعظم، فهو مستثنى.
* فائدة:
أجمع العلماء على: أنَّ الغاصب، والمختلس، والمنتهب لا يقطعون،
وليس ذلك لأنَّهم غير مجرمين أو مفسدين، فهم مفسدون معتدون، يجب
تعزیرهم بما يردعهم.
ولما جاء في السنن من حديث جابر قال: قال رسول الله وَله: ((ليس
على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع)).
وإنما لم يُقطعوا أيضًا؛ لما قدمنا في أول الباب عن القاضي عياض،
ولِحكم أخَر لا يعملها إلاَّ الذي شرع للناس ما يصلح حالهم.

٢٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٧٢ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لاَ قَطْعَ فِي ثَمَّرٍ، وَلاَ كَثَرٍ)). رَوَاهُ المَذْكُورُونَ،
وَصَخَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
أخرجه أحمد وأبوداود، والنسائي، ومالك، والشافعي، وابن أبي شيبة
من طرق عن يحيى بن سعيد عن محمّد بن يحيى بن حبَّان عن رافع بن خديج
به، ورجال إسناده ثقات .
قال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول.
وصححه الترمذي، وابن حبّان.
* مفردات الحديث:
- المذكورون: هم: أحمد، وأصحاب السنن الأربع.
- ثَمَرَ: واحده: ((ثمرة))؛ مما كان معلقًا في النَّخل قبل أن يجذ.
- كَثر : - بفتح الكاف، والثاء المثلثة -: هو جمار النخل، وهو شحمه الذي في
وسطه، قاله في ((النهاية)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم أنَّ من شروط قطع يد السارق هو أن تكون السرقة من حرز، فإن سرق
من غير حرز، فلا قطع على السارق، وتقدم أنَّ الحرز مرجعه إلى العرف،
(١) أحمد (٤٦٣/٣)، أبوداود (٤٣٨٨)، الترمذي (١٤٤٩)، النسائي (٨٨/٨)، ابن
ماجه (٢٥٩٣)، ابن حبان (١٥٠٥).

٢٧٩)
كتاب الحدود - باب حد السرقة
وهو يختلف باختلاف الأموال، والبلدان، وقوة السلطان، وضعفه؛ لأنَّ ما
لم يثبت بالشرع اعتباره، رجع فيه إلى العرف.
٢- قال في ((الروض المربع وغيره)): ومن سرق شيئًا من غير حرزا ثمرًا كان، أو
كثرًا، أو غيرهما - ضمنه بعوضه مرَّتين، ولا قطع لفوات شرطه، وهو
الحرز.
٣- وهذه المسألة من مفردات الإمام أحمد عن الأئمة الثلاثة.
قال في شرح المفردات: من سرق ثمرًا من رؤوس شجر، والماشية في
المراعي - لم يقطع، ولو كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرّتين؛
لحديث رافع بن خديج، والصحيح من المذهب أنَّ غير الشجر والماشية إذا
سرقه من غير حرز، فلا يضمن عوضه إلاَّ مرّة واحدة؛ لأنَّ التضعيف فيها
على خلاف القياس، فلا يتجاوز به محل النص.
٤- وقال أكثر الفقهاء: الواجب عوضه مرَّة واحدة في الجميع، وهو مذهب
الأئمة الثلاثة .
وأجابوا عن الحديث: بأنَّه منسوخ، وهي دعوى لا دليل عليها.
قال الوزير: أجمعوا على أنَّه يسقط القطع عن سارق التمر المعلق على
روؤس النخل، إذا لم يكن محرزًا ، وكذا الكَثَر.

٢٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٧٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَّةَ المَخْزُومِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
((أُِّيَ رَسُولُ اللهِ يَّهِ بِلِصِّ، قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ قَالَ: بَلَىْ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ
مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَ، وَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ مَ: اسْتَغْفِرِ اللهَ،
وَتُبْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ
ثَلاَثًا)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ
ثِقَاتٌ(١).
وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ
فِيهِ: ((اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ)). وَأَخْرَجَهُ البَزَّارُ أَيْضًا،
وَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ(٢) .
* درجة الحديث:
حديث أبي أمية حسن. وقد أخرجه أحمد، وأبوداود، والنسائي، وابن
ماجه، والدارمي، والطحاوي، والبيهقي من طريق أبي المنذر عن أبي أمية
المخزومية .
قال ابن حجر: رجاله ثقات .
وأما حديث أبي هريرة: فرواه الدار قطني، والحاكم، والبيهقي موصولاً،
وصحَّحه ابن القطان، ورجّح ابن خزيمة، وابن المديني، وغير واحد إرساله
(١) أحمد (٢٩٣/٥)، أبوداود (٤٣٨٠)، النسائي (٨/ ٦٧).
(٢) الحاكم (٣٨١/٤)، البزار (١٥٦٠).