Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الحدود - باب حد الزاني
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - أتى ماعز بن مالك الأسلمي - رضي الله عنه - إلى النَّبِي وَّ وهو في
المسجد، فناداه، واعترف على نفسه بالزنا، فأعرض النبي ◌َّ لعلّه يرجع،
فيتوب فيما بينه وبين ربه، ولكن قد جاء غاضبًا على نفسه، جازمًا على
تطهيرها بالحد، فقصده من تلقاء وجهه مرَّة أخرى، فاعترف بالزنا أيضًا،
فأعرض عنه النبي ◌َّ حتى شهد على نفسه بالزنا أربع مرات، حينئذٍ استثبت
النبي وَّر عن حاله، فسأله: هل به من جنون؟ قال: لا، وسأل أهله عن
عقله، فأثنوا عليه خيرًا، ثم سأله: هلٍ هو محصن، أم بِكر لا يجب عليه
الرجم؟ فأخبره أنَّه محصن، وسأله: لعلَّه لم يأت ما يوجب الحد، من لمس
أو تقبيل، فصرح بحقيقة الزنا، فلما استثبت عليه من كل ذلك، وتحقق من
وجوب إقامة الحد، أمر أصحابه أن يذهبوا به فيرجموه، فخرجوا به إلى
بقيع الغرقد، وهو مصلى الجنائز، فرجموه، فلما أحسَّ بحر الحجارة،
طلبت النفس البشرية النجاة، ورغبت في الفرار من الموت، فهرب، فأدركو
بالحرة، فأجهزوا عليه حتى مات، رحمه الله، ورضي عنه.
٢- أنَّ الزنا يثبت بالإقرار، كما يثبت بالشهادة، ويأتي: هل يكفي الإقرار مرَّة،
أم لا بد من الإقرار أربع مرات كما في هذا الحديث؟.
٣- أنَّ المجنون لا يعتبر إقراره، ولا يثبت عليه الحد؛ لأنَّ شرط الحد التكليف؛
فقد جاء في بعض روايات هذا الحديث أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال له: ((أبك جنون؟
قال: لا)).
٤ - أنه يجب على القاضي والمفتي التثبت في الأحكام، والسؤال بالتفصيل عما
يجب الاستفسار عنه، مما يغيِّر الحكم في المسألة؛ فإنَّ النَّبيَّ وَلّ سأل المقر
هنا عن عمله، حتى تبيَّن له أنَّه فعل حقيقة الزنا، وأعرض عنه لعله يرجع عن
اعترافه، حتى كرر الإقرار، أربع مرات.

٢٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال في ((فتح الباري)): فقد بالغ ◌َّ في الاستثبات غاية المبالغة، وهذا
وقع بعد إقراره أربع مرات، فهو يؤكد اشتراط العدد.
٥- أنَّ حد المحصَن الزاني رجمه بالحجارة حتى يموت، ولا يحفر له عند
الرجم.
٦ - أنَّه لا يشترط في إقامة الحد حضور الإمام أو نائبه، والأولى حضور
أحدهما؛ ليُؤمَن الحيف، والتلاعب بحدود الله تعالى.
٧- جواز إقامة الحدود في مصلى الجنائز، وكانوا في الأول يجعلون للصلاة
على الجنائز مصلی خاصًّا.
٨- أنَّ الحد كفارة للمعصية التي أقيم الحد لها، وهو إجماع، وقد جاء صريحًا
في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من فعل شيئًا من ذلك، فعوقب به في
الدنيا، فهو كفارته)).
٩ - أنَّ إثم المعاصي يسقط بالتوبة النصوح، وهو إجماع المسلمين أيضًا.
١٠- إعراض الإمام والحاكم عن المقر على نفسه بالزنا، لعلّه فعل ما لا يوجب
الحد، فظنه موجبًا، والحدود تدرأ بالشُّبهات.
١١ - هذه المنقبة العظيمة لماعز - رضي الله عنه - إذْ جاء بنفسه؛ غضبًا لله تعالى
وتطهيرًا لها، مع وجود الإعراض عنه، وتلقينه ما يسقط عنه الحد.
# خلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل يشترط الإقرار بالزنا أربع مرات، أو لا؟
ذهب الإمامان: أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء، ومنهم الحكم بن
عتيبة، وابن أبي ليلى، إلى: أنَّه لا بد من الإقرار أربع مرات، مستدلين بهذا
الحديث الذي معنا، فإنَّه لم يُقِم النبي ◌َّ- على ((ماعز)) الحد، إلاّ بعد أن شهد
على نفسه أربع مرات، وقياسًا على الشهادة بالزنا فلا يقبل إلاَّ أربعة شهود.
ولا يشترط أن تكون الإقرارات في مجالس، خلافًا للحنفية .

٢٢٣
كتاب الحدود - باب حد الزاني
وذهب مالك، والشافعي، وأبوثور، وابن المنذر إلى: أنَّه يكفي لإقامة
الحد إقرار واحد؛ لحديث: ((وَاغْدُ يَا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت،
فارجمها)) ولم يذكر إقرارات أربعة.
ورجم ◌َّه الجهينية، وإنما اعترفت واحدة.
وأجابوا عن حديث ماعز: بأنَّ الروايات في عدد الإقرارات مضطربة،
فجاء أربع مرات، وجاء مرتين، أو ثلاثًا .
وأما القياس: فلا يستقيم؛ لأنَّ الإقرار في المال لابد فيه من عدلين، ولو
أقرَّ على نفسه مرَّة واحدة كفت إجماعًا.
والقول الأخير من حيث الدليل وجيه، والقول الأول أحوط، والله أعلم.

٢٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٥٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ خَطَبَ
فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ فِيْمَا
أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا، وَوَعَيْنَهَا، وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَىْ إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، أَنْ يَقُولَ
قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَضِلُّوا بِتَزْكِ فَرِيْضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ،
وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أَحْصَنَ مِنَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ البَيَّةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ، أَوِ الإِعْتِرَافُ)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
* مفردات الحديث:
- آية الرجم: بالرفع، اسم ((كان))، وخبرها الظرف.
وآية الرجم هي: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله،
والله عزيز حكيم)).
- أحصن: مادة ((حصن)) تدل على المناعة، فيقال: مكان حصين؛ أي: منيع،
وأحصن الرجل: إذا وطىء في نكاح صحيح، واسم الفاعل من ((أحصن))
محصِن، بكسر الصاد، وأما فتحها فاسم مفعول، والمرأة المصانة في نكاح
صحيح: مِحصَنة، بفتح الصاد على غير قياس، والمرأة سميت: محصنة في
القرآن في أربع صفات: بالإسلام، والعفاف، والتزويج، والحرية.
- وَعَيْنَاهَا: وَعَي الحديث يعيه وعيًا: حفظه وجمعه.
(١) البخاري (٦٨٢٩)، مسلم (١٦٩١).
-----
----
---

٢٢٥
كتاب الحدود - باب حد الزاني
ـ عقَلْنَاهَا: عقل الشيء عقلاً: فهمه وتدبره.
- فريضة: بوزن فعيلة، قال في ((النهاية)): أصل الفرض: القطع، وهو عام في
كل فرض مشروع من فرائض الله تعالى.
- البيّة: ما أبان الحق وأظهره من الأدلة .
- الحَبل: يقال: حبلت المرأة حبلاً؛ أي: حملت، فهي حبلى، والحَبّل
بفتحتين : هو الحمل.
ما يؤخذ من الحديث:
١ - فاحشة الزنا من الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَسَآءَ
[الإسراء: ٣٢] وكان حده في أول الحبس في البيت؛ لقوله
سَبِيلًا
٣٢
تعالى: ﴿وَأَلَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً
مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]
الآية، ثم نُسِخ بحديث عبادة الذي في الباب، ونسخُ القرآن بالسنة جائز على
الصحيح؛ لأنَّ الكل من عند الله، وإنِّ اختلف طريقه.
٢- أنزل الله آية الرجم في كتابه، فكان نصها: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموها ألبتة، نكالاً من الله والله عزیز حکیم)).
فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: إنَّ الله بعث
محمَّدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم،
قرأناها، ووعيناها، وعقلناها، فرَجم رسول الله وَّةٍ، ورجمنا بعده.
قال ابن كثير في تفسيره: إنَّ آية الرجم كانت مكتوبة، فنسخت تلاوتها،
وبقي حكمها معمولاً به .
٣- الرجم لا يكون إلاّ في حق المحصَن، والمحصن هو مَن وطیء زوجته ۔ ولو
ذمية - في نكاح صحيح، في قبلها، والزوجان مكلّفان حرَّان، فإن اختل
شرط من هذه الشروط، فلا إحصان لواحد منهما.

٢٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤ - أما الرجم: فهو الرمي بالحجارة حتى يموت المرجوم.
٥ - ذكر في الحديث أنَّ أدلة ثبوت الزنا ثلاثة:
الأول: أن يقرّ به الزاني المكلف أربع مرات؛ لِما في الصحيحين من حديث
ماعز أنَّه أقرَّ عند النبي ◌َّ أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات
قال: ((اذهبوا به، فارجموه)).
وأن يصرح بحقيقة وطء؛ لتزول الشبهة، وألا ينزع عن إقراره حتى يتم
عليه الحد، فلو رجع عن إقراره قبل رجمه، قُبِلَ رجوعه، وكُفَّ عنه.
الثاني: أن يشهد عليه أربعة رجال عدول، فيصفون الزنا بإيلاج ذكر الرجل
الزاني في فرج المرأة المزني بها .
الثالث: أن تحبل المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، فهو ظاهر حديث الباب،
وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وقال: هو المأثور عن
الخلفاء الراشدين، والأشبه بأصول الشريعة، ومذهب أهل المدينة، فإنَّ
الاحتمالات البارزة لا يلتفت إليها .
قال ابن القيم: وحكم عمر برجم الحامل بلا زوج ولا سيد، وهو مذهب
مالك، وأصح الروايتين عن أحمد؛ اعتمادًا على القرينة الظاهرة.
أما مذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد فلا حد عليها؛
لأنَّه يحتمل أنه من وطء أو شبهة، ولأنَّ عمر أتِي بامرأة حامل فادعت أنَّها
مكرهة، فقال: خلّ سبيلها، ورُفعت إليه امرأة أخرى، فقالت: إنَّها امرأة
ثقيلة، فلم تستيقظ حتى فرغ، وقد درأ عنها الحد.
وروي عن ابن مسعود وغيره أنَّهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد، فادرا ما
استطعت .
قال الموفق بن قدامة: لا خلاف أنَّ الحد يدرأ بالشُّبهات، وهي متحققة
هنا. وهذا القول أرجح من الأول، والله أعلم.

٢٢٧
كتاب الحدود - باب حد الزاني
٦ - في الحديث أنَّ الرجم وقع في عهد النَّبِي ◌َِّ، كما صحَّ في أحاديث أُخر.
٧- كما يدل على خشية السلف على أحكام الله وفرائضه أن تنسى وتهمل بترك
العمل بها، كما وقع الآن في بلدان المسلمين؛ من الإعراض عن أحكام الله
تعالى إلى حكم الطاغوت.
٨- أنَّ الأحكام الشرعية ليست محصورة في القرآن الكريم، بل قد أعطي النَّبي
وَ يّر القرآن ومثله معه من الحكمة، فيجب العمل به كله فكله من عند الله
تعالى .
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في حكم من زنا بذات محرم عليه :
فذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد: إلى أنَّ حكمه حكم
غيره من الزناة في غير المحارم، يجلد البكر ويغرَّب، ويرجم الثيب.
وذلك لعموم الآية والخبر، وهو قول الحسن، وأبي ثور، وصاحبي أبي
حنيفة .
والرواية الأخرى عن الإمام أحمد -: أنَّه يقتل مطلقًا، سواء كان بكرًا أو
ثيبًا، وهي من مفردات المذهب.
قال في ((شرح المفردات)): إذا وطىء امرأة من محارمه المحرمات عليه
أمه أو أخته بعقد نكاح، أو غيره، فحدّه القتل في رواية، وبهذا قال جابر بن
زيد وإسحاق وأبو أيُّوب وابن أبي خيثمة .
لما روى أبوداود والترمذي وحسّنه من حديث البراء بن عازب قال:
لقيتُ خالي ومعه راية، فقلتُ: إلى أين تريد؟ قال: ((بعثني رسول الله وَّةٍ إلى
رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه، وآخذ ماله)).
ولما روى الترمذي وابن ماجه والحاكم وأحمد وغيرهم عن ابن عباس؛
أنَّ النَّبيَّ ◌َِّ قال: ((من وقع على ذات محرم، فاقتلوه)).

٢٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر، وقال
الألباني : ضعيف.
وذهب ابن حزم إلى أنَّ: من وطىء امرأة أبيه بعقد أو بغير عقد، فإنَّه
يقتل؛ لحديث البراء الذي ساقه ابن حزم من عدة طرق، وصحح بعضَها، أما
من عداها من المحارم فحكم الزنا فيها والعقد عليها كغيرها في الحدِّ.
وحديث البراء جاء بطرق بعض رجالها رجال الصحيح، ولكن الحديث
مختلف فيه، قال المنذري: اختلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فروي عنه
أنَّه قال: مرَّ بي عمي، وروي عنه قال: مرَّ بي خالي أبو بردة، والحديث إذا
اختلف فهو شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، فالأرجح مذهب الجمهور أنَّ حد
الزاني بذوات المحرم هو حد الزاني بغيرها، والله أعلم.
-----
---- ----

٢٢٩
كتاب الحدود - باب حد الزاني
١٠٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ لّه يَقُولُ: ((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا
الحَدَّ، وَلاَ يُثَرَّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، ولاَ يُثَرِّبْ
عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ(١).
* مفردات الحديث:
- زَنَت: يُقَال: زنا يزني زنا ، والزنا هو: الفجور، والزنا بالقصر في لغة أهل
الحجاز، وبالمد ((زناء)) في لغة أهل نجد.
قال في ((التعريفات)): الزناء: الوطء في قبل، خالٍ عَن مِلك وشبهة .
- الأمة: هي الرقيقة.
- لا يُثَرِّب عليها: بضم الياء، وتشديد الراء، يقال: ثرَّب عليها يثرب تثريبًا:
لامها، وعيَّرها بذنبها، وقبَّح عليها فعلها، والمعنى: لا يعاتبها، ولا يلومها،
ولا يعنِّقها بعد أن طهَّرها بالحد.
- مِنْ شَعر: الشعر زوائد خيطية تظهر على جلد الإنسان وغيره، فما على
الماعز يسمى شعرًا، وما على الضأن فهو صوف، وما على الإبل فهو وبر.
(١) البخاري (٢١٥٢)، مسلم (١٧٠٣).

٢٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٥٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
(وَلَه : ((أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَهُوَ
فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ(١).
** درجة الحديث:
الحدیث حسن.
الحديث بتمامه: ((أنَّ جارية لآّل رسول الله وَّ فجَرت، فقال: يا علي،
انطلق، فأقم عليها الحد، قال علي: فانطلقت، فإذا بها دم يسيل لم ينقطع،
فأتيته فقال: يا علي، أفرغت؟ قلتُ: أتيتها ودمها يسيل، فهي حديثة عهد
بنفاس، فقال دعها: حتى ينقطع دمها، ثم أقم عليها الحد، أقيموا الحدود على
ما ملكت أيمانكم)). فقد أخرجه أحمد، وأبوداود، والبيهقي، وغيرهم عن
عبد الأعلى الثعلبي عن أبي جميلة، عن علي رضي الله عنه .
قال الألباني: وهذا إسنادٌ حسنٌ، فأبو جميلة روى عنه جماعة، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، والثعلبي فيه ضعفٌ، لكنه تابعه أبو جميلة، وهو مجهول.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على أنَّ للسيد إقامة الحد على مواليه؛ وذلك حينما يثبت
لديه فعل الفاحشة بإقرار، أو شهادة كافية.
وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد.
٢ - أما الإمام مالك: فيرى أنَّ إقامة الحد على الرقيق مردودة إلى الإمام كبقية
الرعية .
(١) أبوداود (٤٤٧٣)، مسلم (١٧٠٥).
-------- --- m

٢٣١
كتاب الحدود - باب حد الزاني
٣- ويدل الحديث على أنَّ السيد، إذا أقام الحد على موليه؛ سواء كان ذكرًا، أو
أنثى - فلا يثرِّب عليه، ويعيِّرِه، ويعيبه؛ لأنَّ الكلام القاسي هو تعزير بذاته،
فلا يجمع عليه بين التأديب الحسِّي والمعنوي، ويرجو من الله تعالى أنَّه مع
الإغضاء عن تأنيبه يهديه الله، أما تأنيبه فربّما يحمله على العناد والإصرار.
٤- ويدل الحديث على أنَّ السيد يؤدب أمته مرَّتين، فإذا لم تنته، وأصرَّت، عُلِمَ
أنَّ هذا خلق قبيح عند تلك الأمة، فلا يحل له أن يبقيها عنده، بل يجب
عليه إبعادها عنه، ولو بأبخس الأثمان؛ فإنَّ إمساك الأمة بعد تكرر الفاحشة
منها والتأديب عليها، يكون من نوع الدياثة .
٥- الأمر ببيع الأمة الزانية دليل على أنَّ الزنا فيها، أو في العبد عيب يرد به
المبيع، وأنَّه يجب على البائع أن يخبر المشتري بهذا العيب، وإلاّ فقد
غشَّه، وأخفى عنه العيب .

٠ --
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٣٢)
١٠٥٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ امْرَأَةً
مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ الله،
أَصَبْتُ حَدَّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: أَحْسِنْ
إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ، فَأُتِي بِهَا، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا
ثِيَابُهَا، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمرُ: أَتُصَلِّي
عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ! وَقَدْ زَنَتْ؟! فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ قُسّمَتْ بَيِّنَ
سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ
جَادَتْ بِنَفْسِهَا لله تَعَالَى)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- جُهَيْنَةَ: قَبِيلة جهينة بن زيد قبائل كثيرة، من قضاعة من القبائل القحطانية،
منازلهم كانت ولا زالت على ساحل البحر الأحمر، وهي من الجزء الغربي
من المملكة العربية السعودية، وعاصمة حاضرتهم بلدة أملج، بلدة ساحلية
غرب المدينة المنورة.
- حُبْلَى: الحامل في بطنها جنينها، جمعها: ((حبالى)).
- فَشُكَّت عليها ثيابها: بضم الشين، مبني للمجهول؛ أي: شدَّت، وربطت
عليها ثيابها؛ لئلا تنكف .
- لوَسعتهم: يقال: وسع يسع سعة؛ بمعنى: أحاطت بهم، وشملتهم.
- جادت: من جاد يجود جودًا، ((وجادت بنفسها))؛ أي: بذلتها، وسمحت بها .
(١) مسلم (١٦٩٦).
------

٢٣٣
كتاب الحدود - باب حد الزاني
١٠٥٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ:
((رَجَمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلاً مِنَ اليَهُودِ، وَامْرَأَةً)). رَوَاهُ
مُسْلِمُ(١).
وِقِصَّةُ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (٢).
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - ثبوت حكم رجم الزاني المحصن؛ بأن يرجم بالحجارة حتى يموت.
٢ - أن اعتراف العاقل مرَّة يثبت حكم الحد عليه.
٣- ظاهر الحديث أنَّ الحكم يثبت بالاعتراف مرَّة واحدة، ولو لم يكرره أربعًا،
وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
٤- ويشترط في استيفاء الحد أن يؤمن الحَيف، فلا يتعدى إلى غيره ممن عليه
الحد، فإذا وجب الحد على امرأة حامل، أو حائل فحملت، لم ترجم حتى
تضع الولد، وتسقيه اللَّبأ؛ لأنَّ رجم الحامل يتعدّى إلى الجنين، فصار الحد
فيه قتل لغيرها، وهو حرام، إذ هو جناية على بريء.
٥- مشروعية شد ثياب المرأة عليها عند إرادة تنفيذ الحد عليها؛ خشية أن
تنكشف عورتها .
٦- وجوب الصلاة على المقتول حدًّا، وجوازها من الإمام، كبقية موتى
المسلمين، فليست الشهادة تسقط الصلاة عنها، وليست من العصاة الذين
يردع غيرهم؟ بترك الصلاة عليهم، وهما: ((الغال وقاتل نفسه)).
(١) مسلم (١٧٠١).
(٢) البخاري (٦٨٤١)، مسلم (١٦٩٩).

٢٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧- إقامة الحد كفارة لذنب صاحبه، وهو إجماع المسلمين، فقد ورد أنَّ النَّبيَّ
وَّر عظم أمر هذه التائبة، بأنَّها لو قُسِمَتْ توبتها على سبعين من أهل المدينة
لوَسِعَتْهُم، وَلَعَلَّ العدد غير مراد، وأنَّ ميدان توبتها أوسع من هذا العدد.
٨- قال العلماء: إنَّ الأفضل لمن أتى ذنبًا، أن يتوب فيما بينه وبين الله تعالى،
ويجعلها توبة نصوحًا، ويكثر من الطاعات، وفعل الخيرات، ويبتعد عن
أمكنة الشر، وقرناء السوء.
أما اعتراف هذه الصحابية: فهو غضب شديد على نفسها التي أمرتها
بالسوء، ورغبة في سرعة تكفير ذنبها، فهذا هو الذي حملها على اعترافها،
وتسليمها نفسها لتطهيرها بالحد.
٩- أنَّ إثم المعصية يسقط بالتوبة النصوح، وهو إجماع المسلمين، فالتائب من
الذنب کمن لا ذنب له.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل يشترط لثبوت حد الزنا تكرار الاعتراف أربع مرات،
أم يكفي الاعتراف مرَّة واحدة؟
فذهب إلى الأول: الإمامان: أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء،
مستدلين على ذلك: بما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ((أتى رجل
من المسلمين رسول الله وَّل﴿ فناداه: إني زنيتُ، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء
وجهه، فقال: يا رسول الله، إِني زنيتُ، فأعرض عنه، حتى فعل ذلك أربع
مرات، فقال رسول الله وَّه: ((اذهبوا به، فارجموه)).
وذهب الإمامان: مالك، والشافعي، وأبوثور، وابن المنذر إلى: أنَّه
يكفي لإقامة الحد إقرار واحد؛ لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد
بن خالد الجهني؛ أَنَّ النَّبيَّ نَِّهِ قَالَ: ((وَاغْد يا أنيس، إلى امرأة هذا، فإن
اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله وََّ، فرُجمت)).

٢٣٥
كتاب الحدود - باب حد الزاني
ولحديث الباب الذي معنا في قصة المرأة الجهنية .
وبناءً على خطورة الأمر، وأنَّ الحدود تدرأ بالشُّبهات، وإعراض النبي
وَّر عن المعترفين على أنفسهم وإمهالهم المرة، فإنه دليل على قوَّة القول
باشتراط الإقرار أربع مرات، ومراعاة الخلاف لا تخلو من زيادة فائدة.
واختلفوا في اشتراط الإسلام للإحصان :
فذهب الشافعي وأحمد إلى: عدم اشتراطه، ويدل عليه الحديث رقم
(١٠٥٦).
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى: أنَّ الإسلام شرط في الإحصان، وأجابا عن
هذه القصة بأنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ إنما رجم اليهوديين بحكم التوراة.
والقول الأول أصح، فالتوراة إنما نشرها النبي ◌َّ؛ ليقيم عليهم الحجة
من كتابهم، وإلاّ فإنَّه ◌َّهِ لا يحكم إلاّ بما أنزل الله عليه وَه .

٢٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٥٧ - وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -
قَالَ: ((كَانَ فِي أَبْيَاتِنَاَ رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبُثَ بِأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ، فَذَكَرَ
ذُلِكَ سَعِيدٌ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: اضْرِبُوهُ حَدَّهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ
اللهِ، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذُلِكَ، فَقَالَ: خُذُوا عِثْكَالاً فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، ثُمَّ
اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَفَعَلُوا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ
مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنْ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال المصنف: رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وإسناده حسن،
للكن اختلفوا في وصله وإرساله، قال البيهقي: المحفوظ أنَّه مرسل، وأخرجه
أحمد من حديث سعيد بن سعد موصولاً، وهذه ليست بعلة قادحة، فروايته
موصولاً زيادة من ثقة وهي مقبولة .
وقال الحافظ في ((التلخيص)): طرق هذا الحديث مدارها على أبي
أمامة، ولكن أبا أمامة قد حملها عن جماعة من الصحابة. قال ابن عبدالهادي:
إسناده جيّد .
* مفردات الحديث:
- رُوَيْجِل: تصغير: ((رجُل))، والتصغير لعدة معان:
أحدها: التحقير، وهو المراد هنا.
(١) أحمد (٢٢٢/٥)، النسائي في الكبرى (٣١٣/٤) ابن ماجه (٢٥٧٤).
------ -
11 -------------- -----
1- 11- ------ --------- -------

٢٣٧
كتاب الحدود - باب حد الزاني
فخبث بأمة: خبث بالمرأة - بالخاء المعجمة، فموحدة ۔ یخبث خبئًا، من باب
قتل؛ أي: زنا بالأمة.
- عِثْكَالاً: بكسر العين، وسكون الثاء المثلثة، بزنة ((قرطاس))، هو عذق
النخلة، أو العذق الذي يكون عليه أغصان دقيقة .
- شِمْرَاخ : - بالشين المعجمة، وسكون الميم، فراء، ثم ألف، آخره خاء
معجمة ۔ هو غصن دقیق في أصل العِثْکال، جمعه ((شماریخ)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ حد الزاني البكر هو جلد مائة جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَّةُ وَالزَِّ فَاجْلِدُ واكُلَّ
وَحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وأما تغريب الزاني البكر عامًا: فقد جاء في صحيح مسلم من حديث
عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله وَّة: ((البِكر بالبكر جلد مائة، ونفي
سنة)) .
٢ - فيه دليل على أنَّ الإمام ينبغي أن يراقب حال المجلود، ويحافظ على حياته،
ومضاعفة الحد عليه.
٣- أنَّ الحد لا يؤخر لمرض إلاّ لمدة يزول فيها، أو يكون الحدّ يتعدى إلى غير
المحدود كالحبلى، كما في قصة الغامدية.
٤ - تحتم إقامة الحد، ولو على ضعيف البدن بقدر ما يستطيع؛ فإنَّ النَّبِىَّ وَ ◌ّ لما
أخبروه عن ضعف بدن ((الرويجل)) الزاني، أمرهم أن يضربوه بعذق فيه مائة
شمراخ ضربة واحدة، إقامة لصورة حد الله تعالى بقدر المستطاع، فدلَّ على
أنَّ المريض والكبير والعاجز ممن لا يطيق إقامة الحد عليه بالمعتاد، يقام
عليه بما يتحمله مجموعًا دفعة واحدة .
قال ابن كثير: إنَّ أيوب عليه السلام غضب على زوجته، وحلف إن شفاه
الله تعالى، ليضربنَّها مائة جلدة، فلما شفاه الله تعالى، قال الله تعالى له:

٢٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثَ﴾ [ص: ٤٤] فأخذ ضغئًا- وهو الشِّمْراخ -
فيه مائة قضيب، أو قبضة من أعواد دقائق، فضربها به ضربة واحدة، فبرَّت
یمینه، وخرج من چِنثه.
٥- إذا زنى الحر بأمة، أو بالعكس؛ بأن زنت الحرة بعبد، فكل واحد منهما له
حكمه في الحد.
٦ - وفي الحديث: أنَّ المخارج المؤدية إلى أعمال مباحة، فإنه يجوز ارتكابها،
وأنَّها لا تُعد من الحِيل المحرَّمة المفضية إلى تعاطي المعاملات المحرمة .
-------- mrmmsom e

٢٣٩
كتاب الحدود - باب حد الزاني
١٠٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه
قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْم لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ
بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقِعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ)). رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوثَّقُونَ؛ إِلاَّ أَنَّ فِيهِ اخْتِلافًا (١).
** درجة الحديث:
الحديث صحيح .
رجال الحديث موثقون، إلاَّ أنَّ فيه اختلافًا .
والحديث اشتمل على فقرتين :
الأولى: ((من وجد تموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول
به)) .
قال الألباني: الحديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبوداود، والترمذي،
وكلهم من طريق عبدالعزيز بن محمَّد.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذَّهبي، وهو كما قال، وقد تابعه
عباد بن منصور عن عكرمة به، وأخرجه أحمد، والبيهقي من طرق عن عباد به .
الفقرة الثانية: ((ومن وجدتموه وقع على بهيمة، فاقتلوه، واقتلوا البهيمة)).
قال الألباني: الحديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذي، والدار قطني،
والحاكم، والبيهقي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس به .
(١) أحمد (٣٠٠/١)، أبوداود (٤٤٦٢)، الترمذي (١٤٥٦)، النسائي (٣٢٢/٤)، ابن ماجه
(١٥٦١).

٢٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
هذه جمل من كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن فاحشة اللواط :
١ - مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، فليس في المعاصي أعظم مفسدة منها،
وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل.
٢- لم يبتل الله سبحانه بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدًا من العالمين ، قال
[الأعراف]، وعاقبهم عقوبة
تعالى: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ
لم يعاقب بها أحدًا غيرهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا
﴾ [هود].
٨٢
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ !
فجمع عليهم من أنواع العقوبات، بين الإهلاك، وقلب الديار عليهم،
والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكل بهم نكالاً لم ينكله أمة
سواهم؛ وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة .
٣ - ثبت أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل
عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط)) ولم يجيء عنه وَّ لعنه
الزاني ثلاث مرات في حديث واحد.
خلاف العلماء:
*
قال ابن القيم: هل عقوبة اللواط أغلظ عقوبة من الزنا، أو الزنا أغلظ؟
على ثلاثة أقوال :
فذهب الإمام مالك إلى: أنَّ عقوبة اللواط أغلظ من عقوبة الزنا، وهو
رواية عن الإمام الشافعي، والإمام أحمد، فعقوبته القتل، فاعلاً كان، أو
مفعولاً به.
وهذا قول أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد،
وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس، وجابر بن زيد - رضي الله عنهم - وإنما
اختلفوا في صفة قتله.