Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الجنايات - باب قتال أهل البغي
١٠٣٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّه: (تَقْتُلُ عَمَّارًا الفِتَةُ البَاغِيَةُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- الفئة: على وزن: ((عِد))؛ هي الجماعة والطائفة من الناس، والهاء عوض عن
الياء؛ لأنَّ أصلها: ((فِأيّ)) جمعها. ((فِآت))؛ قال في ((الكليات)): الفئة هي
الجماعة المتظاهرة، التي يرجع بعضها إلى بعض في التعاضد.
وقال في ((التعريفات)): الفئة: الطائفة المقيمة وراء الجيش؛ للالتجاء إليهم
عند الهزيمة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١].
- الباغية: يقال: بغى على فلان يبغي بغيًا: عدا عليه وظلمه، فالبغي هو
الاعتداء والظلم .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - لما قتل الخوارج الثائرون الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه -
بايع أهل الحل والعقد بالمدينة وغيرها عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -،
وتمت له البيعة على المسلمين .
٢ - كان معاوية بن أبي سفيان بالشام أميرًا لعمر بن الخطاب، ثم لعثمان - رضي
الله عن الجميع، فامتنع من بيعة علي؛ بحجة أنَّ قتلة ابن عمه عثمان
منضمون مع علي، ويطلب تسليمهم؛ للانتقام منهم.
فانقسم المسلمون إلى طائفتين: طائفة تؤثر الخليفة الرابع علي،
والأخرى تؤثر معاوية؛ الذي يطالب بقتلة الخليفة المقتول ظلمًا .
(١) مسلم (٢٩١٦).

١٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- ووجد طائفة ثالثة اعتزلت المعسكرين، وابتعدت عن الفتنة.
٤- حصلت معركة كبيرة جدًّا بين علي ومعاوية في صِفين، قُتل فيها عمَّار بن
ياسر - رضي الله عنه - الذي قال النبي وُّل عنه: ((تقتل عمَّارًا الفئة الباغية)).
٥- قال شيخ الإسلام: حديث عمَّار: ((تقتله الفئة)) قد طعن فيه طائفة من أهل
العلم، وللكن رواه مسلم في ((صحيحه))، وهو في بعض ((نسخ البخاري))،
ولكن ليس في كون عمار تقتله الفئة الباغية خروج تلك الفئة من الإيمان،
فقد جعلهم القرآن إخوة، مع وجود القتال، والبغي منهم ، لاسيَّما المتأول
المجتهد .
٦ - قال الشيخ: بعض أكابر الصحابة يرى القتال مع الطائفة التي فيها عمَّار،
وبعضهم يرى الإمساك عن القتال مطلقًا، فالذين يرونه مع طائفة عمار
يحتجون بهذا الحديث؛ لأنَّ الله أمر بقتال الطائفة التي تبغي، والساكتون
يحتجون بالأحاديث الصحيحة الكثيرة من أنَّ القعود في الفتنة خير من
القتال .
٧- مذهب أهل السنة والجماعة: يرون الصواب مع علي، ولكنهم يتولَّون
الجميع، ويعرفون لهم سابقتهم، وصحبتهم، وفضلهم، ويسكتون عما
جرى بينهم، رضي الله عنهم أجمعين .
٨- أما أهل الأهواء: فقال عنهم شيخ الإسلام: إنَّهم في قتال علي ومحاربيه
على أقوال:
الخوارج تكفِّر الطائفتين جميعًا .
الرافضة تكفر من قاتل عليًّا .
أما أهل السنة: فمتَّفقون على عدالة القوم، ثم لهم في التصويب
والتخطئة مذاهب لأصحابنا، وغيرهم:
الأول: أنَّ المصيب علي رضي الله عنه.
------------ ------ ---- "

١٨٣
كتاب الجنايات - باب قتال أهل البغي
الثاني: الجميع مصيبون، رضي الله عنهم.
الثالث: المصيب واحد، لا بعينه.
الرابع: الإمساك عما شجر بينهم مطلقًا، مع العلم أنَّ عليًّا وأصحابه أولى
الطائفتين بالحق .
وجمهور أهل العلم: يفرقون بين الخوارج المارقين، وبين أهل الجمل
وصفين، وغير أهل الجمل وصفين ممن يعدون البغاة المتأولين، وعليه عامة
أهل الحديث والفقهاء، وعليه نصوص أكثر الأئمة الأربعة وأتباعهم.

١٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٣٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
مِنَّهِ: ((هَلْ تَدْرِي - يَابْنَ أُمِّ عَبْدٍ - کَیْفَ حُكْمُ اللهِ فِيْمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ
الأُمَّة؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: لا يُجْهَزُ جَرِيحُهَا، وَلاَ يُقْتَلُ أَسِيرُهَا،
وَلاَ يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلاَ يُقْسَمُ فَيْهَا)). رَوَاهُ البَزَّارُ وَالحَاكِمُ، وَصَخَّحَهُ،
فَوَهِمَ؛ لأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ(١)، وَصَخَّحَهُ
عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالحَاكِمُ(٢).
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف جدًّا، لكن صحَّ عن علي - رضي الله عنه - موقوفًا .
قال ابن حجر في ((التلخيص)): رواه الحاكم والبيهقي، وسكت عنه
الحاكم، وقال ابن عدي: هذا الحديث غير محفوظ، وقال البيهقي: ضعيف.
قال ابن حجر: في إسناده: كوثر بن حكيم، وقد قال البخاري: إنه
متروك. اهـ.
فقول المصنف هنا في ((بلوغ المرام)»: صحَّحه الحاكم، يعارضه ما في
(التلخيص)) أنَّه سكت، والواقع أنَّه سكت عنه كما في ((المستدرك)) (١٥٥/٢)،
هذا عن المرفوع، لكن صحَّ عن علي موقوفًا .
* مفردات الحديث:
- ابن أم عبد: هو عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - وأم عبد هي والدته، بنت
(١) البزار (١٨٤٩) الزوائد، الحاكم(١٥٥/٢).
(٢) ابن أبي شيبة (٢٦٣/١٥)، الحاكم (١٥٥/٢).
111- -- ----- --------------

١٨٥
كتاب الجنايات - باب قتال أهل البغي
عبد بن سواء بن قريم بن صاهك الهذلية، من قبيلة هذيل .
- لا يُجْهَز: من أجهز على الجريح وجهز؛ أي: أسرع في قتله، وأتمه.
- هاربها: المنهزم عن ساحة القتال.
- فيؤها: الفيء في الأصل مصدر فاء يفيء فيئة وفيو، إذا رجع، ثم أُطلق على
ما أخذ من مال الكفار بحق الكفر، بلا قتال؛ كجزيةٍ، وخراج، وعُشر مال
تجارة حربي، وما تركوه فزعًا منَّا، ومال المرتد إذا مات على ردته، فيصرف
ماله في مصالح المسلمين .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- تقدم أنَّ الخارجين على الإمام بتأويل سائغ ليسوا كفارًا، وإنما هم بغاة،
يجب على الإمام مراسلتهم، وإزالة ما يدَّعون من مظلمة، وكشف ما لُبِّس
عليهم من أمر، فإنَّ أصروا وتمردوا، قاتلهم الإمام، ووجب على رعيته
معاونته على قتالهم، حتى يفيئوا ويرجعوا إلى الطاعة، ولزوم الجماعة.
٢- الدليل على هذا: ما شرع رسول الله وَّ في حكم قتالهم، بألاً يتَمَّ على قتل
جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يطلب هاربهم، ولا يقسم فيؤهم، فلا
يعاملون معاملة الكفار في قتالهم من الإجهاز على جرحاهم، وجواز قتل
أسراهم للمصلحة، والاستيلاء على أموالهم، إما غنيمة، أو فيئًا للمسلمين.
٣- فالحديث يدل على أنَّ البغاة لا يخرجون ببغيهم، وخروجهم على الإمام عن
دائرة الإسلام، أما قتالهم فما هو إلاَّ لتأديبهم؛ ليرجعوا إلى الطاعة، ولزوم
الجماعة، فإذا رجعوا، أو اندفع شرهم، كُفَّ عنهم.
٤ - قال في ((المنتهى وشرحه)): وإن اقتتلت طائفتان للمعصية، أو طلب رئاسة،
فهما ظالمتان، تضمن كل منهما ما أتلفت على الأخرى.
قال الشيخ: فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يُعلم عين المتلف.

١٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٤٠ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَتَاكُمْ - وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، يُرِيدُ أَنْ
يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ - فَاقْتُلُوهُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يفهم معنى الحديث من سوق طرقه:
فرواية مسلم جاءت بلفظ: ((من أتاكم - وأمركم جميع، يريد أن يفرّق
جماعتكم - فاقتلوه)» .
وفي لفظ: ((من أتاكم - وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق
عصاکم، أو یفرِّق جماعتكم - فاقتلوه)) .
وفي رواية لمسلم أيضًا: ((من أراد أن يفرِّق أمر هذه الأمة - وهي جميع -
فاضربوه بالسیف كائناً من كان)).
٢ - هذه الطرق تدل على وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين، وتحريم
الخروج عليه، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى
اَلْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس؛ أنَّ
النَّبِيَّ ◌َّ قال: ((من كره من أميره شيئًا، فليصبر؛ فإنَّه من خرج عن السلطان
شبرًا، مات ميتة جاهلية)) .
وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له :
((عليك بالسمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة
عليك)) .
(١) مسلم (١٨٥٢).

١٨٧
كتاب الجنايات - باب قتال أهل البغي
وجاء في مسلم أيضًا من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله وَله
يقول: ((من خلع يدًا من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات
وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)) أي: مات على ضلالة الجاهلية،
الذين لا يدخلون تحت طاعة أمير، ويرون ذلك عيبًا ونقصًا في سيادتهم،
والأحاديث في الباب كثيرة.
٣- وهي تدل بمنطوقها على أنَّ من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة
المسلمين، فإنه قد استحق القتل؛ لإدخاله الضرر على العباد ، وصريحها،
ولو كان الإمام جائرًا.
٤- جاء حديث مقيِّد إطلاق هذه الأحاديث؛ بلفظ: ((ما لم تروا كفرًا بواحًا)).
٥- وجوب طاعة ولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم، ولو وجد منهم أثرةً
واستبدادًا بالأموال، أو تقصيرًا في بعض أمور الرعية؛ فإنَّه يحقق مصالح
كبيرة من الأمن، والاستقرار، وحقن الدماء، أما الخروج وخلع طاعته، فإنه
يجر من المفاسد، والفوضى، واختلال الأمن، وسفك الدماء أمورًا عظيمة،
من هذا جاء أمر الشارع الحكيم بالسمع والطاعة ، ولزوم الجماعة، فيما
وافق نشاطك، وهواك، أو خالفهما، ما لم يؤمر بمعصية، أو يُرى كفرًا
بواحًا .

١٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب قتال الجاني وقتل المرتد
مقدمة
الجاني: جمعه: ((جناة))، والجناية لغة: التعدي على بدنٍ، أو مالٍ، أو
عرضٍ.
فهذا يُدفع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلاَّ بالقتل، قتل بلا ضمان،
ولا إثم .
أما المرتد: فهو لغةً: الراجع، قال تعالى: ﴿تَرْنَدُ واْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]
واصطلاحًا: الذي يكفر بعد إسلامه طوعًا .
فمن أشرك بالله تعالى، أو جحد ربوبيته، أو ألوهيته، أو صفة من
صفاته، أو اتَّخذ لله صاحبة أو ولدًا، أوجحد بعض كتبه أو بعض رسله، أو سبَّ
الله، أو أحدًا من رسله، أو جحد تحريم شيء من المحرَّمات الظاهرة المجمع
عليها، كالزنا، أو جَحد حِلَّ ما أحلَّ الله لعباده مما لا خلاف فيه، كالخبز -
عُرِّف حكم ذلك، فإن أصرّ، أو كان مثله لا يجهله، كفر لمعاندته للإسلام،
وامتناعه من الالتزام لأحكامه، وعدم قبوله لكتاب الله، وسنة رسوله ◌َله .
-------

١٨٩
كتاب الجنايات - باب قتال الجاني وقتل المرتد
١٠٤١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)). رَوَاهُ أَبُوداوُدَ،
وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ(١) .
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
أخرجه أبوداود، والترمذي، وأحمد من طريق عبدالله بن علي بن أبي
طالب .
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلتُ: وإسناده صحيح، فرجاله كلهم ثقات، وللحديث طرق أُخر فى
((المسند))، وله شواهد كثير بزيادات في متنه، وقد ذكره السيوطي، والكتاني،
والمناوي، وغيرهم من الأحاديث المتواترة، وقد جاء في ابن ماجه (٢٥٨١) من
حديث عبدالله بن عمر بمعناه .
* مفردات الحديث:
- دون ماله: أي: في حفظه والدفاع عنه .
** ما يؤخذ من الحديث:
١ - الجاني هو المعتدي على نَفْسٍ، أو طرفٍ، أو عرضٍ، أو مال، فمن اعتدى
على شيء من ذلك، فللمعتدي عليه الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على
ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلاَّ بالقتل، فلا ضمان على المدافع.
وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
(١) أبوداود (٤٧٧١) الترمذي (١٤١٩) النسائي (١١٥/٧).

١٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢- فإنْ قُتل المدافع عن شيء من هذه الأمور فهو شهيد؛ لأنَّه يدافع عن حق
ضد باطل .
٣- الشهيد - هنا - ليس كشهيد المعركة: لا يغسل، ولا يصلى عليه، ويدفن في
ثيابه التي استشهد وهي عليه، وإنما هو شهيد في الآخرة، ولكن تجري
عليه الأحكام الظاهرة من حيث التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه.
٤- مشروعية الدفاع عن النفس، والأهل، والعِرض والمال، ويكون بالأسهل،
ما لم يخش أن يبدأه الصائل بالقتل إن لم يعاجله، فله ضربه بما يقتله، أو
يقطع طرفه، ویکون ذلك هدرًا.
٥ - دفاع الصائل على النفس، والأهل، والعِرض، والمال مشروع - ما لم يكن
زمن فتنة وخلاف وفرقة، فليستسلم، ولا يقاتل أحدًا .
قال الأوزاعي: فرق بين الحال التي للناس فيها إمام وجماعة، فيُحْمل
الحديث عنها .
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن حوادث السطو والاختطاف وتعاطي المسكرات:
قرار رقم (٨٥) وتاريخ ١٤٠١/١١/١١ هـ:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد :
ففي الدورة السابعة عشرة لمجلس كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض
في شهر رجب عام ١٤٠١ هـ، اطّلع المجلس على كتاب جلالة الملك خالد بن
عبدالعزيز حفظه الله، الذي بعثه إلى سماحة الشيخ عبدالله بن محمَّد بن حميد
رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وإلى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن
باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، يطلب
فيه جلالته دراسة موضوعين هامين، فيهما إفساد للأخلاق، وإخلال بالأمن:
أحدهما: قيام بعض المجرمين بحوادث السطو، والاختطاف داخل المدن،

١٩١
كتاب الجنايات - باب قتال الجاني وقتل المرتد
-
وخارجها، بقصد الاعتداء على العرض، أو النفس، أو المال.
الثاني: تعاطى المسكرات، والمخدرات على اختلاف أنواعها، وترويجها،
وتهريبها، مما سبب كثرة استعمالها، وإدمان بعض المنحرفين على تعاطيها،
حتى فسدت أخلاقهم، وذهبت معنوياتهم، وقاموا بحوادث جنائية .
وذكر جلالته أنَّه لا يقضي على هذه الأمور إلاّ عقوبات فورية رادعة، في
حدود ما تقتضيه الشريعة الإسلامية المطهرة؛ لأنَّ إطالة الإجراءات في مثل
هذه المسائل يسبب تأخير تنفيذ الجزاء، ونسيان الجريمة .
وقد أحاله سماحته إلى المجلس للقيام بالدراسة المطلوبة، ولما نظر
المجلس في الموضوع، رأى أنَّه ينبغي دراسته دراسة وافية متأنية، وأن تعد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثًا فيه، ثم يناقش في الدورة الثامنة
عشر، وأصدر قراره رقم (٨٣) وتاريخ ١٤٠١/٧/٢٣ هـ يتضمن الوصية
بالتعميم على الدوائر المختصة بمكافحة الجرائم، والتحقيق فيها، ودوائر
القضاء بأن يهتم المختصون في تلك الدوائر بإعطاء هذا الجرائم أولوية في
النظر والإنجاز، وأن يولوها اهتمامًا بالغًا من الإسراع، الذي لا يخل بما
يقتضيه العمل من إتقان .
وفي الدورة الثامنة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة
الطائف من ١٤٠١/١٠/٢٩ هـ حتى ١٤٠١/١١/١١ هـ، نظر المجلس في
الموضوع، واطّلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة، وبعد المناقشة
المستفيضة، وتداول الرأي، انتهى المجلس إلى ما يلي:
أولاً: ما يتعلَّق بقضايا السطو والخطف :
لقد اطّلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من أنَّ الأحكام الشرعية تدور
من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس، والعناية
بأسباب بقائها مصونة سالمة، وهي الدين، والنفس، والعرض، والعقل،

١٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والمال، وقدر تلك الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على
حرمات المسلمين في نفوسهم، أو أعراضهم، أو أموالهم، وما تسببه من
التهديد للأمن العام في البلاد، والله سبحانه وتعالى قد حفظ للناس
أديانهم، وأبدانهم، وأرواحهم، وأعراضهم، وعقولهم بما شرعه من
الحدود، والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص، وأنَّ تنفيذ مقتضى
آية الحرابة، وما حكم به ◌َّ في المحاربين - كفيل بإشاعة الأمن
والاطمئنان، وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين؛
إذ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّقُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ
مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الذُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴾﴾ [الحجرات: ٣٣].
وفي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن أنس - رضي الله عنه -
قال: ((قدم رهط من عكل على النبي وَّر، كانوا في الصفة، فاجتووا
المدينة، فقالوا: يا رسول الله، ابعثنا رسلاً، فقال: ما أجد لكم إلاّ أن
تلحقو بإبل رسول الله ◌َ ، فأتوها، فشربوا من ألبانها، وأبوالها، حتى
صحوا وسمنوا، وقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأتى النبي ◌ُّ﴾ الصريخ،
فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجَّل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير
فأحميت، فكحلهم، وقطع أيديهم، وأرجلهم، وما حسمهم، ثم ألقوا في
الحرة يستسقون، فما سقوا حتى ماتوا، قال أبوقلابة: سرقوا وقتلوا
وحاربوا الله ورسوله)) اهـ.
وبناء على ما تقدم، فإنَّ المجلس يقرر الأمور التالية:
( أ) أنَّ جرائم الخطف والسطو لانتهاك حرمات المسلمين على
سبيل المكابرة والمجاهرة - من ضروب المحاربة، والسعي في الأرض
---

١٩٣
كتاب الجنايات - باب قتال الجاني وقتل المرتد
فسادًا، المستحقة للعقاب الذي ذكره الله سبحانه في آية المائدة؛ سواء
وقع ذلك على النفس، أو المال، أو العرض، أو أحدث إخافة السبل،
وقطع الطريق، ولا فرق في ذلك بين وقوعه في المدن والقرى، أو في
الصحارى والقفار، كما هو الراجح من آراء العلماء - رحمهم الله تعالى -
قال ابن العربي - يحكي عن وقت قضائه -: ((رفع إليَّ قوم خرجوا
محاربين إلى رفقة، فأخذوا منهم امرأة مغالبةً على نفسها من زوجها،
ومن جملة المسلمين معه فيها، فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب،
فأخذوا، وجيء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله بهم من المفتين،
فقالوا: ليسوا محاربين؛ لأنَّ الحرابة إنما تكون في الأموال، لا في
الفروج، فقلت لهم: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، ألَمْ تعلموا أنَّ الحرابة في
الفروج أفحش منها في الأموال، وأنَّ الناس كلهم ليرضون أن تذهب
أموالهم، وتحرب من بين أيديهم، ولا يحرب الرجل من زوجته وبنته،
ولو كان فوق ما قال الله عقوبة، لكانت لمن يسلب الفروج. اهـ.
(ب) يرى المجلس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْأْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾ [الحجرات: ٣٣] أنَّ ((أو))
للتخيير، كما هو الظاهر من الآية الكريمة، وقول كثيرين من المحققين
من أهل العلم ، رحمهم الله .
(ج) يرى المجلس بالأكثرية أن يتولى نواب الإمام القضاة إثبات
نوع الجريمة، والحكم فيها، فإذا ثبت لديهم أنَّها من المحاربة لله
ورسوله، والسَّعي في الأرض فسادًا - فإنَّهم مخيرون في الحكم فيها بين
القتل، أو الصلب، أو قطع اليد والرِّجل من خلاف، أو النفي من
الأرض؛ بناءً على اجتهادهم، مراعين واقع المجرم، وظروف الجريمة،

١٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وأثرها في المجتمع، وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين،
إلاّ إذا كان المحارب قد قتل، فإنَّه يتعيَّن قتله حتمًا، كما حكاه ابن العربي
المالكي إجماعًا، وقال صاحب ((الإنصاف)) من الحنابلة: ((لا نزاع فيه)).
ثانيًا: ما يتعلَّق بقضايا المسكرات والمخدرات:
نظرًا إلى أنَّ للمخدرات آثارًا سيئة على نفوس متعاطيها، وتحملهم
على ارتكاب جرائم الفتك، وحوادث السيارات، والجري وراء أوهام
تؤدي إلى ذلك، وأنَّها توجد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان، وأنَّها
تسبب حالة من المرح والتهيج، مع اعتقاد متعاطيها أنَّه قادر على كل
شيء، فضلاً عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية، تحمله على ارتكاب
الجريمة، كما أنَّ لها أثارًا ضارة بالصحة العامة، وقد تؤدي إلى الخلل في
العقل، والجنون، وحيث إنَّ أصحاب هذه الجرائم فريقان:
أحدهما: يتعاطاها للاستعمال فقط، فهذا يجري في حقه الحكم
الشرعي للسكر، فإن أدمن على تعاطيها، ولم يجد في حقه إقامة الحد،
كان للحاكم الشرعي الاجتهاد في تقرير العقوبة التعزيرية، الموجبة للزجر
والردع، ولو بقتله.
الثاني: من يروجها؛ سواء كان ذلك بطريق التصنيع، أو الاستيراد، بيعًا
وشراءً، أو إهداءً، ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان
ذُلك للمرة الأولى، فيعزر تعزيرًا بليغًا، بالحبس، أو الجلد، أو الغرامة
المالية، أو بها جميعًا، حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإنَّ تكرر منه
ذلك، فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع، ولو كان ذلك بالقتل؛ لأنَّه
بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض، وممن تأصل الإجرام في
نفوسهم، وقد قرَّر المحققون من أهل العلم أنَّ القتل ضرب من التعزير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ومن لم يندفع فساده

١٩٥
كتاب الجنايات - باب قتال الجاني وقتل المرتد
في الأرض إلاَّ بالقتل، قتل؛ مثل: قتل المفرق لجماعة المسلمين،
الداعي للبدع في الدين - إلى أن قال -: وأمر النبي وَّ بقتل رجل تعمَّد
الكذب عليه، وسأله ابن الديلمي: عمن لم ينته عن شرب الخمر، فقال:
من لم ينته عنها فاقتلوه. وفي موضع آخر قال رحمه الله في تعليل القتل
تعزيرًا ما نصه: ((وهذا لأنَّ المفسد كالصائل وإذا لم يندفع الصائل إلاَّ
بالقتل، قتل)).
ثالثًا: نظرًا إلى أنَّ جرائم الخطف والسطو وتعاطى المسكرات والمخدرات على
سبيل الترويج لها من القضايا الهامة التي قد يحكم فيها بالقتل تعزيرًا - فإنَّه
ينبغي أن تختص بنظرها المحاكم العامة، وأن تنظر من ثلاثة قضاة، كما
هو الحال في قضايا القتل والرجم، وأن ترفع للتمييز، ثم للمجلس
الأعلى للقضاء؛ لمراجعة الأحكام الصادرة بخصوصها، براءةً للذمة،
واحتياطًا لسفك الدماء.
رابعًا: ما يتعلَّق بالنواحي الإدارية :
نظرًا لما لاحظه المجلس من كثرة وقوع جرائم القتل، والسطو،
والخطف، وتناول المخدرات، والمسكرات، وضرورة اتّخاذ إجراءات،
وتدابير وقائية تعين على ما تهدف إليه حكومة جلالة الملك حفظه الله من
استتباب الأمن، وتقليل الحوادث - فإنَّه يوصي بالأمور التالية:
١ - ستقوم الحكومة وفقها الله بتقوية أجهزة الإمارات، ورجال الأمن، وخاصة
في كون المسئولين فيها من الرجال المعروفين بالدين، والقوّة، والأمانة،
ويشعر كل أمير ناحية بأنَّه المسئول الأول من ناحية حفظ الأمن، في البلاد
التي تقع تحت أمارته، وأنَّ على الشرطة ورجال الإمارات الجدّ والاجتهاد
في سبيل تأدية واجباتهم، والقيام بمتابعة الجميع، ومعاقبة المقصر في أداء
واجبه، بما يكفي لردع أمثاله.

١٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢- تؤكد الدولة وفقها الله على الإمارات، بأنه إذا وقعت جريمة القتل، أو
السطو، والاعتداء على العرض، ونحو ذلك من الجرائم المخلة بالأمن،
فإنَّ إمارة الجهة التي وقعت فيها مسؤولة عن القضية من ابتدائها حتى يتم
تنفيذ مقتضى الحكم الصادر فيها، فتقوم ببذل جميع الأسباب والوسائل
للقبض على الجاني، وسرعة إنهاء الإجراءات الضرورية، ما دامت لديها،
ثم تتابعها، وتكلف مندوباً من جهتها يقوم بالتعقيب عليها لدى الجهات
الأخرى، ويطلب من كل أمير ناحية أن يكتب تقريرًا عن القضية بعد
انتهائها، وتنفيذ الحكم الصادر فيها يبين سيرها، وملاحظاته بشأنها .
٣- يرى المجلس تأليف لجنة من مندوبين: أحدهما: من وزارة الداخلية،
والثاني: من وزارة العدل؛ لدراسة مجرى المعاملات الجنائية، والروتين
الذي تمر به، والبحث عن الطريقة المثلى لذلك، مما لا يؤثر على
الإجراءات الضرورية في التحقيق، والنظر القضائي.
وصلى الله وسلّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه
أجمعین .

١٩٧
كتاب الجنايات - باب قتال الجاني وقتل المرتد
١٠٤٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قَاتَلَ
يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَةٌ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ،
فَنَزَعَ ثَنِيَتَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِّ ◌َِّ، فَقَالَ: أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَما
(١)
يَعَضُّ الفَحْلُ؟! لاَ دِيَةَ لَهُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظَ لِمُسْلِمُ
: مفردات الحديث:
- ثَنِيَّتَه: الثنية: إحدى الأسنان الأربع، التي في مقدم الفم: ثنتان من فوق،
وثنتان من تحت .
- الفَحْل :- بفتح الفاء، وسكون الحاء، بعدها لام - جمعه: فحول، هو الذكر
من الحيوانات ، والمراد هنا: الجمل، وهو الفحل من الإبل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تخاصم يعلى بن أمية مع أجير له، فعضَّ يعلى يد أجيره، فانتزع المعضوضة
يده من فم يعلى، ونزع مع اليد ثنيته، فاختصما إلى النبي ◌َّ، فأبطل دية
الثنيتين، ولم يوجب لهما ضمانًا، وعدم الضمان في هذه الصورة هو
مذهب الأئمة الثلاثة، أما الإمام مالك فيوجب الضمان .
٢- ثمَّ قال ◌َّ زاجرًا وناهيًا عن مثل هذه الحال: ((أيعض أحدكم أخاه، كما
بعض الفحل))؟ ! .
٣- فالحديث يدل على أنَّ العاض معتدٍ صائلٍ على المعضوض، وأنَّ
للمعضوض الدفاع عن نفسه، ولا یترتّب على دفاعه ضمان ما يتلف بسببه؛
لأنَّه دفاع مشروع مأذون، وما ترتب على المأذون فغير مضمون.
(١) البخاري (٦٨٩٢)، مسلم (١٦٧٣).

١٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤ - الخصومةُ عامةً ممقوتةٌ، ولكن تزيد بشاعتها إذا كانت بطريقة وحشية، تشبه
عمل الحيوانات الشرسة من فحول الإبل ونحوها.
٥ - النبي وَ﴾ أهدر سقوط الثنيتين قصاصًا ودية؛ ذلك أنَّه وَل اعتبره من الدفاع
بالمبادرة، التي لا يوجد في تلك الحال أسهل منها .
قال في ((الإقناع وشرحه)): وإن عض يده إنسان عضًّا محرمًا، فانتزع
المعضوض، يده من فيه، ولو بعنف، فسقطت ثنايا العاض - فهدر، ظالمًا
كان المغضوض، أو مظلومًا؛ لحديث عمران بن حصين.

١٩٩
كتاب الجنايات - باب قتال الجاني وقتل المرتد
١٠٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ
وَلَ: ((لَوْ أَنَّ امْرَأَ اطَّلَعْ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ -
لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ)) .
وَفِي لَفْظِ لأحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّنَ: ((فَلاَ دِيَةَ لهُ،
وَلاَ قِصَاصَ))(١).
* درجة الحديث:
لفظ أحمد، والنسائي صحَّحه الترمذي، وابن حبان، والبيهقي، قال
ذلك الحافظ في ((الفتح)).
* مفردات الحديث:
- اطّلع: طلع ونظر، قال تعالى: ﴿فَأَطَّلَعَ فَرَاهُ فِ سَوَآءِ الْجَحِيمِ
﴾ [الصافات].
٥٥
أي: تطالع إليه، ونظر إليه؛ ليعرفه.
- فحَذَفْته: بالحاء المهملة، أي: رماه بحصاة، وروي بالخاء المعجمة الفوقية،
والمعنى: رميته بالحصاة من أصبعيك، وهذا هو الخذف.
- فَفَقَأْتَ عينه: فقأ العين، أو البشرة ونحوها - بالهمز -: شقّها، فخرج ما فيها.
- جُنَاح : - بضم الجيم - هو الإثم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تحريم النظر إلى بيوت الناس؛ سواء كان من مكان عال، كالمنارة، أو
(١) البخاري (٦٩٠٢)، مسلم (٢١٥٨)، أحمد (٢٤٣/٢)، النسائي (٦١/٨)، ابن حبان
(٥٩٧٢).

٢٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
البيت المشرف، ونحوهما، أو كان من خلال الباب، أو نوافذ الجدر، فمن
أي طريق فهو محرَّم، لا يجوز؛ لأنَّه اطلاع على عورات الناس، والنساء
خاصة، وكشف أحوالهم، وهذا اعتداء محرَّم، لا يجوز.
٢ - أنَّ من اطّلع على بيت غيره بغير إذنه، فإنَّه لا حرمة له، ولا لنظره، فلو
حذفه صاحب المنزل بحصاة، ففقا عینه، لم یکن علیہ إثم، ولا قصاص،
ولا دية؛ لأنَّه مأذون له في هذا الدفاع، والمترتب على المأذون غير
مضمون .
٣- أما إذا حصل الإذن بالدخول، أو بالنظر من مكانٍ عالٍ على المنزل، فوقعت
عين الأجنبي على ما لا يحل، فلا جناح عليه .
وإن فقأ عينه صاحب المنزل، فهو آثم ضامن؛ لأنَّ التقصير من المنظور
إليه، وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء.
٤- الحديث يدل على جواز رمي الناظر قبل الإنذار، فق؛ جاء في الحديث
الآخر: ((أنَّ النبيَّ ◌َلّه جعل يَخْتِل المطلع؛ ليطعنه)).
٥- هذا التأديب الإسلامي كله؛ محافظة على حرية الإنسان المباحة في بيته، فإنَّ
الإنسان يتبذل ويتبسط، ويكون في حالة لا يرغب أن يطّلع عليه أحد وهو
فیها، فإذا أراد معتد أن یکشف حاله بدون إذنه، فجزاؤه ردعه بما يناسبه .
٦- من هذا نأخذ وجوب أخذ احتياط الجيران عند البناء، بألا يكشف جار
جاره، وأنَّه يجب على الجهة المسؤولة عن تنظيم العمران، وهي ((البلدية))،
أن تلاحظ بأن يكون بناء المنطقة على سمت واحد في الارتفاع، أو تعمل
عملاً وتصميمًا خاصًّا، حتى لا يكشف جار جاره؛ وقد روى الواقدي أنَّ
عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص وهو واليه على مصر: ((سلام
عليك، بلغني أنَّ خارجة بن حذافة بنى غرفة، لقد أراد أن يطّلع على عورات
جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا، فاهدمها، إن شاء الله تعالى، والسلام)).