Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب الجنايات - باب الديات درهم، فيكون من أدلة مَن يرى أنَّ الخمسة كلها أصول، ولكن يمكن حمله بأنَّه لم يكن عند الجاني إبل في الوقت، أو أنَّ النَّبِيَّ وَّ صالح بين أهل القتيل والجاني . ٤- كون الدية اثني عشر ألفًا هو مذهب الأئمة الثلاثة، أما مذهب الإمام أبي حنيفة فيرى أنَّ الدية عشرة آلاف. ١٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٣٣ - وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ، وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: ابْنِي، أَشْهَدُ بِهِ، فَقَال: أَمَا إِنَّهُ لاَ يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلاَ تَجْنِي عَلَيْهِ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن . قال في ((التلخيص)): رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي، والحاكم من رواية أبي رمثة، ورواه أحمد أيضًا، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص، ورواه أحمد وابن ماجه وابن حبَّان من رواية الخشخاش العنبري، وروى أحمد أيضًا، والنسائي معناه من رواية ثعلبة بن . زهدم، وقد صحّحه ابن خزيمة، وابن الجارود. وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا، ويقوِّي بعضها بعضًا، وهي معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. * مفردات الحديث: - لا يجني عليك، ولا تجني عليه: الجناية: الذنب، أو ما يفعله الإنسان مما يوجب العقاب، أو القصاص، ومعناه: أنَّ الإنسان لا يطالب بجناية غيره. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يدل على أنَّه لا يطالب أحد بجناية غيره، قريبًا كان أو بعيدًا، حتى الأب مع ابنه، والابن مع أبيه، فالجاني يُطلب وحده بِجِنايته، ولا يطلب (١) أبو داود (٤٤٩٥)، النسائي (٥٣/٨)، ابن الجارود (٧٧٠). ١٦٣ كتاب الجنايات - باب الديات بجنايته غيره، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ٢٠]، وكانت المطالبة بجناية القريب عادةً جاهليةً، أبطلها الإسلام، وهذا في العمد خاصة، أما في غيره فسيأتي. ٢ - الحديث يشير إلى حكم العاقلة في الشريعة الإسلامية الحكيمة، ونحن نورد فيها جملاً طيبة مفيدة، لتكمل أبواب كتاب الجنايات من هذا الكتاب، ویکون منها فائدة للقارىء إن شاء الله تعالى. ٣- العاقلة: هم ذكور العصبة نسبًا، من آباء، وأبناء، وإخوة لغير أم، وأعمام، وأبنائهم، وولاء القريب منهم والبعيد، الذي يغرمون ثلث الدية فأكثر بسبب جنایة قریبهم . ٤ - قال الشيخ تقي الدين: جناية الخطأ مما يعذر فيه الإنسان، فإيجاب الدية على الجاني خطأ ضررٌ عظيم به، من غير ذنب تعمده، والشارع أوجب على مَن عليهم موالاة القاتل ونصْره أن يعينوه على ذلك، فكان هذا كإيجاب النفقات التي تجب للقريب، فكان تحملها على وفق القياس. ٥- ولا يعتبر في العاقلة أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا وارثين لولا الحجب عقلوا . ٦- ولا عقل على غير مكلف، ولا على فقير، ولا على أنثى، ولا مخالف لدين الجاني . ٧- ولا تَحْمِل العاقلة عمدًا محضًا، بل تحمل الخطأ وشبه العمد، كما لا تحمل صلحًا عن إنكار، ولا اعترافًا لم تصدق به، ولا قيمة متلَف، ولا ما دون ثلث الدية الكاملة، بل يكون ذلك كله في مال الجاني . ٨- يؤجل ما وجب على العاقلة على ثلاث سنين، من حين زهوق روح المجني عليه، أما الجروح فابتداء الحول من حين اندماله، يسلم عند رأس كل حول ثلثًا، فإن كانت الدية ثلثًا كدية المأمومة، حلَّت في آخر السنة الأولى، وإن ١٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام كانت نصف الدية، فالثلث في آخر السنة الأولى، والسدس الباقي في آخر السنة الثانية، وإن قتل اثنين ولو بجناية واحدة، فديتهما في ثلاث سنين. ٩- يجتهد الحاكم في تحميل العاقلة كل واحد منهم ما يسهل عليه، ويبدأ بالأقرب، فالذي يليه، فإن اتَّسعت أموال الأقربين، لم يتجاوزهم إلى من بعدهم، وإلاّ انتقل إلى من يليهم، كالميراث. ١٠ - قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: المذهب أنَّ الجاني لا يلزمه أن يحمل مع العاقلة شيئًا من الدية. والقول الآخر: أنَّه يحمل مع العاقلة؛ لأنَّهم حملوا بسببه، ولا ينافي (رأ أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنَّها من باب التحمل؛ لأنَّها في الأصل واجبة على المتلف. ١١ - قال في ((المقنع)) و((حاشيته)): ومن لا عاقلة له، فإن كان مسلمًا ففي بيت المال، فإن لم يكن فلا شيء على القاتل على المذهب، ويحتمل أنَّها تجب في مال القاتل، وهو أولى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَ أَهْلِهِ﴾﴾ [النساء: ٩٢]. ١٢ - قال الشيخ صالح الحصين: إنَّ وجوب العقل واجب على بيت المال في كل حالةٍ لا يبقى فيها سبيل للثبوت على غير بيت المال، ولا يوجد ما يُسقط العقل عنه. ١٣- وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الذي يتحمَّله بيت المال في الديات والديون هي : الأولى: إذا مات أحد المسلمين، وعليه دين أو دية، أو غيرها، ولم يخلف وفاء، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال، كما ثبت بالأحاديث الصحيحة . الثانية: إذا جنى إنسان على آخر، وكانت الجناية خطأ أو شبه عمد، ولم --- --- ------ ------------------ -- ١٦٥ كتاب الجنايات - باب الديات تكن له عاقلة موسرة - فالمشهور من المذهب أنَّ الدية في بيت المال. الثالثة: إذا حكم القاضي بالقسامة، فنكل الورثة عن حلف الأيمان، ولم يرضوا بيمين المدَّعي عليه، فإنَّ الإمام يفديه من بيت المال. الرابعة: كل مقتول جُهل قاتله، كمن مات في زحمة طواف، أو عند الجمرة، ونحو ذلك، فدیته في بيت المال. أما الدية في قتل العمد: فتجب في مال الجاني، وتكون من ضمن الديون التي في ذمته، فإن كان موسرًا لزمه الوفاء، وإن كان معسرًا فَنَظِرة إلى ميسرة، ويسوغ أن يُدفع له من الزكاة؛ ليوفي به هذه الدين؛ لأنَّه من الغارمين. وإن مات مدينًا فعلى ولي الأمر قضاء دينه من بيت مال المسلمین . ١٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب القسامة مقدّمة القسامة: بفتح القاف، وتخفيف السين المهملة، مصدر: أقسم إقسامًا وقسامةً، والقسامة اسم للقسم، وهو اليمين، أقيم مقام المصدر، فالقسامة هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة . والقسامة شرعًا: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم. وصورة القسامة: أن يوجد قتيل بجراح أو غيره، ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على مَن قتله، ويدَّعي أولياء المقتول على واحد معيَّن أنَّه قاتله، وتقوم القرينة، أو القرائن على صدق المدَّعي. والقرائن كثيرة: منها العداوة بين القتيل والمدَّعى عليه، أو أن يوجد في دار المدَّعي عليه قتيلاً، أو يوجد أثاثه مع إنسان، أو نحو ذلك، حينئذٍ يحلف المدَّعي خمسين يمينًا أنَّ المدَّعى عليه هو القاتل، ويستحق دم المدعى عليه، فإن نكل عن الأيمان، حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرىء، وإن نكل قضي عليه بالنكول . والقسامة ثبتت مشروعيتها في السنة . قال القاضي عياض: هي أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد. وهذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وبها أخذ الأئمة . قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ القسامة مشروعة في القتيل إذا وُجد، ولم يُعلم قاتله، فتخصص بها الأدلة العامة. ١٦٧ كتاب الجنايات - باب القسامة وقد روي ابن عبدالبر من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا: ((البيِّنة على المدَّعي، واليمن على من أنكر، إلاَّ في القسامة)). قال الموفق: وهذه الزيادة يتعيَّن العمل بها؛ لأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة . ونكتة مسألة القسامة: أنَّ اليمين تكون في جانب من قوي جانبه من المترافعين، والأصل في الدعاوى أنَّ جانب المدعى عليه المنكِر أقوى؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة، للكن في القسامة لما كان مع المدَّعي اللوث، قال شيخ الإسلام: كل قرينة أيَّدت الدعوى على المدعى عليه، رُجِّحَت حينئذٍ دعوى المدَّعي، فصارت اليمين في جانبه، ولِعِظَمِ القَسامة، وخطر الدماء، لم يُكْتفَ بيمين واحدة، بل لابد من تكريرها خمسين مرّة . قال الإمام أحمد: أذهب إلى القسامة، إذا كان ثَمَّ سبب بيَّن. وقال شيخ الإسلام: اللوث ما يغلب على الظن صحة الدعوى. وقال العلامة ابن القيم: وهذا من أحسن الاستشهاد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن لصدق المدعي، فيجوز له أن يحلف بناء على ذلك، ويجب على الحاكم أن يحكم، فيثبت حق القصاص، أو الدية، مع علمه أنه لم يرد، ولم یشهد . ١٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٣٤ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَِّ أَقَرَّ القَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَىُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ بَيِّنَ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فِي قَنِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَىَ اليَّهُود)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - القسامة شرعًا: هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم. ٢ - قال ابن قتيبة: أوَّل من قضى بالقسامة في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأقرَّها النبي ◌َّ في الإسلام. فالإسلام يقر من الأقوال والأفعال ما حقق مصلحة، أو كانت راجحة على المفسدة . ٣- الحديث يدل على إقرار القسامة على ما كانت عليه، وقد قضى بها النبي وَّل بين ناس من الأنصار، على ما سيأتي في حديث سهل بن أبي حثمة بعد هذا الحدیث إن شاء الله تعالى. ٤- بعضهم يرى: أنَّ القسامة جاءت على خلاف القياس؛ ذلك أنَّ البيّنة تكون على المدَّعي، واليمين على من أنكر، والقسامة عكست الوضع، فصارت الأيمان مطلوبة من المدَّعي، أو المدعين. ٥- وعند التأمل يظهر أنَّها على وفق القياس، وليست على خلافه، ذلك أنَّ الضابط أنَّ اليمين تكون في الجانب الأقوى من المتداعين، والقسامة لا تكون دعواها إلاَّ مع قرينة قوية، تدل على صحة الدعوى، وقوَّ اتِّهام المدعى عليه، وحينئذٍ صارت اليمين في حق المدعي؛ لأنَّ جانبهم قوي بالقرينة . (١) مسلم (١٦٧٠). ١٦٩ كتاب الجنايات - باب القسامة ١٠٣٥ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُنِيَ مُحَيِّصَةُ، فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، فَأَتَّى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَّ هُوَ، وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ: كَبِّرْ كَبِّرِ، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبِكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ كِتَابًا، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ : أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ نَّهَ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - مُحَيِّصَة: بضم الميم، فحاء مهملة، فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة. - جهد : - بفتح الجيم، وسكون الهاء، آخره دال مهملة -: هو المشقة. - حُوَيِّصَة: بضم الحاء المهملة، وفتح الواو، فمثناه تحتية مشددة، فصاد مهملة. (١) البخاري (٧١٩٢)، مسلم (١٦٦٩). ١٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - كَبِّ كَبِّ: بلفظ الأمر فيهما، والثاني تأكيد للأول، وللمبالغة، ومعناه: قدِّم الأسن في الكلام. - يَدُوا: أي : تُؤدي لكم يهود الدية. - يأذنوا بحرب: يقال: آذنه - بالمد - بالحرب يؤذنه: أعلمه بها، والمراد: ينذروا بالحرب والشر، ويراد بذلك: تهديدهم. - أتحلِفُون: الهمزة فيه للاستفهام، على سبيل الاستخبار. - رَكَضَتْنِي: ضربتني برجلها، فالركض في الأصل هو: الضرب بالرِّجْل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]. - ناقة: الأنثى من الإبل، جمعها: ناق ونوق وأنوق. * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذا الحديث أصل في ((مسألة القسامة))، وصفتها: أن يوجد قتيل بجراح، أو غيره، ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على مَن قتله، ويدَّعي أولياء المقتول على واحد بقتله، وتقوم القرائن على صدق المدَّعي: إما بعداوة بين القتيل والمدَّعى عليه، أو أن يوجد في داره قتيلاً، أو يوجد أثاثه مع إنسان، ونحو ذلك من القرائن ، فيحلف المدَّعي خمسين يمينًا، ويستحق دم الذي يزعم أنَّه القاتل. قال في ((فتح الباري)): اتَّفقوا على أنَّها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء، حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها . فإن نكل، حلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء، وإن نكل قضي عليه بالنكول. ٢- المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا بد في صحة دعوى المدَّعي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه؛ وهو ما يسمى بـ((اللوث))، فإن لم یکن ثَمَّ عداوة، فلا قسامة. ----- ----------- - --- ١٧١ كتاب الجنايات - باب القسامة والرواية الثانية عنه: صحة الدعوى، وتوجه التهمة بما يغلب على الظن من القرائن، كأن يوجد القتيل في دار إنسان، أو يرى أثاثه عنده، أو توجد شهادة لا تثبت القتل، كشهادة الصبيان، ونحو ذلك من القرائن . واختاره هذه الرواية: ابن الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، قال في (الإنصاف)): وهو الصواب، وهو مذهب الإمام الشافعي. ٣- دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور: الأول: أنَّ اليمين توجهت على المدَّعي، وبقية الدعاوى البينة على المدّعي، واليمين على المدعى عليه ((المُنكر)). الثاني: أنَّه يبدأ بأيمان المدعي، أو المدعين، إن كانوا أكثر من واحد. الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة، وتشابه القسامة: ((مسألة اللعان))، وتقدمت في بابها . ٤ - إذا وجد قتيل، لا يعلم قاتله، ووجدت القرائن على قاتله - حَلَف أولياء المقتول خمسين يمينًا على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدَّعى عليه، إذا كان القتل عمدًا محضًا؛ روي عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو المذهب القديم للشافعي؛ لقوله وَالر : ((يُقْسِم خمسون منكم على رجل منهم، فیدفع إلیکم برمته)). ولمسلم في صحيحه: ((ويُسلم إليكم))، وفي لفظ: ((تستحقون دم صاحبكم))؛ ولأنه حجة قوية، يثبت بها العمد، فيجب بها القتل، كالبينة. أما المشهور من مذهب الشافعي: فلا يستحقون إلاَّ الدية؛ لقوله وَله : ((إِمَّا أنْ يدُوا صاحبكم، وإما أن يُؤْذنوا بحرب)). وإن كان القتل غير عمد، وثبت القتل على المثَّهم، فعليه الدية. ٥- إذا نكل المدعون عن اليمين، أو كانوا من غير أهل الأيمان (النساء والصبيان)- توجهت الأيمان على المثَّهمين في القتل، فيحلفون خمسين ١٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يمينًا: أنَّهم لم يقتلوه، وأنَّهم لا يعلمون قاتله، فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا ، أدينوا بثبوت الدعوى عليهم، فتجب الدية . ٦ - إذا نكل أولياء المقتول عن الأيمان، وحلف المدَّعى عليهم، فحينئذٍ تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه، ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولاً، ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل؛ كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة. ٧ - أنَّ اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصِمَيْن. ففي دعوى القسامة توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولاً؛ لأنَّ جانبهم تقوَّى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم، والقرائن إذا قويت، فإنَّها من البينات الواضحة، فإن نكلوا عن الأيمان، دلَّ نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم، فيحلفون، ويبرؤون من التّهمة . ٨- استحباب تقديم الأكبر سنًّا في الأمور؛ لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة. ٩ - جواز الوكالة في المطالبة بالحدود. ١٠ - فإن قيل: كيف عرض النبي وّ اليمين على الرجال الثلاثة، والوارث منهم هو عبدالرحمن خاصة، واليمين لا توجه إلاَّ عليه، ولا تؤخذ إلاّ منه؟ فالجواب: أنَّه ◌َسير لما سمع كلام الجميع في صورة القتل، وكيفية ما جرى فيه، صار لا لبْس أنَّ حقيقة الدعوى مختصة بالوارث، وأنَّ اليمين متوجهة إليه خاصة، دون صاحبيه، وإنما وجه صورة الكلام إليهم لاهتمامهم جميعًا بالقضية . ١١- وفي الحديث: فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، والمواهب في الأمور، مثل: الإمامة، وولاية النكاح، وغير ذلك؛ لمزيد خبرته، وفضل سابقته . ------ --------------- ---------------- m --- ١٧٣ كتاب الجنايات - باب القسامة ١٢ - واشترط الفقهاء لصحة القسامة عشرة شروط : أحدها: اللوث - وهو على المذهب -: العداوة الظاهرة، نحو ما بين الأنصار وأهل خيبر، والرواية الأخرى: صحة دعوى القسامة، وتوجه التهمة بكل ما يغلب على الظن من القرائن، واختار هذه الرواية ابن الجوزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، قال في ((الإنصاف)): وهو الصواب، وهو مذهب الشافعي . الثاني: أن يكون المدعى عليه القتل مكلفًا؛ لتصح الدعوى عليه، فإنَّها لا تصح على غير المكلف. الثالث: إمكان القتل من المدعى عليه، فإذا لم يمكن لنحو زمانة، لم تصح؛ كبقية الدعاوى التي يكذبها الحس . الرابع: وصف القتل في الدعوى؛ كأن يقول: جرحه بسيفه في محل كذا من بدنه . الخامس: اتفاق جميع الورثة على الدعوى للقتل، فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم بعضًا، إذ الساكت لا ينسب إليه حكم. السادس: طلب جميع الورثة، فلا يكفي طلب بعضهم؛ لعدم انفرداه بالحق . السابع: اتفاق جميع الورثة على القتل، فإن أنكر بعض الورثة القتل، فلا قسامة . الثامن: اتفاق جميع الورثة على عين القاتل، فلو قال بعضهم: قتله زيد، وقال بعضهم: قتله بكر، فلا قسامة . التاسع: أن يكون في الورثة ذكور مكلفون؛ لأنَّ القسامة يثبت بها قتل العمد، فلم تسمع من النساء، ولا يقدم بيمينه بعضهم، ولا عدم تكليفه، أو نکوله عن الیمین . ١٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام العاشر: أن تكون الدعوى على واحد، لا اثنين فأكثر، فلو قال ورثة القتيل: قتله هذا مع آخر، فلا قسامة. ولا يشترط أن تكون القسامة بقتل عمد؛ لأنَّها حجة شرعية، فوجب أن یکتب بها الخطأ، کالعمد. وإذا تمت بشروطها العشرة، أُقيد بها . ويبدأ فيها بأيمان ذكور عصبة القتيل الوارثين، ومتى حلفوا، فالحق الواجب بالقتل لجميع الورثة، وإن نكلوا، حلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا، وبرىء إن رضوا أيمانه، وإن نكل المدعى عليه، لزمته الدية، وإن نكل الورثة عن الأيمان، ولم يقبلوا يمين المدعى عليه، فدى الإمام القتيل. * قرار مجلس هيئة كبار العلماء بشأن القسامة : قرار رقم (٤١) وتاريخ ١٣٩٦/٤/١٣ هـ جاء فيه: بعد استماع المجلس ما أعدَّ من أقوال أهل العلم، وتداول الرأي - قرَّر المجلس بالأكثرية أنَّ الذي يحلف من الورثة هم الذكور العقلاء، ولو واحدًا؛ سواء كانوا عصبة، أو لا؛ لِما في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمة، ولأنَّها يمين في دعوى حق، فلا تشرع في حق غير المتداعين؛ كسائر الأيمان، وبالله التوفيق . هيئة كبار العلماء ------- -----.. ١٧٥ كتاب الجنايات - باب قتال أهل البغي باب قتال أهل البخي مقدمة القتال: مصدر ((قاتله))؛ أي: حاربه وواقعه. البغي: بغي عليه - بالغين المعجمة - بغْيًا، بفتح الموحدة، وسكون المعجمة -: عدا، وظلم، وعدل عن الحق. والمراد هنا: البغاة الظلمة الخارجون عن طاعة الإمام، المعتدون عليه، فإذا خرجوا عن طاعة الإمام، الواجبة عليهم، دعاهم الإمام وكشف شبهتهم، فإن أقروا - بأن رجعوا عن بغيهم - تركهم، فإن أبوا الرجوع وعَظَهم، وخوَّفهم القتال، وإن أصروا قاتلهم، لقوله تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا خرج على إمام المسلمين طائفةٌ ذات شوكة بتأويل سائغ، فإنه يباح قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله. ويجب نصب الإمام للمسلمين؛ لحماية بيضة الإسلام، والذود عن حوزته، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وتدبير أحوال المسلمين. وتثبت ولايته بواحد من الأمور الآتية : ١ - أن تكون باختيار وإجماع المسلمين؛ كإمامة أبي بكر الصديق. ٢- أن تكون إمامته بنص الإمام الذي قبله؛ كولاية عمر بن الخطاب حينما استخلفه أبوبكر الصديق رضي الله عنهما . ١٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- أو يجعل الأمر شورى في عدد معيَّن محصور؛ ليتّفق أهل البيعة على أحدهم، ثم يتَّفقون عليه؛ كبيعة وإمامة عثمان بن عفان رضي الله عنه . ٤- أو يتولى على الناس بقهره وقوته حتى يدعنوا له، ويَدْعوه إمامًا، فتثبت له الإمامة، ويلزم الرعية طاعته، كولاية عبد الملك بن مروان. ---------- ١٧٧ كتاب الجنايات - باب قتال أهل البغي ١٠٣٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السَّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنََّ)). مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). * ما يؤخذ من الحديث: ١- البغي له معانٍ كثيرةٌ: منها الظلم والسَّعي بالفساد، والعدول عن الحق، وغير ذلك من الأمور التي تعود إلى الإفساد في الأرض. ٢ - المراد بالبغي هنا: الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين بغير حق، فالباغي هو الخارج عن الطاعة الواجبة عليه للإمام بغير حق. ٣- إذا فعل قوم ذلك، وخرجوا عن الطاعة، فعلى الإمام أن يدعوهم، ويكشف شبهتهم، فإن تمردوا، بدأ بقتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله . ٤- على الرعية القيام مع الإمام، ومساندته، ونصرته إذا خرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، وشقوا عصا الطاعة. ٥- الحديث يدل على تحريم حمل السلاح على المسلمين، وأنَّ من حمله عليهم وأخافهم، فقد شذَّ وخرج عن جماعة المسلمين، وعِداد صفوفهم. ٦ - أنَّ الإسلام دين الألفة والجماعة؛ قال تعالى: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ، أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾. [الأنبياء: ٩٢]. أما التفرق والشقاق والتعادي، فهذا عمل مناف للإسلام، وتعاليمه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَ﴾ [آل عمران]. ٧- وحامل السلاح على المسلمين إن كان مستحلاً لقتالهم فهو كافر، وإن كان (١) البخاري (٦٨٧٤)، مسلم (٩٨). ١٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام لم يستحله، وإنما حمله، وخرج عليهم؛ لاعتقاده تعديل وضع الحكم، أو الطمع في السلطة ونحو ذلك - فهو باغ يحل قتاله حتى يعود إلى جماعة المسلمین، فإذا عاد گُفَّ عنه. ٨- قال الشيخ: اتَّفقوا على أنَّ قطاع الطريق؛ إذا انشقوا على ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك ــ لم يسقط عنهم الحدّ، بل تجب إقامته عليهم، وإن تابوا؛ لئلا يُتخذ ذلك ذريعة إلى تعطیل حدود الله . 1 -------- ----- -------- ١٧٩ كتاب الجنايات - باب قتال أهل البغي ١٠٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِّوَِّ قَالَ: ((مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، وَمَاتَ - فَمِيْتَتُهُ مِيْئَةٌ جَاهِلِيَةٌ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - من خرج عن الطاعة: أي: طاعة ولي أمر المسلمين. - مِيتة: هذا هو مصدر الهيئة من الثلاثي المجرد على وزن ((فِعْلة))، بكسر الفاء، تقول: عاش عِيشةً حسنةً، ومات مِيتَةً سيئةً، وما فوق الثلاثي يكون مصدره مصدر نوع. - جَاهلية: منسوبة إلى: الجهل، والمراد به: من مات على الكفر قبل الإسلام. * ما يؤخذ من الحديث: ١- نصب إمام المسلمين فرض كفاية، ويتم نصبه بمبايعته من أهل العقد من العلماء، ووجوه الناس، وأعيانهم. ٢- مهمة الإمام: حفظ الدين، وحماية بيضة الإسلام، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور، وجهاد المعاند، وجباية الصدقات، وتقدير العطاء، واستكفاء الأمناء. ٣- من خرج عن طاعة الإمام، وفارق الجماعة، فشدَّ عن جماعتهم - فقد ذكر العلماء أنَّهم أحد أصناف أربعة: أحدها: قوم خرجوا على الإمام وطاعته بلا تأويل، فهؤلاء قُطَّاع طريق . الثاني: خرجوا بتأويل، إلاَّ أنَّهم نفر يسير لا منعة لهم؛ كالعشرة ونحوهم، (١) مسلم (١٨٤٨). ١٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فهؤلاء حكمهم حكم قطاع الطريق . الثالث: قوم خرجوا على الإمام، وراموا خَلعه بتأويل سائغ؛ سواء كان تأويلهم خطأً أو صوابًا، ولهم شوكة ومنعة - فهؤلاء هم البغاة، فعلى الإمام أن يراسلهم، وينظر ما يدَّعون، وما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها، فإن فاؤوا، وإلاّ قاتلهم وجوبًا، وعلى رعيته إعانته. الرابع: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم - فهؤلاء فسقة، يجوز قتالهم ابتداء. ٤- فأي إنسان خرج من المسلمين بداع من هذه الدواعي الأربعة، فهو خارج عن طاعة الإمام، ومفارق جماعة المسلمين، فإذا مات على هذه الحال، فقد مات على طريق أهل الجاهلية، الذين لا ينظمهم إمام، ولا تجمعهم كلمة. ٥- قال شيخ الإسلام: جمهور المسلمين يفرقون بين الخوارج، والبغاة، والمتأولين، وهو المعروف عن الصحابة. ٦- قال شيخ الإسلام: طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بها، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور، فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم، إلاَّ لما يأخذه من المال، فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم - فما له في الآخرة من خلاق، والقصد أنَّ طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله واجبة، ومناصحتهم من باب التعاون على البر والتقوى. ٧- قال شيخ الإسلام: لا يخفى أنَّ الله قد فضَّل الرجال على النساء، فلا يحل أن تُسَاوى المرأة بالرجل فيما من شأنه الاختصاص بالرجال، كالولايات، فقد قال ◌َله: ((لا يفلح قوم، ولَّوا أمرهم امرأة)). وأما حضور المرأة مجالس الرجال: فإن كان في حضورها مصلحة، وكانت متحجبة متسترة، فلا بأس في ذلك.