Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الجنايات - باب الديات
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - شدة تحريم هذه الجرائم الثلاث، ووصف صاحبها بأنَّه أشد الناس تجبرًا
وعتوًا، وهذه الثلاث هي :
الأولىُ: مَن قتل نفسًا محرَّمة في حرَم الله الآمن؛ لأنَّ قتل النفس التي حرَّم
الله أعظم الذنوب بعد الشرك، وهي في حرم الله أشد حرمة، وأعظم إثمًا؛
لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِّدِ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ [الحج].
قال ابن مسعود: ((ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، إلاَّ أن يكون رجلاً
بالبيت الحرام، لأذاقه الله تعالى من عذاب أليم)).
وقد صحَّ عنه بَّر قوله: ((إنَّ دماءكم، وأعراضكم، وأموالكم عليكم
حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا)) [رواه مسلم (١٢١٨)] .
الثانية: من المحرَّمات الثلاث: منْ قتل غير قاتله؛ قال تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا فَلَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾
[الإسراء: ٣٣].
وذلك بأن يقتل غير قاتله، أو يقتل معه غيره، أو يمثّل بقاتله.
وكان الإسراف في القتل بهذه الأمور الثلاثة عادة جاهلية نهى الله تعالى
عنها .
الثالثة: القتل من أجل عداوات الجاهلية وثآراتها التي قضى عليها الإسلام
وأبطلها، فقال وَّ في حجة الوداع: ((ودماء الجاهلية موضوعة، وإنَّ أوَّل دم
أضع من دمائنا دم ابن ربيعة، وكان مسترضعًا في بني سعد، فقتله هذيل)).
٢ - ذهب جمهور العلماء إلى تغليظ الدية في الجملة، ولكنهم اختلفوا في
تفصيلها .
فذهب الإمام مالك إلى: أنَّ الدية تغلظ في قتل الخطأ والعمد، فيما إذا

١٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قتل الأب، أو الأم، وإن علوا من الأجداد والجدات، إذا قتل واحدٌ منهم
ابنه، أو حفيده، أو سبطه، فتغلظ عليه الدية بالتثليث؛ لامتناع القصاص في
العمد منه للأبوة .
وذهب الإمام الشافعي إلى: تغليظ دية الخطأ فقط؛ إذا أوقع القتل في
البلد الحرام، أو في الشهر الحرام، أو النسب المحرّم.
وذهب الإمام أحمد إلى: تغليظ الدية في البلد الحرام، وفي الشهر
الحرم، وفي حالة الإحرام، وهذا القول هو المشهور من المذهب عند
المتأخرين، ومشى عليه في ((الإقناع)) و((المنتهى))، وهي بهذه الصفة من
المفردات، وصفة التغليظ أن يزاد لكل حال ثلث الدية.
والرواية الأُخرى عن أحمد: أنه لا تغليظ مطلقًا، واختارها الخرقي،
وابن قدامة في ((المغني))، وصاحب ((الشرح الكبير))؛ لظاهر الآية: ﴿ وَمَن
فَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
وهذا يقتضي أن تكون الدية واحدة في كل مكان وعلى أي حال، وهو
ظاهر الأخبار، وعلى هذه الرواية العمل في المحاكم الشرعية في المملكة
العربية السعودية .
* تنبيه: التغليظ هو عند الجمهور بقتل الخطأ فقط، دون العمد.

١٤٣)
كتاب الجنايات - باب الديات
١٠٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -
أَنَّ رَسُولَ اللهِمََّ قَالَ: ((أَلاَ إِنَّ دِيَةَ الخَطَا شِبْهَ العَمْدِ: مَا كَانَ بِالسَّوْطِ
وَالَعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الإِبلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا)). أَخْرَجَهُ
أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١) .
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
صحّحه ابن حبان وابن القطان .
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبدالله بن
عمرو، وصححه ابن حبان، وقال ابن القطان: هو صحيح، ولا يضره
الاختلاف .
وللحديث طرق متعددة، قوَّى بعضها بعضًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ((شبه العمد))، أو ((خطأ العمد)) عرّفه الفقهاء: بأن يقصد الجاني جناية لا
تَقتل غالبًا، مثل: أن يضرب شخصًا بسَوط، أو عصا، أو حجر صغير في
غير مَقْتل .
٢ - و((قتل شبه العمد)): أخذ صورة العمد من حيث قصد الاعتداء، وأخذ صورة
الخطأ من حيث عدم إرادة القتل، وعدم الآلة القاتلة.
٣- دية شبه العمد كَدِية العمد في تغليظها، فحديث الباب: ((مائة من الإبل،
منها أربعون في بطونها أولادها».
(١) أبوداود (٤٥٤٧)، النسائي (٤١/٨)، ابن ماجه (٢٦٢٧)، ابن حبان (١٥٢٦).

١٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤- أما تقدير تغليظها عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماعة
من السلف -: فهو ما روي عن ابن مسعود من أنَّها تقسم أرباعًا: ((خمس
وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون
حِقّة، وخمس وعشرون جذعة)).
وجاء هذا الأثر عن السائب بن يزيد، رضي الله عنهما مرفوعًا .
٥- ودية شبه العمد كَدِية الخطأ في وجوبها على عاقلة الجاني؛ لِما في
الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ((اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت
إحداهما الأخرى، بحجر فقتلها، وما في بطنها، فقضى النبي (وَلّهِ أنَّ دية
جنينها عبدٌ أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها)).

١٤٥
كتاب الجنايات - باب الديات
١٠٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ
قَالَ: ((هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ))؛ يَغْنِي الخِنْصَرَ، وَالإِبْهَامَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيِّ: ((دِيَةُ الأَصَابِعِ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ،
الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ)).
وَلَابْنِ حِبَّنَ: ((دِيَةُ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرَةٌ مِنَ
الإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبَعٍ))(١) .
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
رواية أبي داود، والترمذي صححهما الترمذي، وابن حبان، وابن
عبدالهادي، وقال ابن القطان: رجاله كلهم ثقات.
وأما رواية ابن حبان: فصححها ابن حبان، وقال الشوكاني: رجال
إسناده رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- الأصابع: جمع ((أصبع))؛ وهو أحد اليد أو القدم.
- الأسنان: جمع ((سِن))؛ وهو قطعة من العظم، مؤنثة، تنبت في الفك.
- الثَنِيّة: إحدى الأسنان الأربع، التي في مقدّم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من
تحت .
- الضرْس: السن الطاحنة، يذكر ويؤنث، جمع: ((أضراس وضروس)).
(١) البخاري (٦٨٩٥)، أبوداود (٤٥٥٩)، ابن حبان (٥٩٨٠)، الترمذي (١٣٩١).

١٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- سواء : - بالفتح ممدودة، وتضم سينه، ويقصر - وهو المثل والنظير،
والمعنى: أنَّ دية كل واحدة، من الأصابع واحدة وكل من الأسنان واحدة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - اليدان فيهما عشرة أصابع، كل أصبع فيها عُشْر الدية من الإبل، لا فرق
بينهما في ذلك، فالخنصر الصغير الذي في طرف الكف، والإبهام الكبير
الذي عليه الاعتماد في القبض، والبطش وغير ذلك، كلاهما على حد سواء
في قدر الدية، ومجموع الأصابع العشرة في اليدين فيها الدية كاملة.
والرِّجْلان مثل اليدين والأصابع، وإن اختلفت، فكل واحد منها يؤدي
دورًا لا يقوم به الأصبع الآخر، والله حكيم خبير.
٢- أما الأسنان فهي اثنتان وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب،
وعشرون ضرسًا، في كل جانب عشرة: الأعلى خمسة، وتحتها خمسة،
والجانب الآخر كذلك.
٣- كل واحدة من هذه الاثنتين والثلاثين سواء في الدية، فكل واحد منها له
وظيفته الخاصة من حيث الجمال، ومن حيث القطع، ومن حيث المضغ
وغيره.
قال ابن القيم في ((مفتاح دار السعادة)): ((ثم زيَّن سبحانه الفم من الأسنان
التي هي جمال له وزينه .. وبها قوام العبد وغذاؤه، وجعل بعضها أرحاء
للطحن، وبعضها آلة القطع، فأحكم أصولها، وحدد رؤوسها، وبيَّض
لونها، ورتَب صفوفها، متساوية الرؤوس، متناسقة الترتيب)».
٤- كل واحد من الأسنان، أو الأضراس فيه خمسة من الإبل، مجموع ديتها :
((مائة وستون)) بعيرًا.

١٤٧
كتاب الجنايات - باب الديات
١٠٢٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شَعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ - رَفَعَهُ قَالَ: ((مَنْ تَطَبَّبَ - وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا - فَأَصَابَ
نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ)). أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَحَهُ
الحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، إِلاَّ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ
أَقْوَىُ مِمَّنْ وَصَلَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث حسن بطريقه الآخر .
قال المصنف: أخرجه الدارقطني، وصححه الحاكم، ورواه أبوداود
والنسائي، وغيرهما، إلاَّ أنَّ إرساله أقوى من وصله، وصحَّحه الحاكم، ووافقه
الذَّهبي.
وله شاهد من طريق عمر بن عبدالعزيز عن الوفد الذي قدموا على النَّبِيِّ
وَ له : فذكره بنحوه.
* مفردات الحديث:
- تطَبَّبَ: يعني: ادَّعى علم الطب، ولم يكن طبيبًا؛ بأن لم يكن عنده علم، ولا
خبرة .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ من ادَّعى علم الطب، وليس بعالم فيه، ولا يحسنه،
(١) أبوداود (٤٥٨٦)، النسائي (٥٢/٨)، ابن ماجه (٣٤٦٦)، الدار قطني (١٩٦/٣)،
الحاكم (٤/ ٢١٢).

١٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فغرّ الناس، وعالجهم، فأتلف بعلاجه نفسًا، فما دونها من الأعضاء، فهو
ضامن؛ لأنَّه متعدٍ، حيث غزّ الناس، وأعدّ نفسه لما لا يعرفه.
قال الطيبي في ((شرح المشكاة)): لا أعلم خلافًا في أنَّ المعالج إذا
تعدى، فتلف المريض كان ضامنًا، وكذا المتعاطي علمًا أو عملاً لا يعرفه،
فهو متعدٍّ، فإن تولد من فعله التلف ضمن الدية، وسقط عنه القود؛ لأنَّه لم
یستبد بذلك دون إذن المريض .
٢- أما حكم عمله: فإنَّه محرَّم عليه هذه الدعوى الكاذبة، والتغرير بالناس،
والعبث بأبدانهم بالجهل والكذب.
٣- وما أخذه من أجرة: فهي محرَّمة؛ لأنَّها من أكل أموال الناس بالباطل،
ونتيجة خداع، وثمرة تمويه .
٤- هذه الطريقة يتعاطاها، ويفعلها كثير ممن يدعون المعرفة بالطب الشعبي،
يظهرون أمام البسطاء بالمعرفة، فيكوونهم بالنار، ويصِفُون لهم الوصفات،
التي إن لم تضر فإنها لا تنفع .
٥- يقاس على ادِّعاء الطب بالجهل كل عمل يدعيه الإنسان، أو صنعة ينسب
إليها، وهو لا يحسن ذلك، ثم يفسد على الناس أموالهم، فإنّه بادعائه هذا
أو إقدامه على دعوى الإصلاح ضامن لكل ما خرَّب، أو فسد من جرّاء
عمله، وما يأخذه من مال فهو حرام، وأكل لأموال الناس بالباطل .
٦ - وأعظم من هذا كله ادعاء العلم الشرعي، وتعاطي الفتوى مع الجهل، فإذا
کانت الأبدان تضمن مع الجهل، فکیف الإضرار بالدين؟!
٧- وهذه فتوى حول الموضوع صادرة من مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها
في زمنه: سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله تعالى -
قال: من محمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن
عبدالعزيز أيَّده الله بتوفيقه.

١٤٩
كتاب الجنايات - باب الديات
السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته.
فالإشارة إلى خطاب جلالتكم رقم: ١٥٣١/١٠/١٢/٥ في
١٣٨٠/٨/١٥ هـ المتضمن السؤال عمَّا يحل من حوداث السيارات، وعما
ينشأ على أيدي الأطباء عند إجراء العمليات من حوادث الوفيات ... إلخ.
المسألة الأولى: إذا انقلبت السيارة، وكان الانقلاب ناتجًا عن تفريط السائق
أو تعديه، مثل السرعة الزائدة، أو عدم ضبطه آلات السيارة، أو غفلته عن
تفقدها، أو لم يكن السائق يحسن القيادة، أو نحو ذلك، مما يعد تفريطًا، أو
تعديًا - فإنَّه يضمن كل ما نتج؛ لأنَّه متسبب .
وإن لم يكن شيء من ذلك، وكان السائق حاذقًا ومتفقدًا لآلاتها، ولم
يكن مسرعًا سرعة زائدة، فلا ضمان عليه؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة، وإن
اختلفا، فالبينة على الركَّاب، وعليه اليمين عند عجزهم.
المسألة الثانية: إذا نام إنسان تحت سيارة، فشغل سيارته وأتلفته، فالسائق
ضامن كل ما نتج عنه؛ لأنَّه هو المباشر، والمفرط بعدم تفقده ما تحت
سيارته، وينطبق عليه حكم من فعل ما له فعله، فأصاب آدميًّا معصومًا .
المسألة الثالثة: إذا ألقى الراكب نفسه من السيارة، وهي تسير بدون علم
السائق، فلا ضمان على أحد، ما دام الراكب بالغًا عاقلاً، بخلاف الصغير
والمجنون .
المسألة الرابعة: إذا عالج الطبيب مريضًا، وحصل من علاجه تلف نفس، أو
طرف ۔ فإنّه یضمن إذا تعدى أو فرط .
* وخطأ الطبيب :
١ - إما أن يكون بجهله بالطب، فهو ضامن كل ما تلف بسببه، من نفس، فما
دونها بالدية، ويسقط عنه القصاص.
٢ - أن يكون حاذقًا في الطب، ولكنه أخطأ الدواء، أو صفة استعماله، أو

١٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
جنت يده على عضو صحيح، فهذا الطبيب جنى جناية خطأ مضمونة، فإذا
كانت أقل من الثُّلث، ففي مال الطبيب خاصته، وإلاّ فعلى عاقلته.
٣- أن يكون الطبيب حاذقًا، وأعطى الصنعة حقها، ولم تجن يده، أو يقصِّر
في اختيار الدواء في الكمية والكيفية، فإذا استعمل كل ما يمكنه، ونتج عن
فعله المأذون من المكلف أو غير المكلف تلف، فلا ضمان عليه؛ لأنَّها
سراية مضمون فيها، كسراية الحد والقصاص، والله أعلم.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن حوادث السير:
قرار رقم (٧١):
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم
النبیین، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن
ببندرسيري باجوان بروناي دار السلام، من ١ إلى ٧ محرَّم ١٤١٤ هـ ، الموافق
٢١ - ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع:
((حوادث السير))
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبالنظر إلى تفاقم
حوادث السير، وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء
المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات، بما يحقق شروط الأمن،
كسلامة الأجهزة، وقواعد نقل الملكية، ورخص القيادة، والاحتياط الكافي
بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن، والقدرة والرؤية، والدراية
بقواعد المرور، والتقيد بها، وتحديد السرعة المعقولة، والحمولة.
------ ---
-

١٥١
كتاب الجنايات - باب الديات
قرَّر ما يلي :
١- أ) إنَّ الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجب
شرعًا؛ لأنَّه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات؛ بناءً على دليل
المصالح المرسلة، ويبنغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية
التي لم تطبق في هذا المجال.
ب) مما تقتضيه المصلحة أيضًا سن الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها
التعزير المالي، لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور؛ لردع من
يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات، والأسواق من أصحاب
المركبات، ووسائل النقل الأخرى؛ أخذًا بأحكام الحسبة المقررة.
٢- الحوادث التي تنتج عن تيسير المركبات، تطبق عليها أحكام الجنايات،
المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ،
والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار؛ سواء في البدن، أم المال،
إذا تحققت عناصرها من خطأ، وضرر، ولا يعفى من هذه المسؤولية إلاّ في
الحالات الآتية :
أ) إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها، وتعذر عليه الاحتراز
منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.
ب) إذا كان بسبب فعل متضرر المؤثر تأثيرًا قويًّا في أحداث النتيجة.
ج) إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه، فيتحمل ذلك الغير
المسؤلية .
٣- ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي
تنجم عن فعلها، إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى
القضاء .
٤- إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر، كان على كل واحد منهما

١٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.
٥ - أ) مراعاة ما سيأتي من تفصيل؛ فإنَّ الأصل أنَّ المباشر ضامن، ولو لم يكن
متعديًا، وأما المتسبب فلا يضمن إلاّ إذا كان متعديًا، أو مفرطًا.
ب) إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون
المتسبب، إلاَّ إذا كان المتسبب متعديًا، والمباشر غير متعدٍّ.
ج) إذا اجتمع سببان مختلفان، كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل
واحد من المتسببين المسؤلية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا، أو
لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما، فالتبعة عليهما على السواء، والله أعلم.

١٥٣
كتاب الجنايات - باب الديات
١٠٢٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ - أَنَّ النَّبيَّ وَِّ قَالَ: ((فِي المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنَ الإِبِل)).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ.
وَزَادَ أَحْمَدُ: ((وَالأَصَابعُ سَوَاءٌ، كُلَّهُنَّ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإِبِل)).
وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال المصنف: رواه الإمام أحمد، والأربعة، وصححه ابن خزيمة، وابن
الجارود.
وقال الشوكاني: سكت عنه أبوداود، والمنذري، وصاحب ((التلخيص))،
ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات.
وقد حسّنه الترمذي .
* مفردات الحديث:
- المواضح: جمع ((مُوضِحة)): والموضحة هي: الشجة في الرأس، أو الوجه
خاصة، تشق الجلد، وتبرز العظم، وتوضحه ولا تكسره.
** ما يؤخذ من الحديث:
١- المواضح جمع ((موضحة))، وهي إحدى شجاج الرأس والوجه خاصة،
(١) أحمد (٢١٥/٢)، أبوداود (٤٥٦٦)، النسائي (٥٧/٨)، الترمذي (١٣٩٠)، ابن ماجه
(٢٦٥٥)، وابن الجارود (٧٨٥).

١٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
سميت: ((موضحة))؛ لأنَّها توضح العظم وتبرزه، وديتها نصف عُشر الدية،
خمس من الإبل، فإن نزلت إلى الوجه فموضحتان، لأنَّها أوضحته في
عضوين، وإن كان بينهما حاجز فموضحتان؛ ولو كانتا في الرأس وحده، أو
في الوجه وحده.
٢ - أما أصابع اليدين والرجلين، فتقدم أنَّ دية كل أصبع عشْر من الإبل، فأصابع
اليدين فيها دية كاملة، وهي مائة من الإبل، ومثلها أصابع الرجلين.

١٥٥
كتاب الجنايات - باب الديات
١٠٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ
المُسْلِمِينَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ.
وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: ((دِيةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الخُرِّ)).
وَلِلنَّسَائِيِّ: ((عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ
دِيَتِهَا)). وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
أخرجه أحمد، وأبوداود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي
من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وقال الترمذي: حديث حسن، وقد صحَّحه ابن خزيمة .
وإسناده حسن، على الخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده .
وللحديث شاهد عند الطبراني في ((الأوسط)).
قال الألباني: وأما رواية النسائي في عقل المرأة فإنَّها ضعيفة، ولها
علَّتان:
الأولى: عنعنعة ابن جريج، فإنَّه مدلس .
والأخرى: ضعف إسماعيل بن عياش.
(١) أحمد (١٨٠/٢)، أبوداود (٤٥٨٣)، الترمذي (١٤١٣)، النسائي (٤٥/٨)، ابن ماجه
(٢٦٤٤) .

=
١٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* مفردات الحديث:
- أهل الذمة: هم بعض الكفار الذين يقرون على كفرهم، بعقد، يلتزمون فيه
بذل الجزية، والتزام أحكام الملة .
- المعاهَد: هو الكافر الذي أعطي أمانًا وعهدًا، يُحرم به قتله، ورِقه، وأسره.
- عَقْل المرأة: عقل المرأة ديتها، ودية المرأة على النصف من دية الرجل، إلاَّ
فيما دون ثلث الدية، فتكون ديتها مثل دية الرجل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث نوعان من الديات:
الأول: دية الكتابي نصف دية الحر المسلم؛ سواء كان ذميًّا، أو معاهَدًا، أو
مستأمنًا؛ لا شتراكهم في وجوب حقن الدم.
وجراحاتهم من دياتهم، كجراحات المسلمين من دياتهم؛ لأنَّ الجرح
تابع للقتل.
الثاني: دية المرأة، مسلمةً كانت أو كافرةً، فهي على النصف من دية رجل من
أهل دينها، نقل ابن عبدالبر، وابن المنذر إجماع العلماء عليه .
٢- وجراحها تساوي جراح الرجل من أهل دينها، فيما دون ثلث ديته، فإذا
بلغت الثلث، أو زادت علیه، صارت على النصف منه .
وذلك لما روي النسائي والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى تبلغ الثلث من
ديتها)) قال ربيعة: قلتُ لسعيد بن المسيب: لما عظمت مصيبتها، قلَّ عقلها،
قال: ((هكذا السنة، ياابن أخي)).
٤- ومساواتها للرجل إلى ثلث الدية هو مذهب الإمامين مالك وأحمد، وأما
أبو حنيفة والشافعي: فيريان أنَّها على النصف من دية الرجل مطلقًا.

١٥٧
كتاب الجنايات - باب الديات
خلاف العلماء:
*
ذهب مالك وأحمد إلى: ما دلّ عليه هذا الحديث؛ من أنَّ دية الذمي هي
على النصف من دية المسلم، قال الخطابي : ليس في دية أهل الكتاب شيء
أبين من هذا.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى: أنَّ دية الذمي مثل دية المسلم،
ودليلهما: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌ فَدِيَةٌ
◌ُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ،﴾ [النساء: ٩٢].
والظاهر من الإطلاق الكمال، والجواب أنَّ الآية مجملة، ولا يخفى أنَّ
دليل القول الأول أقوى وأرجح، والله أعلم.

١٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٣١- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظٌ، مِثْلُ عَقْلِ
العَمْدِ، وَلاَ يُقْتَلُ صَاحِبٌ، وَذْلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ، فَتَكُونَ دِمَاءٌ بَيِّنَ
النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلاَ حَمْلِ سِلَاحِ)). أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ،
وَضَعَّفَهُ(١).
** درجة الحديث:
الحدیث حسن .
أخرجه الدار قطني وضعَّفه، وأخرجه البيهقي بإسناده، ولم يضعفه.
وروي الحديث الإمام أحمد في ((مسنده))، وقال في ((بلوغ الأماني)): في
إسناده علي بن زيد بن جدعان، وفيه مقال، وقد روي من طريق أخرى من
حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، صحَّحه ابن حبان، وابن القطان،
والسيوطي.
* مفردات الحديث:
- شِبهُ العمد: هو أن يقصد جنايةً بما لا يقتل غالبًا، فيموت من تلك الجناية .
- مغلظة: الغلظة خلاف الرِّقة، والدية المغلظة: هي التي تكون في قتل العمد
وشبه العمد، فتؤخذ أرباعًا من أسنان الإبل: بنات المخاض، واللبون،
والحِقاق، والجذاع.
- يَنْزُو الشيطان: نزا الفحل نزوًا: وثب، ونزا به الشر: تحرك، قال في
((النهاية)): يقال: نزوتُ على الشيء إذا وثبت عليه، وقد يكون في الأجسام
(١) الدارقطني (٩٥/٣)، أبوداود (٤٥٦٥).

=
١٥٩
كتاب الجنايات - باب الديات
والمعاني. والمراد ضغينته: هي الحقد والعداوة والبغضاء؛ جمعها:
((ضغائن)) من نزو الشيطان، وساوسه، وإغوائه بالإفساد بين الناس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم تعريف قتل شبه العمد، وأنَّ فيه شائبة العمد؛ من حيث قصد الجناية،
وشائبة الخطأ؛ من حيث عدم قصد القتل، وضعف الدلالة.
٢ - ولعدم ثبوت القصاص فيه، وأخذه صفة العمدية من حيث قصد الجناية -
فإنَّ الدية فيه مغلظة .
٣- التغليظ في الدية فيه قولان للعلماء:
أحدهما: أن تكون الدية تجب أرباعًا: خمس وعشرون بنت مخاض،
وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حِقَّة، وخمس وعشرون
((جَذَعة))، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة،
وهو مروي عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - موقوفًا، وعن غيره
مرفوعًا، وتقدم.
الثاني: أنَّ تغليظ الدية هو: ثلاثون حِقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلِفَة
في بطونها أولادها وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد اختارها
بعض أصحابه .
٤- قتل شبه العمد يأتي من غير عداوة ولا ضغينة، ولا حمل سلاح، وإنما ينزو
الشيطان بسبب مزاح أو لعب، فيحصل القتل الذي لم يقصد، فتتكوَّن الدماء
بين الناس، والله لطيف بعباده.

١٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٣٢ - وَعَن ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - قَالَ: ((قَتَلَ رَجُلٌ
رَجُلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َهْ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفًا)) .
رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ(١).
** درجة الحديث:
الحدیث مرسل .
راوه الأربعة، والدارمي، والدار قطني والبيهقي من طريق عمرو بن دينار
عن عكرمة عن ابن عباس، ورجّح النسائي وأبو حاتم إرساله. وقد روي موقوفًا،
أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني: عبدالرحمن بن
أبي زيد عن نافع بن جبير عن ابن عباس، قلتُ: هذا سند ضعيف، علَّته
عبدالرحمن هذا، وهو ابن البيلماني، وهو ضعيف، كما هو مبيَّن في كتب
الجرح والتعديل .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم الخلاف في أنواع الدية، وأنَّها خمس هي: الإبل، والبقر، والغنم،
والذَّهب، والفضة.
فبعض العلماء يرى: أنَّ هذه الخمسة كلها أصول في الدية، وهو
المشهور في مذهب الإمام أحمد.
٢ - وبعضهم يرى: أنَّ الأصل هو الإبل فقط، والباقيات أبدال عنها، وهو القول
الراجح، وتقدم بيان أدلة هذا القول.
٣- هذا الحديث فيه أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ ودى القتيل بالفضة، وهي اثنا عشر ألف
(١) أبوداود (٤٥٤٦)، الترمذي (١٣٨٨)، النسائي (٤٤/٨)، ابن ماجه (٢٦٢٩).