Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب الجنايات أما من السنة : ( أ ) فاستدلوا بما ثبت من أنَّ جارية وُجدت قد رُضَّ رأسها بين حجرين، فسألوها من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديًّا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فأقرَّ، فأمر به النبي ◌َّ أن يرضوا رأسه بالحجارة . قالوا: قد أمر النبي ◌َّه بقتل اليهودي، ولم يجعل ذلك إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصًا، لكان الحق لأوليائها؛ فدَلَّ ذلك على أنَّه قتله حدًّا، لا قودًا. (ب) واستدلوا بأنَّ النَّبيَّ ◌َّه قتل العرنيين الذين قتلوا الرعاة قتل حرابة وغيلة، ولم ينقل أنه جعل لأولياء الرعاة الخيار، ولو كان قتله إيَّاهم قصاصًا لشاورهم، وطلب رأيهم، فدلَّ على أنَّه قتلهم حدًّا، لا قودًا. وبذلك تبيَّن أنَّ قتل الغيلة له حكم خاص يختلف عن حكم سائر القتل العمد العدوان . وأما الآثار: فمنها : ما ثبت أنَّ عمر - رضي الله عنه - أمر بقتل جماعة اشتركوا في قتل غلام بصنعاء. وفي رواية: ((لو تمالأ عليه أهل الصنعاء، لقتلتهم جميعًا)). فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولم ينقل أنَّه استشار أحدًا من أولياء الدم، ولو كان لهم حق العفو، لرد الأمر إليهم، وطلب رأيهم، ولم يُنقل أنَّ أحدًا من الصحابة أنكر عليه . وأما القياس : فإنَّ القتل غيلة لمَّا كان في الغالب عن ختل وخداع، وأَخْذٍ على غرة - تعذَّر التحفظ منه؛ فكان كالقتل حرابة، ومكابرة؛ حيث إِنَّ عقوبة كل منهما من ١٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الحدود، لا القود والقصاص، وأيضًا في ذلك سد لذريعة الفساد والفوضى في الدماء، والقضاء على الاحتيال والخديعة، وسائر طرق الاغتيال، وبذلك يخصص عموم النص في وجوب القتل قصاصًا، فيحمل على ما عدا قتل الغيلة. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن قتل الغيلة: رقم (٣٨) بتاريخ ١٣٩٥/٨/١١ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السادسة لهيئة كبار العلماء؛ بأن تعد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثًا في الغيلة، وقد أعدت، وأُدرج في جدول أعمال الهيئة في الدورة السابعة المنعقدة في الطائف: من ١٣٩٥/٨/٢ هـ، إلى ١٣٩٥/٨/١١ هـ، وعرض البحث على الهيئة، وبعد قراءته في المجلس، ومناقشة المجلس كلام أهل العلم في تعريف الغيلة في اللغة، وعند الفقهاء، وما ذكر في عقوبة القاتل قتل غيلة؛ هل هو القصاص، أم الحد؟ وتداول الرأي. وحيث إنَّ أهل العلم ذكروا أنَّ قتل الغيلة ما كان عمدًا وعدوانًا على وجه الحيلة والخداع، أو على وجه يأمن معه المقتول من غائلة القاتل؛ سواء أكان على مال، أم انتهاك عرض، أم خوف فضيحة، وإفشاء سر، أم نحو ذلك. وكأن يخدع شخصًا حتى يأمنه، ويأخذه إلى مكان لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، وكأن يأخذ مال رجل بالقهر، ثم يقتله خوفًا من أن يطلبه بما أخذ، وكأن يقتله لأخذ زوجته، أو ابنته، وكأن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه، مثلاً للتخلُّص منه، أو العكس، ونحو ذلك. لذا قرَّر المجلس بالإجماع ما عدا الشيخ صالح بن غصون أنَّ القاتل قَتْلَ غيلة يقتل حدًّا، لا قصاصًا، ولا يصح فيه العفو من أحد، والأصل في ذلك: الكتاب، والسنة، والأثر، والمعنى. ١٢٣ كتاب الجنايات أما الكتاب : فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا ... ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. وقتل الغيلة نوع من الحرابة؛ فوجب قتله حدًّا، لا قودًا. أما من السنة : فما ثبت في الصحيحين عن النبي ◌َّ: ((أنَّ يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها، أو حلي، فأخذ، واعترف، فأمر رسول الله وَل أن يُرض رأسه بين حجرين)) فَأَمْرُ بَّل بقتل اليهودي، ولم يرد الأمر إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصًا لرد الأمر إليهم؛ لأنَّهم أهل الحق - يدُلُّ على أنَّ قتله كان حدًّا لا قودًا. وأما الأثر: فما ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ((أنَّه قتل نفرًا - خمسة، أو سبعة - برجل واحد، قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا» . فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولا نعلم نقلاً يدل على أنَّه رد الأمر إلى الأولياء، ولو كان الحق لهم لرد الأمر إليهم؛ فدل على أنَّه يقتل حدًّا، لا قودًا. وأما المعنى: فإن قتل الغيلة حق لله، وكل حق يتعلَّق به حق الله تعالى، فلا عفو فيه لأحد، كالزكاة وغيرها، ولأنه يتعذر الاحتراز منه؛ كالقتل مكابرة، وبالله التوفيق . وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء ١٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٢٢ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحِ الخُزَاعِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّ: « فَمَنْ قُتِلَ لَهُ فَتِيَّلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ، أَوْ يَقْتُلُوا)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ والنَّسَائِيُّ(١). وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ(٢). ** درجة الحديث: الحدیث صحیح . أخرجه أحمد، والترمذي، والدارقطني، من طريق يحيى بن سعيد، حدَّثنا ابن أبي ذئب، حدَّثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح. قال الترمذي: ((حديث حسن صحيح، وهو على شرط الشيخين، وقد أخرجاه من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد به)). قال في ((البلوغ)): وأصله في الصحيحين عن أبي هريرة، وصححه الترمذي، والسهيلي في ((الروض الأنف))، وابن حزم في ((المحلى)). * مفردات الحديث: - بين خيرتين: بكسر الخاء، وفتح التاء ؛ أي: له الخيار بين أخذ الدية، والقصاص. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الواجب بقتل العمد عند الإمام أحمد أحد شيئين: القَوَدَ، أو الدية، فيخير ولي الدم بينهما، فإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، ولو لم يرض الجاني. (١) أبوداود (٤٥٠٤)، الترمذي (١٤٠٦)، ولم يروه النسائي. (٢) البخاري (٦٨٨٠)، مسلم (١٣٥٥). ----- --------- --- - --- - ⑈* !* **** ------- ١٢٥ كتاب الجنايات وبه قال جماعة من السلف؛ منهم سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء ومجاهد، وإسحاق، وأبوثور، وابن المنذر. ٢- ويرى الأئمة الثلاثة: أنَّ الواجب القود، والدية بدل عنه؛ لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ والمكتوب لا تخيير فيه؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((من قتل عمدًا، فهو قَود)) [رواه النسائي] من حديث ابن عباس. ٣- أما دليل القول الأول: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ﴾ [البقرة: ١٧٨] وحديث الباب صريح في هذا الحكم. ٤ - ثمرة الخلاف بين القولين أنَّ صاحب القول الأول له العدول إلى الدية، ولو لم يرض الجاني، وأما القول الثاني، فإنَّه ليس له إلاَّ القصاص، أما الدية فلا يستحقها إلاّ بصلح بينه وبين الجاني. والنتيجة الثانية: أنَّه لو فات محل القصاص بوفاةٍ، أو آفة لعضو، ونحو ذلك - فعند القائلين بوجوب أحد الشيئين، يعدل إلى الدية، أما عند الذين لا يوجبون إلاَّ القصاص عينًا، فلا يجب للمجني عليه شيء. ٥- قال في ((شرح الإقناع)): أجمعوا على جواز العفو عن القصاص، وأنَّه أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقد جاء في سنن أبي داود، عن أنس قال: ((ما رأيتُ رسول الله ◌َّهِ رُفِع إليه شيء فيه قصاص، إلاّ أمر بالعفو))؛ والنصوص في هذا كثيرة. ٦- قال الشيخ تقي الدين: ((استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو عنه إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانًا إلاّ بعد العدل، وهو ألا يحصل بالعفو ضرر، وإلاّ كان ظلمًا: إما لنفسه، وإما لغيره، قال في الإنصاف: وهذا عين الصواب)). ٧- قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه إذا عفا أحد الأولياء من الرجال، سقط القود، ١٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والمشهور عند مالك: أنَّه للعصبات خاصة، قلتُ: وهو رواية عن أحمد، واختاره الشيخ تقي الدين)). وإليك الخلاف بأوسع من هذا. خلاف العلماء: ذهب الأئمة الثلاثة، وجمهور العلماء إلى: أنَّ القصاص حق لجميع الورثة، من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال، والنساء، والصغار، والكبار، فمن عفا منهم صحَّ عفوه، وسقط القصاص، ولم يكن لأحد على الجاني سبيل؛ لعموم قوله ◌َّ: ((فأهله بين خِيرَتَين))؛ وهذا عام في جميع أهله، والمرأة من أهله؛ بدليل قوله وَّةٍ: ((مَن يعذرني من رجل، بلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلاَّ خيرًا)). وذهب الإمام مالك إلى: أنَّ القصاص والعفو عنه موروث، وللكنه منوط بالعصبات من الرجال خاصة؛ لأنَّه ثبت؛ لدفع العار، فاختصَّ به العصبات؛ كولاية النكاح. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو وجه لأصحاب الشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين . قال الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ: (( العفو حق لجميع الورثة من الرجال، والنساء، للكن إذا كثر التحيل لإسقاط القصاص، وخيف اختلال الأمن بكثرة العفو - جاز العمل ضرورة بالقول الآخر، الذي اختاره الشيخ تقي الدين، وهو المشهور من مذهب مالك؛ وهو أنَّ النساء ليس لهنَّ العفو عن القصاص، وأنَّه مختص بالعصبة، والشيخ بناها على قاعدة ذكرها في بعض كتبه، وهي: أنَّه إذا ثبتت الضرورة جاز العمل بالقول المرجوح؛ نظرًا للمصلحة. ولا يُتَّخذ هذا عامًا في كل قضية، بل الضرورة تقدر بقدرها، والحكم يدور مع علَّته. ١٢٧ كتاب الجنايات - باب الدیات بَابُ الدِّيَات - مقدمة أصلها: من الفعل: وَدَى يَدِي، فأبدلت الواو بالهاء؛ فهي كالعِدَةِ مِن الوَعْدِ، والدية في الأصل مصدر، وللكن سمي به المال المؤدى؛ بسبب الجناية . والدیات: جمع دِیة، مخففة الياء . وشرعًا: هي المال المؤدّى إلى المجني عليه، أو وليه بسبب جِناية. والدية ثابتة بالكتاب . قال تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. وبالسنة : جاء في الصحيحين: ((أنَّ النَّبيَّ نَّهِ: ((قضىُ بدِيَةِ المرأة على عاقلتها)). وبالإجماع: قال في ((شرح الإقناع)) وغيره: ((وهي ثابتة بالإجماع)). قال في ((الإقناع وشرحه)): ((كل من أتلف إنسانًا مسلمًا، أو ذميًّا مستأمَنًا، أو مهادنًا، بمباشرة لإتلافه، أو بسبب كشهادة عليه؛ سواء كان عمدًا، أو خطأ، أو شبه عمد - لزمته ديته: إما في ماله، أو على عاقلته)) . فإن كان عمدًا محضًا، فالدية في مال الجاني، وإن كانت شبه عمدٍ، أو خطَأَ فعلى عاقلته. والدية عقوبة مالية تحل محل القصاص إذا سقط، أو امتنع؛ لسبب من أسباب السقوط، أو الامتناع، هذا إذا كانت الجناية عمدًا. وتكون الدية عقوبة أصلية، إذا كانت الجناية شبه عمدٍ، أو خطأً؛ سواء ١٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أكانت على النفس، أم فيما دون النفس. والدية إذا أطلقت يراد بها الدية الكاملة. وقد اختلف العلماء في أصلها: فالمشهور من مذهب أحمد: أنَّ أصول الدية خسمة أصول: مائة من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، فهذه الخمس أصول الدية إذا أحضر من عليه الدية شيئًا منها لزم المجني عليه، أو ولي دمه قبولُه؛ فالخيرة لمن وجبت عليه . وهذا القول من مفردات مذهب الإمام أحمد. وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ: الأصل في الدية هي الإبل، والأجناس الأربعة أبدال عنها، قال ابن منجا: هذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدليل، وقال الزركشي: هي ((أظهر)) دليلاً؛ لقوله وَله: «ألا إنَّ في قتيل السّوط والعصا مائة من الإبل)). ١٢٩ كتاب الجنايات - باب الديات ١٠٢٣ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، عَن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفَيهِ: ((إِنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنَا قَتْلاً عَنْ بِيَّةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَىْ أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ، وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ: مائَةً مِنَ الإِبلِ، وفي الأنفِ إذَا أوعب جدعه الدية، وَفِي اللَّسَانِ الدِّيّة، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيّةَ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَّةَ، وَفِي البَّضَتَيْنِ الدِّيّة، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيّةُ، وَفِي الرِّجْلِ الوَاحِدَةِ نِصْف الدِّيَةِ، وَفِي المَأْمُومَةِ ثُلُث الدِّيَّةِ، وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشَرَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي كُلِّ إِصْبِعٍ مِن أَصَابِعِ اليَدِ، وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِل، وفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ فِي المَرَاسِيلِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِخَّتِهِ (١). درجة الحديث: * الحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه في كتاب الطهارة، على أنَّ المحدثين اختلفوا في صحة الحديث، فقال أبوداود: ((قد أُسند (١) أبوداود في المراسيل (١٢١/١)، النسائي (٤٨٥٣)، ابن خزيمة (١٩/٤)، ابن الجارود (١٩٨/١)، ابن حبان (١٤ /٥٠١). ١٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام هذا الحديث، ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهم، إنَّما هو سليمان بن أرقم))، وهكذا قال أبوزرعة الدمشقي، أنَّه الصواب، وتبعه صالح جزرة، وأبوالحسن الهروي . وقال النسائي: ((وهذا أشبه بالصواب؛ يعني: عن سليمان بن أرقم)). وقال ابن حزم: ((صحيفة عمرو بن حزم منقطعة، لا تقوم بها حجة، وسلیمان بن داود متّفق علی ترکه)) . قال ابن حبان: ((سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعَّفه، فإنَّما ظن أنَّ الراوي له هو اليمامي)). قال ابن حجر: ((ولولا ما تقدم من أنَّ الحكم بن موسى وهِم في قوله: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم - لكان لكلام ابن حبان وجه، وصححه الحاكم، وابن حبان، والبيهقي، ونقل عن أحمد أنَّه قال: أرجو أن یکون صحیحًا )). وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة: فقال الشافعي: ((لم يقبلوا هذا الحديث؛ حتى ثبت عندهم أنَّه کتاب رسول الله ◌َّچ)). وقال ابن عبدالبر: ((هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفةً يستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنَّه أشبه التواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالصواب والمعرفة)). وقال العقيلي: ((هذا حديث ثابت محفوظ، إلاَّ أنا نرى أنَّه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري» . وقال يعقوب بن سفيان: ((لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح ١٣١ كتاب الجنايات - باب الديات من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإنَّ أصحاب رسول الله وَله والتابعين يرجعون إلیه، ويدعون رأيهم)). وقال الحاكم: ((قد شهد عمر بن عبدالعزيز، وإمام عصره الزهري لههذا الکتاب بالصحة)) . * مفردات الحديث: - اعتَبَط: بالعين المهملة، بعدها: مثناة فوقية، ثم موحدة، آخره طاء مهملة؛ يقال: اعتبطه يعتبطه اعتباطًا: قتله بلا جنايةٍ، ولا جريرةٍ، توجب قتله، يقاد قاتله به، ويقتل، وكل من مات بغير علة فقد اعتبط . - قتلاً: أي: قتلاً بلا جناية، ولا جريرة توجب قتله، وهو مفعول مطلق؛ لأنَّه نوع منه . - فإنَّه: جواب الشرط. - بيّة: البينة: هي الحجة الواضحة، وكل ما أبان الحق، وأظهره فهو بيِّنة. - أُوعِبَ: بضم الهمزة، وسكون الواو، وكسر العين المهملة، فموحدة: أوعبه إيعابًا: أخذه أجمع، ولم يدع منه شيئًا، والمراد هنا: قطع جميع أنفه. - الشَّفتَيْنِ: شفة الشيء: حرفه، وشفة الإنسان هو: الجزء اللحمي الظاهر، الذي يستر الأسنان، وهما شفتان . - قوَد: بفتحتين: القصاص؛ يقال: قاد الأمير القاتل بالقتيل: قتله به قودًا، وأصله: الانقياد، سمِّي به القصاص؛ لِما فيه من انقياد الجاني له بما جناه . - البَيّضَتَينِ: هم الخصيتان، مفردها: خصية؛ وهي البيضة من أعضاء التناسل. - الصُّلب: بضم الصاد المهملة، وسكون اللام؛ هو العمود الفقري. - المأمومة: هي التي تخرق الجلد، حتى تصل إلى أم الدماغ، وأم الدماغ هي: المنطقة التي فيها الدماغ في الرأس . - الجائفة: هو: الجرح الذي يصل إلى باطن الجوف؛ سواء أكان من بطن، أم ١٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام صدر، أم ظهر، أم نحر، أم غير ذلك. - المُنقِّلَة: هي الشجة التي توضح عظم الرأس، وتهشمه، وتنقل عظامه بتکسیره. - المُوضِحَة: هي الشجة التي توضح عظم الرأس، وتبدي بياضه، ولا تكسره، فهي خاصة بالرأس والوجه. ما يؤخذ من الحديث: ١ - ثبوت القصاص، إذا قَتَل المسلم المعصوم عمدًا وعدوانًا. ٢- ثُبُوت الديّة في قتل العمد العدوان، إذا رضي بها أولياء المقتول، أو امتنع القصاص لسبب من أسباب الامتناع، أو سقط لسبب من أسباب السقوط. ٣- أنَّ الدية الكاملة في النفس هي مائة من الإبل، والمذهب أنَّ الخمسة الأجناس كلها أصول. وللكن القول الراجح أنَّ الأصل هي الإبل، والأجناس الباقية أبدال عنها. ٤- مما يدل على أنَّ الأصل الإبل، والباقيات أبدال ما يأتي: - التغليظ والتخفيف خاص في الإبل دون غيرها . - كل الديات في غير النفس تقدر بالإبل. وهذا القول رواية قوية في المذهب، رجَّحها بعض أئمة المذهب. ٥- الأعضاء في بدن الإنسان : إما أن تكون عضوًا واحدًا فقط؛ كالأنف، واللسان، والذكر، وإما أن تكون عضوين؛ كالعينين، والأذنين، والخِصيتين، وإما أن تكون أربعة؛ كالأجفان الأربعة. فما فيه عضو واحد - كالأنف - ففيه دية كاملة، وإن كان مما فيه عضوان، ففيهما دية كاملة، وفي الواحد نصف الدية، وإن كان فيه أربعة، ففيها كلها دية كاملة، وفي كل واحد منها ربع الدية. ٦- أما المأمومة وهي: التي تصل إلى أم الدماغ - وأم الدماغ هي جلدة رقيقة ١٣٣ كتاب الجنايات - باب الديات فيها الدماغ - ففيها ثلث الدية. ٧- وأما الجائفة وهي: الطعنة التي تصل إلى باطن الجوف؛ سواء أكان من بطنٍ، أم ظهرٍ، أم صدرٍ، أم نحرٍ، أم دماغ - ففيها أيضًا ثلث الدية. ٨- وأما المُنَقِّلَة - وهي: الَّتَي توضح العظم، وتهشمه، وتنقل عظامه بتکسیرها ۔ ففيها خمس عشرة من الإبل؛ بإجماع العلماء. ٩- وأما أصابع اليد، أو الرجل: ففي كل أصبع عُشر الدية، وهو عَشْر من الإبل؛ لأنَّ أصابع اليدين فيها الدية كاملة؛ وفي أصابع الرجلين الدية كاملة، فيكون في كل أصبع عُشرها . وفي أنملة إبهام يد، أو رجل نصف العُشر، وهو خمس من الإبل؛ لأنَّ فيه أنملتين، أما الأنملة من غير الإبهام ففيها ثلث عُشر عُشرها؛ لأنَّ في كل أصبع ثلاث أنامل . ١٠ - أما السن: ففيه خمس من الإبل؛ سواء أكان سنًّا، أم ضرسًا، أو نابًا، وهي نصف عشر الدية . ومجموع الأسنان: اثنان وثلاثون، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وعشرون ضرسًا، في كل جانب عشرة: خمسة من أعلى، وخمسة تحتها؛ فتکون دیتها كلها مائة وستين بعيرًا . ١١- إذا قتل الرجل المرأة عمدًا وعدوانًا، قُتِل قِصَاصًا بها، ولا يضر نقص ديتها عنه، فهي مكافئة له من حيث حرمة الدم. ١٢ - أما قدر الدية بالذَّهب: فألف دينار، ويكون قدره بالغرام أربعة آلاف ومئتين وخمسين غرامًا . ١٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٢٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ الله عَنهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَىاللّه وسلم قَالَ: ((دِيَةُ الخَطَأٍ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ. وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ)). أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ بلَفْظِ : ((وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ))، بدل: ((بَنِّي لَبُونٍ». وَإِسْنَادُ الأَوَّل أَقْوَى، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِن المَرْفُوعِ(١). وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالتِّزَمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: ((الدِّيَةُ ثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا))(٢). * درجة الحديثين: هذان حديثان: أحدهما: حديث ابن مسعود والثاني حديث عمرو بن شعیب . أما حديث ابن مسعود: فقال المصنف عنه ما يلي : (١) الدارقطني (٣٣٣٢) أبو داود (٤٥٤٥)، الترمذي (١٣٨٦)، النسائي (٤٨٠٢)، ابن ماجه (٢٦٣١)، ابن أبي شيبة (٩/ ١٣٤). (٢) أبوداود (٤٥٤١)، الترمذي (١٣٨٧). ١٣٥ كتاب الجنايات - باب الديات أخرجه الدار قطني، وسكت عنه . وأما رواية الأربعة فهي بلفظ: ((وعشرون بني مخاض))، بدل: ((بني لبون)»، وللكن إسناد الأول أقوى من إسناد رواية الأربعة، فإنَّ في رواية الأربعة خشف بن مالك الطائي، قال الدار قطني: إنَّه رجل مجهول، وفيه أيضًا الحجاج بن أرطأة. اهـ. قال في ((التلخيص)) عن هذا الحديث : ((حديث ابن مسعود)): رواه أحمد وأصحاب السنن والدار قطني والبيهقي مرفوعًا. ورواه الدار قطني موقوفًا من طريق أبي عبيدة عن أبيه، وقال: هذا إسناد حسن، وضعَّف الأول من وجوه عديدة، وقوى رواية أبي عبيدة. أما حديث عمرو بن شعيب: فرواه الخمسة إلاَّ الترمذي، وسكت عنه أبوداود، لكن قال المنذري: في إسناده عمرو بن شعيب، أما من دون عمرو ابن شعيب فهم ثقات، إلاَّ محمَّد بن راشد المكحولي، وقد وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وضعَّفه ابن حبان، وأبوزرعة، قال الدارقطني: حديث ضعيف، غير ثابت عن أهل المعرفة بالحديث، وقد ضعَّفه البيهقي، والمنذري. قال الخطابي: لا أعرف أحدًا قال به من الفقهاء. : مفردات الحديث: - الخَطَأ: يقال: خطىء الرجل يخطأ خطأً: ضد أصاب، والخطأ ضد الصواب، والمراد هنا: أن يفعل المكلف ما له فعله، فيصيب آدميًّا معصومًا، لم يقصده بالفعل، فيقتله، وكذا عمد الصبي، والمجنون يعد خطأ . - حقَّة : - بكسر الحاء وتشديد القاف، ثم تاء التأنيث -: هي من الإبل ما دخلت في السنة الرابعة، سمِّيت بذلك؛ لأنَّها استحقت الركوب؛ والحمل. - جذعة : - بفتحات -: هي ما دخلت في السنة الخامسة، سميت بذلك؛ لأنَّها أسقطت مقدم أسنانها . ١٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - مخاض: هي التي أتى عليها الحول من الإبل، ودخلت في السنة الثانية، فأمها غالبًا ماخض : أي حامل. - لبون: ما أتى عليه سنتان، ودخل في الثالثة، فصارت أمه غالبًا، ذات لبن؛ لأنَّها حملت، ووضعت بعده. - خَلِفة : - بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام، بعدها فاء -: وهي الحامل، ولذا جاء في رواية ابن ماجه: ((في بطونها أولادها))، وتُجمع الخَلِفة على: خَلِفَات. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تقدم أنَّ الصحيح هو أنَّ الأصل في الدية هي الإبل، وأنَّ الأجناس الباقية هي أبدال؛ ذلك أنَّ الإبل هي التي يدخلها التغليظ، والتخفيف. ٢- هذا الحديث أفاد أنَّ دية قتل الخطأ دية مخففة، فهي تقسم أخماسًا: عشرون حِقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مَخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون، وهذا التحديد هو مذهب الأئمة الأربعة، وجمهور السلف، إلاَّ أنَّهم اختلفوا في الخامس: فقال أبو حنيفة: ((إنَّه بنو مخاض))، وقال الآخرون: ((هو بنو لبون))، وإسناد الدار قطني أقوى، وفيه ((بنو لبون)) فهو أرجح. قال ابن حجر: وإسناد هذا الحديث أقوى من الروايات الأخر، فهو أصل في تعيين أسنان إبل الدية. ٣- أما رواية أبي داود والنسائي عن عمرو بن شعيب: ((الدية ثلاثون حِقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة، في بطونها أولادها». فقد أخذ بها جماعة من السلف، منهم: عطاء، ومحمَّد بن الحسن، وروي عن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي موسى، والمغيرة، وهي رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو الخطاب، والموفق في العمدة، والزركشي. ٤- هذا التحديد في دية الخطأ، أما دية العمد وشبه العمد، فسيأتي الحديث ١٣٧ كتاب الجنايات - باب الديات رقم (١٠٢٦) في بيانها إن شاء الله تعالى. وعن الإمام رواية ثالثة: أنَّ دية الخطأ تقسم أرباعًا: خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقَّة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض، رواها عن الإمام أحمد الجماعة، واختارها الخرقي؛ لما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: ((كانت الدية على عهد رسول الله وَيُ أرباعًا: خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض)). وهو قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه . ** قرار هيئة كبار العلماء بشأن تحديد الديات : قرار رقم (٥٠) وتاريخ ١٣٩٦/٨/٣٠ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: أما بعد : ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة بمدينة الطائف، في شهر شعبان ١٣٩٦ هـ ؛ جرى الاطلاع على خطاب المقام السامي الوارد من سمو نائب رئيس مجلس الوزراء رقم (٣٣٨٦٧) في ١٣٩٥/١٢/١ هـ، المتضمن الموافقة على ما اقترح من إعادة النظر في تقويم دية النفس، على ضوء تغير أقيام الإبل، التي هي الأصل في الدية، بما يكون محققًا للعدل والإنصاف. فقد قامت الهيئة ببحث المسألة على ضوء النصوص الواردة في أصول الدية، وحيث إنَّه لا يعلم خلاف بين العلماء في أنَّ الإبل أصل في الدية، وإنَّ ديَّة الحر المسلم مائة من الإبل، وبما أنَّ الراجح من أقوال أهل العلم أنَّ الأصل في الدية هو الإبل، وما سواها من الأنواع فهو من باب القيمة، كما هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد - رحمه الله - واختيار الخرقي، والموفق، وغيرهما ١٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام من علماء الحنابلة، وهو الراجح عند أئمة الدعوة - رحمهم الله - للأحاديث الواردة في ذلك منها: حديث عبدالله بن عمرو أنَّ رسول الله وَّةٍ قال: ((ألا إنَّ دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها))، وحديث عمرو بن حزم - رضي الله عنه - عن النبي وَّ أنَّه قال: ((وفي النفس مائة من الإبل))، وحديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله: ((دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون)). وروى أبوداود بإسناد جيد عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنَّه قال: ((في شبه العمد خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشورن بنات مخاض))، وهذه الأحاديث تدل على أنَّ الأصل في الديات هو الإبل، ولأنَّه ◌َُّ فرَّق بين دية العمد وشبهه، وبين دية الخطأ، فغلظ في الأول، وخفف في الثاني، ولا يتحقق التفريق المشار إليه في غير الإبل، ومن ذلك يتّضح رجحان القول بأنَّ الأصل في الدية هو الإبل خاصة وما عداها قيم، ويؤيده أنَّ دية ما دون النفس من الأعضاء، والأسنان، والكسور، إنما وردت في الأحاديث مقدرة بالإبل، وبناءً على هذا القول المختار، وهو أنَّ الأصل في الدية الإبل، وعلى أنَّه يجوز تقويمها؛ لما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّه قام خطيبًا فقال: ((إنَّ الإبل قد غلت، قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة)). وهذا يدل على أنَّ إيجاب عمر - رضي الله عنه - لِما سوى الإبل كان على سبيل التقويم؛ من أجل غلاء الإبل، ولو كانت الأنواع الأخرى أصولاً بنفسها، لم يكن إيجابها تقويمًا للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا --- ... ١٣٩ كتاب الجنايات - باب الديات كان لذكره معنى، وهذا التقويم يكون في كل زمان بحسبه، وحيث إنَّ تقدير الدية في عام (١٣٩٠ هـ) بأربعة وعشرين ألف ريال عربي سعودي، بالنسبة للخطأ، وسبعة وعشرين ألف ريال للعمد وشبهه، ومن قبل مجلس القضاء، بموجب قراره رقم (١٠٠) وتاريخ: ١٣٩٠/١١/٦ هـ، كان حسبما توصل إليه المجلس آنذاك من معرفة قيمة الوسط من أقيام الإبل التي هي الأصل في الدية، كما تقدم، ونظرًا لارتفاع أقيام الإبل ارتفاعًا شديدًا، بعد التاريخ المشار إليه، وحيث إنَّ سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، قد كتب إلى عدة محاكم في مناطق مختلفة من المملكة، يطلب تكليف اثنين أو ثلاثة من أهل الخبرة والأمانة، بالتعرف على القيمة المتوسطة للأنواع الواجبة في الدية من الإبل، ووردت إجابات هذه المحاكم بمضمون ما قرَّره أهل الخبرة في كل بلد عن متوسط القيمة، ونظرًا إلى اختلاف التقديرات الواردة من المحاكم، فقد قرر المجلس بأغلبية الحاضرين من أعضائه - الأخذ بأقلها تقديرًا؛ لأنَّه الأحوط، ولأنَّ الأصل براءة الذمة مما زاد على ذلك، ولأنَّ القاتل إذا أحضر مائة من الإبل من الأنواع المنصوص عليها، السالمة من العيوب، وجب على أولياء القتيل قبولها: ((في أي مكان كانوا، ولو كانت قيمتها في ذلك المكان أقل منها في مكان آخر)). وبحسب هذا التقدير المشار إليه، تكون دية العمد وشبهه ((خمسة وأربعين ألف ريال))، ودية الخطأ ((أربعين ألف ريال))، ويستمر العمل بموجب هذا التقدير ما لم تتغيَّر قيمة الإبل بزيادة كثيرة، أو نقص كبير يوجب إعادة النظر. والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء ١٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٢٥ - وَعَن ابْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ صلالله ـة وسلم ـييـ قَالَ: ((إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلاَثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذُحْلِ الجَاهِلِيَّةِ)». أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبََّنَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ(١)، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَاسٍ (٢) . * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال في ((التلخيص)): رواه أحمد، وابن حبان، من حديث عبدالله بن عمرو. ورواه الدارقطني، والطبراني، والحاكم، من حديث أبي شريح. ورواه الحاكم، والبيهقي من حديث عائشة . وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس مرفوعًا: ((أبغضُ الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرىء بغیر حق لیھرق دمه)) . * مفردات الحديث: - أَعْتَى: اسم تفضيل من: العُتُو، وهو التجبّر؛ أي: أطغاهم، وأشدهم تمردًا. - لذُحل : - بضم الذال، وسكون الحاء المهملة -: لعداوة الجاهلية وثأرها، جمعه : أذحال وذحول. - الجاهلية: يقال: جهل يجهل جهلاً وجهالة: ضد علم، والجاهلية: حالة الجهل، كما تطلق على ما قبل الإسلام. (١) ابن حبان (٣٤٠/١٣)، أحمد (١٧٩/٢، ١٨٧). (٢) البخاري (٦٨٨٢).