Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ كتاب الجنايات ١٠٠٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيِّنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ (١) . مفردات الحديث: - أول: مبتدأ، وخبره ((في الدماء))، ولا يعارضه حديث: ((أولُ ما يحاسب به العبد صلاته)) فالصلاة في حق الله، والدماء في حق العباد. * ما يؤخذ من الحديث: ١- في الحديث عظم شأن دم الإنسان؛ فإنَّه لم يُبدأ به يوم القيامة، إلاّ لكونه أهم وأعظم من غيره من أنواع مظالم العباد. قال ابن دقيق العيد: ((فيه تعظيم أمر الدماء؛ فإنَّ البداءة تكون بالأهم، وهي حقيقة بذلك؛ فإنَّ الذنوب تعظُم بحسب عِظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أهم المفاسد ، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه)). ٢ - إثبات يوم القيامة والحساب والقضاء والجزاء فيه. ٣- هذا الحديث لا ينافي ما أخرجه أصحاب السنن، عن أبي هريرة، عن النبي وَلَى: ((أول ما يحاسب به العبد صلاته))؛ لأنَّ حديث الباب فيما بين العبد وبين غيره من الخلق، وحديث الصلاة فيما يتعلّق بحقوق الخالق. ولا شكَّ أنَّ أعظم حقوق الناس هي الدماء، وأنَّ أعظم حقوق الله على المسلم الصلاة . (١) البخاري (٦٥٣٣)، مسلم (١٦٧٨). ٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤- في الحديث وجوب الحذر من حقوق العباد؛ لئلا تلحق المسلم عاقبتها في ذلك الموقف العظيم، وأعظم الحقوق الدماء. ٥- أنَّه على القضاة والمحاكم العناية بأمر قضايا القتل، وجعل الأهمية لها، والأولوية على غيرها من القضايا. وهكذا محاكم المملكة العربية السعودية، أيَّدها الله تعالى؛ فإنَّ قضايا القتل، والرجم، والقطع، لا تنفذ حتى تمر على ثلاث هيئات قضائية: الهيئة الأولى تتكوّن من ثلاثة قضاة، ينظرون في هذه الدعاوى، ويحكمون فيها، فإذا حكموا نظرها خمسة قضاة من محكمة التمييز، فإذا وافقوا نُظِرَتْ من الهيئة القضائية العليا، وكل هذا عنايةً بهذه القضايا، واهتمامًا بشأنها . ٨٣ كتاب الجنايات ١٠١٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَهُ، وَمَنْ جَدَعَ عِبْدَهُ جَدَعْنَاهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لأَّبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ بِزِيَادَةِ: ((وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ)). وَصَخَّحَ الحَاكِمُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ(١). * درجة الحديث: الحديث ضعيف . قال المؤلف: رواه الإمام أحمد، والأربعة، وحسَّنه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، وقد اختلف في سماعه منه على ثلاثة أقوال: قال ابن معين: لم يسمع الحسن منه شيئًا، وقيل: سمع منه حديث العقيقة فقط، وأثبت ابن المديني سماع الحسن من سمرة، وعلى الرأي الأخير، فالحديث صحيح، وعلى الرأيين: الأول والثاني، فهو منقطع، للكن جاء في رواية أحمدعن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: ولم يسمع منه، فهو منقطع ، وفي الباب أحاديث أخر، لا تقوم بها حجة. أما زيادة أبي داود، والنسائي، فقد صحَّحها الحاكم، ووافقه الذَّهبي. * مفردات الحديث: - جَدَعَ: الجَدْعُ: هو قَطْعُ الأنف، أو الأُذُنِ، أو الشَّفَةِ، وهو بالأنف أخص، (١) أحمد (١٠/٥) أبوداود (٤٥١٥)، الترمذي (١٤١٤)، النسائي (٢١/٨)، ابن ماجه (٢٦٦٣)، الحاكم (٤/ ٣٦٧). ٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فإن أُطْلِقَ فعليه . - مَنْ خَصَى: الخِضْية هي: البيضة من أعضاء التناسل، وهما خِصْيتان، وَخَصَاه: سلَّ خِصْيتيه، ونزعهما من الصنفتين ، أو جَبَّهما. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث فيه إثبات القصاص في الجنايات، وأنَّ من قَتَلَ عمدًا، أو من أتلف طرفًا، أو عضوًا من إنسان؛ كأنفه، أو خصيته عمدًا - اقتُصَّ منه بمثل ذلك الطرف، وهذا من القصاص الذي جاء مُصَرَّحًا به في قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ٢ - الحديث دلَّ على ثبوت القصاص بين السيد وعبده؛ وهي مسألة اختلف العلماء فيها : فذهب أبو حنيفة إلى: أنَّ الحريقتص بالعبد؛ سواء كان نفسًا، أو طرفًا، إذا أمن الحيف؛ لعموم آية القصاص، إلاَّ أنَّه إذا كان سیده، فلا یقاد به. قال الصنعاني: ((وفي الباب أحاديث لا تقوم بها حجة)). وذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّه لا يقاد حر بعبد مطلقًا؛ مستدلين بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْخُرُ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فإنَّ تعريف المبتدأ يفيد الحصر، وأنَّه لا يقتل الحر بغير الحر، أما آية المائدة: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فإنَّها مطلقة، وآية البقرة مقيِّدة لها ومبيِّنة، وآية المائدة سيقت لبيان شريعة أهل الكتاب، التي جاءت هذه الشريعة بعدها بالتخفيف، والرحمة عنها . ٣- فيه ثبوت القصاص في الأطراف، قال شيخ الإسلام: ((القصاص في الجراح ثابت: بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعلماء قيّدوا جواز القصاص بما دون النفس بثلاثة شروط : الأول: الأمن من الحيف؛ وذلك بأن يكون القطع من مفصل، أو له حد ینتهي إليه . ٨٥ كتاب الجنايات الثاني: تماثل العضوين في الاسم والموضع. الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال)). ٤- الحديث من رواية الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، وهو مختلف في سماعه منه، وعلى هذا فالحديث منقطع، وعلى فرض صحته يمكن حمله على قتل السيد الطاغي المستبد؛ تعزيرًا من ولي الأمر، ولذا قال: ((قتلناه ... )) إلخ. ٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠١١ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لاَ يُقَادُ الْوَالِدِ بِالْوَلَدِ)) رَوَاهُ أَحمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ، وَالبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ((إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ(١)). * درجة الحديث: الحديث صحيح بطرقه المتعددة المتصلة، عن ابن عباس، وسراقة. وحديث عمر الذي معنا في إسناده: الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس، وله طرق أخر عند أحمد، وطرق أخر عند الدارقطني والبيهقي أصح منها، وصحح البيهقي سنده؛ لأنَّ رواته ثقات، ورواه الترمذي من حديث سراقة، وإسناده ضعيف، وفيه اضطراب واختلاف على عمرو بن شعيب، وفيه ابن لهيعة، وهو سيء الحفظ، ورواه الترمذي من حديث ابن عباس، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. قال عبدالحق: ((هذه الأحاديث كلها معلولة، ولا يصح منها شيء. وقال البيهقي: ((طرق هذا الحديث منقطعة)). وقال الألباني: ((وطرق الحديث تدل بمجموعها على أنَّ الحديث صحيح ثابت)). * مفردات الحديث: - لا يُقاد: يقال: قاد الأمير القاتل بالمقتول: قتله به قَودًا، والقود لغة: القصاصُ، وقَتْلُ القاتل بدل القتيل، وسُمِّي قودًا؛ لأنَّه يُقاد عند تنفيذ (١) أحمد (٢٢/١) الترمذي (١٤٠٠)، ابن ماجه (٢٦٦٢)، ابن الجارود (٧٨٨)، البيهقي (٣٨/٨). ٨٧ كتاب الجنايات القصاص فيه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ الوالد لا يقاد بولده؛ ذلك أنَّ الولد جزء من والده، وولد ولده وإن نزلوا من أولاد البنين والبنات، والأم والأب في هذا سواء، وكذا الأجداد وإن علوا، والجدات وإن علون من الأب، والأم في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب. ٢ - هذا مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وقال به عمر ابن الخطاب، وربيعة الرأي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق. ٣- أما الإمام مالك فيقول: إنْ أضجعه، وذبحه أقيد به، وإلاّ لم يقد به . ٤- دليل الجمهور: هذا الحديث ؛ قال ابن عبدالبر: ((هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يُسْتَغْنى بشهرته، وقبوله، والعمل به، عن الإسناد فيه، حتى يكون الإسناد فيه مع شهرته تكلفًا)). ٥ - أما الولد فيقتص منه لوالده؛ سواء أكان أبًا أم أمَّا، إذا قتله طبقًا للنصوص؛ لأنَّ النص الخاص لم يخرج من حكم النصوص، إلاَّ الوالد فقط. ٦- يعلل العلماء هذه التفرقة في الحكم بين الوالد والولد -: بأنَّ الحاجة إلى الزجر والردع في جانب الولد أشهر منها في جانب الوالد؛ لأنَّ الوالد يحب ولده لنفسه، دون أن ينتظر نفعًا منه، وإنَّما ليحيي ذكره، وهذا يقتضي والحرصَ على حياته، أما الولد فيحب والده لما يصل إليه من منفعة عن طريقه، وهذا لا يقتضي الحرص على حياة والده. ٧- إفراد عدم القصاص من الوالد بالولد - دليل على بقاء حكم القصاص فيما عداهما من الأقارب؛ وهذا مذهب جماهير العلماء. ٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠١٣- وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ الوَحْيِ غَيْرُ القُرآنِ؟ قَالَ: لاَ، وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ فَهْمٌ يُعْطِيَهِ اللهُ رَجُلاً فِي القُرآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافٍِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١). وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَقَالَ فِيهِ: ((المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَىْ بِذِمَّتِهِمْ أَذْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ)). وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(٢). * درجة الحديث: الحدیث صحیح . صدر الحديث في البخاري، فلا بحث فيه، بل آخره فيه البحث، وله عدَّة طرق، وأخرجه أحمد، وأبوداود، والنسائي، من طريق قتادة عن الحسن عنه، ورجاله ثقات، فهم رجال الصحیحین. وقد صحَّحه الحاكم، وقال: ((إنَّه على شرط الشيخين))، ووافقه ابن عبد الهادي في ((المحرر))، فقال: ((رجاله رجال الصحيحين))، وحسّنه المصنف في الفتح. (١) البخاري (١١١). (٢) أحمد (١٢٢/١)، أبو داود (٤٥٣٠)، النسائي (١٩/٨)، الحاكم (١٥٣/٢). ٨٩ كتاب الجنايات * مفردات الحدیث: - فَلق الحبة: الفلْق هو الشق، والحب ما يكون في السنبل. - بَرَأْ النَّسَمَة: بفتح الباء والراء أي: خلق، والنسمة الخلق وهي كل كائن حي فیه روح . - فَهْمٌ: قال الجوهري: ((فهمت الشيء فهمًا علمته، وفلان فهيم، وتفهم الكلام إذا فهمه شيئًا بعد شيء، والفهم: جَوْدة استعداد الذُّهن للاستنباط، وحسن تصور المعنى، جمعه: أفهام وفهوم)) . - الصحيفة: بوزن فضيلة، هي ما يكتب فيه من ورق ونحوه، والمراد هنا: الورقة المكتوبة. - العقل: بفتح العين، وسكون القاف، هي الدية، والمراد هنا تفصيل أحكامها، وسميت الدية: عقلاً؛ لأنَّ أولياء القاتل كانوا يعطون أولياء المقتول الدية من الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل. - فِكَاك الأسير: بكسر الفاء وفتحها: إطلاق أسره، وتخليصه من يد العدو. - الأسير: بوزن فعيل بمعنى مأسور؛ من أَسَره: إذا شدَّه بالإِسَار، ویسمی کل أخيذ أسيرًا، وإن لم يُشَدَّ ويربط . - تتكافأ دماؤهم: الكُفء: النظير والمساوي، والمراد هنا: تساوي دمائهم، وأنّه لا فرق بين شريف ووضيع في الدم؛ بخلاف ما كان عليه الجاهلية من المفاضلة، وعدم التساوي. - أدناهم: يعني: أقلهم قيمة في مجتمعهم، من: فقير، وضعيف، وامرأة، ونحوها؛ فإنه یسعی بذمتهم. - وهُم يدٌ على مَنْ سِوَاهُمْ: أي: هُم مجتمعون على أعدائهم، لا يسعهم التخاذل، بل يُعِين بعضهم بعضًا . ٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّه لا يقتل مسلم بكافر؛ فإنَّ الكافر غير مكافىء للمسلم؛ وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد. أما أبو حنيفة: فيرى قتل المسلم بالذمي؛ لأنَّ النصوص جاءت بعقوبة القصاص عامة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَنْلِى﴾ [البقرة: ١٧٨]، ويقول تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ. سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ فهذه النصوص عامة، لم تفصِّل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم، فمن ادَّعى التخصيص والتقييد، فهو يدعيه بلا دلیل. واستدل الجمهور: بحديث الباب، وبحديث: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم)) . وعن علي - رضي الله عنه -: ((من السنة ألا يقتل مؤمن مسلم بكافر)) [رواه أحمد] فهذه النصوص تخصص العمومات التي احتجَّ بها الحنفية. ولِفَقد الكفاءة بين المسلم والكافر؛ فإنَّها شرط في وجوب القصاص، فالكفر نقصان، فإذا وُجد امتنعت المساواة، فامتنع وجوب القصاص، والأصل في الكفر أنَّه مبيح للدم، ولكن عقد الذمة منع الإباحة. ٢ - أما الكافر فيقتل بالمسلم بإجماع العلماء؛ لما في الصحيح: ((أنَّ النَّبِيَّ نَّ قَتَل يهوديًّا رَضَح رأس جارية من الأنصار))، ولأنَّ المسلم أعلى رتبة بإسلامه من الكافر . ٣- ويدل الحديث على تحريم قتل المُعَاهَدِ، ما دام متمسّكًا بعهده مع المسلمين؛ فقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ نَيه قال: ((من قَتَلَ معاهدًا، لم يُرَحْ رائحة الجنة)). وعند أبي حنيفة: يقاد المسلم بالمعاهد؛ خلافًا للأئمة الثلاثة. ٩١ كتاب الجنايات والمعاهد: هو الكافر يعقد أمانًا يدخل به بلاد المسلمين، فهو في أمان المسلمين، حتى يعود إلى بلاده. أما فِكاك الأسير: فهو تخليص الأسير المسلم من يد العدو، وهو من أفضل القُرَب، ويجوز فكاكه، ولو من الزكاة، قال تعالى: ﴿ وَفِى الْرِقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ٤- أما قوله: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم)) فمعناه: أنَّ دماء المؤمنين والمسلمين تتساوى في الدية والقصاص، فليس أحد أفضل من أحد، لا في الأنساب، ولا في الأعراق، ولا في المذاهب، فهم أمام هذا الحق والواجب سواء. ٥- أما قوله: ((ويسعىُ بذمتهم أدناهم)) فيعني: أنَّ المسلم الواحد إذا أمَّن كافرًا، صار أمانه ساريًا على عموم المسلمين، فيجب احترام أمانه، ولا يحل هتك عهده وعقده، لقوله وَله: ((قد أمَّنا من أَمَّنت يا أم هانىء)). ٦ - أما قوله: ((وهم يد على من سواهم)) فيعني أنَّ كلمة المسلمين واحدة، وأمرهم ضد أعدائهم واحد، فلا يتفرقون ولا يتخاذلون، وإنما هم عصبة واحدة، وأمرهم واحد على الأعداء؛ قال تعالى: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ [الأنفال: ٤٦ ]. وتذهب ريحكم فهذه الأحكام الظاهرة الواضحة التي عليها عموم أهل السنة - هي في الصحيفة التي يحملها علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه. أما أكاذيب الرافضة، ومزاعمهم الباطلة التي لا يرضاها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من أنَّ النَّبيَّ وَيِّ أعطى عليًّا صحيفة، طولها سبعون ذراعًا بذراع الرسول، وأملاه من فلق فيه، وخط على يمينه، فيها ألف باب، يفتح في كل باب ألف باب، فيها كل حلال وحرام. وكذلك ما زعموه من إعطاء علي الجَفْرَ، ومعارف آدم، وعلم البيتين، ٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والوصيين، وعلم الأولين والآخرين. وعندهم من ميراث النبوة مصحف فاطمة، فيه قدر المصحف الذي عند المسلمين ثلاث مرات، إلى غير ذلك فهي من السخافات، والخرافات، والأباطيل، التي بَنَتِ الرافضة عليها عقائدهم الفاسدة. فعلي - رضي الله عنه - وعن أهل بيته الطيبين الأطهار، أشرف وأجلُّ من أن ينسبوا لأنفسهم هذه الأكاذيب على الله وعلى رسوله، وأن يزعموا التحدث عن الغيب، وإخفاء شيء من القرآن، وغير ذلك من عقائد الرافضة، التي شطُّوا في نسبتها، فشوَّهوا بها الإسلام؛ لأنَّهم زعموا أمام الأجانب عن الإسلام أنَّهم هم المسلمون، وأنَّ الإسلام ما افتروه، فشعائر الإسلام هي عباداتهم المحرفة، وأعماله هي صراخهم ولطمهم، وفواحشهم هي أحكامه، وأكاذيبهم هي حقائقه، فما أبعدهم عن الإسلام! ٧- النَّبيِ وَهَ بُعث إلى الناس، وأُمر بتبليغهم شرع الله وأحكامه، ولم تَخُصَّ رسالته أحدًا دون أحد، وحاشاه أن يبلِّغ أحدًا دون أحد، أو أن يكتم شيئًا ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ◌َزَّيٌِّ مما أرسله الله به؛ فقد قال تعالى: وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. ويقول وَل١٤: ((إِنَّما أنا قاسم، والله هو المعطي))؛ ومن الإعطاء أن يرزق الله بعض عباده فَهْمًا وإدراكًا في معاني كتابه، ومعاني سنة رسول الله وَّل، فيفتح الله له بابًا من أبواب العلم، كما قال ذلك الإمام علي رضي الله عنه. ٩٣ كتاب الجنايات ١٠١٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيِّنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلاَزٌ؟ فُلاَنٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيِّنَ حَجَرَيْنٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمِ(١). * مفردات الحديث: - جارية: الجارية الأمة؛ سواء كانت شابة أو عجوزًا، وهذه فتاة من الأنصار؛ کما صرّح به في رواية أبي داود. - رُضَّ رَأسها: بضم الراء، وتشديد الضاد المعجمة، يقال: رضضت الشيء رضًا، فهو رضيض ومرضوض، قال ابن الأثير: ((الرضّ، الدق؛ أي: دق رأسها بین حجرین)). - فُلان؟ فلان؟: بحذف همزة الاستفهام، التي يقصد بها الاستخبار، وفلان وفلانة بغير ألف ولام، كناية عن الأناسي، وأما إذا كان بألف ولام، فكناية عن البهائم، تقول: ركبتُ الفلان، وحلبتُ الفلانة. - أومأت برأسها: أشارت برأسها عند ذكر اسم قاتِلها؛ لأنَّها لا تقدر على الكلام . - فأومأت: يقال: أومأت إليه، ولا يقال: أوميت، وهو معتل الفاء، مهموز اللام . (١) البخاري (٢٤١٣)، مسلم (١٦٧٢). ٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أصل حكم القصاص بالنفس في قتل العمد العدوان. ٢- ويدل على أنَّ الرجل يقاد بالمرأة، وبالعكس من باب أولى. ٣- ويدل على طمع اليهود وجشعهم؛ فإنَّ القاتل إنما قتل من أجل ((أَوْضَاح لها»؛ کما في إحدى روايات الحديث. ٤- ويدل على قسوتهم وخبثهم وخيانتهم؛ فإنَّ هذا المعاهَد يستطيع استلاب الأوضاح بلا هذه القتلة الشنيعة، للكن لؤمه وضغينته على المسلمين حَمَله على هذا المنكر. ٥- استدل بالحديث على حكم قتل الغيلة؛ فإنَّ النَّبيَّ وَل قتل اليهودي بلا طلب من أولياء الجارية، ويأتي إن شاء الله. ٦- ويدل على أنَّ القاتل يقتل بمثل ما قتل به؛ مُثَقَّلاً كان، أو محدَّدًا، وقد اختلف العلماء في ذلك : فذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، واختاره شيخ الإسلام إلى: أنَّ الجاني يقتل بمثل ما قتل به، إن كان مثقلاً، فيقتل بمثقل، وإن كان محددًا فبمثله . -- -- 1 ------- -- واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمبِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وعملاً بهذا الحديث الصريح الصحيح، وهو رواية في مذهب أحمد . وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه إلى: أنَّه لا يجوز أن يستوفى قصاص إلاَّ بآلة ماضية؛ كسيف وسكين؛ لما جاء في صحيح مسلم (١٩٥٥): ((إِذا قتلتم فأحسِنُوا القتلة، وليُحدّ أحدُكم شفرته)). - ------- ٩٥ = ( كتاب الجنايات ١٠١٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ غُلاَمًا لأُنَاسِ فُقَرَاءَ، قَطَعَ أُذُنَ غُلام لأُنَاسِ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا النَّبِيَّ ◌َ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلاثَةُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١). * درجة الحديث: الحديث صحيح. قال المصنف: رواه أحمد، والثلاثة، بإسنادٍ صحيح. وقال ابن عبدالهادي في ((المحرر)): ((رجاله ثقات، فهم رجال الصحيحين، وحسّنه الحافظ في الفتح، وسكت عنه المنذري)). * مايؤخذ من الحديث: ١ - أحسن ما يحمل عليه هذا الحديث: أنَّ الغلام الجاني صغير دون البلوغ. ٢ - الغلام لغة: الابن دون البلوغ، ولفظ الشارع: ((يا غلام سمِّ الله))، وهو في هذه الجِناية دون البلوغ، فلا يجب عليه قصاص؛ لأنَّ عمد الصبي حكمه حكم الخطأ، بإجماع العلماء. ٣- ولم يجب على عاقلته دية؛ لأنَّهم فقراء ، والدية لا تجب على العاقلة، إلاَّ إذا كانوا أغنياء، وهذا أحسن محامل هذا الحديث، وهو موافق لألفاظه، ولعلَّ النبي ◌َِّ ودَاهُ من بيت المال. ٤ - قال شيخ الإسلام: ((لا قصاص بين الصبيان والمجانين، وكل من زال عقله بسبب يعذر فيه، وليس في ذلك إلزام الدية)) . وقال الموفق: ((لاخلاف بين أهل العلم في أنَّه لا قصاص على صبي، (١) أحمد (٤٣٨/٤)، أبوداود (٤٥٩٠)، النسائي (٢٥/٨)، ولم يروه الترمذي. ٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولا مجنون، وكذلك كل من زال عقله بسبب يُعذر فيه؛ كالنائم، والمغمى علیه، ونحوهما)). ٥ - قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: ((الواجب في بيت مال المسلمين: أولاً: إذا مات مسلم وعليه دين، فعلى ولي الأمر قضاؤه. الثانية: إذا جنى إنسان على آخر فقتله، وكانت الجناية خطأ، أو شبه عمد، ولم يكن قاتله موسرًا - فديته في بيت المال. الثالثة: إذا حكم القاضي بالقسامة في قضية، فَنكل الورثة عن الأيمان، ولم يرضوا بيمين المدَّعى عليه. الرابعة: إذا وُجِدَ مقتول مجهولٌ قاتله؛ كمن قُتِلَ في زحمة طواف ونحوه)). * قرار هيئة كبار العماء بشأن استعمال المخدر في القصاص : قرار رقم (١٩١) بتاريخ ١٤١٩/١٠/٢٧هـ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، وبعد : فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الخمسين، المنعقدة في مدينة الرياض، ابتداءً من تاريخ ١٤١٩/١٠/٢٠ هـ، اطّلع على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء رقم (٣٥/٤م) بتاريخ ١٤١٩/٢/٢٨هـ ، حول حكم استعمال البنج في تنفيذ القصاص فيما دون النفس لضمان عدم التجاوز، وقد جاء فيه ما نصه: ((نبعث لسماحتكم نسخة من برقية سمو وزير الداخلية رقم (١٦/ ٥٩٨٦١) بتاريخ ١٤١٨/٨/٢٧ هـ، ومشفوعاتها، بشأن مسألة تنفيذ القصاص فيما دون النفس، التي صدر فيها قرار الهيئة القضائية العليا رقم (٨٢) في ١٣٩٣/٣/١٤ هـ، المتضمن أنَّ الهيئة القضائية لا ترى أن يتم القصاص تحت تأثير مخدر ((البنج))، ولو كان موضعيًّا؛ لأنَّه لا يحصل باستيفاء القصاص مع المخدِّر (البنج) التشفِّي للمجني عليه من الجاني، فتفوت حكمة القصاص؛ -- -- -- ٩٧ كتاب الجنايات لفوات إحساس الجاني المقتص منه بالآلام، التي أحسَّ بها المجني عليه عند وقوع الجِناية، كما صدر الأمر رقم (١٦٤٨٥) في ١/ ١٤١٥/١١ هـ، المبني على قرار مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة رقم (٣/٤٥٥) في ١٢ / ١٠/ ١٤١٥ هـ؛ بأنَّه ينبغي انفاذ القصاص بواسطة مختص، يؤمن من جانبه الحيف من أهل الطب، أما إنفاذ الحدود كقطع اليد والرِّجل، فقد سبق أن صدر قرار مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة رقم: (٢٠/٥/١٤٥) في ١٤٠٦/٦/٧ هـ المتضمن أنَّه لم يظهر للمجلس ما يمنع من استعمال البنج عند قطع اليد والرجل في الحدود، وهذا ما يخص القطع بالحدود (الحق العام)، وأنَّ سمو أمير منطقة الرياض أشار إلى أنَّ الوضع يتطلّب استصدار فتوى بإجازة استعمال البنج بالقطع بالقصاص، أسوةً بالحدود، لضمان عدم التجاوز، وإنفاذًا للأمر رقم (١٦٤٨٥) في ١٤١٥/١١/١ هـ المشار إليه من إجراء القطع من قبل أهل الطب، وهم لا ينفذون العمليات، إلاَّ تحت تأثير البنج، ويرى سمو وزير الداخلية تأييدًا لما رآه سمو أمير منطقة الرياض، إحالة الأمر لمجلس هيئة كبار العلماء لإصدار فتوى بذلك، ونرغب إليكم أن يدرس مجلس هيئة كبار العلماء الموضوع، ويصدر فتوى بشأنه، فأكملوا ما يلزم بموجبه)) اهـ. وقد اطّلع المجلس على البحث المعد في ذلك، وبعد الدراسة والمناقشة، وتداول الرأي، قرَّر المجلس بالأكثرية: جواز استعمال المخدر ((البنج)) عند القصاص فيما دون النفس، إذا وافق صاحب الحق، وهو ((المجني عليه))، وبالله التوفيق . وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وآله وصحبه . هيئة كبار العلماء ٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠١٥ - وَعنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: ((حَتَّى تَبْرَأَ»، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرَجْتُ، فَقَالَ: ((قَدْ نَهَيْئُكَ، فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ))، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهُ وَهُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأْ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه أحمد عن ابن إسحاق، والدارقطني عن ابن جريج، كلاهما عن عمرو بن شعيب به، ورجاله ثقات، غير أنَّ ابن إسحاق وابن جريج مدلسان، ولم يصرحا بالتحديث ، لكن للحديث شواهد یتقوى بها. قال ابن التركماني: هذا أمر قد روي من عدَّة طرق، يشد بعضها بعضًا، قلتُ: فهو صحيح لغيره. * مفردات الحديث: --- - قَرْن: بفتح القاف، وسكون الراء، آخره نون: مادة صلبة ناتئة بجوار الأذن، تكون في رؤوس البقر والغنم ونحوها، وفي كل رأس قرنان غالبًا . - رُكْبته: بضم الراء، وسكون الكاف: موصل أسفل الفخذ بأعلى الساق، (١) أحمد (٢١٧/٢)، الدار قطنى (٨٨/٣). -- - -- ٩٩ كتاب الجنايات جمعه: رُکب. - أَقِدني: بفتح الهمزة، وكسر القاف، ثم دال مهملة، ثم نون الوقاية، وياء المتكلم، من القود، يريد: الاقتصاص من الذي جنى عليه . - عَرجْت: عرج مبني للفاعل، أي: غمز في رجله، لعلة طارئة، فهو أعرج، وهي عرجاء، جمعه : عُرج. - بَطَل عرَجُك: بطل فعل ماض، وعرجك فاعل مرفوع؛ أي: بطل ما كان له من دية جرحك بتعجلك بالقصاص. - أن يُقتص: مبني للمجهول، من القصاص - بكسر القاف - من: اقتصاص الأثر، وهو تتبعه؛ لأنَّ الذي يطلب القصاص يتتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها، فهو مقاصة ولي القتيل القاتل، والمجروح الجارح. -جُرح: بضم الجيم المهملة، شق في بدنه، فهو جریح، جمعه: جرحى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يحرم أن يقتص من عضوقبل برئه. وهذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، كما لا تطلب له دية قبل برئه؛ وذلك لاحتمال السراية . ٢- فإن حتم المجني عليه على طلب المبادرة بالقود - كما في هذا الحديث - فسرايتها بعد القصاص، أو أخذ الدية هدر، والدليل على تحريم القصاص المعجل، أو الدية، ثم هدَر السراية - هذا الحديث. ٣- الحكمة في هذا: أنَّ الجرح ما دام طريًّا لم يبرأ؛ فإنَّ فيه احتمالاً أن تكون له سراية ومضاعفات، فالواجب الصبر حتى يتم شفاؤه، ثم يقتص له، أو تؤخذ له الدیة . ٤ - ذهب الإمام الشافعي إلى: أنَّه لا يحرم طلب القصاص، أو الدية قبل البرء، وهو رواية لأحمد، خرَّجها في ((المغني)) و((الشرح الكبير))، واستدلوا بههذا ١٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الحديث الذي فيه أنَّ النَّبيَّ لّ مكَّنه من طلب القصاص فيه. وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، إلى: أنَّه يحرم أن يقتص من الطرف قبل برئه، وهو قول أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وإسحاق . قال ابن المنذر: (( هو قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم)). ٥ - أما إذا انتظر المجني عليه حتى يبرأ جرحه، ثم سرت الجناية، فإذا كانت الجناية مما لا يقتص فيها، ولا في سرايتها، ففيها الدية، أو الأرش، باتفاق العلماء، وإن كانت الجناية مما يقتص فيها، فيرى الإمام مالك والشافعي: أنَّ القصاص في الجناية فقط ، لا فيما سرت إليه. وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ القصاص في الجناية، وسرايتها . قال في ((نيل المآرب)): ((وسراية الجناية مضمونة في النفس وما دونها، فلو قطع إصبعًا، فتآكلت أخرى، أو تآكلت اليد، وسقطت من مفصل، أو مات، ضمن الجاني ذلك بقود، أو دية)). ٦ - وفيه: دليل على أنَّ الحكم الذي لا يعود ضرره إلاّ على صاحبه، وأصرّ على الحكم، فإنَّه يجاب إلى ذلك، بعد أن يبيِّن له عاقبة أمره، وضرره الذي سینجم عنه . ٧- وفيه: أنَّ اتباع الشرع هو الخير والبركة في الحال والمآل، وأنَّ مخالفته شئٍ حاضرًا، ومستقبلاً. ٨- وفيه: أنَّ تبيين غلط المستعجل في الأمور لا يعد شماتة فيه، إذا قيل له ذُلك للاعتبار، والاتعاظ في المستقبل له، ولغيره.