Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب النكاح - باب النفقات
أما اختلافهم :
فإن أباحنيفة: يرى أن عدم سقوط نفقة الزوجة بمضي الزمن هو إذا حكم
بوجوبها حاكم؛ لأنها تصير دَيْنًا بحكم القاضي فلا تسقط، أما بدون حكم فإنها
تسقط بمضي الزمن؛ كنفقة القريب .
وذهب الشافعي إلى : أن نفقة القريب لا تسقط في حالات هي:
١ - أن يأذن لأحد في الإنفاق على قريبه، فإذا أذن، وتم الإنفاق فعلاً، وجبت
على الإذن، فلا تسقط .
٢- أن تكون نفقة القريب بفرض حاكم شرعي، فحكم الحاكم يصيّر النفقة دَيْنًا
في الذمة .
والمذاهب الثلاثة: الحنفية، والشافعية، والحنابلة، متقاربة في هذا
التفصيل .
قال شيخ الإسلام: ((ما علمت أحدًا من العلماء قال: إن نفقة القريب
تثبت في الذمة لما مضى من الزمان، إلاَّ إذا كان قد استدان عليه النفقة بإذن
حاکم)) .

٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَهُ : (لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إِلَّ مَا يُطِيْقُ)).
رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- طعامه وكسوته: يجوز أن تكون الإضافة فيهما إلى المفعول، ويجوز أن تكون
الإضافة إلى الفاعل، وعليه ظاهر حديث أبي ذر: ((من جعل الله أخاه تحت
يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الإسلام أجاز الرق في حالة ما إذا تقاتل المسلمون مع الكفار المعاندين،
واتَّخذ المسلمون منهم أسرى، وغنموا منهم نساءهم وأطفالهم، فالنساء
والذرية بمجرد السبي أرقاء، أما الأسرى فيخيَّر الإمام بين: الرق، والمَنّ،
والفداء، والقتل، بحسب المصلحة العامة .
٢ - ما عدا ما ذكر من الطرق من اتخاذ الرقيق، فالإسلام لا يقره، ولا يعترف به،
ويعتبر من استولى عليه بغير هذا الطريق ظلمًا واغتصابًا؛ لأنَّهم أحرار في
حكم الإسلام، وقد جاء في الحديث القدسي: ((أنا خصم من باع حرًّا،
فأکل ثمنه» .
٣- الإسلام لما اتخذ الرقيق بهذه الطريق المشروعة أكرمه، فأوجب نفقته
وكسوته ومسكنه على مولاه، كما نهى أن يكلف من العمل ما لا يطيق، بل
یعطی ما لا يشق عليه، وهو مجمع عليه .
(١) مسلم (١٦٦٢).

٤٣
كتاب النكاح - باب النفقات
=
٤ - لو ذهبنا نبيّن كيف عامل الإسلام الرقيق المعاملة الحسنة، لطال بنا البحث،
وللكن سيأتي طرف منه في (باب العتق)، إن شاء الله تعالى.
٥ - الحديث دليلٌ على وجوب نفقة المملوك وكسوته، وقد جاء في صحيح
مسلم أنَّ النَّبيَّ نَّهَ قال: ((هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛
فأطعموهم مما تأكلون، وأَلْبِسوهم مما تلبسون، ولا تكلّفوهم ما يغالبهم؛
فإن كلفتموهم، فأعينوهم)).

٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٩٢ - وَعَنْ حَكِيم بن مُعَاوِيَةَ القَشَيْرِيِّ، عَنْ أبْيْهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا - قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةٍ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: (( أَنْ
تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ ... )) الحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ
فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ بِرَقْمِ (٨٨٣)(١).
٩٩٣ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ فِي حَدِيثٍ
الحَجّ بِطُولِهِ، قَالَ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالمَعْرُوفِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(٢) .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على زوجها، قال تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّامُونَ
عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
٢- تقدم أنَّ نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار، وأنَّها لا تسقط بحال عند
جمهور العلماء .
٣- وفي الحديث رقم (٩٩٢) دليل على مشروعية مساواة الرجل زوجته بنفسه؛
فلا يستأثر عليها بشيء، وإنما تكون النفقة لها بحسب حاله من الغنى والفقر
والسلطة .
٤ - أما الحديث رقم (٩٩٣): فيدل على أنَّ نفقة الزوجة إنما تكون بالمعروف،
(١) أحمد (٤٤٧/٤)، أبوداود (٢١٤٢)، والنسائي في عشرة النساء (٢٨٩)، وابن ماجه
(١٨٥٠).
(٢) مسلم (١٢١٨).

٤٥
كتاب النكاح - باب النفقات
والمعروف معناه: العرف والعادة التي عليها الناس حسب زمانهم،
ومكانهم، وحالهم.
قال شيخ الإسلام: ((الصواب المقطوع به عند جمهور العلماء: أنَّ نفقة
الزوجة مرجعها إلى العرف، وليست مقدرةً بالشرع، بل تختلف باختلاف
أحوال البلاد، والأزمنة، وحال الزوجين؛ قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وقال ◌َ له: ((خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
٥- قال شارح الكتاب: ((قوله؛ ((المعروف)) إعلام بأنَّه لا يجب إلاَّ ما تعورف
عليه من إنفاق كلٍّ على قدر حاله؛ كما قال تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ،
وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنْهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنْهَا﴾ [الطلاق: ٧].
قال ابن القيم: ((وأما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب الله، ولا سنة
رسول الله، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم،
وإنما تجب النفقة بالمعروف)».
٦ - قال أصحابنا: ((ونفقة المطلقة الرجعية، وكسوتها، وسكناها ــ كالزوجة،
وأما المبانة بفسخ النكاح، فليس لها شيء من ذلك)).
قال الموفق: ((بإجماع العلماء)).
وقال ابن القيم: ((المطلقة المبانة لا نفقة لها بسنة رسول الله وَ لل الصحيحة
الموافقة لكتاب الله تعالى، وهي مقتضى القياس، ومذهب أهل الحديث)).
٧ - قال أصحابنا: ((وإن اختلف الزوجان في أخذ نفقة فقولها؛ لأنَّ الأصل عدم
ذلك)) .
وقال شيخ الإسلام: ((القول قول من يشهد له العرف)).
وقال ابن القيم: ((قول أهل المدينة أنَّه لا يقبل قول امرأة أنَّ زوجها لم
ينفق عليها ويكسوها فيما مضى، وهو الصواب، لتكذيب القرائن الظاهرة
لها، وهذا القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه)).

٤٦
(
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٩٤ - وَعَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرِو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: ((كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمَا أَن يُضَبِّعَ مَنْ يَقُوتُ)) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ((أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)) (١).
* درجة الحديث:
رواية النسائي رواها أيضًا أبوداود (١٦٩٢)، وفي سندها: وهب بن جابر.
قال الذهبي: ((لا يكاد يعرف)).
* مفردات الحديث:
- كفى بالمرء: ((كفى)) فعل ماض، والباء زائدة، و((المرء)) مفعول ((كفى))،
محله النصب، وللكن جر بالباء الزائدة.
- إثمًا: منصوب على التمييز.
- أن يضيّع: ((أن)) مصدرية، وهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر، هو فاعلُ
(كفى)).
- مَن يقوت: من: القوت، وجمعه: أقوات؛ وهو ما يقوم به بَدَنُ الإنسان من
الطعام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه: وجوب النفقة على من استرعاه الله شيئًا ذا روح وكبد رطبة، من زوجة،
وأولاد، وأقارب، وأرقَّاء، وحيوان.
٢- وفيه: تحريم منع أقوات هذه الرعية عنهم في غذائهم وطعامهم؛ فإنَّ الله
تعالى قد ابتلاه واختبره بجعلهم تحت يده، وأجری رزقهم على يديه .
(١) النسائي في عشرة النساء (٢٩٤)، مسلم (٩٩٦).

٤٧
كتاب النكاح - باب النفقات
٣- جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ ◌َّ قال: ((عُذِّبَتِ امرأة في
هرَّة حبَسَتْهَا حتى ماتَتْ جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا هيَ أرسلتها تأكل من
خشاش الأرض)».
فدلَّ على وجوب النفقة على الحيوان والمملوك؛ لأنَّ السبب في دخول
تلك المرأة النار ترك الهرّة بلا إنفاق عليها، وحبسها عن طلب القوت، وإذا
كان ثابتًا في الهرَّة التي لا تُمْلَك، فتُبُوته في الحيوانات التي تُملك أولى؛
وهذا مذهب جمهور العلماء.
٤- ومن حديث صاحبة الهرة يعلم جواز اتخاذ طيور الزينة من النغري،
والببغاء، ونحوهما في الأقفاص إذا كانت تُطْعَم وتسقى، ولا تعذب.
٥- سئل الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ عن جواز قتل الحيوانات التي لا
يستفاد منها رحمة بها؛ لئلا تتعرّض للأذية، وإراحتها من الأضرار التي قد
تتعرَّض لها. فقال رحمه الله: ((نخبركم بأنَّ قتل هذه الحيوانات المذكورة لا
يحل شرعًا؛ لما صرَّح به الفقهاء، قال في الإقناع وشرحه: والواجب القيام
بما يلزم لها من علف وغيره)) .

٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يَرْفَعُهُ فِي الحَامِلِ المُتَوَقَّى
عَنْهَا زَوْجُهَا قَالَ: ((لاَ نَفَقَةَ لَهَا)). أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
لَكِنْ قَالَ: ((المَحْفُوظُ وَقْفُهُ(١)). وَثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ فِي حَدِيثٍ فَاطِمَةَ
بِنْتِ قَيْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الزوجة إذا توفي عنها زوجها فلا نفقة، ولا سكنى لها من تَرِكَة زوجها، ولو
کانت حاملاً .
قال في الروض المربع: «لأنَّ المَال انتقل عن الزوج إلى الورثة، ولا حقَّ
لها على الورثة، فإن كانت حاملاً، فالنفقة لها من حصة الحمل من التركة،
إن كانت له تركة، وإن لم يكن له تركة، فنفقتها على وارث الجنين الموسر،
وإلى هذا ذهبت الشافعية، والحنابلة، وغيرهم.
وقالوا: لأنَّ الأصل براءة الذمة من النفقة، وأما وجوب التربص أربعة
أشهر وعشرًا، فلا يوجب النفقة)).
٢ - هذا الحكم يكون عند المشاحة، وإلاَّ فالمصاهرة والقرابة تدعو المؤمنين
إلى التسامح في مثل هذه الأمور.
والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَنسَوْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال
تعالى في الوصية بزوجة المتوفى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا
وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
(١) البيهقي (٤٣١/٧).
(٢) مسلم (١٤٨٠).

٤٩
كتاب النكاح - باب النفقات
٩٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ الشُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ،
تَقُولُ المَرْأَةُ: أَطْعِمْنِي، أَوْ طَلِّقْنِي)) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ(١).
٩٩٧ - وَعَنْ سَعِيدٍ بنِ المُسَيَّبِ - فِي الرَّجُلِ لاَ يَجِدُ مَا يُنْفِقُ
عَلَى أَهْلِهِ - قَالَ: ((يُفَرَّقُ بَيَّنَهُمَا)). أَخْرَجَهُ سَعِدُ بنُ مَنْصُورٍ، عَنْ
سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ:
سُنَّةٌ. وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيٌّ(٢).
* درجة الحديثين:
حديث أبي هريرة: رواه الدارقطني، من حديث حماد بن سلمة، عن
عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال الحافظ: إسناده حسن، لكن قوله: ((تقُولُ المرأة: أطعمني، أو
طلقني)) - موقوف على أبي هريرة، ورفعه خطأ؛ كما بينت ذلك رواية البخاري
(٥٣٥٥).
وأما حديث سعيد بن المسيب: فحديث مرسل صحيح.
قال المؤلف: هذا مرسل قوي؛ فمراسيل سعيد بن المسيب معمول بها؛
لما عرف من أنَّه لا يرسل إلاَّ عن ثقة، قال الشافعي: والذي يشبه أن يكون قول
سعيد: ((سُنة)): سُنة رسول الله وَله .
(١) الدراقطني (٢٩٧/٣).
(٢) سعيد بن منصور (٥٥/٢).

٥
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٩٨ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ
:
فِي رِجَالٍ غَابُوا عنْ نِسَائِهِمْ: أَن يَأْخُذُوهُم بِأَنْ يُنْفِقُوا، أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ
طَلَّقُوا، بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَهُوا)). أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ
حَسَنٍ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث إسناده حسن .
قال في ((التلخيص)): رواه الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن عبيدالله بن
عمر، عن نافع عن ابن عمر، ورواه ابن المنذر من طريق عبدالرزاق، عن
عبيدالله بن عمر به، وذكره أبوحاتم عن حماد بن سلمة، عن عبيدالله به)).
قال المؤلف: «أخرجه الشافعي، والبيهقي بإسنادٍ حسن)).
وقال ابن المنذر: ((ثبت ذلك عن عمر، ولذا احتج به أحمد)).
* مفردات الحديث:
- أُمراء: أي: قُواد الجيش.
- الأَجْنَاد: جمع جند، وهم الجيش.
- ما حبسوا: ((ما)) هنا مصدرية ظرفية؛ بمعنى: مدة حبسهم.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - الحديث رقم (٩٩٦) يدل على فضل الصدقة وفضل التصدق، وأنَّ يد
المعطي هي العليا على يد الآخذ حسًّا ومعنَى.
ويدل على خيرية هذه اليد، وصاحبها؛ وذلك بما أنفق من ماله، وبذل
(١) الشافعي (٦٥/٢)، البيهقي (٤٦٩/٧).

٥١
كتاب النكاح - باب النفقات
من إحسانه .
٢- ويدل على أنَّ الواجب على المُنفِق أن يبدأ بنفقات من يعول، فلا يذهب
ليتصدق على البعيدين، ويترك الأقربين، ممن يعولهم وينفق عليهم.
٣- ويدل على أنَّ نفقة الزوجة هي أوجب نفقة تجب عليه بعد النفقة على نفس؛
ذلك أنَّ الزوجة حبيسة عنده؛ كما قال ◌َّ: ((هنَّ عَوان عندكم))؛ أي:
أسيرات.
٤- ويدل على أنَّ الذي يعسر بنفقة زوجته، عليه أن يفارقها بطلاق أوخلع أو
فسخ، وذلك راجع إلى رغبتها وطلبها .
قال في ((الروض المربع)): وإذا أعسر الزوج بنفقة القوت، أو أعسر
بالكسوة، أو ببعض النفقة والكسوة أو السكن، فلها فسخ النكاح من زوجها
المعسر)) .
٥- ويؤيد هذا: أثر سعيد بن المسيب رقم (٩٩٧) في الرجل لا يجد ما ينفق
على أهله؛ بأنه يفرق بينهما، كما يؤيد أثر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
رقم (٩٩٨) من كتابته إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم؛ أن
يأخذوهم بأن ينفِقوا، أو يطلِّقوا، فإن طلَّقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا.
فهذان الأثران يدلان على أنَّ المرأة إذا أعسر زوجها بالنفقة، فلها أن
تفسخ نکاحها منه .
خلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل للمرأة فسخ نكاحها إذا أعسر زوجها بالنفقة، أم لا؟
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، إلى: أنَّه يفرق بينهما
بطلبها، ويروى عن: عمر، وعلي، وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب،
والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، وربيعة الرأي، وحماد، وعبدالرحمن بن
مهدي، وإسحاق، وأبي عبيد.

٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
-(
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ
[البقرة: ٢٢٩]، وليس الإمساك مع عدم النفقة إمساكًا بمعروف.
قال ابن المنذر: ((ثبت أنَّ عمر كتب إلى أفراد الأجناد أن ينفقوا أو
يطلقوا؛ فمتى ثبت إعساره بالنفقة، فللمرأة الفسخ من غير إنظار)).
وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى: أنَّه لا يثبت لها فسخ النكاح مع الإعسار
بالنفقة، وإنما يؤمر بالاستدانة، وتؤمر المرأة بالصبر، والنفقة تبقى في ذمة
الزوج، ولا فسخ.
وذهب إلى هذا القول عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وصاحبا أبي
حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: ((الصحيح الرواية الأخرى عن أحمد؛
أنَّ المرأة لا تملك الفسخ لعسرة زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُوَسَعَةٍمِّن سَعَتِهِ،
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَ انَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنْهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ
٧
يُسْرَأ
[الطلاق: ٧]، فلم يجعل لزوجة المعسِر الفسخ، وأيضًا لم يثبت عن
النَّبِي وَّة جواز الفسخ لإعساره، والله أعلم)).

٥٣
كتاب النكاح - باب النفقات
٩٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َّهِ فِقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدِي دِيْنَارٌ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ))
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ)) قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ:
(أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ)). قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ)).
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: ((أَنْتَ أَعْلَمُ)). أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ،
وأَبُودَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلىُ الوَلَدِ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال في ((التلخيص)): رواه الشافعي، وأحمد، والنسائي، وأبوداود،
وابن حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة. وقَالَ الحَاكِمُ: إِنَّه على شرط
مسلم، ووافقه الذَّهبي، وصححه ابن حبان)).
قال ابن حزم: ((اختلف ابن القطان، والثوري؛ فقدَّم ابن القطان الزوجة
على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة)).
قال الحافظ: ((جاء في صحيح مسلم من رواية جابر تقديم الأهل على
الولد من غیر تردد، فیمکن أن یرجح به إحدى الروايتين)).
* مفردات الحديث:
- السائل: أراد بسؤاله الصدقة بالدنانير، فحمله وليس على ما هو أهم وأولى،
وهو الإنفاق، جريًا على أسلوبه الحكيم.
- أنت أعلم: أي: بحال من يستحق الصدقة؛ فتحرَّ في ذلك، واجتهد .
(١) الشافعي (٦٣/٢)، أبوداود (١٦٩١)، النسائي (٦٢/٥)، الحاكم (٤١٥/١).

٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٠٠ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبَرّ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ)). قُلْتُ: ثُمَّ
مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَّكَ)). قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أُمَكَ)): قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ:
((أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالتِّرمِذِيُّ، وَحسَّنَهُ(١) .
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
رواه أبوداود والترمذي والبخاري في (( الأدب المفرد)) والحاكم والبيهقي
وقال الترمذي: ((حديث حسن)) وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد)) ووافقه الذَّهبي.
وله شاهد من حديث المقدام، أخرجه البيهقي بإسناد حسن.
* مفردات الحديث:
- أبرّ: يقال: برّ والديه يبرّهما برًّا: أحسن إليهما، ووصلهما.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان فيهما دليل على وجوب النفقة على القريب من أصول وفروع، وعلى
وجوب النفقة على الزوجة، وعلى وجوب النفقة على الخادم والمملوك.
٢- وفي الحديثين دليل على أنَّه إذا كان عنده من النفقة ما يكفيه، ويكفي مَن
يمونه، فعليه أن ينفق على الجميع على حسب حاله، وأما إذا لم يكن عنده
ما يكفي الجميع، فليبدأ بالأهم.
٣- أول شيء يبدأ به: النفس، ثم الزوجة؛ لأنَّ نفقتها معاوَضة.
٤- بعد الزوجة المملوك؛ لأنَّ نفقته كالزوجة تجب مع اليسار والإعسار، فيؤمر
(١) أبوداود (٥١٣٩)، الترمذي (١٨٩٧).

٥٥
كتاب النكاح - باب النفقات
بالنفقة عليه، أو بيعه.
٥- ثم تأتي الأم؛ لأنَّ مشقتها في الأولاد أعظم من الأب؛ من الحمل،
والولادة، والرضاعة، والحضانة، وغير ذلك من شؤون الأطفال،
وإصلاحهم ، ثم يأتي بعدها الأب؛ لأبوته، وعظم حقه.
٦- ثم تأتي نفقة الأقارب، فيقدم منهم الأهم على حسب الميراث، هذا عند
قصر النفقة، وعدم كفايتها؛ كصاحب الدينار في هذا الحديث، أما مع
الغنى فيقوم بكفاية الجميع، ويحتسب المنفِق أجر النفقة من الله تعالى؛
ليحصل له خير الدنيا والآخرة، فالدنيا بالزيادة، والنماء، والمحبة،
والمودة، والدعاء، وفي الآخرة الثواب العظيم، والأجر الجزيل، وهذا
مشروط به الإخلاصُ لوجه الله، والبعد عن المَنّ، وعن الرياء.
٧- وفي الحديث تقديم الأم بالبر على الأب، ومن باب أولى على غيره؛ ذلك
أنَّها عانت من متاعب الجنين، ثم الطفل ما لا يعانيه غيرها.
٨- وفي الحديثين دليل على أنَّ النفقة على النفس، وعلى الأقارب - إحسان،
وبرٍّ، متعدٍّ نفعه وخيره إلى الغير، وأنَّها مع الاحتساب تدخل في العبادات
الجليلة، والقُرَب العظيمة.
فقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي مسعود البدري، عن النَّبِي وَِّّ
قال: ((إذا أنفق الرَّجل على أهله نفقة يحتسبها، فهي له صدقة)).
وجاء في الصحيحين - أيضًا - من حديث أم سلمة قالت: قلتُ: يا رسول
الله، هل لي في بني أبي سلمة أجر إن أنفق عليهم، ولست بتاركتهم، إنَّما
هم بني؟ فقال: ((نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم)).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
والمدار على النية الصالحة، والقصد الحسن الذي تنقلب به العادة عبادة
يثاب عليها صاحبها، والله المستعان .

٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بَابُ الحَضَانَة
-
مقدمة
الحضانة: بفتح الحاء وكسرها، مصدر: حضنت الصبي حَضْنًا، بفتح
الحاء وحَضَانة: جعله في حِضْنه بكسر الحاء؛ فالحضانة: تحمُّل مؤنة
المحضون وتربيته .
وهي مأخوذة من: الحِضْن وهو الجَنْبُ؛ لأنَّ المربي يضم الطفل إلى
حضنه .
وشرعًا: حفظ من لا يستقل بأمره عما يضره، بتربيته وعمل ما يصلحه.
قال تعالى: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ [آل
عمران: ٣٧]؛ أي: جعله الله تعالى كافلاً لها، وملتزمًا بمصالحها، فكانت في
حضانته، وتحت رعایته .
وجاء في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود؛ أنَّ النَّبيَّ وَّ قال للأم:
((أنت أحق به ما لم تَنكِحي)).
وقال أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - يخاطب والد الابن المحضون:
((ريحها - أي: الأم - ومسها خير له من الشُّهد عندك)).
وقال ابن عباس: (ریح الأم، وفراشها، وحِجْرها خير له من الأب، حتى
يشب، ويختار لنفسه)).

٥٧
كتاب النكاح - باب الحضانة
قال الوزير: ((اتَّفقوا على أنَّ الحضانة للأم ما لم تتزوج)).
واتَّفقوا: على أنَّها إذا تزوجت، ودخل بها زوجها - سقطت حضانتها،
وأنَّها إذا طُلِّقَتْ بائنًا تعود حضانتها .
قال شيخ الإسلام: ((الأم أصلح من الأب؛ لأنَّها أرفق بالصغير، وأعرف
بتربيته، وحمله، وتنويمه، وأصبر عليه، وأرحم به، فهي أقدر، وأرحم،
وأصبر في هذا الوضع، فتعينت في حق الطفل غير المميز في الشرع)).
وقال أيضًا: ((جنس النساء مقدّم في الحضانة على جنس الرجال، كما
قدمت الأم على الأب، فتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه،
وخالاته على أخواله - هو القياس الصحيح)).
وقال أيضًا: ((ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ الشارع ليس له نصٌّ عامٌ في تقديم
أحد الأبوين، ولا تخيير الأبوين .
والعلماء متَّفقون على أنَّه لا يتعيَّن أحدهما مطلقًا، إنما نقدمه إذا حصل
به مصلحة الحضانة، واندفعت مفسدتها، وأما مع وجود فساد أحدهما، فالآخر
أولى بلا ريب)).
قال محرره: ((والحق أنَّ الحضانة ولاية من الولايات، لا يليها إلاَّ
الأصلح فيها، والصلاح يعود إلى القيام بشؤون المحضون.
فالشرع لا يقصد من تقديم أحد على أحد مجرد القرابة، وإنما يقدِّم مَن
هو الأولى فيها، والأقدر عليها، والأصلح لها، وهذا مراد العلماء مهما
اختلفت عبارتهم، وترتيبهم. والله أعلم)).

٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠٠١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ امْرَأَةً
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً،
وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ لَهَا
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ،
وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
درجة الحديث:
*
الحدیث حسن .
أخرجه أبوداود، والدارقطني، والحاكم، وأحمد من طريق عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدِّه.
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد))، ووافقه الذَّهبي.
والحديث حسن فقط، ولم يصل إلى درجة الصحة؛ للخلاف المعروف
في عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
* مفردات الحديث:
- وعاء: بكسر الواو والمد، هو الظرف يَجْمع الشيء ويضمه .
- ثُدي: الثدي: هو نتوء في صدر الرجل والمرأة، وهو في المرأة مجتمع
اللبن؛ كالضرع لذوات الظلف والخف، يذكَّر ويؤنَّث، جمعه: أثدٍ، ونُدي.
- سِقَاء: بكسر السين، بوزن كِساء، هو وعاء من جلد يكون للماء واللبن،
جمعه : أَسْقِية .
(١) أحمد (١٨٢/٢)، أبوداود (٢٢٧٦)، الحاكم (٢٠٧/٢).

٥٩
كتاب النكاح - باب الحضانة
- حِجري: بفتح الحاء وكسرها، يسمى به الثوب، والحضن، أما المصدر
فبالفتح لا غير، والمراد هنا هو: حضن الإنسان.
- حِوَاء: بكسر الحاء المهملة، بزنة كِساء: اسم المكان الذي يحوي الشيء؛
أي : يضمه ویجمعه .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- يدل الحديث على أنَّ الأم أحق بحضانة الطفل من الأب، ما دام في طور
الحضانة، ما لم تتزوج؛ وهذا حكم مجمع عليه بين العلماء .
٢ - ويدل على أنَّ الأم إذا تزوَّجت، ودخل بها الزوج الثاني، سقطت حضانتها؛
لأنَّها أصبحت مشغولة عن الولد بمعاشرة زوجها، فهو أحق من غيره بالتفرغ
له؛ وهو مجمع عليه .
٣- هذا التفصيل من الشارع الحكيم راعى فيه حق الطفل، وحق الزوج
الجديد، فالأم قبل الزواج متفرغة للطفل، وإصلاح شؤونه، فحقه عليها
باقٍ، أما بعد الزواج فإنَّها ستهمل أحد الحقين: إما حق زوجها، وهو
آكدهما، وإما أن تعنى بزوجها، فتهمل الطفل الذي يحتاج إلى العناية
الدائمة .
٤- تقديمُ الأم على الأب في الحضانة - ما دامت متفرغة - في غاية الحكمة
والمصلحة؛ ذلك أنَّ معرفة الأم، وخبرتها، وصبرها على الأطفال - شيء لا
يلحقه أحد من أقارب الطفل، الذين أولاهم الأب.
٥ - مِن لُطْف الله تعالى بخلقه عنايته بالمستضعفين منهم، ممن ليس لهم حول،
ولا طول، فهو يوصي بهم، ويُعنى بهم العناية التي تعوضهم، الأمر الذي لم
يصلوا إليه من العناية بأنفسهم، وهم في حالة الضعف.
٦ - ما ذكرته المرأة المشتكية من مبررات تقديمها في الحضانة هو الذي أهَّلها،
لأن تكون أحق بحضانة الطفل من أبيه، فبطنها وعاؤه حينما كان جنينًا،

٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وثديها سقاؤه بعد أن وُلِد، وحِجْرها هو المكان اللين الوثير الذي يحويه،
وقد أقرَّ النبي ◌َّ المرأة على ما وصفته من نفسها؛ لاستحقاقها الحضانة.
قال ابن القيم في ((الهدي)): وفي هذا دليل على اعتبار المعاني، والعِلل
في الأحكام، وإناطتها بها، وأنَّ ذلك أمر مستقر في الفطرة السليمة)).
وقال الشوكاني: «في الحديث دليل على أنَّ الأم أولى بالولد من الأب،
ما لم یحصل مانع من ذلك، کالنكاح، وحکی ابن المنذر الإجماع علیه)).
فوائد:
الأولى: قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: ((الصحيح أنَّه إذا رضي الزوج
بحضانة ولد الزوج الأول أنَّ الحضانة لا تسقط، فهي باقية؛ وهذا
قياس المذهب في جميع الحقوق)).
الثانية: قال شيخ الإسلام: ((إذا أخذت الأم الولد على أن تنفق عليه، ولا ترجع
على أبيه بما أنفقته مدة الحضانة، ثم أرادت أن تطالب بالنفقة في
المستقبل، فللأب أن يأخذ الولد منها)).
قال في شرح الإقناع: ((ومن أسقط حقه من الحضانة، سقط لإعراضه
عنه، وله العود في حقه متى شاء؛ لأنَّه يتجدد بتجدد الزمان؛ كالنفقة)).
الثالثة: قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: ((الصحيح الذي ذكره الفقهاء فيما إذا
كان يحقق مصلحة الطفل، فإن لم يحقق كان الواجب اتباع مصلحة
الطفل، ويدل على هذا أنَّ الباب كله مقصود به القيام بمصالح
المحضون، ودفع المضار عنه، فمن تحققت فيه فهو أولى من غيره،
وإن كان أبعد ممن لا يقوم بواجب الحضانة)).