Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب النكاح - باب الرجعة
باب الرجعة
مقدّمة
الرجعة: بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، مصدر رجع.
وهي لغة: المرة من الرجوع.
وشرعًا: إعادة مطلقةغیر بائن إلى ما كانت عليه، بغير عقد .
وهي ثابتة في الكتاب، والسنَّة، والإجماع:
قال تعالى: ﴿ وَبُعُولَئُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٨٨].
وقال ◌َّ لعمر بن الخطاب: ((مُرْه فليراجعها)).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلَّق دون الثلاثة أن له
الرجعة في العدة.
والرجعة لا تكون إلاّ في طلاق رجعيٍّ، وهو الطلاق الذي وقع في نكاح
صحيحٍ، ووقع بعد الدخول أو الخلوة، وصار بأقل من الثلاث، وقد خلي من
العوض، ولا تزال الزوجة في العدة.
فإن اختل من هذه الشروط شيء فلا رجعة؛ لأنه :
إما أن تكون بينونة كبرى، وهو الطلاق الذي استكمل عدده.
وإما أن تكون بينونة صغرى، وهو الطلاق الذي لم يَخْلُ من واحد فأكثر
من بقية الشروط المذكورة.
قال ابن القيم: إباحة الزوجة بالرجعة من أعظم النعم، فإن الزوج له أن
يفارق زوجته، فإن تاقت نفسه إليها ، وجد السبيل إلى ردَّها، فإذا طلَّقها الثالثة،
لم يبق له سبيل إلاّ بعد نكاح زوج ثان نكاح رغبة، والله المستعان.

٥٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٤٢ - عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّهُ سُئِلَ
عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ، ثُمَّ يُرَاجِعُ، وَلاَ يُشْهِدُ؟ فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلَى طَلاَقِهَا،
وَعَلَى رَجْعَتِهَا)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ هَاكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ(١).
: درجة الحديث:
الحدیث موقوف بسند صحيح .
أخرجه أبوداود، وابن ماجه، والبيهقي.
قال ابن عبدالهادي: رواته ثقات مخرّج لهم في الصحيح، وصحَّحه
الحافظ أيضًا .
(١) أبوداود (٢١٩٠)، البيهقي (١٤٩٦٦).

٥٢٣
كتاب النكاح - باب الرجعة
٩٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ
امْرَأْتَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لِعُمَرَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا)) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - في الحديثين إثبات أصل مشروعية إرجاع الزوجة المطلقة إلى عصمة نكاح
زوجها بالرجعة المعتبرة .
٢ - الرجعة لابد أن تكون في طلاقٍ رجعيٍّ، أما الطلاق البائن بينونة كبرى أو
صغرى، فلا تصح الرجعة فيه، وتقدم في ((المقدمة)) بيانه.
٣- أن الرجعة لا يعتبر فيها رضا الزوجة، لعدم ذكرها هنا، ولقوله تعالى:
﴿ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَوِ هِنَ فِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: في العدة.
٤ - أن الرجعة حق من حقوق الزوج وحده كالطلاق؛ فليس للزوجة ولا لغيرها
صفة فيه .
٥ - استحباب الإشهاد على الطلاق، ليحصل التوثيق، وقد أجمع العلماء على
أن الطلاق جائز ونافذ، ولو لم يحصل عليه إشهاد.
٦- مشروعية الإشهاد على الرجعة؛ وقد اختلف العلماء في حكم الإشهاد.
فذهب الأئمة الثلاثة: إلى استحبابها وعدم اشتراطها .
وذهب الإمام الشافعي: إلى اشتراطها. وهو رواية عن أحمد، ولعل
عمران بن حصين ممن يرى تحتم الإشهاد؛ لقوله: ((فليشهد الآن، ويستغفر
الله)) .
٧- قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَنُنَّ أَحَقُّ بِرَّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]:
(١) البخاري (٥٢٥١)، مسلم (١٤٧١).

٥٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
جمهور العلماء يعطون المطلق الرجعة، ولو لم يرد الإصلاح برجعته،
وأما شيخ الإسلام وبعض المحققين فقالوا: لا يمكن من الرجعة إلاَّ لمن
أراد إصلاحًا وإمساكًا بمعروف، ومن قال: إن القرآن ملّك الإنسان ما حرَّمه
علیه، فقد تناقض .
٨- أما الحديث رقم (٩٤٣) فيدل على صحة الرجعة بدون إشهاد عليه؛ لأنه
مطلقٌ، ولا يصح حمله علی حدیث موقوف.
٩- لكن قوله: ((غير سنة)) تحتمل إرادة سنة النبي وَّل﴾ مع قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ وَأَقِيمُواْ
الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: ٢] فإذا أمر بالشهادة على الطلاق، فالرجعة قرينته،
والإشهاد أحوط في جميع العقود والفسوخ.

٥٢٥
كتاب النكاح - باب الإيلاء
باب الإيلاء
مقدّمة
الإيلاء: بالمد مصدر آلى يُؤْلِي إيلاء، والأَّلِيّة وزن عطية: اليمين،
وجمعها ألایا، بوزن خطايا .
والإيلاء لغة: الحلف.
وشرعًا: حلف زوج قادر على الوطء بالله تعالى أو صفة من صفاته،
على ترك وطء زوجته في قُبُلِها، مدةً تزيد على أربعة أشهر .
وهو محرَّم؛ لأنه يمين على ترك أمرٍ واجبٍ عليه .
وهو ثابتٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُوَنَ مِنْ نِسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية
[البقرة: ٢٢٦].
وأمَّا السنَّة: فقد آلى رسول الله بَ له من نسائه شهرًا، والإيلاء المحرم أكثر
من أربعة أشهر .
وقد أجمع عليه العلماء في الجملة.
وللإيلاء أربعة شروط :
أحدها: أن يحلف على ترك الوطء في القُبُل؛ فإن تركه بلا يمين، لم يكن مولیًا.
الثاني: أن يحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، فإن حلف بنذرٍ، أو تحريمٍ،
أو ظهارٍ، ونحو ذلك فليس بِمُولٍ.

٥٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الثالث: أن يحلف على أكثر من أربعة أشهر، أو يعلقه على شرط يغلب على
الظن ألا يوجد في أقل منها، وإلاّ فليس بمول.
الرابع: أن يكون الإيلاء من زوج يمكنه الوطء، فلا يصح من صبي غير مميز،
ولا من عاجز عن الوطء بنحو جَبّ .

٥٢٧
كتاب النكاح - باب الإيلاء
٩٤٤ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((آلَى رَسُولُ اللهِ
رَّ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الحَلالَ حَرَامًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً))
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ(١).
* درجة الحديث:
الحديث: الصواب فيه أنه مرسل عن الشعبي عن النبي وَل.
قال الترمذي: ((حديث مسلمة بن علقمة عن داود، رواه علي بن مسهر
وغيره، عن داود، عن الشعبي، عن النبي وَّ مرسلاً، وليس فيه: عن مسروق،
عن عائشة، وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة)).
مفردات الحديث :
*
- آلى من نسائه: آلى يؤلى، والآلية اليمين، والجمع ألايا، كعطية وعطايا،
وإنما عدي بكلمة ((من))، وهو لا يعدى إلاَّ بكلمة ((على))؛ لأنه ضمن فيه معنى
البعد، ويجوز أن تكون ((من)) للتعليل.
قال العيني: ومعنى إيلائه وَله من نسائه: أنه حلف ألاَّ يدخل عليهن
شهرًا، وليس المراد منه الإيلاء المتعارف بين الفقهاء، وهو الحلف على ترك
جماع امرأته أربعة أشهر أو أكثر.
(١) الترمذي (١٢٠١).

٥٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((إِذَا مَضَتْ
أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وُقِّفَ المُوَلِي حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلاَ يَقعُ الطَّلاَقُ حَتَّى يُطَلِقَ))
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ(١) .
* مفردات الحديث:
- وُقِّف: وقَّف وأوقف لغتان، والفصيح: وقَّف بدون ألف، وللتوقيف معانٍ
كثيرة، والمراد هنا: منع القاضي المولي عن التمادي في إيلائه؛ فإما أن يطأ،
وإما أن يطلق.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - جاء في الصحيحين من حديث عائشة: ((أن النبي ◌َّ آلى من نسائه شهرًا،
فنزل لتسع وعشرين)).
واختلف العلماء في سبب إيلائه، والذي في صحيح مسلم عن جابر أنه
بسبب طلبهن منه النفقة .
٢ - والنبي وَلّ أحلم الناس، وأوسعهم خلقًا، وأحسنهم عشرة لأهله؛ ولذا فإنه
لم يؤل منهن إلاَّ لتأديبهن، ليكنّ أكمل النساء استقامة وخلقًا، فالصغيرة من
الفاضل كبيرة .
٣- إيلاء النبي ◌ٍُّّ من الإيلاء المباح؛ لأنه لم يؤل إلاَّ شهرًا.
٤- إذا آلى الرجل من زوجته أربعة أشهر، فعليها أن تصبر هذه المدة، وليس لها
مطالبته بالفيئة .
فإذا مضت الأربعة الأشهر، فلها عند انقضائها مطالبته بالفيئة، فإن فاء
(١) البخاري (٥٢٩١).
-.-.
------ -

٥٢٩
كتاب النكاح - باب الإيلاء
بالوطء فذاك، وإن لم يَفِىءْ، أجبره الحاكم بطلب الزوجة على الوطء أو
الطلاق.
٥- في الحديث جواز الإيلاء من الزوجتين فأكثر بإيلاء واحد؛ فإنه لم يَرِدْ أن
النبي ێ کررہ علی نسائه.
٦- وفيه أن ترك جماعه وهجره إياها في المضجع المدة المباحة جائز؛ لتأديبها
وزجرها .
٧- إذا فاء المولي قبل أربعة أشهر إذا حلفها، فعليه الكفارة؛ عملاً بحديث:
((من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت التي هي خير، وليكفّر
عن يمينه))، وأما إذا لم يفىء إلاّ بعد الأربعة، فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يحنث
بيمينه .
٨- وفي الحديث جواز الإيلاء لغرض صحيح؛ لأننا نعلم يقينًا أن النبي ◌َّ- لم
يؤل إلاَّ لغرض صحيح؛ من ذلك تأديب الزوجة وتربيتها؛ فإن الإيلاء من
أعظم العقوبات على الزوجة، وکل عاصٍ يؤدَّب بما يردعه.
٩ - مدة إيلاء النبي وَل هنا مطلقة، ولكن بينها الحديث الذي في الصحيحين من
أنه آلی شھرًا .
١٠ - وفي جعله الحلال حرامًا ما يعني أن جماع الرجل زوجته حلال، فحرّمه
على نفسه بيمينه، وهو تحريم معتبر شرعًا؛ فقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّلِمَ
تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَّ﴾ [التحريم: ١].
١١ - قوله: ((جعل لليمين كفارة)) يعني أن إيلاءه بتحريم زوجته يمين، ولكن
الكفارة تجعل هذا اليمين المحرم حلالاً؛ قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ
◌َجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
١٢ - الكفارة هي تخيير الحالف المكفِّر بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم،
أو عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِن

٥٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ
أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
١٣ - ويدل حديث (٩٤٥) على أن مدة الإيلاء المباح هي أربعة أشهر، وأن ما
زاد عليها، فغير مأذون فيه، وإنما يجب على المولي أن يفيء أو يطلق.
١٤ - ويدل أيضًا على أن الطلاق أو انفساخ النكاح، لا يكون بمجرد مضي أربعة
أشهر قبل الفيئة، وإنما النكاح باقٍ، ولا يقع الطلاق حتى يطلق الزوج،
ولو بإجباره من الحاكم؛ لأن هذا إكراهٌ بحقِّ.

٥٣١
كتاب النكاح - باب الإيلاء
٩٤٦ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَدْرَكْتُ
بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِّهِ، كُلُّهُمْ يَقِفُونَ المُؤْلِي))
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
أخرجه الشافعي فقال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن
سليمان بن يسار ... فذكره.
وبهذا الإسناد أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في مسائل ابنه عنه، وهذا
إسناد صحيح على شرط الشيخين .
* مفردات الحديث:
- بضعة عشر: البضعة بكسر الباء، ما بين الثلاث إلى التسع.
يقفون: أي: يحدِّدون له مدة الإيلاء المباحة أربعة أشهر.
(١) الشافعي (٤٢/٢).

٥٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ إِيلَاءُ
الجَاهِلِيِّ السَّنَّةَ والسَّنَتَيْنِ، فَوَقَّتَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ
أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَيْسَ بِإِلَاءٍ)) أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال الشوكاني في تفسيره: أخرجه سعيد بن منصور، وعَبْد بن حُمَيد،
والطبراني، والبيهقي، عن ابن عباس، قال: ((كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين
وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة أشهر))، قال الهيثمي: رجاله رجال
الصحيح .
* مفردات الحديث:
- فَوَقَّت الله: من التوقيت، أي: حدَّد الله وقته.
ما يؤخذ من الأحاديث:
١- المؤلي يمهل أربعة أشهر، فلا تطلبه زوجته بالفيئة، وعند انقضاء مدة
الأربعة الأشهر، فلها مطالبته بالفيئة، فإذا طالبته، أمره الحاكم بالوطء، فإن
امتنع بلا عذرٍ يمنع الوطء، أجبره الحاكم على الطلاق، فإن لم يطلق، طلَّق
عليه الحاكم.
٢ - إن كان هناك عذرٌ من الوطء في الزوج أو الزوجة، أمره الحاكم أن يفيء
بلسانه، بأن يقول: متى قدرت على الوطء، وطئت.
٣- أما الحديث رقم (٩٤٧) فيدل على سماحة هذه الشريعة وعدالتها، وتهذيبها
(١) البيهقي (٣٨١/٧).

٥٣٣
كتاب النكاح - باب الإيلاء
العادات الجاهلية، إن كانت قابلة للتهذيب، أو إبطالها إن كان مفسدة
محضة .
٤ - الإيلاء فيه تأديب للنساء العاصيات الناشزات على أزواجهن؛ فأبيح منه بقدر
الحاجة وهو أربعة أشهر، أما ما زاد على ذلك، فإنه ظلمٌ وجَوْر، وربَّمَا
حمل المرأة على ارتكاب المعصية، إن لم يَحْمِل الزوجين كليهما؛ فألغته
الشريعة الإسلامية .
٥- الجاهليون فيهم قسوة وظلم على الضعيف منهم، من امرأة أو بنت؛ فكان
من قسوتهم إيلاؤهم السنة والسنتين، يحلفون أن لا يجامعوا المرأة فيها،
وهذا ظلمٌ كبيرٌ، وجورٌ عظيمٌ، ربما يجُُّ إلى المفاسد، ويدعو إلى الفراق
والشقاق؛ فأبطله الإسلام، وأبقى منه ما تدعو الحاجة إليه، وهو توقيته
بأربعة أشهر؛ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ ﴾ الآية
[البقرة: ٢٢٦].
٦- معنى قوله: ((يقفون المؤلي)) أي: يحدِّدون له مدة الإيلاء المباحة أربعة
أشهر، فإذا مضت، أوقفوه عند هذا الحد، إما أن يفيء، وإما أن يطلق، ولا
يضار الزوجة بترك الجماع، فمن ضارّ، ضارَّه الله .
٧ - قوله: ((فإن كان أقل من أربعة أشهر، فليس بإيلاء)) مع ما سبق عن عائشة أن
النبي ◌َل# آلى من نسائه شهرًا، فمراده: ليس بإيلاء محرَّم.
فالإيلاء: هو الحلف على ترك وطء الزوجة، فإنْ كان أقل من أربعة
أشهر، فهذا إيلاءٌ مباحٌ، وليس بالإيلاء الَّذي تجري فيه أحكامه: من
المطالبة، والترافع إلى الحاكم، وإجبار الزوج على الفيئة أو الطلاق

٥٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الظهار
مقدّمة
الظِّهَار: مشتقٌّ من الظَّهْر، سمِّي بذلك؛ لتشبيه الزوج المظاهر زوجته
بظهر أمه، وإنما خص الظهر دون غيره؛ لأنه موضع الركوب من البعير وغيره.
والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، أراد:
ركوبك للنكاح حرام عليَّ، کرکوب أمي للنكاح.
وهو محرمٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع:
ج
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢].
وأمَّا السنّة: فبحديث خولة بنت مالك بن ثعلبة ، وحديث سلمة بن
صخر .
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على تحريمه.
.والقول المنكر والزور من أكبر الكبائر؛ إذ معناه أن الزوجة مثل الأم في
التحريم، والله تعالى يقول: ﴿مَّاهُنَّ أُمَّهَتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢].
ونزل في أحكام الظهار الآيات الأُوَل من سورة المجادلة، وذلك حينما
ظَاهَرَ أوس بن الصامت الأنصاري الخزرجي من زوجته خولة بنت مالك بن
ثعلبة الأنصارية .

٥٣٥
كتاب النكاح - باب الظهار
٩٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ
مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبِّ ◌َ ، فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا
قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: فَلاَ تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ تَعَالَى بِهِ)) رَوَاهُ
الأَرْبَعَةُ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ.
وَرَوَاهُ البَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَزَادَ فِيهِ: ((كَفِّرْ، وَلاَ
تَعُدْ))(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال في التلخيص: رواه أبوداود، والنسائي، ورجاله ثقات، لكن أعلَّه
أبوحاتم، والنسائي بالإرسال، قال ابن حزم: رواته ثقات، ولا يضره إرسالُ من
أرسله، وفي الباب: عن سلمة بن صخر عند الترمذي، وقال: حسن غريب،
وقد صحَّحه الحاكم، وقال المنذري: رجاله ثقات، وقد حسَّنه الحافظ في
الفتح، وقال: رجاله ثقات.
* مفردات الحديث:
- وقع: يقال: وقع على امرأته يقع وقوعًا: جامعها.
- ما أمرك الله: من الكفارة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم أن الظهار معناه تحريم وطء الزوجة؛ وذلك بتشبيهها بمن يحرم عليه
(١) أبوداود (٢٢٢٣)، الترمذي (١١٩٩)، النسائي (١٦٧/٦)، ابن ماجه (٢٠٦٥).

٥٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وطؤه من محارمه، حتى الذكور منهم، ومن غيرهم.
٢ - إذا ظاهر، حَرُم عليه وطء الزوجة المظاهَرِ منها، حتى يكفِّر عن ظهاره،
وذلك بإجماع العلماء.
٣- روى أهل السنن، عن ابن عباس؛ أن رجلاً قال: ((يارسول الله! إني ظاهرت
من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن أكفِّر، فقال: ما حَمَلك على ذلك،
رحمك الله؟! لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل)) يعني: ما أمرك به
من الكفارة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا
قَالُواْ﴾ [المجادلة: ٣]، قال الإمام أحمد: هو أنه يريد أن يعود إلى الجماع
الذي حرَّمه على نفسه، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَأَ ﴾
[المجادلة: ٣] يعني فعليهم تحرير رقبة قبل جماع المرأة المظاهَرِ منها.
٤- في الرواية الأخرى: أن النبي ◌َّ قال لهذا الرجل المجامع بعد الظهار،
وقبل التكفير، قال له: ((كفِّر، ولا تعد)).
٥- النص ورد في صيغة الظهار أنه تشبيه الزوجة بالأم، والباقي أُلحق به
بالقياس، وملاحظة المعنى .
٦- يحرم وطء المرأة المظاهر منها قبل التكفير؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ مِّن
قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأْ﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيِّنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَآ﴾ [المجادلة: ٤].
٧- لو وطئ أثناء التكفير بالإعتاق، أو الإطعام، حرم ذلك، ولكن لا يقطع
وطؤه الكفارتين المذكورتين، فيبني ما قبل الوطء على ما بعده.
أما لو وطئ أثناء كفارته بالصيام، فإنه - مع التحريم - ينقطع التتابع، إلاَّ
أن يتخلَّله عذر يبيح الفطر، أو ما يجب فطره من الأيام، أو يتخلله شهر
رمضان، فإنه لا ينقطع التتابع؛ لأنه فطر لسبب لا يتعلق باختيار المكفِّر.

٥٣٧
كتاب النكاح - باب الظهار
٩٤٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((دَخَلَ
رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَنِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لِي
شَىْءٌ مِنْهَا لَيْلَةً، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ وَلِلّهِ: حَرِّرْ رَقَبَةً،
فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إلاَّ رَقَبِي، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَبِعَيْنِ، قُلْتُ:
وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إلاَّ مِنَ الصِّيَامِ؟! قالَ: أَطْعِمْ فَرَقًّا مِنْ تَمْرٍ
سِتِّيْنَ مِسْكِينًا)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّ النَّسائِيَّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ
خُزَيْمَةَ، وابْنُ الجَارُودِ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح بغيره.
أخرجه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وابن
خزيمة، وابن الجارود، من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو
ابن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ويعگّر
صحته عنعنة محمد بن إسحاق .
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال البخاري: سليمان لم يسمع من
سلمة بن صخر، ولكن الحديث صحيح بطرقه وشاهده.
وقد حسَّن الحافظ إسناده في الفتح (٩/ ٤٣٣).
(١) أحمد (٣٧/٤)، أبوداود (٢٢١٣)، الترمذي (١١٩٨)، ابن ماجه (٢٠٦٢)، ابن الجارود
(٧٤٤) ..

٥٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* مفردات الحديث:
- أُصيب امرأتي: يُقال: أصاب من المرأة قبلها، وجامعها، وهي من الكناية،
أي : قضى حاجته منها .
- انكشف لي شيء: ظهر لي شيء من زينتها ما يدعوني إلى جماعها، وقد جاء
في رواية أبي داود والترمذي: قال: ((رأيت خلخالها في ضوء القمر)).
-وقَع علیھا : جامع زوجته .
- حرِّر رقبة: يُقال: حرره يحرره تحريرًا: خلَّصه من الرق إلى الحرية،
والمعنى: أعتِقِ رقبة وخلّصها من الرق، يكون كفارة لفعلتك، والمراد إعتاقه
كله، ولكن خصّت الرقبة؛ لأنها موضع الغلِّ الذي شبّه به الرق.
- فَرَقًا: بفتحتين جمعه فرقان، قال في المصباح: الفَرَق: مكيال يسع ستة عشر
رطلاً، أي: ثلاثة آصع بالصاع النبوي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الظهار حرام، وهذا الرجل الذي ظاهر: إما أن يكون لم يبلغه التحريم، أو
أنه يرى أن الوطء في رمضان أشد حرمةً من الظهار؛ فحصَّن نفسه بالظهار
عن الجماع.
صَلى له
وَسَد
؛
٢- القصد أنه ظاهر ثم جامع، فوقع في ذنبين عظيمين؛ فجاء إلى النبي
ليجد عنده حل مشكلته.
٣- الرجل جاء نادمًا تائبًا خائفًا؛ لذا لم يعنِّفْه النبي ◌َِّ، وإنما أفتاه بما يكفِّر
خطيئته، فأمره بالكفارة عن جماعه في حال ظهاره، وكانت كفارة الظهار
مرتبة وجوبًا كما يلي :
أولاً: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدها، أو لم يجد ثمنها .
ثانيًا: صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .
ثالثًا: أطعم ستين مسكينًا مدّبُر، أو نصف صاع من غيره.
...--
----------
----------- -

٥٣٩
كتاب النكاح - باب الظهار
٤- فهذه مراتب كفارة الوطء في الظهار، والوطء في نهار رمضان، أولها
الرقبة، فإن لم يجد: صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، أطعم ستين
مسكينًا، لكل مسكين مدّ بُرِّ، أو نصف صاع من غير البر، من أوسط ما
تطعمون أهليكم .
٥- وفي الحديث: أن الاجتهاد في المسائل العلمية بلا علم، قد يوقع صاحبه
في أخطاء كبيرة، فلا يجتهد طالب العلم حتى يكون عنده آلة الاجتهاد
وعُدَّتُهُ؛ من التوسّع في العلوم الشرعية، والعلوم العربية.
٦- البعد عما يثير الغرائز من مناظر مثيرة، أو مجالس ماجنة، أو أمكنة موبوءة
بالفساد والمغريات، التي تهيج صاحبها إلى ارتكاب الخطيئة، والوقوع في
الفاحشة .
٧- فيه تحصين الشارع المسلمين عن المعاصي بفرض هذه العقوبات التي
تمنعهم من الوقوع في المعاصي، وتحصين محارمه بهذا السياج، من
الغرامات التي تصونها عن الانتهاك.
٨- وفيه رحمة الله تعالى بعباده المسلمين؛ حيث هيَّأ لهم هذه الكفارات التي
تمحو ذنوبهم، وتزيل خطاياهم التي ارتكبوها .
٩ - وفيه تشوُّف الشارع إلى عتق الرقاب، وتحرير العبيد؛ فإنه جعل عتق الرقبة
كفارة لكثير من الذنوب والمعاصي .
١٠ - وفيه تشوُّف الشارع الحكيم إلى إطعام الفقراء والمساكين، حينما جعل
إطعامهم وكسوتهم كفَّارةً للذنوب، وماحية للآثام .

٥٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب اللعان
مقدّمة
اللعان: مشتقٌّ من اللَّعن، وهو الطرد والإبعاد.
فسمِّي ((اللعان)) بهذا الاسم: إما مراعاة للألفاظ؛ لأنَّ الرجل يلعن نفسه
في الخامسة من الشهادات على صدق دعواه، واشتق من دعاء الرجل باللعن،
لا من دعاء المرأة بالغضب؛ لتقدم اللعن على الغضب في الآيات.
وإما مراعاة للمعنى ، وهو الطرد والإبعاد؛ لأنَّ الزوجين يفترقان بعد
تمامه فرقة مؤبدة، لا اجتماع بعدها .
تعريفه شرعًا: أنه شهادات مؤكَّدات بأيمان من الزوجين، مقرونة بلعن،
أو غضب .
والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع:
فأمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْيَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ
الآيات [النور: ٦].
وأمَّا السنة: فمثل حديث الباب، وقد أجمع عليه العلماء في الجملة .
حِكمته التشريعية :
الأصل أنه من قذف محصنًا بالزنى قذفًا صريحًا، فعليه إقامة البينة، وهي