Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب النكاح - باب الطلاق
وقوع طلاقه .
٢- يبلغ به الغضب نهايته، فلا يعي ما يقول؛ فلا خلاف في عدم وقوعه.
٣- يستحكم به الغضب ويشتد، فلا يزيل عقله، فهو يعي ما يقول، ولكنه يحول
بينه وبين نيته؛ ففيه خلافٌ، ولكن الأدلة تدل على عدم وقوع طلاقه وعقوده.
الثالثة: قال ابن عبدالبر، وابن المنذر، وابن رشد: أجمع العلماء على
أن المطلِّق للسنة في المدخول بها، هو الذي يطلق امرأته في طَهْر لم يمسها
فيه، طلقةً واحدةً، وأن المطلق في الحيض، أو الطهر الذي جامع فيه غير مطلِّقٍ
للسنة، فصارت السنة من جهتَيْن: من جهة العدد، وهو أن يطلقها واحدة، ثم
يدعها حتى تنقضي عدتها، والجهة الثانية: أن يطلقها في طُهْر لم يصبها فيه .
الرابعة: فيه أن بعض المكروهات إلى الله تعالى تكون مشروعة، فمن
ذلك: الطلاق، ومنها: الصلوات المفروضة في البيوت، وبُغض الطلاق جاء
من أمورٍ كثيرة، تقدم بعضها، ومنها أن من أحب الأشياء إلى الشيطان التفريق
بين الزوجين؛ فينبغي أن يكون أبغض الأشياء عند الله تعالى.

٤٨٢
=(
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ،
وَهِيَ خَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِّهِ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ عَنْ ذُلِكَ؟
فَقَالَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ
تَظْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ
الِعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((مُرْهُ فَلْيْرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ
حَامِلاً)).
وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: ((وَحسِبَتْ تَطْلِيقَةً)).
و
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ((أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ
اثْنَيْنِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا، ثُمَّ أُمْهِلَهَا، حَتَّى تَحِيضَ
حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ أُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ أَمَشَهَا، وَأَمَّا
أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَ أَتِكَ)).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَىُ: قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ: ((فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ
يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: إِذَا طَهُرَتْ فَلْطَلِّقْ، أَوْ لِيُمْسِكْ))(١).
* مفردات الحديث :
- طَلَّق امرأته: اسمها آمنة بنت غفار، وقيل: اسمها النوار، ولعلَّ الأول اسم،
(١) البخاري (٥٢٥١، ٥٢٥٣)، مسلم (١٤٧١).

٤٨٣
كتاب النكاح - باب الطلاق
والثاني لقب.
- حُسِبَت عليه: مبنيٌّ للمجهول، والحاسب عليه هو النبي وَله.
* ما يؤخذ من الحديث :
١- طلَّق عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك
أبوه للنبي وَّة، فتغيظ - عليه الصلاة والسلام - غضبًا، حيث طلَّقها طلاقًا
محرمًا، لم يوافق السُّنَّة، ثم أمره بمراجعتها، وإمساكها حتى تطهر من تلك
الحيضة، ثم تحيض أخرى، ثم تطهر منها، وبعد ذلك إن بدا له طلاقها،
ولم ير في نفسه رغبة في بقائها، فليطلقها قبل أن يطأها؛ فتلك العدة التي
أمر الله بالطلاق فيها لمن يشاء، ومع أن الطلاق في الحيض محرم، ليس
على السنة، فقد حُسِبَت عليه تلك الطلقة من طلاقها؛ فامتثل - رضي الله
عنه - أمر نبيه ◌َّ﴾، فراجعها.
٢ - تحريم الطلاق في الحيض، وأنه من الطلاق البدعي، الذي ليس على أمر
الشارع، ولأنَّه جاء في بعض روايات هذا الحديث أنه وَّة تغيظ، وهو ◌ٍَّ لا
يتغيظ إلاَّ في حرام.
٣ - أمره وَّ ابن عمر برجعتها دليلٌ على وقوعه، ووجهته: أن الرجعة لا تكون
إلاَّ بعد طلاق، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله، والأمر برجعتها يقتضي
الوجوب؛ وإليه ذهب أبو حنيفة، وأحمد، والأوزاعي.
حَمَله بعضهم على الاستحباب، وذهب إليه الشافعي، ورواية عن
أحمد، واحتجوا بأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته كذلك.
٤- الأمر بإرجاعها إذا طلّقها في الحيض، وإمساكها حتى تطهر، ثم تحيض،
فتطهر .
٥ - قوله: ((قبل أن يَمَسَّ)» دليلٌ على أنه لا يجوز الطلاق في طُهْر جامع فيه.
٦ - الحكمة في إمساكها حتى تطهر من الحيضة الثانية، هو أن الزوج ربَّما واقعها

٤٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
في ذلك الطهر، فيحصل دوام العشرة، ولذا جاء في بعض طرق الحديث:
((فإذا تطهرت، مشّها)).
وقال ابن عبدالبر: الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلاَّ بالوطء؛ لأنَّه
المقصود في النكاح.
وأمَّا الحكمة في المنع من طلاق الحائض، فخشية طول العدة، وأمَّا
الحكمة في المنع من الطلاق في الطهر المجامع فيه، فخشية أن تكون حاملاً ،
فيندم الزوجان أو أحدهما، ولو علما بالحمل، لأحسنا العشرة، وحصل
الاجتماع بعد الفرقة والنفرة، وكل هذا راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَ﴾ [الطلاق: ١]. ولله في شرعه حكمٌ، وأسرارٌ، ظاهرةٌ وخفيةٌ.
خلاف العلماء في وقوع طلاق الحائض :
ذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة، رضي الله عنهم - إلى وقوع
الطلاق في الحيض، ودليلهم على ذلك أمره وََّ ابنَ عمر بإرجاع زوجته، حين
طلَّقها حائضًا، ولا تكون الرجعة إلاَّ بعد طلاقٍ سابقٍ لها، ولأنَّ في بعض ألفاظ
الحديث: ((فحُسِبَت من طلاقها)).
وذهب بعض العلماء - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن
القيم - إلى أن الطلاق لا يقع؛ فهو لاغ.
واستدلوا على ذلك بما رواه أبوداود والنسائي: ((أن عبدالله بن عمر طلَّق
امرأته وهي حائض، قال عبدالله: فردَها عليَّ، ولم يرها شيئًا)).
وقد استنكر العلماء هذا الحديث؛ لمخالفته الأحاديث كلها .
وأجاب ابن القيم عن أدلة الجمهور: بأن الأمر برجعتها معناه إمساكها
على حالها الأولى؛ لأنَّ الطلاق الذي لم يقع في وقته المأذون فيه شرعًا ملغيٌّ،
فیکون النكاح بحاله.
وأمَّا الاستدلال بلفظ: ((فحُسِبَت من طلاقها)) فليس فيه دليل؛ لأنَّه غير

٤٨٥
كتاب النكاح - باب الطلاق
مرفوع إلى النبي ◌َّلة . .
وأطال ابن القيم النقاش في هذا الموضوع في كتابه (تهذيب السنن))،
ولكن الأرجع ما ذهب إليه جمهور العلماء، والله أعلم.
فقد قال الشيخ ناصر الدين الألباني: وجملة القول: أن الحديث مع
صحته، وكثرة طرقه، فقد اضطرب الرواة عنه في طلقته الأولى في الحيض هل
اعتد بها، أم لا؟ فانقسما إلى قسمين :
الأول: من روى عنه الاعتداد بها .
القسم الآخر: الذين رووا عنه عدم الاعتداد بها، والأول أرجح لوجهين :
الأول: كثرة الطرق.
الثاني: قوة دلالة القسم الأول على المراد، دلالةً صريحةٌ، لا تَقْبل
التأويل، بخلاف القسم الآخر، فهو ممكن التأويل، بمثل قول الإمام الشافعي:
((ولم يرها شيئًا)) أي: صوابًا، وليس نصًّا في أنه لم يرها طلاقًا، بخلاف القسم
الأول، فهو نصٌّ في أنه رآها طلاقًا، فوجب تقديمه على القسم الآخر.
وقد اعترف ابن القيم - رحمه الله - بهذا، ولكنه شك في صحة المرفوع
من هذا القسم، فقال: وأمَّا قوله في حديث ابن وهب: ((وهي واحدة))، فلعمر
الله! لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله ◌َية، ما قدمنا عليها شيئًا، ولصرنا
إليها بأول وهلة .
فتشككه - رحمه الله - في صحتها خطأ، فابن وهب لم ينفرد بإخراج
الحديث، بل تابعه الطيالسي فقال: حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن
عمر: ((أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فأتى عمرُ النبي ◌َّ، فذكر ذلك، فجعله
واحدة)) .
وتابعه أيضًا يزيد بن أبي ذئب به، ورجاله ثقات، وتابع ابنَ أبي ذئب:
ابنُ جريج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله وَّر قال: ((هي واحدة))،

٤٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
. قلت: ورجاله ثقات.
وكل هذه الروايات لم يقف عليها ابن القيم، وظني أنه لو وقف عليها،
لتبدد الشك الذي أبداه في رواية ابن وهب، ولصار إلى القول بما دل عليه
الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض.
والرواية التي جاءت عن الشعبي: ((إذا طلَّق الرجل امرأته وهي حائض،
لم تعتدّ بها في قول ابن عمر)).
قال ابن عبدالبر: ليس معناه ما ذهب، وإنما معناه: لم تعتد المرأة بتلك
الحيضة في العدة. اهـ.
وقال الشيخ عبدالله بن محمد: أمَّا مسألة الطلاق في الحيض، فالمشهور
والمفتى به عند علماء الأمصار من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة
الأربعة، وغيرهم : أن الطلاق في الحيض طلاق بدعة، ومعصية لله ورسوله،
ولكنه لازم، ويحسب من الطلاقات الثلاث.
وهذا هو المعمول به عندنا، ودلائلة كثيرة، وقد ذُكِرَت في البخاري
ومسلم وغيرهما .
....-----

٤٨٧
كتاب النكاح - باب الطلاق
٩٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ الطَّلاَقُ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَيْنِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ
الثَّلاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَغْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ
فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
** مفردات الحديث:
- أَنَاة: قال في المصباح: الآناء هي الأوقات، وفي واحدها لغتان:
إحداهما: ((إِنّي)) بكسر الهمزة، والقصر؛ على وزن حِمْل.
والثاني: ((أَنَاة)) على وزن حَصَاة، والأناة هي المهلة .
- أمضيناه: يقال: أمضى الأمر إمضاءً: أنفذه، أي: لو أجرينا وأنفذنا عليهم ما
استعجلوه من الثلاث، لكان ذلك مانعًا لهم عن تتابع الطلقات.
(١) مسلم (١٤٧٢).

٤٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٣١ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أُخْبِرَ
رَسُولُ اللهِ ◌َ ◌ّهُ عَنْ رَجُلِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ
غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَابَيِّنَ أَظْهُرِكُمْ؟! حَتَّى قَامَ رَجُلٌ،
فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ! أَلاَ أَقْتُلُهُ؟)) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرُوَاتُهُ مُوثَّقُونَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحيح .
قال ابن کثیر : إسناده جید .
قال المؤلف: رواه النسائي ورواته موثقون، وقال في فتح الباري: رجاله
ثقات .
وقال ابن عبدالهادي في المحرر: رواه النسائي، وقال: لا أعلم أحدًا
روى هذا الحديث غير مخرمة.
أمَّا ابن القيم فقال في زاد المعاد: إسناده على شرط مسلم، ومخرمة ثقة
بلا شك، قد احتج به مسلم في صحيحه بحديثه عن أبيه، والذين أعلوه قالوا:
لم يسمع منه .
قال أبوطالب: سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير؟ فقال: هو
ثقة، ولم يسمع من أبيه، وإنما هو كتاب مخرمة.
والجواب: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطًا، فلا فرق في قيام
الحجة بالحديث بين ما حدَّث به، أو رواه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط،
إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف.
(١) النسائي (٣٤٠١).
---

٤٨٩
كتاب النكاح - باب الطلاق
* مفردات الحديث:
- يُلعب: مبنيٌّ للمجهول، يُقال: لعب يلعب لعبًا: ضد جدًّ، ومعناه: عبث
بالأمر، أو هزىء بالدين، واستخفَّ به، ولعله المراد هنا.
- كتاب الله: المراد به هنا أحكامه المأخوذة منه.
- بين أظهركم: أي وسطكم، والأصل في هذا الأسلوب أنه على سبيل
الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم
مطلقًا، والمعنى: أيُلعب بأحكام الله، وأنا مازلت معكم حيًّا؟ ! .

٤٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((طَلَّقَ
أَبُورُ كَانَةَ أُمَّ رُكَانَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِِّ: رَاجِعِ امْرَأَتَكَ، فَقَالَ: إِنِّي
طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ.
وَفِي لَفْظِ لِأَحْمَدَ: ((طَلَّقَ رُكَانَةُ امْرَأْتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاَثًّا،
فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لهُ رَسُولُ اللهِنِّهِ: فإِنَّهَا وَاحِدَةٌ))، وَفِي سَنَدِهِمَا
ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ.
وَقَدْ رَوَى أَبُودَاوُدَ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: ((أَنَّ رُكَانَةً طَلَّقَ
امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ وَِّ بِذْلِكَ، وَقَالَ: واللهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا
إِلَّ وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َِ)(١).
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف .
وقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من صحَّحه وأخذ به، ومنهم من ضعَّفه
وأخذ بما يعارضه، ونتج عن هذا الاختلاف اختلافهم في حكم المسألة التي في
هذا الحديث :
قال المصححون: قال أبوداود: هذا الحديث أصحّ من حديث ابن جريج
الذي فيه: ((إن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا)).
وقال ابن ماجه: سمعت الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث.
(١) أبوداود (٢١٩٦، ٢٢٠٦)، أحمد (٢٦٥/١).
...

٤٩١
كتاب النكاح - باب الطلاق
وهذا بيانٌ لشرف إسناده، وكثرة فائدته.
وقال المضعفون - ومنهم ابن القيم -: حديث ((ألبتة)) ضعَّفه أحمد.
وقال شيخنا - يعني ابن تيمية -: الأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث
كالإمام أحمد، والبخاري، وابن عيينة، وغيرهم ضعَّفوا حديث ركانة ((ألبتة))،
وكذلك ابن حزم، وقالوا: إن رواته قومٌ مجاهيل، لا تُعرف عدالتهم، ولا
ضبطهم، وقال أحمد: حدیث رُکانة لا يثبت .
قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وسألت البخاري
عنه، فقال: مضطرب.
وقال الألباني: وجملة القول: أنَّ حديث الباب ضعيف، وأن حديث ابن
عباس المعارض له أقوى منه، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- أبو رُكانة: هكذا وقع في نسخ بلوغ المرام التي اطلعت عليها: ((أبورُكانة))،
والمعروف في كتب التراجم والحديث وغيرها : أنه رُكَانة بن عبديزيد بن
هاشم بن المطلب القرشي المطلبي، ورجعت إلى كثير من المصادر فلم أجد
إلاَّ رُكانة، منها الإصابة للمؤلف، ولا أظن إلاَّ أن زيادة ((أبي)) من النُّسَّاخ.
- سُهَيْمَة: بالسين المهملة المضمومة تصغير سهمة، هي سهيمة بنت عمير
المزنيَّة، من بني مزينة، قبيلة مضرية، دخلت بالحلف الآن مع قبيلة حرب،
وتسكن في غرب القصیم.
- ألبتة: بهمزة وصل، أو قطع، بعدها لام ساكنة، ثم ياء مفتوحة، ثم تاء
مشددة، آخرها تاء التأنيث، والبت هو القطع، قال في المصباح: بت الرجل
طلاق امرأته، فهي مبتوتة، والأصل : مبتوتٌ طلاقُها، إذا قطعها عن الرجعة.

٤٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من هذه الأحاديث:
١ - الحديث رقم (٩٣٠) يفيد أن الطلقات الثلاثة بكلمة واحدة، لا تحسب إلاَّ
طلقةً واحدةً، فإن لم تكن نهاية الثلاث، فله الرجعة .
وهذا الحديث هو عمدة القائلين بهذا القول.
٢ - أمَّا الحديث رقم (٩٣١) فيدل على أن الطلقات الثلاث التي لم يتخللهن
رجعة، ولا نكاح: أنها طلاقٌ بدعةُ محرمةً.
٣- ويدل على أن التلاعب بأحكام الله تعالى، وتعدي حدوده، من كبائر
الذنوب، فإن النبي وَلّ لم يغضب إلاّ على معصية كبيرة.
٤ - التلاعب بكتاب الله، وسنة رسوله، حرام، ولو بعد وفاته وَّليه، وإنما قال
ذلك استغرابًا من سرعة تغير الأمور.
٥ - أمَّا الحديث رقم (٩٣٢) فتدل روايتا أبي داود وأحمد على ما دل عليه
الحديث رقم (٩٣٠)، من اعتبار الطلاق الثلاث واحدةً، وأن للمطلق
الرجعة، إن لم تكن نهاية عدده من الطلاق.
٦ - وأمَّا الرواية الثانية لأبي داود، فتدل على أن الطلاق ((ألبتة))، يكون بحسب
نية المطلق، فإن نوى به الثلاث، صار ثلاثًا، وإن نوى به واحدة، فهو
واحدة رجعية .
٧- قال الشيخ بخيت المطيعي: إن رُكانة طلّق زوجته ((ألبتة))، وهو من كنايات
الطلاق، يقع به واحدة إن نوی واحدة، ويقع به ثلاثًا إن نواها.
٨ - رواية ((طلَّقها ألبتة)) في حديث ركانة من أدلة الجمهور على أنَّ الطلاق
الثلاث كلمةً واحدةً: طلاقٌ بائنٌ بينونةٌ كبرى، وليس فيه رجعة إلاّ بعد أن
تنكح زوجا آخر .
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء فيمن أوقع الطلقات الثلاث دفعةً واحدةً، أو أوقعها
--------

٤٩٣
كتاب النكاح - باب الطلاق
بكلماتٍ ثلاثٍ، لم يتخللها رجعةٌ ولانكاحٌ، فهل تلزمه الطلقات الثلاث،
فلاتحل له زوجته إلاّ بعدأن تنكح زوجًا غيره، وتعتد منه، أم أنها تكون طلقة
واحدة، له رجعتها مادامت في العدة، وبعد العدة يعقد عليها، ولو لم تنكح
زوجًا غيره؟ :
اختلف العلماء في ذلك اختلافًا طويلاً عريضًا، وعُذِّب من أجل القول
بالرجعة بها جماعة من الأئمة والعلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض
أتباعه .
ولكننا نسوق هنا ملخصًا فيه الكفاية، إن شاء الله تعالى :
ذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة - وجمهور الصحابة
والتابعين: إلى وقوع الطلاق الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ، إذا قال: ((أنت طالق ثلاثًا))
ونحوه، أو بكلمات ولو لم يكن بينهن رجعة ولا نكاح.
ودليلهم: حديث ركانة بن عبدالله ((أنه طلَّق امرأته ألبتة))؛ فأخبر النبي
بذلك؟ فقال له: ((والله ما أردت إلاَّ واحدة؟)).
وهذا الحديث أخرجه الشافعي، وأبوداود، والترمذي، وصححه ابن
حبَّان، والحاكم.
مَلَىالله
وَسَلم
ووجه الدلالة من الحديث: استحلافه ميّيه للمطلق أنه لم يرد بـ((ألبتة)) إلاَّ
واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر، لوقع ما أراده.
واستدلوا أيضًا بما في صحيح البخاري عن عائشة: ((أن رجلاً طلَّق امرأته
ثلاثًا، فتزوجت، فطلقت، فسئل رسول الله وَّل: أتحل للأول؟ قال: لا، حتى
يذوق عسيلتها كما ذاق الأول))، ولو لم تقع الثلاث ، لم يمنع رجوعها إلى
الأول إلاّ بعد ذوق الثاني عسيلتها .
واستدلوا أيضًا بعمل الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه
- على إيقاع الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ ثلاثًا، كما نطق بها المطلُّق، وكفى بهم

٤٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قدوة وأسوة، ولهم أدلة غير ما سقنا، ولكن ما ذكرنا هو الصريح الواضح لهم.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أن موقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة،
أو بكلمات لم يتخللها رجعة ولا نكاح، لا يقع عليها إلاَّ طلقة واحدة، وهو
مروي عن الصحابة، والتابعين، وأرباب المذاهب.
فمن الصحابة القائلين بهذا القول: أبوموسى الأشعري، وابن عباس،
وعبدالله بن مسعود، وعلي، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.
ومن التابعين: طاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وغالب أتباع ابن
عباس، وعبدالله بن موسى، ومحمد بن إسحاق.
ومن أرباب المذاهب: داود وأكثر أصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة،
وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أحمد، منهم المجد عبدالسلام ابن
تيمية، وكان يفتي بها سِرًّا، وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية يجهر بها، ويفتي
بها في مجالسه، و کثیر من أتباعه.
ومنهم ابن القيم، الذي نصر هذا القول نصرًا مؤزَّرًا في كتابيه ((الهدي))،
و((إغاثة اللهفان))، فقد أطال البحث فيها، واستعرض نصوصها، وردّ على
المخالفين بما يكفي ويشفي.
واستدل هؤلاء بالنَّص والقياس :
فأمّا النص: فما رواه مسلم في صحيحه: ((أن أبا الصهباء قال لابن عباس :
ألم تعلم أن الثلاث كانت جعل واحدة على عهد رسول الله وَّل، وأبي بكر،
وفي صدر من إمارة عمر؟ قال: نعم)) وفي لفظ: ((تردّ إلى واحدة؟ قال: نعم)).
فهذا نصٌ صحيحٌ صريحٌ لا يقبل التأويل والتحويل.
وأمَّا القياس: فإن جمع الثلاث محرَّمٌ وبدعةٌ، والنَّبِي وَ لَ يقول: ((من
عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردِّ))، وإيقاع الثلاث دفعةً واحدةً ليس من أمر
الرسول، فهو مردود مسدود.

٤٩٥
كتاب النكاح - باب الطلاق
وأجاب هؤلاء عن أدلة الجمهور بما يأتي :
أمَّا حديث ركانة: فقد ورد في بعض ألفاظه: ((أنه طلَّقها ثلاثًا))، وفي
لفظ: ((واحدة))، وفي لفظ: ((ألبتة))؛ ولذا قال البخاري: ((إنه مضطرب)).
وقال الإمام أحمد: طرقه كلها ضعيفة، وقال بعضهم: في سنده
مجهول، وفيه من هو ضعيف متروك.
قال شيخ الإسلام: وحديث رُكَانة ضعيف عند أئمة الحديث، ضعَّفه
أحمد، والبخاري، وأبوعبيد، وابن حزم، بأن رواته ليسوا موصوفين بالعدل
والضبط .
وأمَّا حديث عائشة: فالاستدلال به غير وجيه؛ إذ من المحتمل أن مرادها
بالثلاث نهاية ما للمطلق من الطلقات الثلاث، وإذا وجد الاحتمال، بطل
الاستدلال، وهو مجمل، يحمل على حديث ابن عباس المبين؛ كما جاء في
الأصول.
وأمَّا الاستدلال بعمل الصحابة، فمَنْ أولاهم بالاقتداء والاتباع؟!
ونحن نقول: إنهم يزيدون عن مائة ألف، وكل هذا الجمع الغفير
- وأولهم نبيهم وَّ - يعدون الثلاث واحدة، حتى إذا تُوفيِوَّ وهي على ذلك،
وجاء خليفته الصديق، فاستمرت الحال على ذلك حتى تُوفي، وخَلَفَه عمر
- رضي الله عنه - فمضى صدر خلافته، والأمر كما هو على عهد النبي وَلِّ،
وعهد الصديق، بعد ذلك جعلت الثلاث، كعددها ثلاثًا؛ كما بيَّنَّا سببه.
فصار على أن الثلاث واحدة: جمهور الصحابة، ممَّن قضى نحبه قبل
خلافة عمر، أو نزحت به الفتوحات قبل المجلس الذي عقده لبقية الصحابة
المقيمين عنده في المدينة .
فعلمنا - حينئذٍ - أن الاستدلال بعمل الصحابة منقوض بما يشبه إجماعهم
في عهد الصديق على خلافه .

٤٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وعمل عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - حاشاه وحاشا من معه أن
يعملوا عملاً يخالف ما كان على عهد النبي وَّر؛ وإنما رأى أن الناس تعجلوا
وأكثروا من إيقاع الطلاق الثلاث، وهو بدعة محرمة، فرأى أن يلزمهم بما قالوه
تأديبًا وتعزيرًا على ما ارتكبوا من إثمٍ، وما أتوه من ضيق هُمْ في غنّى عنه، ويُسرِ
وسعة، وهذا العمل من عمر - رضي الله عنه - اجتهادٌ من اجتهادِ الأئمة، وهو
يختلف باختلاف الأزمنة، ولا يستقر تشريعًا لازمًا لا يتغير، بل المستقر اللازم
هو التشريع الأصلي لهذه المسألة.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: وإن طلَّقها ثلاثًا، في طهرٍ واحدٍ، بكلمةٍ
واحدةٍ، أو كلماتٍ، مثل: ((أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق))، أو يقول: ((أنت
طالق))، ثم يقول: ((أنت طالق))، ثم يقول: ((أنت طالق))، فهذا للعلماء من
السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء أكانت مدخولاً بها، أو غير مدخولٍ بها:
أحدها: أنه طلاقٌ مباحٌ لازمٌ، وهو قول الشافعي، وأحمد في الرواية
القديمة عنه؛ اختارها الخرقي.
الثاني: أنه طلاقٌ محرم لازم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن
أحمد؛ اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقولٌ عن كثيرٍ من السلف
والخلف من الصحابة والتابعين.
الثالث: أنَّه محرم، ولا يلزم منه إلاَّ طلقة واحدة، وهذا القول منقولٌ عن طائفة
من السلف والخلف من الصحابة، وهو قول كثير من التابعين، ومَن
بعدهم، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
وأمَّا مسألة الحلف بالطلاق: فقال - رحمه الله تعالى -: والفرق ظاهرٌ بين
الطلاق والحلف به، وبين النذر والحلف بالنذر، فإذا كان الرجل يطلب من الله
حاجة فقال: إن شفى الله مريضي، أو قضى ديني، أو خلَّصني من هذه الشدة،
فلله عليَّ أن أتصدق بألف درهمٍ، أو أصوم شهرًا، أو أعتق رقبةً، فهذا تعليقُ

٤٩٧
كتاب النكاح - باب الطلاق
نذرٍ يجب عليه الوفاء به بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
وإذا علَّق النَّذر على وجه اليمين قاصدًا الحث أو المنع، فقال: إن
سافرت معكم، أو إن زوجت فلانًا، فعليَّ الحج، أو فمالي صدقة، فهذا عند
الصحابة وجمهور العلماء: هو حالف بالنذر، ليس بناذر، فإذا لم يف بما
التزمه أجزأه كفارة يمين.
* قرار مجلس كبار العلماء بشأن مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد:
رقم (١٨) وتاريخ ١٣٩٣/١١/١٢ هـ:
قال مجلس هيئة كبار العلماء: بَحْث مسألة الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ،
وبعد الدراسة وتداول الرأي، واستعراض الأقوال التي قيلت فيها، ومناقشة ما
على كل قولٍ، توصَّل المجلس بالأكثرية إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث
بلفظ واحدٍ ثلاثًا، وخالف من أعضاء المجلس خمسة وهم:
الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ عبدالرزاق عفيفي، والشيخ عبدالله خياط،
والشیخ راشد بن خنين، والشيخ محمد بن جبير.
فهؤلاء الخمسة لهم وجهة نظر نصّها ما يلي :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وبعد :
فنرى أن الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ طلقةٌ واحدة .
وقال محرِّره: وجاء كل واحد من الفريقين بأدلته وما يراه.

٤٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَّه: «ثَلاَثٌ جِدُهُنَّ جِدٌ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ))
رَوَاهُ الأَرْبعةُ، إلاَّ النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ: ((الطَّلاَقُ، وَالعِتَاقُ،
وَالنِّكَاحُ))(١).
* درجة الحديث :
الحدیث حسن .
أخرجه أبوداود، والترمذي وحسّنه، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم
وصحَّحه، وأقرَّه صاحب الإلمام، وابن خزيمة، كلهم من طريق عبدالرحمن بن
حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله
وَّ قال ... فذكره، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقد ذكر الزيلعي في معناه أحاديث أُخر.
قال الألباني: والَّذي تلخّص عندي أن الحديث حسنٌ بمجموع طريق أبي
هريرة التي حسَّنها الترمذي، وطريق الحسن البصري المرسلة، وقد يزداد قوة
بحديث عبادة بن الصامت، وآثار الصحابة التي تدل على أن معنى الحديث كان
معروفًا عندهم، والله أعلم.
* مفردات الحديث:
- جِدّ: بكسر الجيم المعجمة، وتشديد الدال المهملة، قال في المصباح: جَدَّ
(١) أبوداود (٢١٩٤)، الترمذي (١١٨٤)، ابن ماجه (٢٠٣٩)، الحاكم (٢٨٠٠)، ابن عدي (٥/٦).

٤٩٩
كتاب النكاح - باب الطلاق
في كلامه: ضدهزل؛ ومنه قوله وَله: ((ثلاث جِدّهن جِدّ، وهزلهن جدّ)).
- هَزْل: ضد الجد، فالهزل هو العمل يتغلب فيه الهزل على الجد، قال في
المصباح: هزل في كلامه: مزح.
- العَتاق: العتق لغة: الخلوص، وشرعًا: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق.

٠
٥
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٣٤ - وَلِلْحَارِثِ بْنِ أُسَامَةَ، مِنْ حَدِيْثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - رَفَعَهُ: ((لاَ يَجُوْزُ اللَّعِبُ فِي ثَلاَثٍ : الطَّلاَقِ،
والنِّكَاحِ، وَالْعَنَاقِ، فَمَنْ قَالَهُنَّ، فَقَدْ وَجَبْنَ)) وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف .
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدَّثنا بشر بن عمر، حدَّثنا
عبدالله بن لهيعة، حدَّثنا عبيدالله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت، به.
قلت: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، وله علتان:
الأولى: الانقطاع بين عبيد الله بن أبي جعفر، وعبادة بن الصَّامت؛ فإنَّه لم يثبت
لعبيدالله سماع من الصحابة .
الثاني: ضعف عبدالله بن لهيعة، قال الحافظ: صدوق خلّط بعد احتراق كتبه.
لكن ذكر ابن حجر في التلخيص الحبير عدة طرق للحديث، وكلها فيها
ضعف، لكن تتقوى ببعضها، والله أعلم، وروي موقوفًا عن عمر، وعلي
نحوه .
* مفردات الحديث:
۔ وَجَبْن: لزمن، وثبتن، ونفذ حکمهن.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على نفوذ الأحكام المذكورة، وهي عقد النكاح، والطلاق،
ورجعة الزوجة إلى عصمة النكاح، والعتق.
(١) مسند الحارث (زوائد الهيثمي) (٥٥٥/١).