Indexed OCR Text

Pages 461-480

(٤٦١
كتاب النكاح - باب القسم
٥- حسن عشرة زوجات النبي ◌َّةِ، ورضي الله عنهنَّ، وإيثارهنَّ ما يحبه على
محبّة أنفسهنَّ؛ فقد علمن رغبة إقامته ◌َّ في بيت عائشة، فتنازلن عن
حقهنَّ؛ ليمرَّض في بيتها .
٦- فضل عائشة - رضي الله عنها - فلو لم يكن عندها من حسن العشرة، ولطف
الخدمة، وكمال الخُلُقِ، ما آثرها على غيرها بالرَّغبة في المقام عندها .
فقد جاء في الصحيحين عن أنس قال: سمعت رسول الله والله يقول:
((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)).
وجاء في الصحيحين - أيضا - عن عائشة أنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ لَهَا: ((يَا عَائشَة!
هَذا جِبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبر كاته)).
٧- يجوز للإنسان أن يعرِّض برغبته بالشيء لمن يريد منه قضاءها، ولا يعتبر
هذا التعريض من النبي وَلَّ أمرًا يشينه؛ لأنَّهنَّ يعرفن ذُلك فيه.
٨- أنَّ الأفضل للإنسان أن يفعل الذي هو خير، ولو لم يجب عليه؛ فالقسم بين
الزوجات ليس واجبًا على النبي ◌َّر، ومع هذا راعاه حتى في هذه الحالة
الشديدة عليه .
٩- اختلف العلماء في وجوب القسم على النبي ◌َّ، والراجح: أنَّه لا يجب
عليه؛ لقوله تعالى: ﴿﴿ تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ
عَزَلْتَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، إلاَّ أنَّه مع هذه الفُسحة له من ربه،
كان ◌َيُ يعدل بينهن فيما أقدره الله عليه من القسم، صلوات الله وسلامه
عليه .

٤٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ الله
وَ﴿ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيِّنَ نِسَائِهِ، فَأَيَتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا
(١)
مَعَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
* مفردات الحديث:
- أقرع بين نسائه: من القرعة، بضم فسكون، يقال: تقارعوا واقترعوا، فمن
خرجت قرعته، فله ما قارع عليه .
- فَأيَّتُهُنَّ: أية امرأة منهنَّ خرج سهمها الذي باسمها، خرج بها معه، وَصَحِبَتْهُ
في سفره.
- سَهْمُهَا: السهام جمع سهم، وهي التي توضع على الحظوظ، فمن خرج
سهمه الذي وضع علی النصیب، فهو له.
وكيفية القرع بالخواتيم، فيأخذ خاتم هذا، وخاتم هذا، ويدفعان إلى
رجل، فيخرج منهما واحدًا.
وقال الشافعي: يجعل رقاعًا صغارًا يكتب في كل واحدة اسم ذي السهم،
ثم تغطى عليها بثوب، ثم يدخل رجل يده، فيخرج واحدة ينظر من صاحبها،
فيدفعها إليه .
ولها طرقٌ أخر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه وجوب العدل بين الزوجات حتى إذا أراد أن يسافر، ويصطحب معه في
سفره بعض زوجاته.
(١) البخاري (٢٥٩٣)، مسلم (٢٧٧٠).
....

٤٦٣
كتاب النكاح - باب القسم
٢ - أنَّ الزوج إذا لم يرد أن يسافر بزوجاته جميعًا، فإنَّ المتعيِّن عليه هو القرعة
بينهن، فالتي يخرج سهمها يخرج بها معه في سفره.
٣- قال القرطبي: استدل بعض علمائنا بهذه الآية: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْيُلْقُونَ
أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ ﴾ [آل عمران: ٤٤] على إثبات القرعة، وهي أصل في
شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء، ورد
العلم بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه.
٤ - قال أبوعبيد: عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ومحمّد،
عليهم الصلاة والسلام.
قال ابن المنذر: واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فلا معنى
لردها .
٥ - قال ابن العربي: فائدة: القرعة استخراج الحكم الخفي عند التشاح، ولا
تجري مع التراضي.
٦- للقرعة عدة صفات، وسواء كانت بالورق، أو بالحصى، أو بالخواتيم،
فكيفما اقترعوا جاز.
٧- في هذا التأكيد على أنَّ الأفضل في حق الشباب أن لا يذهبوا للخارج إلاَّ
ومعهم نساؤهم؛ ليكون أغض لأبصارهم، وأحفظ لفروجهم.
٨- إذا كان الإنسان كثير الأسفار في داخل البلاد وخارجها، وأراد أن يجعل لكل
واحدة من زوجاته أو زوجتيه سفرة، فإنَّه يجوز؛ لأنَّ هذا حق متميز، لا
خفاء فيه .

٤٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٢٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَلَه: ((لاَ يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- لاَ يَجلِد: جَلدت الجاني جلدًا، من باب ضرب، والجلد: هو الضرب
بالسوط، الواحدة جلدة، واشتقاقه من جِلْدِ الحيوان، وهو غشاء جسمه.
٥
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الله تبارك وتعالى كرَّم المرأة، وجعل لها من الحقِّ مثل ما للرَّجل عليها؛
فقال تعالى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٢ - ولكن قد يكون بعض النساء عندها سوء عشرة، وعصيان لزوجها، فإذا
ظهرت عليها أمارات النشوز، فلها ثلاث مراتب:
الأولى: هو وعظها وإعلامها بِعِظم حق الزوج عليها، وتخويفها من الله
تعالى، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة، وتلاوة النصوص الواردة في ذلك
عليها، فإن استجابت فذاك؛ وإلاَّ فالمرتبة:
الثانية: وهي: هجرها في المضجع، بأن يترك مضاجعتها ما يراه من
المدة؛ قال تعالى: ﴿وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِىِ الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]قال ابن عباس:
لا تضاجعها في فراشك.
وأما في الكلام: فلا يزيد في هجرها على ثلاثة أيَّام؛ لما جاء في مسلم
من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبِيَّ بَِّ قَالَ: ((لا يَحِل لمسلم أن يهجر أخاه فوق
ثلاثة أيام))، فإنْ أصرّت ولم تردع بالهجر، فالمرتبة:
(١) البخاري (٥٢٠٤).

٤٦٥
كتاب النكاح - باب القسم
الثالثة: وهي أن يضربها ضربًا غير مبرح ولا شديد، بأ يجتنب الوجه
تكرمة له، ويجتنب المواضع المخوفة كالبطن، ولا يزيد على عشرة أسواط
خفيفات؛ لِما في الصحيحين من حديث أبي بردة عن أبيه أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ:
((لا یجلد أحدكم فوق عشرة أسواط، إلاّ في حدٍّ من حدود الله)).
٣- وإن ادَّعى كل واحد من الزوجين ظلم صاحبه، ووقع الشقاق بينهما، بعثَ
الحاكم حكمين: أحدهما من أهل الزوج، والثاني من أهل الزوجة؛
لكونهما أخبر وأعرف من غيرهما بأسباب الشقاق الواقع بينهما، وأقرب إلى
الأمانة والنصح، فيفعلان ما هو الأصلح من الجمع بينهما، أو التفريق
بعوضٍ أو بدونه، وهما يملكان ذلك؛ فقد سمَّاهما الله حَكَمَين، فِقَال
تعَالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاْ إِن
يُرِيدَآ إِصْلَحَا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾﴾ [النساء].
٤- قال شيخ الإسلام: الشَّارع لا يُكرِهُ المرأة على النِّكاح إذا لم ترده، بل إذا
كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق، فإنَّه يجعل أمرها إلى غير الزوج، لمن
ينظر في المصلحة من أهلها مع من ينظر في المصلحة من أهله، فيخلِّصها
من الزوج بدون أمره، وكيف تؤسَر معه بدون أمرها.
٥- في الحديث النَّهي عن الضرب المؤلم، وأفضل منه ترك الضرب مطلقًا؛ فإنَّ
النَّبِيَّ وَّةِ لم يضرب خادمًا قط، ولا امرأةً قط، كما في شمائل الترمذي
والنسائي .
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن النشوز:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد :
فبناءً على ما تقرر في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء، من اختيار موضوع
النشوز؛ ليكون من جملة الموضوعات التي تُعِدُّ فيها اللجنة الدائمة للبحوث
العلمية والإفتاء بحوثًا، أعدت في ذلك بحثًا، وعُرض على مجلس كبار

٤٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
العلماء في الدورة الخامسة، المنعقدة بمدينة الطائف، فيما بين الخامس من
شهر شعبان عام: ١٣٩٤هـ، والثاني والعشرين منه .
وبعد اطلاع المجلس على ما أعد من أقوال أهل العلم وأدلتهم
ومناقشتها، وبعد تداول الرأي في ذلك قرَّر المجلس بالإجماع ما يلي :
- أن يبدأ القاضي بنصح الزوجة، وترغيبها في الانقياد لزوجها وطاعته،
وتخويفها من إثم النشوز وعقوبته، وأنَّها إن أصرّت، فلا نفقة لها عليه، ولا
كسوة، ولا سكنى، ونحو ذلك من الأمور التي يرى أنَّها تكون دافعةً الزوجة إلى
العودة لزوجها، ورادعة لها من الاستمرار في نشوزها .
فإن استمرت على نفرتها، وعدم الاستجابة، عرض عليهما الصلح، فإن
لم يقبلا ذلك، نصح الزوج بمفارقتها، وبيَّن له أنَّ عودتها إليه أمرٌ بعيد، ولعلَّ
الخير في غيرها، ونحو ذلك ممَّا يدفع الزوج إلى مفارقتها .
فإن أصرّ على إمساكها، وامتنع من مفارقتها، واستمر الشقاق بينهما،
بعثَ القاضي حكمين عدلين، ممَّن يعرف حالة الزوجين من أهلهما، حيث
أمكن ذلك، فإن لم يتيسَّر، فمن غير أهلها، ممَّن يصلح لههذا الشأن، فإن تيسر
الصلح بين الزوجين على أيديهما، وإلاّ أفهم القاضي الزوج أنَّه يجب عليه
مخالعتها، على أن تسلمه الزوجة ما أصدقها، فإن أبى أن يطلّق، حكم القاضي
بما رآه الحكمان من التفريق بعوضٍ، أو بغير عوض.
فإن لم يتفق الحكمان، أو لم يوجدا، وتعذَّرت العشرة بالمعروف بين
الزوجين، نظر القاضي في أمرهما، وفسخ النكاح حسبما يراه شرعًا بعوضٍ، أو
بغیر عوض .
والأصل في ذلك: الكتاب، والسنة، والأثر، والمعنى:
أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿﴿ لَّا خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ
بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَجٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، ويدخل في هذا
---------- ---

٤٦٧
كتاب النكاح - باب القسم
العموم الزوجان في حالة النشوز، والقاضي إذا تولى النّظر في دعواهما.
وقوله تعالى: ﴿وَاَلَِّى تَخَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُنَ﴾ الآية [النساء: ٣٤]
والوعظ كما يكون من الزوج لزوجته الناشز، يكون من القاضي لما فيه من
تحقيق المصلحة .
وقوله تعالى: ﴿ وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ
يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [النساء: ١٤] فكما أنَّ الإصلاح مشروع إذا كان النشوز من
الزوج؛ فهو مشروع إذا كان من الزوجة، أو منهما.
وقال تعالى في الحكمين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ
أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ وهذه
الآية عامَّةٌ في مشروعية الأخذ بما يريانه من جمع ، أو تفريق؛ بعوضٍ أو بغير عوض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَن يَخَافَآ أَلَّا
يُقِيمَا حُدُ ودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ الَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِهِءُ تِلْكَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وأمَّا بالنسبة للتفريق: فما روى البخاري في صحيحه، عن عكرمة، عن
ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاس إلی
النَّبِي ◌َّ، فقالت: يا رسول الله! ما أنقم على ثابت في دينٍ ولا خُلُق، إلاّ أنِّي
أخاف الكفر في الإسلام، فقال رسول الله وَّر: ((أفتَرُدين عليه حديقته؟)) قالت:
نعم، فردت عليه، فأمره ففارقها)).
وأما المعنى: فإنَّ بقاءها ناشزًا مع طول المدة، أمرٌ غير محمودٍ شرعًا؛
لأنَّه ينافي المودة والإخاء، وما أمر الله من الإمساك بمعروفٍ أو التسريح
بإحسان، مع ما يترتَّب على الإمساك من المضار، والمفاسد، والظلم، والإثم،
وما ينشأ عنه من القطيعة بين الأسر، وتوليد العداوة، والبغضاء، وصلى الله
وسلم على محمّد وآله وصحبه.

٤٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الخلع
مقدمة
الخُلْع: بضم الخاء، وسكون الَّلام: الاسم، وبفتح الخاء: المصدر،
وأصله خلع الثوب، فأخذ منه انخلاع المرأة من لباس زوجها، الذي قال الله
تعالى عنه: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فيُقال: خلع ملبوسه،
أي: نزعه، وخالعت المرأة زوجها، واختلعت منه إذا افتدت منه بمالها .
وتعريفه شرعًا: فراق الزوج امرأته بعوضٍ يأخذه الزوج من امرأته أو
غيرها، بألفاظٍ مخصوصة.
فائدته: تخليص الزوجة من زوجها، على وجهٍ لا رجعة له عليها، إلاّ
برضاها، وعقدٍ جدید.
والأصل في جواز الخلع: الكتاب، والسنة، والإجماع:
قال تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقصة ثابت بن قيس الآتية إن شاء الله .
وإجماع الأمة عليه .
ويصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه، سواء أكان رشيدًا أو سفيها،
بالغّا أو صغيرًا، مميزًا بعقله.
ويصح بذلك العوضُ في الخلع من زوجة، أو أجنبي جائز التبرع، ومن
لا يصح تبرعه فلا يصح بذله لعوضه؛ لأنَّه بذل في غير مقابلة مال ولا منفعة،
--------

٤٦٩
كتاب النكاح - باب الخلع
فصار كالتبرع.
والخلع تجري فيه الأحكام الخمسة :
١ - يكره مع استقامة حال الزوجين، وعدم وجود خلاف، وشقاق بينهما؛ لما
روى الخمسة إلاّ النسائي عن ثوبان أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَال: ((أيما امرأة سألت
زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة)).
٢ - يحرم ولا يصح إِنْ عَضَلَها، وضارَّها بالتضييق عليها، أو منع حقوقها، وغير
ذلك؛ لتفتدي نفسها؛ فالخلع باطل، والعوض مردود، والزوجية بحالها إنْ
لم يكن الخلع بلفظ الطلاق؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآَ
ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ٩١].
٣- يسن للزوج إجابة طلبها؛ لِما روي البخاري عن ابن عباس: ((أنَّ امرأة ثابت
ابن قيس جاءت إلى النبي ◌َّ فقالت: إنِّي ما أعيبُ على ثابت من دين ولا
خلق، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال ◌َّ: أتردين عليه حديقته؟
قالت: نعم، فأمرها بردها، وأمره بفراقها».
٤- ويجب إذا رأى منها ما يدعوه إلى فراقها، من ظهور فاحشة منها، أو ترك
فرضٍ من صلاةٍ أو صوم، ونحو ذلك وحينئذٍ يباح له عضلها؛ لتفتدي نفسها
منه قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَن يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].
٥- ويباح لها الخلع إذا كرهت الزوجة خلق زوجها، أو خافت إثمًا بترك حقه،
فإنْ كان يحبها، فيسن صبرها عليه، وعدم فراقها إيَّاه، والله أعلم.

٤٧٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٢٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ
قَيْسِ، أَتَتِ النَّبِيَّ نَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ مَا أَعِيبُ
عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلاَمِ، فَقَّالَ رَسُولُ
اللهِّهِ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: اقْبَل
الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا)).
وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: ((أَنَّ امرَأَةً ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ
اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َهِعِدَّتَهَا حَيْضَةَ)(١).
وَفِي رِوَايَةِ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَن جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ - عِنْدَ ابْنِ مَاجَه: ((أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ
قَالَتْ: لَوْلاَ مَخَافَةُ اللهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ، لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ))(٢) .
ولِإِحِمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: ((وَكَانَ ذلِكَ أَوَّلَ خُلْعِ
فِي الإِسْلاَمِ» (٣).
* درجة الحديث:
الحديث في رواية أبي داود والترمذي عن ابن عباس: ((أنَّ عدتها حيضة)»
(١) البخاري (٣٩٥/٩)، أبوداود (٢٢٢٩)، الترمذي (١١٨٥).
(٢) ابن ماجه (٢٥٠٧).
(٣) أحمد (٣/٤).

٤٧١
كتاب النكاح - باب الخلع
حسَّنه الترمذي مسندًا مرفوعًا، وله شواهد كثيرة، وبعضهم ذكر أنَّه مرسل.
أما رواية ابن ماجه: فقال البوصيري في زوائده: في إسناده حجاج بن
أرطأة، مدلس، وكثير الأوهام والإرسال، وقد عنعنه .
وأما رواية أحمد: فسكت عنها المصنف هنا، وكذلك في التلخيص
الحبير، وهي أيضًا من رواية حجاج بن أرطاة .
* مفردات الحديث:
- امرأة ثابت: قيل اسمها جميلة، وقيل: زينب بنت عبدالله بن أبيٍّ ابن سلول
الأنصارية الخزرجية، وقيل: جميلة بنت سهل، وأكثر الروايات أنَّ اسمها
حبيبة بنت سهل .
قال الحافظ: الذي يظهر لي أنَّهما قصتان واقعتان لامرأتين؛ لشهرة
الخبرين، وصحة الطريقين، واختلاف السياقين.
- ما أعِيب عليه: ما أجد عيبًا فيه، لا في دينه، ولا في خُلُقه وعِشرتِهِ.
- خُلُق: بضم الخاء المعجمة، وضم الَّلام، آخره قاف؛ صفات حميدة باطنة،
ينشأ عنها معاشرة كريمة .
- أكره الكفر في الإسلام: يعني أكره أنْ أقع فيما ينافي الإسلام من عملٍ،
وعِشرةٍ لزوجي ينهى عنها الإسلام، ولكن كرهي له وبغضي إيَّاه، قد يحملني
على الوقوع في ذلك وارتكابه .
- حديقته: هو البستان يكون عليه حائط، وكان قد أصدقها بستانًا .
ــ دَمِيمًا: بالدال المهملة، دمَّ الرجل يدُّ، من باب ضرب، دمامة بالفتح، ولا
يكاد يوجد رباعيًّا في المضاعف، ومعناه: قبح منظره، وصغر جسمه، وكأنَّه
مأخوذ من الدِّمَّة بالكسر، وهي النملة الصغيرة، فيُقال: هو دميم، الجمع
دمام، وهي دمیمة، والجمع دمائم.

٤٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- لَبَصَقْتُ: بصق يبصق بصقًا وبصاقًا: لفظ ما في فمه من الريق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- ثبوت أصل الخلع أنَّه فرقة جائزة في الشريعة الإسلامية على الصفة
المشروعة .
٢- أنَّ طلب الزوجة إياه مباح إذا كرهت الزوج، إما لسوء عشرته معها، أو
دمامته، أو نحو ذلك من الأمور المنفرة، التي لا تعود إلى نقصٍ في الدِّين،
فإنْ عادت إلى نقصٍ في الدِّين، وجب طلب الفراق.
٣- قيد بعض العلماء الإباحة للزوجة بالطلب بما إذا لم يكن زوجها يحبها، فإنْ
كان يحبها، فيستحب لها الصبر عليه .
٤- أنَّه يستحب للزوج إجابة طلبها إلى الخلع إذا طلبته؛ لقوله وَل: (اقْبل
الحديقة، وطلِّقها تطليقة)) .
٥- يحرم إيقاع الخلع إذا كانت المرأة مستقيمة، ثم عضلها زوجها؛ لتفتدي
منه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٩].
٦ - إباحة عضلها لتفتدي إذا ظهرت منها الفاحشة، أو ترك شيء من الواجبات؛
قال تعالى: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]، والفراق في هذه
الحال واجب بأي نوع من أنواع الفرقة الزوجية.
٧- يجب أن يكون الخلع على عوض؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا آَفْئَدَتْ
بِهٌِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله ◌َله: ((اقبل الحديقة، وطلَّقها تطليقة)).
٨- يجوز أن يكون العوض أكثر من الصداق، وأن يكون أقل منه؛ لقوله تعالى:
﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولكن كره العلماء أنْ يكون
بأكثر من الصداق؛ لقوله وَ لجر: ((أتردين عليه حديقته))؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَا
تَنسَوأُ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وجواز الخلع بما اتَّفقا عليه، هو قول جمهور العلماء.
-....

٤٧٣
كتاب النكاح - باب الخلع
٩ - أنَّه لا بد في الخلع من صيغة قولية؛ لقوله: ((وطلِّقها تطليقة)).
خلاف العلماء:
*
اختلف العلماء هل الخلع طلاقٌ محسوبٌ من الثلاث، أو أنَّه فسخٌ لا
ينقص به عدد الطلاق؟
ذهب الإمام الشافعي: إلى أنَّه فسخ لا طلاق، وهو رواية عن أحمد،
وللكنها ليست المشهورة في مذهبه.
اختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وكثير من
المحققين، ومن متأخري الأصحاب ذهب إليها الشيخ محمد بن إبراهيم،
والشيخ عبدالرحمن السعدي، وذهب إليه جماعةٌ من السلف، منهم ابن عباس،
وطاووس، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور.
وذهب الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك وأحمد - والثوري، والأوزاعي:
إلى أنَّه طلقة بائنة .
وذهب إليه من السلف سعيد المسيب، وعطاء، والحسن، ومجاهد،
وأبوسلمة بن عبدالرحمن، والنَّخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، وهو
مروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود.
استدل أصحاب القول بأنَّه فسخ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]،
فهاتان طلقتان فيهما الرجعة، ثم قال تعالى عن الطلقة الثالثة: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَّحِلُ
لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وبيْن الطلقتين الأوليين، وبين
الطلقة الثالثة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِمْ﴾
[البقرة: ٢٢٩] وهذا هو الخلع، فلو كان طلاقًا لكان هو الطلقة الثالثة، فلمَّا صار
بين الأوليين وبين الثالثة، ولم يعتبر في العدد، علِمنا أنَّه مجرد فسخ.
وقال شيخ الإسلام مؤيدًا القول الأول: ظاهر مذهب أحمد وأصحابه،
أنَّه فرقة بائنة، وفسخ للنكاح، وليس من الطلاق الثلاث، وما علمتُ أحدًا من

٤٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أهل العلم بالنقل صحَّح ما نُقِل عن الصحابة من أنَّه طلاق بائنٌ محسوبٌ من
الثلاث .
والنقل عن علي وابن مسعود ضعيف جدًّا، وأما النقل عن ابن عباس أنَّه
فرقة وليس بطلاق، فمن أصح النقل الثابت باتفاق أهل العلم بالآثار.
والذين استدلوا بما نقل عن الصحابة من أنَّه طلقة بائنة من الفقهاء ظنوا
تلك نقولاً صحيحة، ولم يكن عندهم من نقد الآثار والتمييز بين صحيحها
وضعيفها ما عند أحمد وأمثاله من أهل المعرفة بذلك.
وفائدة الخلاف بين اختيار الخلع فسخًا أو طلاقًا تظهر بأنَّنا: إن اعتبرناه
طلاقًا، فهو من الطلقات الثلاث، وإنْ كان فسخًا، فإنَّه لا ينقص من عدد
الطلاق .
** فوائد:
الأولى: المشهور من مذهب الإمام أحمد عدم إجبار الزوج على الخلع،
وإنَّما تسن إجابتها إليه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: والقول الآخر: جواز إلزام
الزوج به عند عدم إمكان تلاؤم الحال بين الزوجين حسب اجتهاد الحاكم، قال
في الفروع: وألزم به بعض حكّام الشام المقادسة الفضلاء.
الثانية: قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّه يصح الخلع مع استقامة الحال بين
الزوجين .
قال الشيخ تقي الدين: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أنْ تكون المرأة
كارهة للزوج؛ فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما
إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه، فهذا خلع محدث في الإسلام؛ فقد روى
أحمد وأصحاب السنن الأربع، من حديث ثوبان أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((أيما امرأة
سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة))؛ فظاهر

٤٧٥
كتاب النكاح - باب الخلع
الحديث التحريم .
إذا خلع زوجته فعلاً بأن جرى بينهما الفسخ، ولم يبق إلاَّ تسليم
العوض، فهذا لا خيار فيه، ولو لم يقبض عوضه.
وإنْ كان قد تقاولا من دون أنْ يفسخها، وإنَّما اتَّفقا على أنْ يفسخها إذا
سلمته العوض، فهذا لم يحصل منه فسخ، وإنَّما حصل منه وعد، فله الرجوع
عما نواه ولم يفعله .
الثالثة: قال سيد قطب: مجموع الروايات التي وردت في قصة ثابت بن
قيس مع زوجته تصوّر الحالة النفسية التي قابلها رسول الله وَّةٍ، وواجهها
مواجهة من يدرك أنَّها حالةٌ قهريةٌ، لا جدوى من استنكارها، وقسر المرأة على
العِشرة معها، فاختار لها الحل من المنهج الربّاني، الَّذي يواجه الفطرة البشرية
مواجهة صريحة عملية واقعية، ويعامل النفس الإنسانية معاملة المدرك لما
يعتمل فيها من مشاعر حقيقيّة .

٤٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب الطلاق
مقدّمة
الطلاق: لغة: مصدر طلَقَ، بفتح اللام وضمّها، وهو الإرسال والترك.
وشرعًا: حَلَّ قيد النكاح أو بعضه.
والأصل في جوازه: الكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس:
فإن النكاح إذا تم بالعقد لمصالحه، فإنه ينفسخ بالطلاق للمقصد
الصحيح أيضًا، ونصوصه من الكتاب والسنة معروفة.
حكمته: قال الأستاذ عفيف طبارة: بواعث الطلاق الواردة في القرآن هي
رغبة أحد الزوجين في الانفصال، وعدم المعاشرة، وليس كل خلاف ينبعث
عنه الطلاق، وإنما الذي يعيّنه هو: دوام الشقاق الذي يستحيل معه العشرة
الزوجية، وفي حالة الشقاق نفسه لا يجوز فصم عرى الزوجية مباشرة، فلابد
من الإصلاح بين الزوجين، وإجراء التحكيم قبل الطلاق، بإرسال حكمٍ من
أهل الزوج، وحكم من أهل الزوجة؛ ليترؤَّى كل من الزوجين، ويجدا الفرصة
للصلح ورجوعهما عن رأيهما، فعلى الحكمين أن لا يدّخرا جهدهما ووسعهما
في الإصلاح بين الزوجين.
فإذا نفدت وسائل الإصلاح والجمع، وتحقق لدى الحكمين أن التفريق
أجدى لهما، فالفرقة في هذه الحالة أفضل؛ قال تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ
كُلَّاً مِّنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].

٤٧٧
كتاب النكاح - باب الطلاق
ثمّ إن الطلاق يأتي على ثلاث مراحل :
الأولى: طلاق رجعي، يكون فيه تجربة للزوجين بالفرقة بينهما فترة معينة،
يتروَّيان فيها، فإن يكن بينهما علاقة مودةٍ ومحبةٍ، أمكن الرجعة
والاجتماع .
الثانية: طلاق ثان، رجعي أيضًا؛ لتكون التجربة الثانية، فإن كان هناك رغبة في
بناء العشرة الزوجية بينهما، فالفرصة باقية.
الثالثة: طلاق غير رجعي إلاّ بعد نكاح زوج آخر، وذلك أنهما تفرَّقا مرتين،
فلم يتفق لهما الانسجام، ومعناه أن الفرقة قائمة، وأن هُوَّة الشقاق
بينهما واسعة؛ وحينئذٍ يكون الطلاق رحمة وراحة من عيشة الشقاق
والخلاف .
والطلاق تأتي عليه الأحكام الخمسة:
أولاً: مكروه في حالة استقامة الزوجين، وعند أبي حنيفة حرام في هذه الحالة.
ثانيًا: مباح عند الحاجة إليه كسوء خلق المرأة، والتضرر ببقائها عنده.
ثالثًا: مستحب إذا كانت الزوجة متضررة باستدامة النكاح، وهي الحال التي
تحوج المخالعة، وعند الشيخ تقي الدين: أنه واجب.
رابعًا: واجب للإيلاء إذا أبى الزوج الفيئة، ويجب أيضًا على الصحيح إذا تركت
واجبًا شرعيًّا، أو تركت العفة على الصحيح؛ واختاره الشيخ تقي الدين.
خامسًا: حرام إذا كان الطلاق بدعيًّا، كأن يطلق في حيضٍ، أو نفاسٍ، أو طُهْرٍ
جامع فيه، أو طلاقها ثلاثًا بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللهن
رجعة ولا نكاح.

٤٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٩٢٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
مِنَّهُ: ((أَبْغَضُ الحَلَاَلِ إِلَى اللهِ الطَّلاَقُ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ،
وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ(١).
* درجة الحديث:
الصّواب إرساله.
أخرجه أَبُودَاود، وابن ماجه، والحاكم، عن محمد بن خالد، عن معرف
بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي وَّ، به.
وأخرجه البيهقي (٣٢٢/٧) من طريق أبي داود، وأخرجه ابن عدي
(٦/ ٤٦١) من هذا الوجه، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وقد تعقَّب المناويُّ السُّيوطيَّ حين رمز له بالصحة في الجامع الصغير،
فقال المناوي : هذا غير صواب.
قال الألباني: وجملة القول: أن الحديث رواه عن معرف بن واصل أربعة
من الثقات، وهم:
١ - محمد بن خالد الوهبي.
٢-أحمد بن يونس.
٣- وكيع بن الجراح.
٤- يحيى بن بكير، وقد اختلفوا علیه.
ولا يشك عالمٌ بالحديثِ أن رواية هؤلاء أرجح؛ لأنَّهم أكثر عددًا، وأتقن
حفظًا، وأنهم جميعًا ممن احتج بهم الشيخان في صحيحهما؛ فلا جرم أن رجح
--
(١) أبو داود (٢١٧٧)، ابن ماجه (٢٠١٨)، الحاكم (١٩٦/٢).

٤٧٩
كتاب النكاح - باب الطلاق
الإرسال ابن أبي حاتم، عن أبيه، وكذلك رجَّحه الدارقطني، والبيهقي، وقال
الخطابي وتبعه المنذري : المشهور فيه المرسل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الغرض من النكاح البقاء والدوام، وبناء بيت الزوجية، وتكوين الأسرة التي
نواتها الزوجان .
٢- الطلاق هدم لهذا البيت، ونقض لدعائمه، وإزالة لمعالمه.
٣- الطلاق إبطال لمصالح النكاح المتعددة؛ من تكوين الأسرة، وحصول
الأولاد، وتكثير سواد المسلمين.
٤ - الطلاق تفرّقٌ بعد وفاق سعيد، وهمٌّ بعد فرحة، ويأسٌ بعد أملٍ كبير.
٥- الطلاق يسبِّب العداوة والبغضاء بين الزوجين، وبين الأسرتين، بعد التقارب
والتآلف والتعارف.
٦ - الطلاق يشتت الأولاد الموجودين، ويُفْقِدهم إما قيام الأب، وتربيته،
وتعليمه، وتوجيهه، وإما يفقدهم حنان الأم، ورعايتها، وعطفها .
٧- الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله تعالى؛ لما يجرّه من الويلات، ولما يعقبه
من النكبات، ولما يسببه من المصاعب والمفاسد.
٨- الطلاق لا يكون محمودًا، ولا تبرز حكمة شرع الله فيه، إلاَّ حينما تسوء
العشرة الزوجية، وتفقد المحبة والمودة، ويكثر الشقاق والخلاف،
ويصعب التفاهم والتلاؤم، ولا يمكن الاجتماع؛ فحينئذٍ يكون الطلاق
رحمةً، ويكون التفرق نعمة؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿ وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ
كُلًا مِّنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
٩- وبهذا يعرف جلال هذا الدين، وسمو تشريعاته، وأنها الموافقة للعقل
الصحيح، ومتمشية مع المصالح العامة والخاصة.

٤٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠ - قال الوزير: أجمعوا على أن الطلاق مكروه في حال استقامة الزوجين، إلاَّ
أباحنيفة، فهو عنده حرام مع الاستقامة .
١١- الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة:
( أ) يباح عند الحاجة إليه؛ كسوء خلق المرأة .
(ب) يستحب إذا كانت الزوجة متضررة باستدامة النكاح، وهي الحالة التي
تحوجها إلى المخالعة.
(ج) يجب إذا أبى المُولِي الفيئة، وكذلك الصواب: أنه يجب عند ترك
أحد الزوجين العفة، أو الصلاة، وغيرها من حقوق الله تعالى.
(د) يحرم للبدعة، وهي إذا أوقع الطلاق وكانت حائضًا، أو نفساء، أو في
طُهْرٍ جامع فيه، أو بالثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللهن نكاح
ولا رجعة .
(هـ) يكره لعدم الحاجة إليه.
* فوائد :
الأولى: أجمع الأئمة الأربعة على أن السكران الآثم بسكره يقع طلاقه،
ويؤاخذ بسائر أقواله وأفعاله.
والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنه لا يقع طلاقه؛ اختاره ابن عَقيل،
والموفّق، والشارح، والشيخ تقي الدين، وابن القيم، وقال به جماعة من
التابعين .
قال الزركشي: إن أدلة هذه الرواية أظهر.
ورجَّح هذه الرواية الشيخان: محمد بن إبراهيم، وعبدالرحمن
السعدي .
الثانية: قال ابن القيم: الغضب ثلاثة أقسام:
١- يحصل للإنسان مبادئه وأوائله، ولكن لا يتغير عقله؛ فهذا لا إشكال في