Indexed OCR Text

Pages 361-380

كتاب النكاح - باب عشرة النساء
=
٣٦١)
الخير، أي: أبعده، والمعنى: لا تشتم وتسب، كأن تقول: قبَّح الله وجهك.
- ولا تهجر: ((لا)) ناهية، و((تهجر)): فعلٌ مجزومٌ بلا، الهجر: الترك
والإعراض، وسيأتي تفصيله في معنى الحديث إن شاء الله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذا الحديث فيه بعض حقوق أحد الزوجين على الآخر، أمَّا الزوج فعليه
لزوجته النفقة، والسكنى، وكذلك علیه کسوتها .
٢ - وعليه أن يكف عنها أذاه، فلا يضربها، وإذا جاء ما يوجب تأديبها بالضرب،
فعليه اجتناب الوجه؛ لكرامته، ولحساسيته، ولئلا يقع فيه من ضربها ما
ينفره منها من أثر شين و تشويه.
٣- وعليه أن يقابلها بالبشاشة والطلاقة، فإذا وجد ما يوجب توبيخها، فليكن
بالكلام والتوجيه، فلا يكون بالألفاظ القبيحة، والسباب المكروه.
٤- وعليه إيناسها بالكلام الطيب، والمباسطة من الأحاديث، لا سيَّما الأحاديث
الودية، وإذا احتاج الأمر إلى تأديبها بهجرها وبترك كلامها، فليكن هذا في
البيت فقط ليس أمام الناس؛ لئلا يجرح شعورها، ويخجلها أمام الناس،
وأمام الشامِتِين بها، فتظهر بمظهر المَقْلِيَّة المتروكة .
هذه بعض الأمور المتعلّقة بسلوك الزوج مع زوجته .
٥- يدل الحديث على وجوب نفقة المرأة على زوجها، وكسوتها، وسُكناها.
٦ - ويدل على جواز تأديب الزوج زوجته عندالحاجة إلى ذلك، وللكنه تأديبُ
تراعى فيه الآداب العامة والرحمة:
فإن هجرها: فليكن هجرًا سريًّا بينهما، لا يكون أمام الناس، وإذا
ضربها، فلا يكون في الوجه، ولا يكون في مواضع مؤلمة أو مواضع
شريفة، وإذا عاتب ووبَّخ، فلا يستعمل الألفاظ البذيئة، والكلمات
الجارحة، والشتم، والسب.

٣٦٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧- سيأتي الكلام على نفقة الزوجة وقدرها في ((باب النفقات))، إن شاء الله
تعالى.
٨- قال في الإنصاف: ليس على الزوجة عجنٌ ولا طبخٌ، ونحو ذلك على
الصحيح من المذهب، نُصَّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب.
أما الشيخ تقي الدين فقال: يجب عليها المعروف من مثلها لمثله.
قال في الإنصاف: والصواب أن يُرجع في ذلك إلى عرف البلد.
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أنَّه تجب معاشرة كل من
الآخر بالمعروف، وأنَّ الطبخ والخبز وخدمة الدار ونحو ذلك واجبٌ عليها
مع جريان العادة بذلك.
قال الشيخ عبدالله بن محمد: كلام الشيخ تقي الدين ((أنَّه يجب عليها
المعروف من مثلها لمثله)) من أحسن الكلام.
٩- عالج الحديث مشكلة النشوز، لأن الزواج في الشريعة الإسلامية ميثاقٌ
غليظ، وعهدٌ متين، ربَطَ الله به بين رجلٍ وامرأةٍ، وأصبح كل منهما يسمى
زوجًا، بعد أن كان فردًا، قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ
[النساء] والميثاق الغليظ هو العقد،
٢١
وَأَخَذْتَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا
فهو أمتن عقد .
ثم هناك علاقةٌ بين الزوجين، حيث جعل الله كلَّ واحدٍ منهما موافقًا
للآخر، مُلبيًا لحاجته الفطرية: نفسية، وعقلية، وجسدية، بحيث يجد عنده
الرَّاحة، والطمأنينة، والاستقرار، ويجد أنَّ في اجتماعهما السَّكن،
والاكتفاء، والمودة، والرحمة؛ لأنَّ تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي،
مرادٌ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر، وائتلافهما، وامتزاجهما في
النهاية؛ لإنشاء حياةٍ جديدةٍ، تتمثّل في جیلٍ جدید.
ويصوِّرِ هذهِ المعاني قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ

٣٦٣
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةُ وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ
[الروم] هذه الرابطة الكريمة بين الزوجين عُنِيَ بها الإسلام
يَنَفَكَّرُونَ !
عنايةً فائقةً، من المعاشرة بالمعروف، ومن الأمر بالصبر والاحتمال.
فإذا طرأ عليها ما غير جوَّها، فإنَّ الإسلام أرشد إلى تصفية الجو، باتخاذ
أمورٍ يتدرج فيها المصلح، حتى ينتهي إلى النتيجة:
أولاً: الوعظ والإرشاد، فبعض النساء يُؤْثِّر فيهنَّ هذا اللون من التأديب؛
قال تعالى: ﴿ وَأَلَِّى تَخَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُنَ﴾ [النساء: ٣٤].
ثانيًا: الإعراض عنها في الفراش، وهَجرها، وقد يُنتج هذا النوع من
العلاج نتائج طيبة، فالهَجر في المضجع علاجٌ نفسيٌّ بالغ، يفوّت عليها
السرور والمتعة التي هي عندها من أصعب الأمور؛ قال تعالى:
وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
ثالثًا: الضرب غير المُبرِّح؛ قال تعالى: ﴿وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]
والضرب دواءٌ لا يلجأ إليه إلاَّ عند الضرورة، والحالات الصعبة.
رابعًا: إذا تعذّر نجاح هذه الوسائل، وأصرَّت على نشوزها وترفعها
وسوء عشرتها، فإنَّ الحاجة تدعو إلى دَرْءِ الصدع بحَكَمٍ من أهله وحَكَمٍ من
أهلها ﴿إِن يُرِيدَاْ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
خامسًا: إذا لم يحصل الجمع بين الزوجين، وتعذّر التوفيق بينهما،
فالمذهب: أنَّ الزوج لا يُجبر على الفراق.
والقول الثاني: أنَّه يُجبر على خلعها، أو فسخها، أو طلاقها، بعوضٍ أو
بدونه، وممَّن اختار هذا القول شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن مفلح،
ونقله عن بعض قضاة الحنابلة، والشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ يوجِّه
قضاة المملكة العربية السعودية إلى الأخذ به عند الحاجة، لقصة ثابت بن
قیس، ولحدیث: ((لا ضرر، ولا ضرار)).

٣٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨٨٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ:
(كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتِى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبْلِهَا كَانَ
الوَلَدُ أَحْوَلَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾)) مُتَّفٌ
عَليهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ(١).
مفردات الحديث:
- أتى الرَّجل امرأته: يعني جامعها.
- من دُبُرُهَا: من جهة عجَيْزَتِها .
- فِي قُبُلْهَا: القُبُل مَن كل شيء: مقدمته، وهنا المراد به: العورة الأمامية من
المرأة .
- أحول: حَوِلَتْ عينه حولاً: كان بها حول، فهو أحول.
قال في الموسوعة الميسرة: الحول - بفتح الواو - تعبيرٌ عامٌ يُطلق على
جميع الحالات التي يتّخذ فيها محور الأبصار بالنسبة لكليهما أوضاعًا تختلف
عن الحالة السوية .
وقال في المغرب: الحول أن تميل إحدى الحدقتين إلى الأنف، والأخرى
إلى الصدغ.
قال الأطباء: سببه إما خللٌ في أعصاب العضلات المحرِّكة للعين، أو
ضعفٌ فيها، أو أغلاط في انكسار الأشعة الضوئية الداخلة في العين، أو غير
ذلك.
- حرث: يقال: حرث الأرض حرثًا: أثارها للزراعة؛ فقوله سبحانه: ﴿نِسَآؤُكُمْ
(١) البخاري (٤٥٢٨)، مسلم (١٤٣٥).
---

٣٦٥
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ قال في المحيط: أي موضع حرث لكم، شبه نساءهم بموضع
الحرث، تشبيهًا لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان اليهود يضيِّقون في هيئة الجماع، من غير استنادٍ إلى علم، وكان الأوس
والخزرج يأخذون عنهم أقوالهم وأحوالهم؛ لأنَّهم أهل كتاب، وكان من
جملة افتراء اليهود قولهم: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان
الولد المقدر من ذلك الجماع أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ
فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
٢- فيه دليل على افتراءات اليهود، وأكاذيبهم القديمة والحديثة، وتحريفهم
لكتب الله تعالى، وتغييرهم كلماته؛ قال تعالى: ﴿يُحَرِّقُونَ اَلْكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦].
٣- وقال تعالى عن جهلهم وافترائهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلََّ
أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِ بِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا
[البقرة] .
٧٩
يَكْسِبُونَ
٤- الحديث فيه بيان كذب اليهود، وإبطال فريتهم، وأنَّ الرجل له أن يُجامع
زوجته على أي هيئةٍ وشكلٍ كان، مقبلةً أو مدبرةً، قائمةً أو جالسةً، ما دام
ذلك في القُبُل، وأنَّ هذا لا دخل له في صورة الولد وشكله ونوعه.
٥- الطب الحديث المبني على التجارب الصادقة، والحقائق الثابتة، كذَّب
اليهود، وأثبت إعجازًا علميًّا النَّبيِّ وَّه، ولستَّته المطهّرة.
٦ - الحديث حدد مكان الجماع بمكان الحرث الذي يطلب منه الولد، ويخرج
منه؛ كما قال تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرَّتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]
فلا تجاوزوا مكان الحرث إلى المكان الآخر .

٣٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٧- فيه الترغيب بالجماع، والتهييج عليه ما دام أنَّه حرث، والحَرْث يثمر الغلَّة
النَّافعة، ويحصل منه الثمرة الطيبة، وكذا الجماع: فإنَّه السبب بكثرة النسل،
وتكثير سواد المسلمين، وتحقيق مباهاة النبي ◌ّيقوم بأمته الأنبياء يوم القيامة.
-----

٣٦٧
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
٨٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَّهِ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْنِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ
جَنََّْ الشَّيْطَانِ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا؛ فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرَ بَيَّنَهُمَا وَلَدٌ
فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- لو أنَّ: ((لو)) هذه للتمنِّي، فلا تحتاج إلى الجواب عند محققي النحويين.
- أهله: جمعه أهلون، وأهل الرجل قرابته، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِىِ﴾
[هود: ٤٥] والمراد هنا من أهله: زوجته.
- جَنِّنا: من جنَّبَ الشيءَ يجنّبُهُ تجنيًا: إذا أبعده منه.
- الشيطان: وزنه فيعال من شطن، فالنون أصلية على الصحيح، والشيطان
معروف، وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب: شيطان.
- ما رزَقْتَنَا: من الرزق، وجمعه أرزاق، والرِّزق بكسر الراء: الاسم، وبفتح
الراء المصدر، والرزق في كلام العرب: الحظ؛ قال تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ
أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
٨٢
[الواقعة] أي حظكم من هذا الأمر، والرزق عام لكل ما
ينتفع به، ولذا يقال: اللَّهمَّ ارزقني زوجةً صالحةً، والمراد هنا: الولد الناشيء
من هذا الجماع.
- لم يضره: بفتح الراء، والضرر هنا عام الديني والبدني.
(١) البخاري (٥١٦٥)، مسلم (١٤٣٤).

٣٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يبين النبي وَّ في هذا الحديث سنة من آداب الجماع، وهو أنَّه ينبغي للرجل
إذا أراد جماع زوجته أن يقول: باسم الله، فإنَّ اسم الله تعالى يحل البركة
والخير فيما تقدم عليه، وترك اسم الله يجعل الشيء ناقصًا مبتورًا.
٢- أما الذِّكر الثاني عندَ الجِمَاع فهو أن يقول: ((اللهمَّ جنِّنا الشيطان، وجنِّب
الشيطان ما رزقتنا)) فهذا الدعاء المبارك، وتلك الاستعادَة، من شأنها إذا
قبلها الله تعالى ((فإنَّه إن يقدَّر بينهما ولدٌ في ذلك، لم يضره الشيطان))،
ويبقى محفوظا مصونًا من الشيطان الرجيم.
قالت المرأة الصالحة امرأة عمران: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ
[آل عمران].
قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ [آل
عمران: ٣٧].
٣- أسباب العصمة من الشيطان كثيرة منها الحسي، ومنها المعنوي: فهذا
الدعاء من الوقاية المعنوية من الشيطان ونزغاته، فإذا وُجد معه أيضًا
الأسباب الأُخرى، وانتفت الموانع، وجد المسبّب الذي رتِّب عليه، وهو
العصمة من الشيطان، وإنْ لم توجد الأسباب، أو وجد وللكن حصل معها
الموانع، لم يقع المسبّب
٤ - غالب أعمال الإنسان وعاداته لها أذكار؛ من دخول المنزل، والخروج منه،
والأكل، والشرب، والفراغ منهما، وعند النوم، والاستيقاظ، وغير ذلك
من التصرفات، فينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه الأذكار؛ ليكون من
﴿الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات﴾ .
٥- أفضل ما يحصن به الإنسان نفسه من عدوه الشيطان هو ذكر الله تعالى، الذي
منه الأوراد الشرعية؛ من كتاب الله ومما صحَّ عن رسول الله وَله .

٣٦٩
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
٦- الذكر المذكور ليس واجبًا، وإنما هو مستحب عند هذه الحالة، وسياق
الحديث يدل على هذا.
٧- وفيه دليلٌ على أنَّ الشيطان لا يُفارق ابن آدم، بل يُلازمه، ويُتابع أعماله؛
ليجد الفرصة في إغوائه وإضلاله ما استطاع، وللكن الفَطِن هو الذي لا يدع
فرصة له؛ وذلك باستحضار ذكر الله .

٣٧٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨٨٦ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، فَبَاتَ غَضْبَانَ،
لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَلِمُسْلِمٍ: ((كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى
عَنْهَا))(١) .
* مفردات الحديث:
- دعا الرجل امرأته: أي طلبها .
- إلى فراشه: بكسر الفاء، وهو هنا كناية عن الجماع.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الحديث يدل على عظم حق الزوج على زوجته؛ كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾
[النساء: ٣٤].
٢ - ويجب له عليها السمع والطاعة في المعروف ؛ فقد جاء في المسند وسنن
ابن ماجه عن معاذ بن جبل أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((والذي نفس محمَّد بيده! لا
تؤدي المرأة حق ربها، حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها، وهي على
قَتَبٍ، لم تَمْنعه)).
٣- أنَّه يحرم على المرأة أن تمنع، أو تماطل، أو تتكرّه على زوجها إذا دعاها
إلى فراشه من أجل الجماع، وأنَّ امتناعها هذا يُعتبر كبيرةً من كبائر
الذنوب؛ فإنَّه يترتب عليه أنَّ الملائكة تلعنها حتى تصبح .
(١) البخاري (٥١٩٣)، مسلم (١٤٣٦).

٣٧١
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
واللعن لا يكون إلاَّ لفعل محرَّم كبير، أو ترك واجبٍ محتم.
٤- أنَّ العشرة الحسنة والصُحبة الطّيبة هي أنْ تسعى المرأة في قضاء حقوق
زوجها الواجبة عليها، وتلبية رغباته، وأن تؤديها على أكمل وجه ممكن.
٥- الشّارع الحكيم لم يُرتِّب هذا الوعيد على الزوجة العاصية لزوجها، إلاَّ لِمَا
يترتَّب على عصيانها من شرور، فإنَّ الرَّجل لا سيّما الشاب إذا لم يجد
حلالاً، أغواه الشيطان بالوقوع في الحرام، فضاع دينه وخلقه، وفسد نسله،
وخرب بيته وأسرته.
٦ - الزوجة الصالحة هي التي وصفها الله تعالى بقوله: ﴿فَلَصَلِحَتُ قَنِشَتُ
حَفِظَتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] ووصفها النبي ◌َّ بقوله: ((خير
النساء امرأة إذا نظرتَ إليها سرَّتْك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غِبْتَ عنها
حفظتك في نفسها ومالك)).
٧- وفي الحديث دليل على جواز لعن العصاة ولو كانوا مسلمين، وفي الإخبار
عن لعن الملائكة: زجر لها في الاستمرار في العصيان، وردع لغيرها عن
الوقوع في مثله .
٨- الحديث فيه وجوب طاعة الزوجة زوجها عند طلبها لفراشه من غير تحديد
بوقت ولا عدد، وإنما يقيّد بما يضرُّها، أو يشغلها عن واجب.
فأما الوقت فقد روى أحمد وابن ماجه من حديث عبدالله بن أبي أوفى أنَّ
النَّبيَّ ◌َ ◌ّ قال: «لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها
نفسها، وهي على قتب، لم تمنعه)).
قال في الروض وغيره: ويلزمه الوطء إن قدر عليه ثُلث سنة مرَّة بطلب
الزوجة؛ لأنَّ الله قدَّر ذلك في أربعة أشهر في حق المُولِي، فكذلك في حق
غيره، واختار الشيخ أنَّ الوطء الواجب يكون بقدر حاجتها، وقُدرته، كما
يطعمها بقدر حاجتها، وقدرته، وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتضٍ

٣٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
للفسخ بكل حال.
وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: وله الإكثار من ذلك، لا يتحدَّد بحد، ولا
يقيَّد، ما لم يضر بها، فإن أضرَّ بها فلا؛ لحديث: ((لا ضرر، ولا ضرار))
[أخرجه أحمد وابن ماجه]، ولحديث: ((من ضارَّ، ضاره الله)) [رواه
الأربعة].

٣٧٣
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
٨٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ النَّبِيَّوَلِّ لَعَنَ
الوَاصِلَةَ، وَالمُسْتَوْصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ، وَالمُسْتَوْشِمَةَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
** مفردات الحديث:
- لعنه: أي طرده وأبعده عن الخير والرحمة .
- الوَاصِلَة: هي المرأة التي تصل شعرها أو شعر غيرها، بشعرٍ غيره.
- المستوصلة: هي المرأة التي تطلب أن يوصل شعرها بشعر غيره.
- الواشمة: الوشم يكون من غرز الإبرة في البدن، وذر النيلج عليه، حتى يزرق
أثره، أو يخضر، والواشمة هي المرأة التي تعمل هذا العمل.
- المستوشمة: هي المرأة التي تطلب أن يُعمل في بدنها الوشم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الواصلة هي التي تصل شعرها بشعر غيرها، والمستوصلة هي التي تطلب أن
يوصل شعرها بشعر غيرها .
٢- الحديث دلَّ على تحريم وصل الشعر بشعرٍ آخر، وأنَّ هذا من كبائر
الذنوب؛ لأنَّ الشَّارع لعن الواصلة، والمستوصلة، والَّلعن هو الطَّرد عن
رحمة الله، ولا يكون إلاَّ في حق صاحب كبيرة.
٣- قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز: وأما لبس الباروكة، فقد بدا في بلاد
المسلمين، واشتهر النساء بلبسه والتزين به، حتى صار في زينتهن، فلبس
المرأة إيّاها، وتزينها بها ولو لزوجها فيه تشبهٌ بالكافرات، وقد نهى بَ ل عن
ذلك بقوله: ((من تشبه بقوم فهو منهم) .
(١) البخاري (٥٩٤٠)، مسلم (٢١٢٤).

٣٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤ - وقال الشيخ عبدالعزيز ابن باز - أيضًا -: يجوز للرجل إزالة شعر جسده من
الظهر والصدر والساقين والفخذ إذا لم يضر بدنه، ولم يقصد التشبه بالنساء؛
لأنَّ الأصل الإباحة، ولا يجوز للمسلم أن يحرم شيئًا إلاَّ بالدَّليل ، ولا دليل
على تحريم هذا، وسكوت الله ورسوله يدل على الإباحة.
٥- أما الواشمة: فهي التي تغرز إبرة في موضع من بدنها أو بدن غيرها، حتى
يسيل الدم، ثم تحشو الموضع بالكحل والنورة، فيخضر، وأما
المستوشمة: فهي التي تطلب أن يُفعل بها ذلك.
٦ - الحديث يدل على تحريم الوشم، وأنَّ فاعله والمفعول به ملعونان، واللَّعن
لا يرتب إلاّ على من فعَل كبيرة من كبائر الذنوب.
٧- قال الشيخ أحمد بن محمَّد بن عساف في كتابه ((الحلال والحرام)): ومِن
الزينة وشم الأبدان، ووشر الأسنان، وقد (لعن رسول الله ◌َّلية الواشمة،
والمستوشمة، والواشرة)) [رواه مسلم].
أما الوشم ففيه تشويه للوجه والیدین.
هذا ومن النَّاس من يتَّخذون منه صورًا لمعبوداتهم وشعائرهم، كما نرى في
أيَّامنا بعض النَّصارى يرسمون الصليب على أيديهم وصدورهم.
٨- وقال الألوسي في كتابه ((بلوغ الأرب)): إنَّ الوشم مذهب باطل، وعادة
مستقبحة جدًّا؛ فلذلك أبطلته الشريعة الإسلامية، وجعلته محرَّمًا؛ لِما فيه
من تغيير خلق الله .

٣٧٥
=
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
٨٨٨ - وَعَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ:
((حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ وَّه فِي أُنَاسِ، وَهُو يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى
عَنِ الغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلاَدَهُمْ، فَلاَ
يَضُرُّ ذُلِكَ أوْلاَدَهُمْ شيئًا، ثمَّ سَأَلُوهُ عَنِ العَزل؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ :
ذُلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- هَمَمْتُ: قال أهل اللغة: همَّ بالأمر همَّا: عزم على القيام به ولم يفعله؛ فقد
همَّ ◌ََّ أن ينهى عن الغِيلة، وللكنه لم ينه .
- الغِيلة: بكسر الغين المعجمة فمثناة تحتية، وهي مجامعة الرجل امرأته وهي
ترضع، أو حامل.
- الروم: جيلٌ عظيمٌ من الناس، بلغوا في زمانهم الغاية في الكثرة والقوّة.
قال ابن حزم: إنَّ الرُّوم نسبوا إلى ((روملس)) باني روما، ولما زحفت
الفتوحات الإسلامية، استولت على غالب بلادهم.
- فارس: أمةٌ عظيمةٌ كثيرةٌ وشديدة فيما وراء النَّهر من بلاد العرب، قال ابن
حزم: من بني ساسان بن بهمن.
وقال في الموسوعة الميسرة: المرجح أنَّ الفرس كانوا رُخَّلاً في القرن
السابع قبل المسيح، واستقروا بإقليم فارس الخالي بعد الآشوريين.
- العَزْل: هو أن ينزع الرجل ذكره من فرج المرأة، حتى لا يُنزل فيه؛ دفعًا
الحصول الحمل .
(١) مسلم (١٤٤٢).

٣٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- الوأد الخفي: بفتح الواو، ثمَّ همزة ساكِنة، يُقال: وأد الرجل ابنته يئدها وأُدًا:
پِآَمِّ ذَنب
٨
دفنها حيَّة فهي موءودة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ
قُئِلَتْ ﴾﴾ [التكوير].
فلمَّا كان العزل إتلافًا للحيوانات المنوية بالإنزال خارج الفرج، شبّه بالوأد
الخفي الذي لا يرى أثر قتله؛ فهو إتلاف نفسٍ ولو بعيدة عن الوجود.

٣٧٧ -
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
٨٨٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلاً
قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ
تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ اليَهُودَ تَحَدَّثُ أَنَّ العَزْلَ
المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: كَذَبَتِ اليَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا
اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ،
وَالطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ(١).
درجة الحديث:
الحديث صحيح.
فرجاله ثقات كما قال المصنف، رواه أحمد، والنسائي، وأبوداود،
والطحاوي، والترمذي، بسندٍ صحيح، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه
أبو يعلى، والبيهقي بسندٍ حسنٍ أيضًا؛ فالحديث صحيح.
*** مفردات الحديث:
- الجارية: هي الشَّابَّة من الإماء، سميت به؛ لخفة جريانها .
- أعزل: العزل: هو نزع الذكر من الفرج؛ ليُنزِلَ خارجه.
- الموءودة: في الأصل هي البنت التي تُدفن حية تحت التراب، شبَّه عزل
الحيوان المنوي حينما يتلف قبل أن ينمو نموًّا بشريًّا بالبنت الموءودة، إلاَّ أنَّ
النَّبِيَّ وَّلِ كَذَّب اليهود في ذلك.
(١) أحمد (٣٣/٣)، أبوداود (٢١٧١)، النسائي في عشرة النساء (١٩٤)، الطحاوي (١٩١٦).

٣٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَه وَالقُرآنُ يَنْزِلُ، ولَوْ كَانَ شَيءٌ يُنْهَى عَنْهُ، لَنْهَانَا
عَنْهُ القُرآنُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِمُسْلِمٍ : ((فَبَلَغَ ذُلِكَ نَبِيَّ اللّهِ لَ، فَلَمْ يَنْهَنَاَ عَنْهُ))(١).
* مفردات الحديث:
- والقرآن ينزل: جملة حالية.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١ - قال في النهاية: الغيلة: الاسم من الغيل، وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي
مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، والعرب تكره ذلك، والأطباء
يقولون: إنَّ ذلك داءٌ يضر بالطفل الرضيع .
٢ - همَّ النَّبيُّ ◌َّ أن ينهى عن الغيلة، بناءً على خبر أطباء زمنه، وكونه مستكرهًا
عند العرب، للكنه لم يفعل .
٣- لما نظر رسول الله بَّل إلى شعب فارس وشعب الروم، وإذا بهم يغيلون
أولادهم، يسقونهم لبن الحوامل ولا يضرهم شيئًا مع تطبيق التجربة،
والتجربة هي سُلَّم العلوم الطبيعية، فظهر أنَّ الغيلة لم تضر أبناء فارس
والروم، فأقصر عن النَّهي عنها .
٤ - جاء في سنن أبي داود من حديث أسماء بنت يزيد قالت: سمعتُ رسول الله
وَّ يقول: ((لا تقتلوا أولادكم سرًّا؛ فإنَّ الغيل يدرك الفارس فيُدَعْثِره عن
فرسه))، ومعنی یدعثر أي يصرعه ويهلكه.
(١) البخاري (٣٠٥/٩)، مسلم (١٤٤٠).
----- ------------ ---

٣٧٩
كتاب النكاح - باب عشرة النساء
والغيل أصله أن يجامع الرجل المرأة وهي مرضع؛ فيقول وَله: إنَّ
المرضع إذا جومعت، فحملت، فسد لبنها، ونهك الولد إذا اغتذى بذلك
اللبن، فيبقى ضاويًا، فإذا صار رجلاً فركب الخيل فركضها، أدركه ضعف
الغيل، فزال وسقط عن متونها؛ فكان ذلك كالقتل له، إلاَّ أنَّه سِرّ لا يُرى ولا
يُشعر به؛ كما قال الخطابي في معالم السنن.
٥- قال ابن القيم في كتابه ((مفتاح دار السعادة)): الغيل: هو وطء المرأة إذا كانت
ترضع، وأنه يشبه قتل الولد سواء، وأنَّه يدرك الفارس، وقوله اَّ في
حديث: ((لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة، ثم رأيتُ فارس والروم يفعلون،
ولا يضر ذلك أولادهم شيئًا))؛ فإن الغيل يفعل في الوليد مثل ما يفعل من
يصرع الفارس عن فرسه، وذلك يوجد نوع أذى، ولكنَّه ليس بقتلٍ للولد،
وإن كان يترتب عليه نوع أذى للطفل، فأرشدهم لل إلى تركه، ولم ينه عنه،
ثم عزم على النَّهي؛ سدًّا لذريعة أذى ينال الرضيع، فرأى أنَّ سدَّ هذه
الذريعة لا يقاوم المفسدة التي تترتَّب على الإمساك عن وطء النساء مدَّة
الرضاع، فرأى أنَّ هذه المصلحة أرجح من مفسدة سد الذريعة، فنظر فإذا
الأُمَّتان اللتان هما من أكثر الأمم وأشدها بأسًا يفعلون ذلك فأمسك عن النَّهي
عنه، فلا تعارض بين الحديثين، والله أعلم.
٦- قال الدكتور محمَّد علي البار: الجنين يستمد غذاءه كله من أمه، فتمده
بجميع عناصر الغذاء، ولو أدَّى إلى الإضرار بها، فمثلاً تعطيه الكالسيوم ولو
أدّى إلى سحبه من عظامها، كما تعطيه الحديد ولو أصابها بفقر الدم،
وتمنعه من وصول المواد الضارة مثل: البولينا ، وغاز أكسيد الكربون،
وتمنعه المواد السامة، مع أنَّها تعيش في جسمها .
ومن المعلوم أنَّ الرضيع - وخاصة في الأشهر الأولى - يعتمد اعتمادًا
كاملاً في غذائه على لبن الأم، وهو يسحب الموادَّ الهامة لبناء جسمه، كما

٣٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يفعل الجنين أثناء الحمل من الضرر الذي يقع أولاً على الأم، ثم يقع بعد
ذلك على الجنين؛ لأنَّ دم الأم أصبح فقيرًا بالمواد الغذائية، فإذا استنفذت
مصادر الكالسيوم والحديد .. إلخ، المدخرة لدى الأمّ، أدى ذلك إلى نقص
هذه المواد لدى الجنين، ولدى الرضيع .
٧- وقال الدكتور محمَّد علي البار- أيضا - في كتابه: ((خلق الإنسان)): إنَّ
الرضاع هو أحد العوامل القديمة والهامة في تحديد النسل؛ فالمرضع عادة
تتوقف عادتها الشهرية، ويمتنع المبيض نتيجة الإرضاع عن إفراز البيضة
المعهودة في كل شهر، وقد قرَّر الإسلام حق المولود في الرضاع حولين
كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة.
ومع هذا، فإنَّ القاعدة قد تنخرق، كما تنخرق بقية القواعد أمام الإرادة
الإلهية، وقد رأى رسول الله وَ ليل أنَّ ذلك قد يضر بالجنين الذي حملت به
أمه أثناء إرضاعه لأخيه أو أخته.
٨- العزل هو نزع الذكر من فرج المرأة أثناء الجماع، وإراقة المني خارج
الفرج؛ خشية الحمل.
والحديث رقم (٨٨٨) جعله الوأد الخفي، والوأد هو دفن البنت حيَّة،
وإهالة التراب عليها حتى تموت، وكانت عادة جاهلية، والوأد حرام،
والعزل يشبه الوأد من حيث إتلاف نطفة خفية عندها استعداد للنمو لتكون
إنسانًا، لا من حيث الحكم الذي هو قتل النفس المعصومة البريئة بهذه
الطريقة الوحشية .
٩- يدل الحديث على أنَّ العلوم الطبيعية من طب ونحوه تُدْرَكُ بالتجارب
وتُحصَّل بالنتائج.
١٠ - ويدل الحديث على أنَّ أخذ العلوم غير الشرعية من الأمم الكافرة لا يعد
ذلك تقليدًا لهم، وركونًا إليهم، وتشبها بهم؛ فإنَّ هذا العلم من سنن الله