Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١) كتاب النكاح ٨٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لاَ يَنْكِحُ الزَّانِي المَجلُودُ إِلاَّ مِثْلَهُ)) روَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ(١). · درجة الحديث: الحديث صحيح. قال ابن حجر: رجاله ثقات، وقال ابن عبدالهادي في المحرر: إسناده صحيح إلى عمرو، وهو ثقة محتج به عند الجمهور. اهـ، وصحَّحه الحاكم، وأقرَّه الذَّهبي. * مفردات الحديث: - الزاني المجلود: الزاني: هو من اقترف فاحشة الزنا، وأما المجلود: فهو الذي أقيم عليه حد الزنا، وهو وصفٌ أغلبي . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النكاح لغة: الوطء والعقد، وسمي هنا ما يفعله المجلود نكاحًا مجازًا، لا حقيقة؛ لأنَّه جُعِل طريقًا إلى الوطء. ٢- فالراجح أنَّ المراد بالحديث هو تشنيع الزنا، وأنَّه لا يقع من رجل عفيفٍ على امرأةٍ عفيفة، وإنما يقع من رجلٍ عادته الزنا، على امرأةٍ مثله مسافحةٍ زانیةٍ . ٣- وهذا المعنى في الحديث هو الراجح في معنى الآية الكريمة: ﴿اَلَِّ لَا يَنْكِمُ (@) [النور] إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزَِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١) أحمد (٣٢٤/٢)، أبوداود (٢٠٥٢). ٣٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال ابن كثير: هذا خبرٌ من الله تعالى بأنَّ الزاني لا يطأ إلاَّ زانيةً، أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلاَّ زانيةٌ عاصية، أو مشركةٌ لا ترى حرمة ج ذُلك، وكذلك الزانية: ﴿لَا يَكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] أي عاصٍ بزناه، أو مشركٌ لا يعتقد تحريمه . قال النووي: عن حبيب بن أبي عمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ليس هذا بالنكاح، وإنَّما هو الجماع، لا يزني إلاَّ زانٍ أو مشركٌ. وهذا إسنادٌ صحيح، وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَسقال: ((لا ينكح الزاني المجلود إلاّ مثله)). وقال ابن جزي: معنى الآية ذم الزناة، وتشنيع الزنا، وأنَّه لا يقع فيه إلاّ زانٍ أو مشركٌ، ولا يوافقه عليه من النساء إلاَّ زانيةٌ أو مشركةٌ. و((ينكح)) على هذا بمعنى يجامع. قال شيخ الإسلام: مَنْ أوَّل هذه الآية إلى العقد، فبطلان قوله ظاهر. ٤- وحمل الحديث أكثر العلماء على معنى: أنَّ الزاني المجلود لا يرغب عقد زواجه إلاّ على مثله، وكذلك الزانية، لا ترغب في الزواج إلاَّ من عاصٍ مثلها . ٥ - الذي يدل عليه الحديث هو النَّهي عن ذلك - لا الإخبار عن مجرَّد الرغبة - وأنَّه يحرم أنْ ينكح زانٍ عفيفةً، كما أنَّه يحرم أن تنكح عفيفةٌ زانيًا، وصرَّح [النور]، أي كاملي بالتحريم بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الإيمان الذي هم ليسوا بزناة، فإنَّه ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)). قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الزاني لا يُقْدِم على نكاحه من النساء إلاَّ أنثى زانيةٌ، يُناسب حاله حالها، أو مشركة بالله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلاّ زانٍ أو مشركٌ. وهذا دليلٌ صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح ------ ---- ٣٠٣ كتاب النكاح الزاني حتى يتوب. ٦- وقال في نيل المآرب: وتحرم الزانية على زانٍ وغيره حتى تتوب وتنقضي عدَّتها . قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم: لا يجوز زواجه بامرأةٍ حاملٍ منه بالزنا، حتى تقضي عدَّتها بوضع حملها . قال شيخ الإسلام: نكاح الزانية حرامٌ حتى تتوب، سواء كان زنى بها هو أو غيره، هذا هو الصواب بلا ريب، وهو مذهب طائفةٍ من السلف والخلف، منهم أحمد بن حنبل، وغيره، ويدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار. وإذا كانت المرأة تزني، لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، بل يفارقها، وإلاّ كان ديوثًا؛ لاختلاف المادتين، نجاسةً وطهارة، وطيبًا وخُبْئًا، ولاختلاف الوطء، حلالاً وحرامًا. ٣٠٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٦٦ - وَعَن عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لاَ، حَتَّى يَذُوقَ الآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * مفردات الحديث: - رجل: هو رِفَاعَة بن شمول القرظي، ورِفَاعة: بكسر الراء، وتخفيف الفاء. - الرجل الثاني: عبدالرحمن بن الزَّبِير بن باطيا القرظي أيضًا، والزَّبِير بفتح الزاي، وكسر الباء الموحدة. - يَدْخُل بهَا: المراد بالدخول هنا ليس مجرَّد الخلوة، وإنَّما هو الوطء. - يذوق: يُقال: ذاق يذوق ذوقًا: اختبر الطعم، والذوق هو الحاسة التي تميز بها خواص الأجسام الطعمية، بواسطة الجهاز الحسِّي في الفم، ومركزه اللسان . قال في المحيط: الأصل في الذوق تعرُّف الطعم، ثمَّ كثر حتى جعل عبارة عن كل تجربة، ومنه معنى الحديث. - عُسيلتها: بضم العين، وفتح السين بعدها ياء مثناة، تصغير عسلة، والعسل فيه لغتان: التأنيث والتذكير، فأتت العُسيلة لذلك؛ لأنَّ المؤنث يُرَدُّ إليه الهاء إذا صغر . قال في النهاية: شبّه لذّة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقًا، وقد (١) البخاري (٥٢٦١)، مسلم (١٤٣٣). ٣٠٥ كتاب النكاح روت عائشة أنَّ النَّبِيَّ ◌َّه قال: ((العسيلة الجماع)). - طلَّق رجلٌ ... فسأل: جاء في البخاري أنَّ التي سألت هي امرأة رفاعة، وجاء في فتح الباري أنَّ اسم المرأة السائلة المطلّقة هي تميمة بنت وهب القرظية ولا مانع من أن يكون كلٌّ من المطلِّق والمطلّقة جاءا إلى رسول الله مَ لّ فسألاه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الطَّلاق بلفظ الثلاث، سواءٌ أكانت مجموعة بلفظٍ واحدٍ، أو مفرقةً بكلمات مكررات ، لم يتخللهن رجعة ولا نكاح: هو طلاق بدعي محرَّم، وسيأتي بحثه إن شاء الله في كتاب الطلاق. ٢ - المطلقة ثلاثًا لا يحل لمطلِّقها الرجوع بها حتى تنكح زوجًا غيره، ويجامِعها الزوج الثاني، ثم يطلقها، وتعتد منه، قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ٣- لابُدَّ أنْ يكون زواج الثاني زواج رغبةٍ، لم يقصد به التحليل، فإذا تزوجها الثاني راغبًا بها، ثم طلَّقها، واعتدت، حلَّت للزوج الأول، قال تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرَاجَعَآ إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُ ودَاللّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ٤- أما إنْ قصد الثاني بزواجه التحليل للأوَّل، فإنَّ العقد غير صحيح، بل هو باطلٌ، ونكاحه ووطؤه محرَّم، ولم تحل للزوج الأول؛ فقد جاء عن النبي وَّ أَنَّه قال: ((لعن الله المحلِّل والمحلَّل له)). ٥ - ولابُدَّ لصحة حِلُّها للزوج الأول، وطء الزوج الثاني، كما قال ◌َّ: ((لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول)) وهو كنايةٌ عن الجماع. ٦ - اتَّفق العلماء على أنَّ النّكاح الذي يحلها هو الإصابة، وذلك بإيلاج الحشفة - أو قدرها من مجبوبٍ - في فرج المرأة المطلّقة، مع انتشار، وإن لم ينزل، فلا يكفي مجرَّد العقد، ولا الخلوة، ولا المباشرة دون الفرج، ولا كون العقد الثاني باطلاً أو فاسدًا، بل لا بُدَّ أنْ يكون بعقدٍ صحيح. ٣٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولا يُشترَط بلوغ الزوج الثاني، ما دام أنَّه یجامع مثله، وهو ابن عشر سنين. ٧- قال ابن القيم: شريعتنا أجمل الشرائع، وأقوم بمصالح العباد، فله أن يعاف زوجته، فإن تاقت نفسه إليها وجد السبيل إلى ردها، فإذا طلَّقها الثالثة لم يبق له عليها سبيل، إلاّ بعد نكاح زوج ثانٍ، نكاح رغبة، فإباحتها بعد الزوج الآخر من أعظم النعم. ٨- قال الرازي: الحكمة في إثبات حق الرجعة أنَّ الإنسان ما دام يكون مع صاحبه، لا يدري أنَّه هل يشق عليه مفارقته أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعَظُمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة. ثم لما كان كمال التجربة لا يحل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرَّتين، وبعد ذلك فقد جرَّب الإنسان نفسه في تلك المفارقة، وعرف حال قلبه في ذلك الباب، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرَّحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده. ٩ - وقال سيد قطب: إنَّ الطلقة الأولىُ محكٌّ وتجربة، فأما الثانية فهي تجربةٌ أخرى، فإن صَلُحت الحياة بعدهما فذاك، وإلاَّ فالطلقة الثالثة دليلٌ على فسادٍ أصيلٍ في حياة الزوجية، لا تصلح معه حياة، فيحسن أن ينصرف کلاهما إلى التماس شريكٍ جدید . فإن طلَّقها الزوج الآخر فلا جناح عليهما أن يتراجعا، ولكن بشرط: ﴿ إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اَللّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فليسا متروكين لشهواتهما ونزواتهما ، في تجمع أو تفرق ، وإنما هي حدود الله تقام بينهما . ٣٠٧ كتاب النكاح - باب الكفاءة - باب الكفاءة مقدمة الكفاءة: بفتح الكاف، هي لغةً المساواة، ومنه الحديث: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) أي تتساوى، فالكُفُ والكُفُوء، بوزن قُفْل، وقفول، هو المثل والنظير، ومنه الكفاءة في النكاح. قال في كشاف القناع ما خلاصته : وشرعًا: الكفاءة معتبرةٌ في خمسة أشياء: ١ - الدِّين: فليس الفاجر والفاسق كفوءًا لعفيفة. ٢- الحرية: فلا يكون العبد كفوءًا للحرَّة. ٣۔ الصناعة: فلا یکون صاحب صناعة دنیئةٍ ـ کحجّام، وحائِ ۔ کفوءًا لبنت تاجر . ٤- اليسار بمال: حسب ما يجب لها من النفقة والمهر، فلا يكون المعسر كفوءًا الموسرة . ٥- النسب: فلا يكون الأعجمي كفوءًا لعربية. والعرب من قرشي وغيره، بعضهم لبعضٍ أكفاء، وسائر الناس بعضهم لبعض أكفاء . قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم، وأنَّ قريشًا أفضل ٣٠٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام العرب، وأنَّ بني هاشم أفضل قريش، وأنَّ رسول الله وَّ أفضل بني هاشم. وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم بمجرَّد كون النبي ◌َّ منهم، بل هم في أنفسهم أفضل . قال الكرماني: هذا مذهب أئمة أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، فمن خالف هذا المذهب، أو عابه، فهو مبتدعٌ، خارجٌ عن الجماعة، زائلٌ عن منهج السنة وسبيل الحق، الذي عليه أحمد، وإسحاق، والحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم، فتعرف للعرب مقامها، وفضلها، وسابقتها، وحسْبهم حديث: ((حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق)) وهو حديثٌ ضعيف؛ للكنه في الفضائل . وسبب هذا الفضل - والله أعلم - هو ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك أنَّ الفضل إما بالعلم النافع، وإمَّا بالعمل الصالح، والعرب أفهم من غيرهم، وأحفظ، وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم لسانٍ، بيانًا وتمييزًا للمعاني. وأمَّا العمل : فإنَّهم جُبِلوا على الأخلاق الكريمة، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب إلى السخاء، والحلم والشجاعة، والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام قابلين للخير، معطَّلين عن فعله، ليس عندهم علمٌ منزَّل من السماء، ولا شريعةٌ موروثةٌ عن نبي، ولا هم أيضًا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة، فلما بعث الله محمَّدًا فَّه بالهدى، وتلقَّوه عنه، زال ذلك الرَّين عن قلوبهم، واستنارت بهداية الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجديدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل الله إليهم، فصار السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم مَن تبعهم ٣٠٩ كتاب النكاح - باب الكفاءة بإحسان إلى يوم القيامة، ومن تشبه بهم. والله تعالى خص العرب بأحكام تميَّزوا بها، ثم خصَّ قريشًا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النُّوَّةً، وغير ذلك من الخصائص، ثم خصَّ بني هاشم بتحريم الصدقة، واستحقاق قسط من الفيء، إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى سبحانه وتعالى كلّ درجة من الفضل بحسبه، والله أعلم. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وقال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال ◌َّةٍ: ((اختار الله من بني آدم العرب، واختار من العرب مضرًا، واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيارٌ من خيار، فمن أحبَّ العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم))، وقال وَلّ: («أحبُّوا العرب لثلاث: لأنِّي عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي)) حديث حسن، أي حسن: متنه على الاصطلاح العام، لا حسن إسناده على طريقة المحدثين؛ فإنَّ في الحديث ضعفًا. قال سلمان: ((نفضلكم يا معشر العرب؛ لتفضيل رسول الله وَله إيَّاكم، لا ننكِحُ نساءكم، ولا نؤمكم في الصَّلاة». ولما وضع عمر ديوان العطاء، كتب النَّاس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم نسبًا من رسول الله ◌َّة، فلمَّا انقضت العرب ذكر العجم. هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء إلى أن تغير الأمر. اهـ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -. وقد جاء في الحدث الصحيح أنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قال: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقُهُوا» والتفاوت بين مخلوقات الله تعالى جَوْدَةً ورداءةً موجودٌ، فهذا هو سنته في خلقه في كل شيءٍ من جمادٍ ونباتٍ وحيوانٍ وإنسانٍ، بحسب ما أودع فيه ٣١٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام من خصائص، فالله جلَّ وعلا يفضل بعض الأشياء على بعض. أما من حيث الواجبات، فالمسلمون أمامها سواء، لا فضل لأحد على أحد. وكذلك هم أمام الحقوق سواء، فلا تفضيل لبعضهم على بعض، وهم أمام الله تعالى على حسب تقواهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وإِذنْ فليس هنا تفاوت بين النصوص، وإنما كل منها في ناحية. والله أعلم. ٣١١ كتاب النكاح - باب الكفاءة ٨٦٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: «العَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إِلاَ حَائِكًا، أَوْ حَجَّامًا)) رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ (١)، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ البَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعِ(٢). درجة الحديث: * الحدیث ضعيف جدًّا. وقد روي من حديث ابن عمر، وعائشة، ومعاذ. قال الشيخ الألباني: إنَّ طُرَق الحديث أكثرها شديدة الضعف، فلا يطمئن القلب لتقويته بها، لا سيَّما وقد حكم عليه بعض الحفّاظ بالوضع، ومنهم ابن عبدالبر . * مفردات الحديث: - العرب: قال في الوسيط: العرب أمَّةٌ من النَّاس، سامية الأصل، كان منشؤها جزيرة العرب، جمعه أعراب، والنسب إليه عربي. - أكفاء: بفتح الهمزة، وسكون القاف: جمع كُفء، مثلَّث الكاف، والكُفْء: هو المثيل والنظير، قال في الميحط: الكفاءة حال يكون بها الزوج نظيرًا للزوجة . اهـ. فالمراد بالكفاءة في النكاح: المساواة بين الزوجين في أمورٍ مخصوصةٍ، منها النسب. (١) البيهقي (١٣٤/٧)، وانظر: العلل لابن أبي حاتم (٤١٢/١، ٤٢٣). (٢) البزار (٢٦٧٧). ٣١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - الموالي: جمع مولى، وهو من انحدر من أصلٍ أعجمي. - حائكًا: حاك الثوب يحوكه حوكًا وحياكة: نسجه، فالحياكة هي نسج الثياب، والحائك هو الذي ينسج الثياب، جمعه حاکة. - أو حجامًا: الحِجامة: امتصاص الدم بالمِحجم، والحجَّام محترِف الحجامة . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يدل على اعتبار الكفاءة في النكاح بالنسب، وأنَّ العرب بعضهم أكفاء بعض، بلا فرق بين قريش وبين غيرهم من بقية العرب. قال في شرح الإقناع: فلا يكون من ليس من العرب كفوءًا العربية؛ لأَنَّ العرب يعتبرون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا، ويؤيده حديث: ((إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)). ٢- قال علماء الدرعية: وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي فجائزٌ إجماعًا، فقد زوَّج علي بن أبي طالب ابنته لعمر بن الخطاب، وكفى بهما أسوة. ٣- ويدل على أنَّ الموالي بعضهم أكفاء بعض، وأنَّهم غير أكفاء للعرب، وتقدَّم في المقدمة، النصوص وكلام العلماء في ذلك. ٤- ويدل الحديث على اعتبار الكفاءة في المهنة، فإنَّ الحائك والحجام والزيَّال ليسوا أكفاء لأصحاب الأعمال الرفيعة، والمناصب الكبيرة. ٥- هذا الحديث متكلَّمٌ فيه، فقد استنكره أبوحاتم، وقال الدار قطني: لا يصح، وقال ابن عبدالبر: منكرٌ، موضوعٌ، وله طرقٌ كلُّها واهية. والحديث مع ضعفه، فإنَّه معارض بأحاديث أصح منه ستأتي إن شاء الله . ٦- الكفاءة معتبرة في حق الرجل دون المرأة، ففقد صفات الكفاءة في المرأة غير معتبر، والكفاءة هي الدين، والمنصب، والحرية، والصناعة غير المزرية، واليسار، ولا تعتبر في الأم؛ لأنَّ الولد إنما يشرُف بشرف أبيه، لا ..--- ٣١٣ كتاب النكاح - باب الكفاءة بشرف أمه، فليست الكفاءة معتبرة في حق المرأة للرجل. ٧ - الكفاءة معتبرة للزوم عقد النكاح، لا لصحته، وهي معتبرةٌ في خمسة أشياء: ( أ ) في الدين: بأداء الفرائض، واجتناب النواهي، فلا يكون الفاسق كفوءًا للعفيفة . (ب) النسب: فليس العجمي كفوءًا للعربية . (ج) الحريّة: فليس العبد كفوءًا للحرَّة. (د) الصناعة: فليس الحجَّام والحائك والزبَّال أكفَاءً لذوي الأعْمال الرَّفيعة. (هـ) اليسار: فليس الفقير المُعدم كفوءًا لذوي اليسار والغنى. فالكفاءة في هذه الأشياء شرط للزوم النكاح، فإن لم يرض أولياء المرأة بالزوج لعدم كفاءته انفسخ النكاح؛ لأنَّ العار عليهم، فقد أخرج أحمد، والنسائي، وابن ماجه، بسند رجاله رجال الصحيح، من حديث عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت فتاة إلى رسول الله وَّ فقالت: ((إنَّ أبي زوَّجني ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها)). وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ((لأمنعنَّ تزويج ذوات الأحساب إلاَّ من الأكْفَاء)) [رواه الدار قطني]. وليست الكفاءة شرطًا لصحة النكاح لأمر النبي ◌َّ فاطمة بنت قيس القرشية أن تنكح أسامة بن زيد، وهو مولى، وقد زوَّج أبو حذيفة - وهو من بني عبدمناف - ابنة أخيه لسالم وهو مولى لامرأة من الأنصار. [رواه البخاري]. وقال ◌ُّر: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلُقه فأنكحوه، إلاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض، وفسادٌ كبير))، وغير ذلك من الأدلة. واشتراط الكفاءة في لزوم النكاح دون صحته، هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، قال الموفق: وهو قول أكثر أهل العلم. ٣١٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٦٨ - وَعنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّلـ قَالَ لَهَا: ((انْكِحِي أُسَامَةَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.(١) ٨٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيِّ بَّرْ قَالَ: (يَا بَنِي بِيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إِلَيْهِ)) وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ(٢). * درجة الحديث: الحديث حسن . قال المصنف - رحمه الله -: رواه أبوداود، والحاكم بسند جيد. كما حسَّنه المصنف في التلخيص الحبير، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذَّهبي. * مفردات الحديث: - بني بياضة: بنوبياضة بن عامر بطنٌ من بطون الخزرج، إحدى قبيلتي الأنصار، أصلهم من الأزد من قحطان . - أباهند: أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي، واسمه عبدالله، وكان حجَّامًا حَجَم النبيَّ وَِّ . ما يؤخذ من الحديثين: * ١- هذان الحديثان: الأوَّل صحيح، والثاني جيد الإسناد، وهما يعارضان (١) مسلم (١٤٨٠). (٢) أبوداود (٢١٠٢)، الحاكم (١٦٤/٢). ------------ -- ----- ٣١٥ كتاب النكاح - باب الكفاءة الحديث الذي قبلهما، من حيث اعتبار الكفاءة في النسب، ومن حيث الكفاءة في المهنة : فأسامة بن زيد الذي كان أصله عربيًّا، إلاَّ أنَّ الرق قد مس أباه، وهو يسري عليه؛ لأنَّ لُحمة كلُحمة النسب، قد أمر النبي وَّ فاطمة بنت قيس القرشية إحدى المهاجرات - مع فضلها، وجمالها، وشبابها، وكمال دينها، وعقلها - أن تنكح أسامة بن زيد المولى، مما يدل على عدم اعتبار الكفاءة في النسب، ولا فيما أصله الحريّة، وأصله الرق. ٢- والحديث رقم (٨٦٩) يدل على عدم اعتبار الكفاءة لا في النسب، ولا في المهنة . ذلك أنَّ النَّبِيَّ وَّ أمر إحدى قبائل الأنصار، وهم القبيلة القحطانية الأزدية العربية أن يُنْكِحُوا أباهند، وهو من أحد موالي بني بياضة المذكورين، وكان مع ما مسَّه من الرق حجَّامًا، والحجامة عند العرب صناعة دنيئة . ٣- فهذان الحديثان يدلان على عدم اعتبار الكفاءة في النسب أو المهنة، وتدل النصوص الأخر على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَئِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]. وقال مَّي: ((لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، كلهم لآدم، وآدم من تراب)). والأحاديث في هذه المسألة كثيرة. ٤- وهذا لا ينافي ما تقدَّم في المقدمة من بيان فضل العرب، وميزاتهم، وخصائصھم، وما جیلهم الله تعالی وهیَّهم له. فتلك أمور خُصُوا بها، وامتازوا بها، وفَضَلُوا غيرهم بها، ولكنَّها لا ٣١٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام تجعل منهم طبقة مترفِّعةً على غيرها، ومتميزةً ترى لها من الحقوق أكثر من غيرها، وتتخلَّى عن التزاماتها الشرعية والعرفية، إنَّما هم وغيرهم في هذا سواء، كما أنَّهم أمام الله تعالى سواء: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ٥- قال شيخ الإسلام: ولا يصح لأحد أن يُنكح موليته رافضيًّا، ولا من يترك الصلاة، ومتى زوَّجوه على أنَّه سني يصلي، ثم بان بخلافه فإنهم يفسخون نكاحه . وليس للعمِّ ولا غيره من الأولياء أن يزوج موليته بغير كفء إذا لم تكن راضية بذلك باتفاق الأئمة، وإذا فعل ذلك، استحق العقوبة الشرعية، التي تردعه وأمثاله عن ذلك. -1 ---- ٣١٧ كتاب النكاح - باب الخيار باب الخيار مقدمة الخیار: اسم مصدر، واسم المصدر هو ما خَلا مِن بعض حروف فعله، وساوى المصدر في الدلالة على الحدث . والخيار هو طلب خير الأمرين من إبقاء النكاح أو فسخه، وعقد النكاح من العقود اللازمة، التي لا خيار فيها ولا رجعة، وذلك لما روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ مَّه قال: «ثلاث جدهنَّ جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة)) فإذا تم عقد النكاح بالإيجاب والقبول، بعد أنْ توفرت أركانه وشروطه، لزم، ولم يبق لأحد من العاقدين خيار مجلس، ولا خيار شرط، ولا غيرهما من الخيارات، وإنما لكل من الزوجين خيار العيب، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ولكن هناك أفراد مسائل، يطلب فيها اختيار أحد الزوجين، كما ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى . والسبب - والله أعلم - في لزوم النِّكاح من حين العقد، وعدم الخيار فيه يرجع إلى أمرين : الأوَّل: أنَّهُ لا يتم العقد إلاّ بعد مشاورةٍ وتروِّ في الأمور، وسؤال كل واحدٍ من الزوجين عن الآخر، فلا حاجة إلى الخيار، كما يُحتاج إليه في البيع الذي يتكرر، وكثيرًا ما يقع فجأةً، بلا سابق فكرٍ وتأمُّل، فيحصل فيه غبن، ونحو ذلك، فجُعِل له الخیار. ٣١٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام الثاني: أنَّ الرجوع فيه بعد إتمامه، واختيار الفسخ بعد العقد، يُحدث سمعة عندالناس للطرفين سيئة، وتشقُّب الظنون، والتخرصات، كما يحصل بين الزوجين والأسرتين من النفرة والعداوة الشيء الكثير، والله أعلم. ٣١٩ كتاب النكاح - باب الخيار ٨٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((خُيِّرَتْ بَرَيرَةُ عَلَىْ زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَديثٍ طَوِيلٍ. ولِمُسْلِمٍ عَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ((أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا)). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: ((كَانَ حُرًّا)). وَالأَوَّلُ أَثْبَتُ(١). وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عِنْدَ البُخَارِيِّ: ((أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا))(٢) . * مفردات الحديث: - خُيِّرَتْ: مبني للمجهول، جعل لها الخيار بين بقائها مع زوجها، أو فسخ نکاحها حینما عتقت تحته، وهو عبد. - بَريرة: بفتح الباء، وكسر الرَّاء، كانت مولاة لبعض بيوت الأنصار، فاشترتها عائشة - رضي الله عنها - منهم، وأعتقتها لها؛ فهي مولاة لها . - كان عبدًا: اسمه مُغِيث - بضم الميم وكسر الغين المعجمة - وكان عبدًا مشتركًا بین جماعةٍ من قریش . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الرقيق ناقص المعنوية، مملوك التصرف، هو وما ملك لسيده، فإذا عتَقَ وَجَد كماله من جديد، فأصبح حرًّا مالكًا لأعماله، مستفيدًا من جهده، لا (١) البخاري (٥٠٩٧)، مسلم (١٥٠٤). (٢) البخاري (٩/ ٤٠٦ فتح). ٣٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يسيطر عليه أحد. فإذا عتقت الرقيقة، وهي زوجةٌ لرقيق، صارت أفضل منه، وأكمل منه، وفُقِدت الكفاءة الزوجية بينهما، حيث أصبحت حرَّةً وهو رقيق، فحينئذٍ صار لها الخيار بأن تبقى عند زوجها، وإن كان رقيقًا؛ لأنَّ الاستدامة أقوى من الابتداء، أو تفسخ نکاحها منه . ٢- وهذه قصة بريرة مولاة عائشة، كانت عند زوجها مُغيث، فأعتقتها عائشة - رضي الله عنها - فأعلمها النبي وَّ بالحكم؛ وخيّرها بأن تبقى مع زوجها، أو تفسخ نكاحها، فاختارت الفسخ على بقائها معه. ٣- مذهب الإمام أحمد فيه روايتان في الكفاءة: إحداهما: أنَّ الكفاءة شرطٌ للزوم النكاح، لا لصحة النكاح مع فقدها؛ لأنَّها حقٌّ للأولياء، وهذه الرواية هي المشهور من المذهب عند المتأخرين. والرواية الأخرى: أنَّها شرط لصحة النِّكاح، فلا يصح النِّكاح مع فقدها، وهذه الرواية هي المذهب عند المتقدمين من أصحاب أحمد، والحديث دليل للرواية الأولى، التي هي المشهور من المذهب؛ لأنَّه لو كان لا يصح مع فقدها، ما خيَّرها بالفسخ أو البقاء، ولفَسخَها بالحال. ٤- قال ابن القيم: إنَّ مأخذ تخييرها أنَّ السيد عقد عليها بحكم الملك، حيث كان مالكًا لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضي ملك الرقبة والمنافع للمعتَق، وهذا مقصود العتق وحكمته، فإذا ملكت رقبتها، ملكت بُضْعها ومنافعها، ومن جملتها منافع البُضْع، فلا يُملك عليها إلاَّ باختيارها أحد الأمرين: البقاء تحت الزوج، أو الفسخ منه . ٥ - وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة: ((ملكْتِ نفسك فاختاري)). ٦ - جواز بيع أحد الزوجين الرقيقين دون الآخر.