Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ كتاب البيوع - باب إحياء الموات أَمْرًّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك بأنّه إذا حكم الله ورسوله بشيءٍ، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيارٌ، ولا رأيٌّ، ولا قولٌ. ٩- صار مرافعة شرعية بخصوص ((وادي النقيع)) عند قاضي وادي الفرع الشيخ ((محمد بن أحمد الراضي))، ودرس الموضوع من جميع جوانبه، ورجع إلى المصادر، واستعان بأهل الخبرة من أهل المنطقة، ثم حكم ببقاء حمى النبي وَلخير للمصلحة العامة، التي كانت تجري زمن النبي ◌َّ، وتأيد حكمه من محكمة التمييز للمنطقة الغربية، والصك الذي أصدره الشيخ الراضي برقم (٧) وتاريخ ١٤٠٦/١/٢٩ هـ، وصلَّى الله على نبينا محمَّد. ٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٩١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَال رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه (١). وَلَهُ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأْ مُرْسَلٌ(٢). * درجة الحديث: الحدیث حسن . حديث ابن عباس رواه أحمد، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والطبراني، والدار قطني، ومداره على عكرمة عن ابن عباس . ورواه أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد مثله، وهو في الموطأ مرسلاً، وأخرجه أحمد، وابن ماجة والبيهقي من حديث: عبادة بن الصامت، و فيه انقطاع . وله شواهدُ عن أبي هريرة، وجابر، وعائشة، وثعلبة القرظي، وأبي لبابة . فالحديث متعدد الطرق، ولم يطعن بشيء منها إلاَّ من حيث الوصل أو الإرسال، فهو قوي بمجموع هذه الطرق . وقد حسّن الحديث الإمام النووي في الأربعين، وكذلك السيوطي. وقال الهيثمي : رجاله ثقات. وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي بمجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به . (١) أحمد (٣١٣/١)، ابن ماجه (٢٣٤١). (٢) مالك (٧٤٥/٢). ٨٣ كتاب البيوع - باب إحياء الموات * مفردات الحديث: - لا ضرر: ضره يضره ضرًّا ضد نفعه، أو جلب إليه الضرر، والضَّر - بالفتح - مصدرٌ، وبالضم اسمٌ للفعل، ومعناه: لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئًا من حقه . - ولا ضرار: فعال من الضر، أي لا يجازيه على ضرره أكثر مما ضرَّه، فالأول ابتداء، والثاني جزاءٌ عليه متجاوزًا حقه. * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذا الحديث أحد القواعد الكبرى، التي يندرج تحتها الكثير من الصور والمسائل. ٢ - معنى ((لا ضرر)): أي منع إلحاق أيّ مفسدة بالغير مطلقًا، سواء كان ضررًا خاصًّا، أو ضررًا عامًّا، ودفع الضرر قبل وقوعه بطريقة الوقاية الممكنة، کما یشمل رفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدبير . ٣- وبهذا فإنَّ إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة، وإن ترتَّب عليها ضرر بهم؛ لأنَّ فيها عدلاً، ودفعًا ووقايةً، من ضرر أعمَّ وأعظم. ٤ - معنى ((ولا ضرار)) هو نفس الضرر بقصد الثأر الذي يزيد في الضرر، ويوسع دائرته، فالإضرار - ولو كان على سبيل المقابلة - لا يجوز أن يكون مقصودًا، وإنما يُلجأ إليه عند الضرورة، فإنَّ المشروع هو دفع الضرر بدون ضرر أصلاً، فإن لم یمکن فيدفع بالقدر الممكن منه. فمن أتلف مال غيره - مثلاً - لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله؛ لأنَّ في ذلك توسعة للضرر بلا منفعةٍ، وأفضل منه تضمين المتلف قيمة ما أتلف، وذلك ٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام بخلاف الجناية على النفس أو الطرف، ممّا شُرع فيه القصاص؛ لأنَّ الجنايات لا يقمعها إلاَّ عقوبةٌ من جنسها. ٥- فالحديث يفيد وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل، والإمكانيات الممكنة، وفقًا للسياسة الشرعية، ويكون دفعه بدون ضرر أصلاً، وإلاّ فيدفع بالقدر الممكن. ٦- الشرع إنَّما جاء ليحافظ على الضروريات الخمس، فيحفظ على الناس دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأنسابهم، وأعراضهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة، يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأييد مقاصده، يدفع الضرر الأعم، بارتكاب الضرر الأخص، ولههذه الحكمة شُرِعَ القصاص وقتل المرتد، صيانةً للأنفس والأديان، وشُرِعَ حد الزنا والقذف، صيانةً للأعراض، وشرع حد شرب الخمر، حفظًا للعقول، وشُرع القطع في السرقة، حمايةً للأموال. ۔۔ ٨٥ كتاب البيوع - باب إحياء الموات ٧٩٢ - وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلىَ أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال في التلخيص: حديث سمرة رواه أحمد، وأبوداود عنه، والطبراني، والبيهقي من حديث الحسن عنه، وفي صحة سماعه منه خلافٌ. ورواه عبد بن حميد من طريق سليمان اليشكري عن جابر، وسكت عنه الحافظ في التلخيص، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير. * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يدل على أحد أنواع الإحياء، وهو إحاطة الأرض الموات بحائط يمنع الحيوانات من القفز من أعلاه، فمن أحاط أرضًا بجدار منيع فقد أحيا تلك الأرض. ٢ - وإذا أحيا الأرض فقد ملكها ملكًا شرعيًّا؛ لقوله ◌َّهِ: ((فهي له)). ٣- قال الفقهاء: من أحاط مواتًا بأن أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت به عادة أهل البلد بالبناء، من لِنٍ، أو طوبٍ، أو حجرٍ، أو قصبٍ، أو خشبٍ ونحوه، فقد أحياه سواء أرادها للبناء أو غيره. والمقدار المعتبر ما يسمى حائطًا في اللغة . قال الطيبي في شرح المشكاة: قوله: ((أحاط)) يدل على أنَّه بنى حائطًا (١) أبوداود (٣٠٧٧)، ابن الجارود (١٠١٥). ٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مانعًا محيطًا بما يتوسطه من الأشياء. والعمل في المحاكم في المملكة أنَّه إذا كان ارتفاع الجدار مترًا ونصف المتر فهو إحياءٌ؛ لأنَّه منيع، وما كان دون ذلك فهو تحجرٌ، وليس إحياءً. ٤- وإحاطة الأرض الموات بالجدار المنيع يعتبر إحياءً، ولو لم يُرِدها للبناء، فمجرَّد الإحاطة كافٍ في الإحياء، والملك. ٨٧ كتاب البيوع - باب إحياء الموات ٧٩٣ - وَعَنْ عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َله قَالَ: ((مَنْ حَفَرَ بِثْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، عَطَنَا لِمَاشِيَتِهِ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. قال في التلخيص: رواه ابن ماجه، وفي سنده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف، وقد أخرجه الطبراني من طريق أشعث عن الحسن، وقد ضعفه ابن الجوزي، وابن عبدالهادي. وقواه الزيلعي، وقال البوصيري في الزوائد: مدار هذا الحديث على إسماعيل بن مسلم الحكمي، وقد اختلفوا في توثيقه. اهـ. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٤٩٤). * مفردات الحديث: - ذراعًا: بكسر الذال، وذراع الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، وأشهر أنواعه الذراع الهاشمية وهي (٣٢) إصبعًا أو (٦٤) سنتيمترًا. - عطنًا: يُقال: عطنت النَّاقة عطونًا: روت ثمَّ بركت، فهي عاطنة، فالعطن بفتحتين: جمع معاطن، وهو مبارك الإبل، ومربض الغنم حول الماء؛ لتشرب عَلَلاً بعد نَهَلٍ. - ماشيته: هي الإبل والبقر، والغنم، وأكثر ما يستعمل في الغنم جمعها مواش. (١) ابن ماجه (٢٤٨٦). ٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: يتعلق بحفر الآبار ثلاثة أحكام : أحدها: متى تُخْيا، وتكون ملكًا بالحفر؟ الثاني : تقسيمها حسب إرادة من حفرها . الثالث: حريم الآبار يختلف باختلاف المراد منها . الحكم الأول: إذا حفر إنسان بئرًا، فوصل في حفره إلى الماء فقد أحياها، فإن حفرها، ولم يصل إلى الماء فليس حفره إحياءً، وإنما يعتبر تحجرًا، فهو أحق بها من غيره، فإن وُجد متشوف لإحيائها والانتفاع بها، ضَرَبَ ولي الأمر مدَّة للتحجر، فإِن أتمَّ إحياءها في تلك المدة المضروبة، وإلاّ نزعها منه وأعطاها المتشوفَ لإحيائها . الحكم الثاني: إذا حفرها ووصل إلى الماء لا يخلو قصده من ثلاثة أمور: - إما أن يريد تملكها لزراعةٍ ، أو سقايةٍ خاصَّةٍ به، فهذه محياة مملوكة. - وإما أن يكون حفرها لنفع المجتازين، فهذه يشترك الناس في مائها، لا فضل لأحد على أحد، والحافر لها كأحدهم في السقي والشرب؛ لأنَّ الحافر لم یخص بها نفسه ولا غيره. - وإما أن يحفرها لا ليملكها، بل ليرتفق بمائها، ما دام مقيمًا عليها، فإذا رحل عنها انتفع بها غيره، فهذه لا يملكها، وإنما هو أحق بمائها ما دام باقيًا عندها، فإذا رحل صارت سابلة لعموم الناس، فإذا عاد عاد إليه حقه بالاختصاص بالارتفاق بمائها . وهذه طريقة البادية الرحّل الذين يقيمون إقامة مؤقتة، ويظعنون تجاه المراعي، وحسب فصول السنة . الحكم الثالث: ما قدر حريمها؟ ٨٩ كتاب البيوع - باب إحياء الموات إذا حفر الإنسان بئرًا فوصل إلى مائها، فلا يخلو من ثلاثة أمور: الأول: أن تكون البئر محاطة من جميع جوانبها بأملاك الغير، فهذه ليس لها حريمٌ، ولا مرافقُ، وإنما كل واحدٍ ينتفع بما جرت به العادة. الثاني: أن يريدها الحافر لسقي الماشية ونحو ذلك، فهذه إن كانت البئر قديمة ثم جدد حفرها، فحريمها خمسون ذراعًا من كل جانب من جوانبها، وإن كانت بدية محدثة، فحريمها خمسة وعشرون ذراعًا من كل جانب، وذلك بذراع اليد، وجعلت القديمة أكثر حرمًا؛ لأنَّ ماءها غالبًا أغزر، وحاجتها إلى الساحة أكثر، وذلك لما روى أبوعبيد في الأموال، عن سعيد بن المسيب، قال: ((السُّنََّ في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا))، وبعض العلماء جعل حريم البئر أربعين ذراعًا، كما في حديث الباب، وهذا الحريم هو معاطن للإبل، ومجزٍّ للبئر، ومرافقُ لها. وقال القاضي وغيره: ليس هذا على طريق التحديد، بل حريمها في الحقيقة ما يحتاج إليه في ترقية مائها منها، وهذا قول جيد. الثالث: وإن كانت البئر تراد للزراعة، فقد جاء في سنن الدارقطني من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَال: ((وَعين الزرع ستمائة ذراع)) وهذا قول أكثر العلماء . وقيل: قدر الحاجة، اختاره القاضي والموفق وغيرها . قال مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ((الحافر لغير الشرب كمريد إحياء الأرض للفلاحة، فله ما حواليه مقدار الزرع؛ لأنَّه جاء ليزرع، فما كان حواليه فلا يعترضه أحد؛ لأنَّه سبق إليها، فيترك له ما جرت العادة به أن يزرع، وفَرْقٌ بين من حفر على الارتوازي، والذي على الحيوان)). اهـ. قُلتُ: وكلام المفتي - رحمه الله تعالى - هو عين الصواب، والله أعلم. ٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٩٤ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). درجة الحديث: الحدیث صححه الترمذي، وابن حبان. قال في التلخيص: رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وصححه، ورواه البيهقي، والطبراني، وابن حبان، وصححه. ** مفردات الحديث: - أقطعه: أي ملكه أرضًا يستبد بها، وينفرد بها، والإقطاع يكون تمليكًا، وغير تمليك، وإنما هي للارتفاق والمنفعة . وإقطاع الإمام هو لمن يراه أهلاً لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم. - بحضرموت: والتركيب مزجي، منطقة بجنوب الجزيرة العربية مشهورة، عاصمتها مدينة المكلا . (١) أبوداود (٣٠٥٨)، الترمذي (١٣٨١). ----- ------ ٩١ كتاب البيوع - باب إحياء الموات ٧٩٥ - وَعَنِ ابنِ عُمرَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أَقْطَعَ الزُّبِيِّرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ، فَقَال: أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوطُ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَفِيه ضعْفٌ. (١) * درجة الحديث: أصل الحديث في الصحيح. قال في التلخيص: رواه أحمد وأبوداود من حديث ابن عمر، وفيه العمري ضعيف، وله أصل في الصحيح من حديث أسماء بنت أبي بكر. * مفردات الحديث: - أقطع الزبير: الإقطاع تعيين قطعة من الأرض لغيره، يقال: أقطع الإمام إقطاعًا: جعلها للمقطع، وهو مأخوذٌ من القطع، كأنه يقطع له قطعة من الأرض، وإقطاع الإمام نوعان: إقطاع إرفاق ، وإقطاع تمليك ، كما سيأتي إن شاء الله . - حُضر فرسه: بضم الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، الخُضر: عدْوٌّ، ووثبٌ والمراد قدر عدو فرسه، وللكنه أقام المصدر مقام الاسم، ومعناه موضع حُضر فرسه. - حُضْر: منصوب على حذف المضاف، أي: قدر ما يعدو عدوة واحدة. - الشّوط: بفتح السين، ما يضرب به من جلد، سواء أكان موضونًا، أم لم یکن، جمعه أسواط وسياط. (١) أبوداود (٣٠٧٢). ٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديثين: ١- إقطاع الإمام هو تسويغه من مال الله شيئًا لمن يراه أهلاً لذلك. ٢- ففي الحديثين جواز إقطاع الإمام أرضًا مواتًا لمن يحييها. ٣- ويكون الإقطاع هو تسويغ من مال الله تعالى العائدة مصالحه إلى المسلمين، والإمام هو نائب المسلمين أنيط الإقطاع به، فلا يكون من غيره أو نائبه ولأنَّ الإقطاع راجع إلى رأي الإمام في المصلحة العامة. ٤- ففي الحديثين إقطاع النبي وَلَّ وائلَ بن حُجر أرضًا بحضرموت، ومناسبة إقطاعه هناك أنَّها بلاده، وهو قادر على إحيائها، والانتفاع بها، وإقطاع الزبير بن العوام قدر عدو فرسه. ٥- وفيهما جواز إقطاع المساحة الكبيرة للشخص الواحد، إذا رأى الإمام في ذلك مصلحةً، بأن يكون عنده القدرة على إصلاحها، واستثمارها. ٦ - وفيهما أنَّه لا يذم الإنسان، - وإن كان فاضلاً - على الرغبة في الحصول على الدنيا من طرقها المشروعة، ومن تلك الطرق عطايا الإمام. فالنبي ◌َّوَ أَقرَّ الزبير على حُضْر فرسه حتى وقف، ثم زاد على حُضْر الفرس أن رمی سوطه فأعطاه ما رغب فيه، وهو منتهى ما وصل إليه سوطه . * فوائد: الأولى: قسّم الفقهاء الإقطاع إلى ثلاثة أقسام : ١ - إقطاع قصد به تمليك المقطع لما أُقطع. ٢- إقطاع استغلال: بأن يقطع الإمام أو نائبه من يرى في إقطاعه مصلحةً، لينتفع بالشيء الذي أقطعه، فإذا فقدت المصلحة فللإمام استرجاعه . ٣- إقطاع إرفاق: بأن يقطع الإمام أو نائبه الباعة الجلوس في الطرق الواسعة، والميادين، والرحاب، ونحو ذلك. فأما إقطاع التمليك: فالمذهب أنَّ المقطع لا يملك الموات بالإقطاع، ------------- ٩٣ كتاب البيوع - باب إحياء الموات وإنما يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء، فإن أحياه ملكه، وحينئذٍ لا يجوز استرجاعه منه بعد إحيائه؛ لأنَّه ملكه بالإحياء، فإن لم يُخيه وَوُجِد متشوف الإحيائه، ضرب الإمام أو نائبه للمقطع مدةً حسب ما يراه، إن أحياه فيها، وإلاّ استرجعه. قال في الإنصاف: يثبت الملك بنفس الإقطاع، فيبيع، ويورث عنه. وهو الصحيح، وبهذا القول أفتت الهيئة القضائية بالديار السعودية . قال في الإقناع وشرحه: وإن أحياه غير المتحجر في مدة المهلة أو قبله لم يملكه، لأنَّ حق المتحجر أسبق فكان أولى، ولمفهوم قوله وَّ: ((من أحيا أرضًا ميتة غير حق مسلم فهي له)). ولا ينبغي للإمام أن يقطع إلاَّ ما قدَّر المقطع على إحيائه؛ لأنَّ في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حقِّ مشترك بينهم، وقد استرجع عمر في خلافته من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته من العَقِيق الذي أقطعه النبي صَلىالله وسلم . قال الشيخ محمد بن إبراهيم: لا يقطع كل فردٍ إلاَّ الشيء الذي يقدر على إحيائه؛ لأنَّ في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حقِّ مشترك بينهم. قال في شرح الإقناع وغيره: ولا يجوز للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه ممَّا قَرُب من العامر، وتعلَّق بمصالحه؛ لأنَّه في حكم المملوك لأهل العامر. وقالت الهيئة القضائية في الديار السعودية: إقطاع الأرض الموات لا يسري على أملاك الآخرين، ومرافق البلد، ومصالحها، وما تحتاج إليه . الثانية: قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدًا من علماء المسلمين من الأئمة الأربعة ولا غيرهم قال : إجارة الإقطاعات لا تجوز، حتى حدَث بعض أهل زماننا، فابتدع القول بعدم الجواز . ! ٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٩٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: غَزْوْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: فِي الكَلَاِ، وَالمَاءِ، وَالنَّارِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه أبوداود بسند صحيح . والحديث بلفظ ((الناس)) شاذٍّ، تفرَّد به يزيد بن هارون عند أبي عبيد، فخالفه كلٌّ من علي بن الجعد، وعيسى بن يونس عند أبي داود، وثور الشامي عند أحمد والبيهقي، وكلهم عن حريز بن عثمان حدثنا أبو خداش، عن رجل من الصحابة، وفيه ((المسلمون)) بدل ((الناس)). وللحديث شواهدُ منها : حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ فيه: ((ثلاث لا يمنعن: الماء، والكلأ، والنار)) أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ صحيح، قاله الحافظ وصاحب الزوائد . * مفردات الحديث: - في ثلاث: لما كانت الأسماء الثلاثة في معنى الجمع أنَّتها بهذا الاعتبار. - الكلأ: بفتح الكاف واللام، مهموز في آخره، مقصور، هو العشب رطبًا كان أو يابسًا، جمعه أكلاء، قال الصاغاني: وأما الحشیش فمختصٌّ باليابس. - الماء: أصله ماه بالهاء، فأبدلت همزة؛ لأنَّها أقوى على الحركة، ويدل على (١) أحمد (٣٦٤/٥)، أبوداود (٣٤٧٧). ٩٥ كتاب البيوع - باب إحياء الموات هذا الأصل ظهورها في الجمع فتقول: مياه وأمواه، وفي التصغير: مويه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على عدم اختصاص أحد من الناس بواحد من الأشياء الثلاثة، وإنما تبقى مشاعة عامة بين الناس؛ لأنَّ هذه الأشياء الثلاثة من الأمور الضرورية، المبذولة لعامة المنتفعين، فلا يجوز لأحد أن يختص بها، ويمنع منها أحدًا محتاجًا إليها . ٢ - وهذا من أحكام الإسلام العادلة، وإباحته الشاملة ، وإفضاله على أهله، فأمورهم الضرورية، وحاجتهم المشاعة هي شركة للجميع، من حازها ملكها وانتفع بها، وهذا مبدأ اقتصادي هام، وهذه الثلاث هي : أولاً: الكلأ الذي هو الحشيش، سواءٌ كان رطبًا أو يابسًا، فهو نبت الفيافي والقفار، وهو علف المواشي من الإبل والبقر والغنم، وغيرها من الحيوانات، قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَفََّ ٥٣ كُلُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ [طه: ٥٣، ٥٤]. وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((لا حمى إلاّ لله ولرسوله)). وقال الفقهاء: ولا يصح بيع ما نبت بأرضه من كلاٍ وشوكٍ لقوله وَّ: ((الناس شركاء في ثلاث)). ثانيًا: الماء، فلا يجوز بيعه ما لم يَحُزه في بركته، أو قِربته، أو إنائه ونحوه، وأما الذي لم يحز من ماء السماء، أو ماء العيون، أو نقع الآبار، فلا يملك، ولا يصح بيعه، قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ ﴾ [الحجر] . (٢٢) وَمَآَ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ ءَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ ٦٨ وقال تعالى: ﴿أَفَرََّ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ * [الواقعة]. ٦٩ الْمُنْزِلُونَ ٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وجاء في صحيح مسلم عن جابر أنَّ النَّبِيَّ وَّ: ((نهى عن بيع فضل الماء)). ثالثًا: النار، فهي من الأشياء المشاعة العامة، ولا يجوز بيعها، وإنما يجب بذلها لمحتاجها، سواءٌ في ذلك وقودها كالحطب، أو جذوتها ءَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ كالقبس، أو الاستدفاء، قال تعالى: ﴿أَفَرَّهَيْتُمُ النَّارَ اَلَّتِى تُورُونَ [الواقعة]. (٧٢) شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ! ٣- فهذه الأشياء الثلاثة من المرافق العامة التي يجب بذلها لمحتاجها، ويحرم منع أحد عنها؛ لأنَّها أمورٌ أشاعها الله تعالى بين خلقه، والضرورة تدعو إليها، فمنعها أو منع أحد محتاج إليها منها، لا يجوز، وهو من الدناءة التي يكرهها الإسلام السمع. ٠,٠ ٩٧ كتاب البيوع - باب الوقف باب الوقف مقدمة الوقف: مصدر وقَفَ الشيء، وحَبَسَه وسبله بمعنى واحد، وأوقفه لغة شاذة . قال ابن فارس: الواو والقاف والفاء أصل يدل على مكث، ثم يقاس عليه . قلتُ: ومن هذا الأصل المقيس يؤخذ الوقف، فإنه ماكث الأصل. وتعريفه شرعًا: حبس مالكِ مالَه المنتفَع به، مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القُرب، ابتغاء وجه الله. حكمه: الاستحباب، وقد ثبت بالسنة بأحاديث كثيرة: منها حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ وَِّ قَال: ((إذَا مَاتَ ابْن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية ... )) إلخ. وأجمع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، على جوازه ولزومه. قال الترمذي: لا نعلم أحدًا من الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خالف في جواز وقف الأرضين . قال جابر: لم يكن أحدٌ من أصحاب رسول الله وَلّهذا مقدرةٍ إلاَّ وقف. وبهذا يُعلم إجماع القرن المفضل، فلا يُلتَفت إلى خلافٍ بعده، كما جاء عن شريح أنَّه أنكر الحبس. وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه . ٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فضله: فهو أفضل الصدقات التي حثَّ الله عليها؛ لأنَّه صدقةٌ دائمةٌ ثابتةٌ . وهذا الفضل المترتب عليه إذا كان وقفًا شرعيًّا، مقصودًا به وجه الله تعالى، موجهة مصارفه إلى وجوه البر والإحسان، من بناء المساجد، والإعانة على علمٍ نافع، والدعوة إلى الله، والمشاريع الخيرية، وصرفه إلى ذوي القربى والفقراء والمساكين، ومساعدة أهل الخير والصلاح على طاعة الله تعالى. أمَّا أن يحجر على أولاده وورثته باسم الوقف لئلا يبيعوه، فمثل هذا لا يُعطى حكم الوقف من حيث الثواب والفضل، وإن أخذ حكمه من حيث اللزوم عند كثير من الفقهاء. وأما أن تكثر ديونه فيقف العقار خشية أن يباع الإيفاء أصحاب الحقوق، أو يقفه على أولاده، فيحابي بعضهم، ويحرم بعضهم، أو يفضل بعضهم على بعض بلا مسوِّغ شرعي . فمثل هذا لا يعطى حكم الوقف من حيث الثواب والفضل، وإن أخذ حكمه من حيث اللزوم عند كثير من الفقهاء، وبهذا يدخل في باب الظلم بدلاً من باب البر؛ لأنّه ليس على مراد الله تعالى. وكل ما أحدث في غير أمر الله تعالى فهو مردودٌ غير مقبولٍ . فالوقف برٍّ وإحسانٌ على الموقوف عليهم، إما لقرابتهم، وإما لحاجتهم، وإما للحاجة إليهم. وهو صدقةٌ مؤبدةٌ للواقف يجري عليه ثوابها بعد انقطاع أعماله، وانتهاء آماله، بخروجه من دنياه إلى آخرته. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِى الْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاتَرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ [يلس]. ١٢ أَحْصَيْنَهُ فِ إِمَامِ ◌ُبیٍ ٩٩ كتاب البيوع - باب الوقف ٧٩٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ،وَه قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانِ انْقَطَعِ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَّةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ بَدْعُولَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١- المؤلف ذكر هذا الحديث في هذا الباب؛ لأنَّ الوقف من الصدقة الجارية . ٢ - أول من وقف في الإسلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، كما أخرج ابن أبي شيبة: ((إنَّ أول من وقف في الإسلام وقف عمر)) وسيأتي إن شاء الله. ٣- الدنيا جعلها الله تعالى دار عمل يتزود منها العباد من الخير، أو يحملون معهم من الشر للدار الأخرى، التي هي دار الجزاء، وسيفلح المؤمنون، كما سيخسر المفرطون . ٤- إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من هذه الأعمال الثلاثة، التي هي من آثار عمله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِى الْمَوْقَد وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢ ]. ٥ - الأول: الصدقة الجارية كوقف العقار الذي ينتفع به، والحيوان المنتفع بركوبه، والأواني المستعملة، وكتب العلم، والمصاحف الشريفة، والمساجد والربط، فكل هذه وأمثالها أجرها جار على العبد ما دامت باقية، وهذا أعظم فضائل الوقف النافع الذي يعين على الخير، والأعمال الصالحة من علمٍ وجهادٍ وعبادةٍ، ونحو ذلك. (١) مسلم (١٦٣١). ١٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦ - من هذا نستدل على أنَّ الوقف الشرعي الصحيح هو ما كان على جهة بر من قريبٍ، أو فقيرٍ، أو جهةٍ خيريةٍ نافعة. ٧- الثاني: العلم الذي يُنتفع به بعد وفاته من طلاب محصلين ينشرون العلم، وكتب مؤلفة يستفاد منها، أو كتب طبعها وأعان على نشرها بين الناس، ففي الحديث الصحيح: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعَم)). ٨- الثالث: الولد الصالح، سواء كان ولد صلب، أو ولد ولد، ذكرًا كان أو أنثى، فينتفع بدعائه وإهدائه القُرب والأعمال الصالحة إليه، وإذا عبد الله تعالی استفاد والده، أو جده من عمله. ٩- قد يجتمع للعبد الثلاثة كلها، بأن يجعل صدقة جارية، ويستفاد من علمه، أو نشره الكتب، ويكون له ذرية صالحون، يدعون له، ويهدون إليه الأعمال الصالحة، ففضل الله واسع . ١٠ - قال ابن الجوزي: من علم أنَّ الدنيا دار سباق، وتحصيل الفضائل، وأنَّه كلما علت مرتبته في علم وعمل، زادت مرتبته في دار الجزاء، أنهب الزمان، ولم يُضِعْ لحظة، ولم يترك فضيلة تمكنه إلاَّ حصلها، ومن وُفِّق لههذا فليغتنم زمانه بالعلم، وليصابر كل محنةٍ وفقرٍ إلى أن يحصل له ما یرید .