Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
وذلك لما يترتب على هذا الربط من غرر كثير، وجهالة فاحشة، بحيث لا
يعرف كل طرف ما له وما عليه، فيختل شرط المعلومية المطلوب لصحة العقود،
وإذا كانت هذه الأشياء المربوط بها تنحو منحى التصاعد، فإنَّه یترتب على ذلك
عدم التماثل بين ما في الذمة وما يطلب أداؤه، ومشروط في العقد، فهو رِبا.
رابعًا: الربط القياسي للأجور والإجارات:
( أ) تأكيد العمل بقرار مجلس المجمع رقم (٧٥) الفقرة: أولاً: بجواز الربط
القياسي للأجور تبعًا للتغير في مستوى الأسعار.
(ب) يجوز في الإجارات الطويلة للأعيان تحديد مقدار الأجرة عن الفترة
الأولى، والاتفاق في عقد الإجارة على ربط أجرة الفترات اللاحقة بمؤشر
معيَّن، شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة.
* التوصيات:
يوصي المجمع بما يلي :
١ - بما أنَّ أهم أسباب التضخم هو الزيادة في كمية النقود التي تصدرها الجهات
النقدية المختصة لأسباب متعددة معروفة، ندعو تلك الجهات إلى العمل
الجاد على إزالة هذا السبب من أسباب التضخم الذي يضر المجتمع ضررًا
كبيرًا، وتجنب التمويل بالتضخم، سواء كان ذلك لعجز الميزانية، أم
لمشروعات التنمية، وفي الوقت نفسه ننصح الشعوب الإسلامية بالالتزام
الكامل بالقيم الإسلامية في الاستهلاك، لتبتعد مجتمعاتنا الإسلامية عن
أشكال التبذير والترف والإسراف، التي هي من النماذج السلوكية المولدة
للتضخم .
٢ - زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدان الإسلامية، وبخاصة في ميدان التجارة
الخارجية، والعمل على إحلال مصنوعات تلك البلاد محل مستورداتها من
البلدان الصناعية، والعمل على تقوية مركزها التفاوضي والتنافسي تجاه

٣٠٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
البلدان الصناعية .
٣- إجراء دراسات على مستوى البنوك الإسلامية لتحديد آثار التضخم على
موجوداتها، واقتراح الوسائل المناسبة لحمايتها، وحماية المودعين
والمستمرين لديها من آثار التضخم، وكذلك دراسة واستحداث المعايير
المحاسبية لظاهرة التضخم على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية.
٤ - إجراء دراسة حول التوسع في استعمال أدوات التمويل والاستثمار الإسلامي
على التضخم، وما له من تأثيرات ممكنة على الحكم الشرعي.
٥- دراسة مدى جدوى العودة إلى شكل من أشكال ارتباط العملة بالذَّهب،
كأسلوب لتجنب التضخم.
٦- إدراكًا لكون تنمية الإنتاج وزيادة الطاقة الإنتاجية المستعملة فعلاً من أهم
العوامل التي تؤدي إلى محاربة التضخم في الأجل المتوسط والطويل، فإنّه
ينبغي العمل على زيادة الإنتاج، وتحسينه في البلاد الإسلامية، وذلك عن
طريق وضع الخطط، واتّخاذ الإجراءات التي تشجع على الارتفاع بمستوى
كل من الادخار والاستثمار، حتى يمكن تحقيق تنمية مستمرة.
٧- دعوة حكومات الدول الإسلامية للعمل على توازن ميزانياتها العامة، ((بما
فيها جميع الميزانيات العادية والإنمائية والمستقلة، التي تعتمد على الموارد
المالية العامة في تمويلها))، وذلك بالالتزام النفقات وترشيدها وفق الإطار
الإسلامي، وإذا احتاجت الميزانيات إلى التمويل فالحل المشروع هو
الالتزام بأدوات التمويل الإسلامية القائمة على المشاركات والمبايعات
والإجارات، ويجب الامتناع عن الاقتراض الربوي، سواء من المصارف
والمؤسسات المالية، أم عن طريق إصدار سندات الدين.
٨- مراعاة الضوابط الشرعية عند استخدام أدوات السياسة المالية، منها ما
يتعلَّق بالتغيير في الإيردات العامة، أم بالتغيير في الإنفاق العام، وذلك

٣٠٣)
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
بتأسيس تلك السياسات على مباديء العدالة، والمصلحة العامة للمجتمع،
ورعاية الفقراء، وتحميل عبء الإيراد العام للأفراد، حسب قدراتهم المالية
المتمثلة في الدخل والثروة معًا .
٩ - ضرورة استخدام جميع الأدوات المقبولة شرعًا للسياستين المالية والنقدية
ووسائل الإقناع، والسياسات الاقتصادية والإدارية الأخرى، للعمل على
تخليص المجتمعات الإسلامية من أضرار التضخم ، بحيث تهدف تلك
السیاسات لتخفيض معدل التضخم إلى أدنى حد ممكن.
١٠- وضع الضمانات اللازمة لاستقلال قرار المصرف المركزي في إدارة
الشؤون النقدية، والتزامه بتحقيق هدف الاستقرار النقدي، ومحاربة
التضخم، ومراعاة التنسيق المستمر بين المصرف المركزي والسلطات
الاقتصادية، والمالية، من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية
والاستقرار الاقتصادي والنقدي، والقضاء على البطالة .
١١ - دراسة وتمحيص المشروعات والمؤسسات العامة، إذا لم تتحقق الجدوى
الاقتصادية المستهدفة منها، والنظر في إمكانية تحويلها إلى القطاع
الخاص، وإخضاعها لعوامل السوق وفق المنهج الإسلامي، لما لذلك من
أثر في تحسين الكفاءة الإنتاجية، وتقليل الأعباء المالية عن الميزانية، مما
يسهم في تخفيف التضخم.
١٢- دعوة المسلمين أفرادًا وحكومات إلى التزام نظام الشرع الإسلامي،
ومبادئه الاقتصادية، والتربوية، والأخلاقية، والاجتماعية.
توصية:
وأما الحلول المقترحة للتضخم فقد رأى المجمع تأجيلها وعرضها لدورة
قادمة. والله سبحانه وتعالى أعلم.

٣٠٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ
الله ◌َُّ عَنِ النَّجْشِ)» مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. (١)
* مفردات الحديث:
- النَّجش: بفتح النون وسكون الجيم بعدها شين معجمة، والنجش لغة، تنفير
الصيد وإثارته من مكانه، يقال: نجشت الشيء أنجشته نجشًا: أي استثرته
فالناجش الذي یحوش الصيد .
وتعريفه شرعًا: هو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، بل لنفع البائع،
أو الإضرار بالمشتري، أو العبث.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث فيه الثَّهي عن النجش، وذلك بأن يزيد في ثمن السلعة المعروضة
للبيع، لا ليشتريها بل ليضر المشتري بزيادة الثمن عليه، أو ينفع البائع بزيادة
الثمن له، أو يقصد الأمرين، أو لا يقصد إلاَّ اللَّعب فقط.
٢ - النَّهي في الحديث للتحريم، قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنَّ الناجش
عاص بفعله.
٣- المشهور من مذهب الإمام أحمد صحة العقد، ولكن إذا غبن المشتري في
البيع غبنا يزيد عن العادة بزيادة الناجش، ثبت له الخيار بين الإمساك بثمنه
الذي استقرَّ علیه العقد، وبین رده والرجوع بثمنه .
٤- أما إذا كانت الزيادة في الثمن غير فاحشة.
فقال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الغبن في المبيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته .
(١) البخاري (٢١٤٢)، مسلم (١٥١٦).

٣٠٥
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
۵۔ خیار الغبن في البيع له ثلاث صور:
إحداها: تلقي الركبان، فمن تلقاه فاشترى منه فأتى البائع السوق، فهو
بالخيار بين أن يمضي البيع بثمنه الذي باع به، أو یفسخ البيع ویرد ثمنه.
الثانية: زيادة الناجش الذي لا يريد شراء، فتحرم زيادته، ويثبت
للمشتري الخيار.
الثالثة: المسترسل وهو من جهل القيمة، ولا يُحسن المماكسة في
الثمن، بل يسترسل إلى البائع، وينقاد له بحسن نية، فيثبت له الخيار، ولا
أرش لمغبون مع إمساك مبيع في صور الغبن الثلاث؛ لأنَّ الشرع لم يجعل له
إلاّ أن یرد المبيع ويأخذ ثمنه، أو يمسكه بالثمن الذي اشترى به.
٦- قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: التحريم في الغبن ليس خاصًّا
بالصور الثلاث، فهو في کثیر من مبايعات الناس .
وقال الشيخ تقي الدين: من البيوع ما نهي عنه لما فيه من ظلم أحد
المتبايعين للآخر، كبيع المُصرَّة، والمعيب، والنجش، ونحو ذلك،
فالشارع لم يجعلها لازمة كالبيوع الحلال، بل جعل الخيرة إلى المظلوم إن
شاء أبطلها وإن شاء أجازها.

٣٠٦).
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٨٤ - وَعَنْ جَابرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ بَّهَ نَهَى عَنِ
المُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَةِ، وَالمُخَابَرَةِ، وَعَنِ النُّيًّا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ)) رَوَاهُ
الخَمْسَةُ إِلَّ ابنَ مَاجَهْ، وَصَخَّحَهُ التِّرْ مِذِيُّ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
أخرج له الشافعي من طريق ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر،
وعن الشافعي رواه الطحاوي والبيهقي .
والحديث أصله في مسلم، وصححه الترمذي وابن حبان، وحسَّنه
النووي في المجموع.
قال الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولو عنعنه ابن جريج.
* مفردات الحديث:
- المحاقلة: بالحاء المهملة والقاف، مأخوذة من الحقل وهو الزرع،
والمحاقلة: هي أن يبيع الحب المشتد في سنبله بحب من جنسه .
- المزابنة: الزبن لغة: الدفع بشدة، ومنه الحرب الزبون، والمزابنة شرعًا: هي
شراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر، سميت بذلك، لما يكثر فيها من
الخصام بين المتابعين.
- المخابرة: مشتقة من الخبَار بفتح الخاء، وهي الأرض اللينة، وهي
المزارعة، وصفة المخابرة المنهي عنها: هو أن يعطي رب الأرض أرضه
للمزارع، فيحرثها ويعمل عليها بجزء معيَّن من الزرع، كالذي على الجداول
(١) أحمد (١٤٣٩٣)، أبوداود (٣٤٠٥)، الترمذي (١٢٩٠)، النسائي (٧/ ٣٧).

٣٠٧
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
والسواقي، أو بقعة معينة.
تنبيه: كل من المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والملامسة، والمنابذة، على
وزن مفاعلة.
- الثُّيا: بالمثلثة المضمومة فنون ساكنة فمثناة تحتية آخر الحروف، مقصور
على وزن دنيا، أي الاستثناء في الإقرار، وأصله من ثناه إذا رده ، فكأنَّ البائع
رد بعض المبيع إليه بالاستثناء، والمردود منها المجهول.
- إلاّ أن تُعْلَم: عائد للثنيا فقط، أي أن يكون الاستثناء معلومًا، كأن يقول:
بِعتك هذه الأغنام إلاَّ هذه.

٣٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٨٥ - وَعَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ﴾
عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلاَمَسَةِ، وَالمُنَبَدَةِ، وَالمُزَابَةِ)) رَوَاهُ
البُخَارِيُّ(١)
* مفردات الحديث:
- المخاضرة: هو بيع الحبوب والثمار قبل بدو صلاحها، بدون شرط القطع في
الحال .
- الملامسة: الأصل في باب المفاعلة المشاركة بين اثنين في الفعل،
والملامسة: أن يقول لصاحبه: إذا لمست ثوبك، ولمست ثوبي فقد وجب
البيع بغير تأمل. وفُسِّرت: بأن يقول البائع: أيَّ ثوب لمستُه فهو لك بكذا.
- المُنابذة: مفاعلة من النبذ، وتستدعي الفعل بين اثنين، بأن ينبذ كل واحد
منهما ثوبه إلى الآخر بدون نظر، وفسِّرت: بأن يقول البائع: أيَّ ثوب نبذته
فهو لك بکذا.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- لدينا في هذين الحديثين سبع صور من صور المعاملات الجاهلية هي:
المحاقلة، والمخابرة، والمزابنة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة،
والثنيا إلاَّ أن تعلم.
٢- الأصل في المعاملات الحل، والجواز، والبقاء على البراءة الأصلية، لكن
هناك بيوعات كانت جارية زمن الجاهلية مشهورة لديهم، ثم جاء الإسلام
فأبطلها؛ لأنَّها مبنية على الجهالة، والغرر، والمخاطرة، فهي مجهولة
(١) البخاري (٢٢٠٧).

٣٠٩
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
العاقبة، فلا يعلم عن الغُنم أو الغُرم من نصيب أي العاقدين.
والإسلام جاء بالعدل بين الطرفين، بأن لا يُقْدم أحد الطرفين إلاّ على
علم وبصيرة بالعقد، وما يؤول إليه أمره فيه.
٣- المُحَاقلة: بيع الحب بعد اشتداده في سنبله بحب من جنسه، فههذه الصورة
جمعت محذورين الجهالة والربا، فأما الجهالة فإنَّ بيع الحب في سنبله
مجهول غير معروف من حيث المقدار، ومن حيث الجودة والرداءة.
وأما الربا فبيع الحب بحب من جنسه بغير معياره الشرعي، وهذا يفضي
إلى الجهالة، والضابط الشرعي: ((أنَّ الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في
الحکم)).
- المخابرة: هي المخابرة الجاهلية المحرَّمة، فهم يُكرون الأرض للزراعة كراء
جاهليًّا، بأن يكون لصاحب الأرض جانب من الزرع معيَّن، وللمزارع جانب
آخر، وهذه مخابرة مجهولة؛ لأنَّه لا يعلم عاقبة الأمر، فربَّما صلح هذا،
وتلف الآخر، فمنع من أجل جهالته وخطره.
والمخابرة الصحيحة أن يكون لصاحب الأرض أو المزارع، جزء مشاع
معلوم، ليشتركا في الغُنم والغُرم، ويسلما من الجهالة.
٥- المزابنة: فسَّرها الإمام مالك بأنّها بيع كل مكيل لا يعلم كيله أو وزنه بشيء
من جنسه، ومن ذلك بيع التمر على رؤوس النخل بتمر، فهذا يجمع أمرين
ممنوعين :
أحدهما: الجهالة والمخاطرة التي لم تدع إليها حاجة.
الثانية: الربا، فإنَّ التمر على رؤوس النخل مجهول، فبيعه بتمر من جنسه لم
يتحقق التماثل بينهما، فيفضي إلى ربا الفضل.
((والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في الحكم)).
٦- المزابنة: رخّص من بيعها ما تدعو الحاجة إليه بقيود تقلل من الملكية

٣١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المباعة، وتخفف من الجهالة في العرايا، وتلك القيود هي:
- أن يباع ما على رؤوس النخل بمثل ما يؤول إليه تمرًا إذا جفَّ كيلاً.
- أن يكون أقل من خمسة أوسق، وهي (٣٠٠) صاع.
- لمحتاج إلى الژُطب.
- لا نقود معه يشتري بها .
- بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق.
٧- المخاضرة: هي بيع الثمار والحبوب قبل بدو صلاحها، لما في الصحيحين
من حديث ابن عمر قال: ((نهى النبي ◌ُّر عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها
نھی البائع والمبتاع)).
٨- الملامسة: هي أن يشتري الرجل الثوب، ولا ينشره ولا یتبین ما فيه.
٩ - المنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون ذلك بيعًا من غير نظر.
والمحذور الشرعي في هاتين الصورتين من البيع الجهالة المفضية إلى
الخصام والشِّجار.
١٠ - الثًُّا إلاّ أن تعلم: وصورتها - مثلاً - أن يقول: بعتك هذه الشجرة إلاَّ
بعضها، أو بعتك هذا القطيع من الغَنم إلاَّ عشرًا غير مُعيَّنة.
فمثل هذه الأشياء مجهولة، واستثناء المجهول من المعلوم يصير الباقي
مجهولاً ، أما إذا كان المستثنى معلومًا فيجوز.
١١ - الإسلام دين محبة ومودة ووئام، يكره الخصومة، والشقاق، والعداوة،
والبغضاء، ويدعو إلى ضمان البيوعات من الآفة .
وهذه البيوعات وأمثالها مجهولة يحصل فيها التغابن بين الطرفين
المتعاملين، مما يفضي إلى نزاع أحدهما مع الآخر، فجاء الإسلام بمنعها
وإيطالها، كما أنَّ الإسلام دين العدل والمساواة.
وهذه المعاملات تفضي إلى ظلم أحد الطرفين صاحبه، فالغابن يظلم

٣١١)
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
المغبون، ويأكل حقه بغير حقِّ ولا مقابلٍ.
وقد جاء في صحيح مسلم أنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قال: ((لو بعت من أخيك ثمرًا
فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير
حق؟)).
فنسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين وولاتهم إلى الرجوع إلى هذا الدين
العظيم، وإلى أحكامه العادلة، ليهتدوا إلى الصراط المستقيم، الذي يبلغ بهم
رضا ربهم، وسعادتهم في دنياهم وأخراهم آمين .

٣١٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٨٦ - وَعَنْ طَاؤُوسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -
قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبَعْ خَاضِرٌ لِبَادٍ،
قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ : مَا قَوْلُهُ: وَلاَ يَبَعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لاَ يَكُونُ لَهُ
سِمْسَارًا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ للبُخَارِيِّ(١).
* مفردات الحديث:
- لا تلقوا: بفتح التاء والقاف، وأصله ((لا تتلقوا)) بتاءين فحذفت إحداهما، أي
لا تستقبلوا الذين يحملون السّلع إلى البلد للشراء منهم قبل قدومهم البلد،
ومعرفة السعر.
قال ابن عبدالبر: وأما قوله: ((لا تلقوا الركبان)) فقد روي هذا المعنى
بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد.
- الركبان: بضم الراء المهملة وسكون الكاف، جمع راكب، هم الجماعة من
أصحاب الإبل في السفر، فهو في الأصل يطلق على راكب الإبل خاصة، ثم
اتّسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة.
والمراد بهم هنا الذين يجلبون إلى البلدان المواشي، والطعام وغيره
لبيعها، سواء كانوا ركبانًا أو مشاة، جماعة أو واحدًا، ولكن عبر بالغالب.
- حاضر: حضَرَ المكان يحضر حضورًا: شهد، فالحاضر هو المقيم في المدن
والقرى.
- باد: بدا بألف من دون همزة يبدو بدْوًا: سكن البادية ، فالبادي: هو المقيم
في البادية، أي الصحراء، جمعه بادون.
(١) البخاري (٢١٥٨)، مسلم (١٥٢١).

٣١٣
کتاب البيوع - باب شروطه وما نھي عنه
- سِمْسَارًا: بكسر السين المهملة وسكون الميم وفتح السين الأخرى آخره راء،
وأصل السمسار هو القيم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع
والشراء لغيره، فمعناه هو الوسيط بين البائع والمشتري ((الدلال))، والمعنى
منطبق عليه على الصحيح، سواء كان متوليًا البيع، أو متوليًا الشراء للمشتري.
قال البخاري: قال ابن سيرين عن أنس: ((لا يبع له شيئًا، ولا يبتاع له
شيئًا» .

٣١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٨٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
إنَّهِ : ((لاَ تَلَقَّوا الجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ الشُوقَ
فَهُوَ بِالْخِيَارِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- الجلب: بفتحتين، مصدر المجلوب، يقال: جلب الشيء: جاء به من بلد
إلى بلد للتجارة.
- سيده: المراد به جالب السلعة.
- الخيار: أي يختار أحد الخيارين، إما أن يختار إمضاء البيع، أو فسخه.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان فيهما فقرتان لبيان نوعين من المعاملات المحرَّمة، قوله: ((لا تلقوا
الركبان)) والرواية الأخرى: ((لا تلقوا الجلب))، معناه النَّهي عن استقبال
القادمين إلى البلد لبيع بضائعهم فيه، حينما يتلقاهم السماسرة والدلالون
خارج السوق الذي تباع فيه السلع، إما ليشتروا منهم بضائعهم على جهل من
القادمين بقيمها في السوق، وإما ليتولى السماسرة بيعها عن أصحابها على
الناس.
٢- مذهب جمهور العلماء تحريم تلقيهم، والشراء منهم، وتركهم يبيعون
سِلَعَهُم بأنفسهم على الناس.
٣- علة التحريم أمران:
الأول: غبن القادمين بشراء سلعتهم منهم بأقل من قيمتها في السوق.
(١) مسلم (١٥١٩).

٣١٥
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
الثاني: التضييق على الناس المحتاجين المستفيدين، وذلك باستقصاء
جميع ثمنها، فقد جاء في مسلم والسنن عن جابر أنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قال: ((لا يبع
حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)).
٤- الفقرة الثانية: ((فمن تُلقي، فاشتُري منه، فإذا وصل البائع السوق فهو
بالخيار)) ففيه إثبات الخيار للبائع بين إمضاء البيع، أو رده.
قال شيخ الإسلام: أثبت النبي وَّ للركبان الخيار إذا تُلُقوا؛ لأنَّ فيه نوع
تدلیس، وغشِّ.
وقال ابن القيم: نهى عن ذلك لِما فيه من تغرير البائع، فإنَّه لا يعرف السعر،
فيُشْترى منه بدون القيمة، ولِذا أثبت له النبي وّل الخيار إذا دخل السوق.
جاء في حاشية الشيخ عبدالرحمن بن قاسم: الحديث وإن كان ظاهره
الإطلاق، فیقید بما هو جارٍ متسامحٌ فيه، من التغابن اليسير .
والعقد صحيح؛ لأنَّ النَّهي قُصِر على التلقي، ولم يقل: لا تشتروا، ولا
نزاع في ثبوت الخيار للبائع من الغبن غبنًا يخرج عن العادة.
٥- الإسلام يراعي المصالح العامة، فيقدمها على المصالح الخاصة، ولذا فإنَّ
تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، فيه مصلحة خاصة للمتلقي الحاضر،
وللكن لما كانت مصلحة أهل البلد - بشرائهم السلع رخيصة - قدمت على
انتفاع الواحد.
٦ - قال شيخ الإسلام: من البيوع ما نهي عنه لِمعنّى فيه، من ظلم أحد المتبايعين
للآخر، كبيع المصراة، والمعيب، والنجش، ونحو ذلك، والشارع لم
يجعلها لازمة كالبيوع الحلال، بل جعل الخيرة إلى المظلوم، إن شاء
أبطلها، وإن شاء أجازها، فإنَّ الشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما
نهى عن الفواحش، ونكاح المحرّمات، والمطلقة ثلاثًا، وبیع الربا .
وبعض الناس يحسب أنَّ هذا النوع من جملة ما نهي عنه، والنّهي يقتضي

٣١٦)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الفساد، فأفسدوا بيع النجش، والبيع على أخيه، وبيع المدلس، والتحقيق
أنَّ هذا النوع لم يكن النَّهي عنه فيه لحق الله، بل لحق الإنسان.
* خلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء إلى صحة شراء متلقي الركبان، للحديث رقم
(٦٨٦)، ولأنَّ النَّهي لا يعود إلى نفس العقد، ولا إلى ركنه، أو شرطه، وإنما
هو لأجل الإضرار بالركبان.
واختلفوا في ثبوت الخيار إذا قدم السوق.
فذهب الشافعي وأحمد إلى ثبوته إذا غبن البائع غبنًا يخرج عن العادة؛
للحديث رقم (٦٨٦)، ولأنَّ هذا ضرر نزل به ولا يمكن تلافيه بغير الخيار.
وذهب أبو حنيفة إلى عدم الخيار، والقول الأول أصح.
واختلفوا في صحة بيع من باع على بيع أخيه، أو اشترى على شرائه.
فذهب أحمد والظاهرية إلى أنَّ البيع والشراء غير صحيحين للنَّهي ،
والنّهي يقتضي الفساد.
وذهب الثلاثة إلى صحة البيع، لأنَّ النَّهي لا يعود إلى نفس العقد، بل
إلى أمر خارج عنه.
واختلفوا في صحة بيع الحاضر للبادي.
فالمشهور عند أحمد البطلان بشروط أربعة :
١ - أن يكون بالناس حاجة إلى السلعة.
٢- أن يقدم البائع لبيع سلعته بسعر يومها.
٣- أن يكون جاهلاً بسعرها.
٤- أن يقصده الحاضر لبيعها.
ودليلهم: أنَّ النَّهي يقتضي الفساد.
وذهب جمهور العلماء إلى صحة البيع، مع التحريم لمخالفته النَّهي.

٣١٧)
كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
٦٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: ((نَهَىُ رَسُولُ
الله ◌َّهِ أَن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، ولاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِعُ الرَّجُلُ عَلَىُ بَّعِ
أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبُ عَلى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، وَلاَ تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاَقَ أُخْتِهَا
لِتَكْفَأَمَا فِي إِنَائِهَا)) متَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: ((لاَ يَسُومُ المُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِمِ))(١).
* مفردات الحديث:
- لا يبيع: يروى برفع الفعل على أنَّ ((لا)) نافية، وبالجزم على أنَّها ناهية.
- خِطبة: بكسر الخاء، طلب الزواج من المرأة، أو من ولي أمرها.
- لِتَكْفأ: من كفأ الإناء إذا كبَّه، وقلبه، وأفرغ ما فيه.
- سوم: مصدر سام يسوم سومًا وسُوامًا، أي عرض السلعة، وذكر ثمنها.
ما يؤخذ من الحديث:
في هذا الحديث ستة أمور منهيٌّ عنها:
١ - ((أن يبيع حاضر لبادٍ ولا تناجشوا))، وهذان تقدما.
٢-الثالث: «لا یبیع الرجل على بيع أخيه)).
ومعناه: أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو
أعطيك خيرًا منها بمثل ثمنها، لیفسخ البيع، ويعقد معه.
ومثله الشراء على شرائه، وذلك بأن يقول مثلاً لمن باع سلعة بتسعة: أنا
أشتريها منك بعشرة، فهو في معنى البيع المنهي عنه، فالبيع يشمل البيع
والشراء .
(١) البخاري (٢١٤٠)، مسلم (١٥١٥).

٣١٨)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- قال الفقهاء: ومحل ذلك في خيار المجلس، وخيار الشرط، واختار
الشيخ، وابن القيم، وابن رجب، وكثير من المحققين التحريم، ولو فات
زمن الخيار؛ لأنَّ ذلك يورث العداوة بين المسلمين، وربّما حمل من أُعطي
الزيادة على التحيل على فسخ عقد البيع .
٤ - قال في شرح الزاد: ويبطل العقد في البيع على بيعه، والشراء على شرائه،
دون السوم على سومه فيحرم، ولا يبطل العقد إذا أجري.
٥- قال الشيخ تقي الدين: ومثل تحريم البيع على بيع أخيه سائر العقود، وطلب
الولايات ونحوها لأنَّه ذريعة إلى التباغض والتعادي.
٦- الرابع: ((السوم على' سومه)).
ومعناه: أن يتّفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه،
فيقول الآخر لمالك المبيع: استرده، فأنا أشتريه بأكثر، أو يقول للمستام:
رده؛ لأبيعك خیرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص منه.
قال الحافظ: ليس المراد السوم في السلعة التي تباع في السوق
بالمزايدة، فهذه لا تحرم بالاتفاق لما في الصحيحين من قصة المدبَّر ((من
يشتريه مني)).
* قرار مجمع الفقه الإسلام بشأن موضوع «عقد المزايدة»:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم
النبیین، وعلى آله وصحبه.
إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن بیندر
سيري باجوان، برناوي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ -
٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه
=
٣١٩
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: ((عقد
المزايدة»، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله:
وحيث إنَّ عقد المزايدة من العقود الشائعة في الوقت الحاضر، وقد
صاحب تنفيذه في بعض الحالات تجاوزات، دعت لضبط طريقة التعامل به،
ضبطًا يحفظ حقوق المتعاقدين، طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، كما اعتمدته
المؤسسات والحكومات، وضبطته بتراتيب إدارية، ومن أجل بيان الأحكام
الشرعية لهذا العقد.
قرَّر ما يلي :
١ - عقد المزايدة: عقد معاوضة يعتمد دعوة الراغبين نداء، أو كتابة للمشاركة
في المزاد، ويتم عند رضا البائع.
٢- يتنوع عقد المزايدة بحسب موضوعه، إلى بيع، وإجارةٍ، وغير ذلك،
وبحسب طبيعته إلى اختياري، كالمزادات العادية بين الأفراد، وإلى
إجباري، كالمزادات التي يوجبها القضاء، وتحتاج إليه المؤسسات العامة
والخاصة، والهيئات الحكومية، والأفراد.
٣- أنَّ الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي، وتنظيم،
وضوابط، وشروط إدارية، أو قانونية، يجب أن لا تتعارض مع أحكام
الشريعة الإسلامية .
٤- طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة جائز شرعًا، ويجب أن يرد
لكل مشارك لم يَرس عليه العطاء، ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن
فاز بالصفقة .
٥- لا مانع شرعًا من استيفاء رسم الدخول ((قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن
القيمة الفعلية)» لکونه ثمنًا له.
٦ - يجوز أن يعرض المصرف الإسلامي، أو غيره مشاريع استثمارية؛ ليحقق

٣٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
لنفسه نسبة أعلى من الربح، سواء كان المستثمر عاملاً في عقد مضاربة مع
المصرف، أم لا .
٧- النَّجش حرام، ومن صوره:
(أ) أن يزيد في ثمن السلعة مَن لا يريد شراءها، ليغري المشتري بالزيادة.
(ب) أن يتظاهر من لا يريد الشراء بإعجابه بالسلعة وخبرته بها، ويمدحها؛
ليغر المشتري، فيرفع ثمنها .
(ج) أن يدَّعي صاحب السلعة، أو الوكيل، أو السمسار، ادعاء كاذبًا أنَّه دُفِع
فيها ثمن معيَّن؛ ليدلس على من يسوم.
(د) ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعًا اعتماد الوسائل السمعية،
والمرئية، والمقروءة، التي تذكر أوصافًا رفيعة لا تمثل الحقيقة، أو ترفع
الثمن لتغر المشتري، وتحمله على التعاقد. والله أعلم.
٧- الخامس: ((أن يخطب على خطبة أخيه)) .
ومعناه: أن يخطب الرجل على خطبة أخيه المسلم بلا إذن الأول، وقد
أجمع العلماء على تحريم ذلك، فإن تزوج والحال هذه فقد عصى الله
اتفاقًا، ويصح النكاح عند جمهور العلماء، ولم يبطله إلاَّ داود الظاهري.
٨- ذكر الفقهاء حالات يجوز فيها الخِطبة على الخِطبة، منها :
- أن يكون الثاني استأذن الأول، فأذن له إذنًا صريحًا.
- أن يكون الثاني غير عالم بخطبة الأول.
- أن ترد خطبة الأول.
- أن يترك الخاطب الأول، ويُعرض عن الخِطبة .
ففي هذه الصور لا إثم على الخاطب الثاني إذا خطب.
٩- السادس: ((أن تسأل المرأة طلاق الزوجة الأخرى)).
ومعناه: أن يخطب الرجل المرأة، فتشترط عليه طلاق زوجته،