Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ نَهَىْ عِنْ بَيِّعِ حَبَلِ الحَبَةِ - وَكَانَ بَيِّعًا يَبْتَاعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ - كَانَ الرَّجلُ يَبْتَاعُ الجَزُوَرَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١). * مفردات الحديث: - حبل: بفتحتين، قال النووي: وإسكان الباء غلط، وهو مصدر أريد به الجنين الموجود في بطن أمه حين العقد، قال في المصباح: قال بعضهم الحبل مختص بالآدمیات دون البهائم والشجر، فيقال فيه: ((حمل)) بالمیم. - الحَبَلَة: بفتحتين، والمراد حمل الحمل أي إنتاج الجنين، فهو ولد الولد الذي في بطن الناقة، وأدخلت عليه الهاء للمبالغة. - الجاهلية: يطلق هذا الاسم على الزمن الذي قبل الإسلام، وأصله مشتق من الجهل، لغلبته عليهم، أي الطيش وسرعة الغضب، والانفعال، والعدوان. - الجَزُور: بفتح الجيم المعجمة، هو البعير ذكرًا كان أو أنثى، وجمعه جزر وجزائر. - تُنتج الناقة: بضم التاء المثناة الفوقية وسكون النون، هذا الفعل على صيغة المبني للمجهول دائمًا، ومعناه إلى أن تلد، والناقة هي الأنثى من الإبل. - تنتج التي في بطنها: فالمراد به النَّهي عن بيع النتائج، أي بيع أولاد أولادها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن بيع حبل الحبلة، فسَّره هنا بأن يبيع الرجل الجَزور بثمن مؤجل (١) البخاري (٢١٤٣)، مسلم (١٥١٤). ٢٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام یحل عند حصول نتاج النتاج. ٢ - خصت هذه الصورة من البيع؛ لأنَّها كانت بيعًا يبيع به أهل الجاهلية، فيجعلون أجل حل الدين بههذا التحديد. ٣- أما تحريمه فقد جاء من أنَّه من بيوع الغرر؛ لجهالة الأجل، وقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال وَّيه: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، إلى أجل معلوم)) [رواه البخاري]. ولأنَّ جهالة الأجل تفضي إلى الخصام والنزاع، والإسلام جاء بالمحبة والمودة والوئام. ٤ - فسَّر بعضهم بيع حبل الحبلة بأنَّه بيع نتاج النتاج. وعلة التحريم هنا أعظم من الأولى، ففي هذا جهالة المبيع، فلا يعلم قدره ونوعه، وفيه جهالة الأجل؛ لأنَّه أجل غير محدد بزمن قد يطول وقد يقصر، وقد یتخلف فلا يوجد أصلاً . ٥- النَّهي على كلا التفسيرين للتحريم، ويفيد فساد العقد المنهي عنه. ٢٦٣ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ الله وَه (نَهَى عَنْ بَيِّعِ الوَلاَءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - الوَلاء: بفتح الواو ممدودًا، هو لغةً: السلطة والنصرة، والمراد به هنا ولاء العتاقة، الذي سببه نعمة المعتِقِ على من أعتقه بالعتق، فهو لُحْمَة كلُحمة النسب، لا يباع ولا يورث، وإنما يورث بسببه، واللَّحمة بالضم القرابة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتِقِ على عتيقه بالإعتاق، لأنَّ العبد كان في حال الرقّ كالمعدوم، فلا يملك ولا يتصرف، فلما أعتقه سيده صيّره موجودًا كامل الوجود، كما أنَّ الولد كان معدومًا، والأب تسبب في وجوده، فكان للسيد فضل الإعتاق. ٢- يرث به المعتق - بكسر التاء - ذكرًا كان أو أنثى، كما يرث به عصبته المتعصبون بأنفسهم، إذا لم يوجد للعتيق قرابة وارثة من النسب. ٣- جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وابن حبان أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((الولاءُ لحمة کلحمة النسب، لا یباع ولا یوهب)». فهو كالنسب لا يزول بالإزالة، ومن هذا فلا يتصور بيعه، ولا نقل الملك فيه بأي طريق، إذ لا يمكن ذلك، لأنَّه كالنسب الذي جاء فيه حديث: ((لعن الله من انتسب إلی غیر أبیه». ٤- النَّهي في الحديث يفيد التحريم، ويقتضي فساد العقد المنهي عنه، فلا (١) البخاري (٦٧٥٦)، مسلم (١٥٠٦). ٢٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام یصح، ولا ينفذ لو فعل. ٥- النَّهي والتحريم ليس خاصًّا في صورتي البيع والهبة، وإنَّما هو محرَّم وفاسد بکل صورة من صور نقل الحق فيه. ٢٦٥ کتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: (نَهَىْ رَسُولُ الله ◌ِِّ عَن بَيَعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - بيع الحَصاة: بفتح الحاء، واحدالحصى، من باب إضافة المصدر إلى نوعه، وليس من إضافة المصدر إلى مفعوله، وصفة بيع الحصاة: هو أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فأيَّ ثوب تقع عليه فعليك بكذا، أو أن يبيعه من أرضه ما انتهى إليه رمي الحصاة. - الغرر: بفتحتين، من إضافة المصدر إلى نوعه، من غرَّ يغِر بالكسر، هو الخطر . قال ابن عرفة: بيع الغرر ما كان ظاهره يغرر، وباطنه مجهول، فهو مجهول العاقبة، وقد يكون جهل عاقبته إما لعدمه كبيع حبل الحبلة، وإما للعجز عنه كالجمل الشارد، أو المجهول المطلق، أو المعين المجهول قدره، أو جنسه، أو صفته، فالغرر يجمع وجوهًا كثيرة من المخاطر، وأصل الغرر النقصان، من قول العرب: غارت الناقة: إذا نقص لبنها، وغارت البئر: إذا قلَّ ماؤها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن بيع الحصاة، مما يقتضي تحريمه وعدم صحته. ٢- للعرب في الجاهلية أنواع من صور البيع يتخذونها في أسواقهم، وأكثرها مما يغبن فيه البائع أو المشتري، ولذا حرمها الإسلام، فمنها بيع الحصاة، و له صور منها : (١) مسلم (١٥١٣). ٢٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوبٍ وقعت فهو لك بکذا. أن يقول البائع: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مباع منك بكذا، فيجعل الرمي بالحصاة نفسه بيعًا. - أن يعترض القطيع من الغنم - مثلاً - فيأخذ حصاة، ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بکذا. - أن يقول: بعتك على أنَّك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، فإذا نبذتها وجب البيع. - أو أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة. وهكذا من الصور المتعددة، وكلها بيوعات جاهلية، فيها غررٌ، ومخاطرةٌ، وجهالةٌ، لذا جاء الإسلام بتحريمها . ٣- الحديث يفيد النَّهي عن بيع الغرر، والنَّهي يقتضي التحريم، كما يقتضي فساد العقد . ٤- الغرر: هو ما لا تعلم عاقبته من الخطر، مما طوي عنك علمه، وخِفِي عليك أمره. ٥ - قد جاء النَّهي عن الغرر في أحاديث كثيرة. ٦- قال النووي: النَّهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع العبد الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لا يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع ثوب من الأثواب، وشاة من الشياه، ونظائر ذلك، وكل ذلك باطلٌ؛ لأنَّه غرر كبير من غير حاجة . ٧- قال شيخ الإسلام: وأما الغرر: فالأصل في ذلك أنَّ الله حرَّم في كتابه أكل ٢٦٧ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه أموال الناس بالباطل، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل، والنبي ◌َّ نهى عن بيع الغرر، والغرر هو المجهول العاقبة، فمن أنواعه: - بيع حَبَل الحَبَلَةِ . - بيع الملاقیح. - بيع المضامين . - بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها . - بيع الملامسة والمنابذة، ونحو ذلك من أنواعه وصوره. 1 والغرر ثلاثة أنواع: - بيع المعدوم كحَبَل الحَبَلَة. - بيع المعجوز عن تسليمه كالجمل الشارد. - بيع المجهول المطلق، أو المجهول الجنس، أو المجهول القدر. قال النووي: واعلم أنَّ بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة في النَّهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهي عنها؛ لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: ثبت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين تحريم الميسر، وهو نوعان: الأول: المغالبات والرهان، فهذا كله حرام، لم يبح منه الشارع إلاَّ ما كان معينًا على طاعته، والجهاد في سبيله، بأخذ العوض على مسابقة الخيل، والركاب، والسهام. الثاني: الميسر في المعاملات، وقد نهى النبي ◌ّ عن بيع الغرر، وهذا شامل للبيع بأنواعه، والإجارات، فالشيء الذي يشك في حصوله، أو تجهل حاله، وصفاته المقصودة داخل في الغرر؛ لأنَّ أحد العاقدين إما أن يغنم، ٢٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أو يغرم، فهذا خطر كالرهان. ولأجل هذه القاعدة اشترط الفقهاء في البيع أن يكون الثمن معلومًا، والمثمن معلومًا؛ لأنَّ جهالة أحدهما داخلة في الغرر. * فوائد: الأولى: ما تدعو الحاجة إليه من الغرر: قال شيخ الإسلام: رخّص الشارع فيما تدعو الحاجة إليه من الغرر، كبيع العقار بأساساته، والحيوان الحامل، والثمرة بعد بدو صلاحها، وبيع ما المقصود منه مغيَّب في الأرض، كالبصل والفجل ونحوهما قبل قلعه. وتختلف مشارب الفقهاء في هذا: فأبو حنيفة والشافعي أشد الناس قولاً في الغرر، وأصول الشافعي المحرَّمة أكثر من أصول أبي حنيفة . أما مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فإنَّه يجوز بيع هذه الأشياء، وجميع ما تدعو الحاجة إليه، أو يقل غرره، فيجوز بيع المقائي جملة، وبيع المغيبات في الأرض، كالجزر والفجل والبصل ونحو ذلك ، وأحمد قريب منه في ذلك. والناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع؛ لأجل نوع من الغرر. وهو أصح الأقوال، وعليه يدل غالب معاملات السلف، ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم إلاَّ به. وكل من شدَّد في تحريم ما يعتقده غررًا فإنَّه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرَّمه الله، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة، وإما أن يحتال، ومفسدة التحريم لا تزول بالحيلة . ٢٦٩ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه الثانية: التأمين التجاري: تعريفه: هو عقد يُلزم فيه أحد الطرفين وهو ((المؤمِّن)) أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو ((المؤمَّن له)) عوضًا ماديًا يتفق عليه، يُدْفع عند وقوع الخطر، وتحقق الخسارة المبينة في العقد، وذلك نظير رسم يسمى ((قسط التأمين)) يدفعه المؤمَّن له حسب ما ينص عليها عقد التأمين، إذًا فالمتعاقدان هما: - المؤمِّن: شركة أو هيئة. - المؤمَّن له: دافع أقساط التأمين. حکمه: قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: التأمين مخالف للشريعة الإسلامية؛ لما يشتمل عليه من أمور هي: ١ - غررٌ وجهالةٌ ومخاطرةٌ، مما يكون من قِبل أكل أموال الناس بالباطل. ٢ - يشبه الميسر؛ لأنَّه يستلزم المقامرة. وبالجملة .. فكل من تأمل هذا العقد وجده لا ينطبق على شيء من العقود الشرعية، ولا عبرة بتراضي الطرفين، وللكن العبرة بتراضيهما إذا كانت معاملتهما قائمة على أساس من العدالة الشرعية. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن التأمين التجاري : أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قرارًا عن التأمين التجاري برقم (٥٥) وتاريخ ١٣٩٧/٤/٤ هـ مطولاً، لا يتَسع المقام لنقله كله، ولذا أكتفي بنقل فقرات منه، وللقاريء الرجوع إليه، جاء فيه ما يلي: أولاً: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاجتماعية، المشتملة على الغرر الفاحش، وقد نهى وَّل عن بيع الغرر. ثانيًا: هو ضرب من ضروب المقامرة، لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغُرم بلا جناية، ومن الغُنم بلا مقابل أو مقابل، غير ٢٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مكافىء . ثالثًا: من الرهان المحرم الذي لم يبح منه إلاَّ ما فيه نصرة للإسلام، وقد حصر النبي ◌َّ الرهان في الخف والحافر والنَّصل، وليس التأمين من ذلك. اهـ ملخصًا . * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن التأمين التجاري: جاء فيه : إنَّ عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت، الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري، عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرامٌ شرعًا. * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن التأمين بشتى صوره وأشكاله: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه . أما بعد : فإنَّ المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة، بعدما اطّلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد ما اطّلع أيضًا على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة المنعقدة بمدينة الرياض، بتاريخ ١٣٩٧/٤/٤ هـ من التحريم للتأمين بأنواعه . وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك، قرر المجلس بالأكثرية تحريم التأمين بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك من الأموال. كما قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء، من جواز التأمين التعاوني بدلاً من التأمين التجاري المحرَّم، والمنوه عنه آنفًا، وعهد بصياغة القرار إلى لجنة خاصة. ٢٧١ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه تقرير اللجنة المكلفة بإعداد قرار مجلس المجمع حول التأمين: بناء على قرار مجلس المجمع المتخذ بجلسة الأربعاء ١٤ شعبان ١٣٩٨ هـ، المتضمن تكليف كل من أصحاب الفضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ محمد بن عبدالله السبيل بصياغة قرار مجلس المجمع حول التأمين بشتى أنواعه وأشكاله. وعليه فقد حضرت اللجنة المشار إليها، وبعد المداولة أقرَّت ما يلي: الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه . . أما بعد : فإنَّ المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في ١٠/ شعبان ١٣٩٨ هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي، نظر في موضوع التأمين بأنواعه، بعد ما اطّلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد ما اطّلع أيضًا على ما قرَّره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ ٤/ ١٣٩٧/٤هـ بقراره رقم (٥٥) من التحريم للتأمین التجاري بأنواعه. وبعد الدارسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع، عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا، تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك للأدلة الآتية: الأول: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية، المشتملة على الغرر الفاحش؛ لأنَّ المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطى، أو يأخذ، فقد يدفع قسطًا أو قسطين، ثم تقع الكارثة، فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلاً، فيدفع جميع الأقساط، ولا يأخذ شيئًا، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي ويأخذ، بالنسبة لكل عقد ٢٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام بمفردته، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النَّبِي وَِّ النَّهي عن بيع الغرر. الثاني: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة، لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية، أو تسبب فيها ومن الغنم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافيء فإنَّ المستأمن قد يدفع قسطًا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل، وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارًا، ودخل في عموم النَّهي عن الميسر في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اُلْخَفُرُ وَاْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠] والآية بعدها. الثالث: عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسأ، فإنَّ الشركة إذا دفعت للمستأمن، أو لورثته، أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نسأ، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسأ فقط، وكلاهما محرَّم بالنص والإجماع. الرابع: عقد التأمين التجاري من الرهان المحرَّمة، لأنَّ كلا منها فيه جهالة وغرر ومقامرة، ولم يبح الشرع من الرهان إلاَّ ما فيه نصرةٌ للإسلام، وظهورٌ لأعلامه بالحجة والسنان، وقد حصر النَّبِي بَلّ رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله وقال: ((لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل))، وليس التأمين من ذلك ولا شبيهًا به، فكان محرَّمًا . الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرَّم، لدخوله في عموم النَّهي في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَاضٍ مِّنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ٢٧٣ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه السادس: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعًا، فإنَّ المؤمن لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، وإنما كان منه مجرَّد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه، مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له، والمؤمن لم يبذل عملاً للمستأمن، فكان حرامًا . وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقًا، أو في بعض أنواعه، فالجواب عنه ما يلي: ( أ ) الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح، فإنَّ المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام : قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة. وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة، وهذا محل اجتهاد المجتهدين . والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه، وعقود التأمين التجاري فيها جهالةٌ وغررٌ وقمارٌ وربًا، فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه؛ لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة. (ب) الإباحة الأصلية لا تصلح دليلاً هنا؛ لأنَّ عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة، والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم الناقل عنها، وقد وجد، فبطل الاستدلال بها . (ج) ((الضرورات تبيح المحظورات)) لا يصح الاستدلال به هنا، فإنَّ ما أباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافًا مضاعفة مما حرَّمه عليهم، فليس هناك ضرورة معتبرة شرعًا، تلجيء إلى ما حرمته الشريعة من التأمين. (د) لا يصح الاستدلال بالعرف، فإنَّ العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام، وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام، وفهم المراد من ألفاظ النصوص، ومن عبارات الناس في إيمانهم، وتداعيهم، وأخبارهم، وسائر ما ٢٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير له فيما تبين أمره، وتعين المقصود منه، وقد دلَّت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين، فلا اعتبار به معها . (هـ) الاستدلال بأنَّ عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة، أو في معناها غير صحيح؛ فإنَّ رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه، وما يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضي به نظام التأمين، وأنَّ رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته، وفي التأمين قد يستحق الورثة نظامًا مبلغ التأمين، ولو لم يدفع مورثهم إلاَّ قسطًا واحدًا، وقد لا يستحقون شيئًا إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته، وأنَّ الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسبًا مئوية مثلاً، بخلاف التأمين، فربح رأس المال وخسارته للشركة، وليس للمتسأمن إلاَّ مبلغ التأمين، أو مبلغ غير محدد . (و) قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به، غير صحيح، فإنَّه قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما أنَّ عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة، بخلاف عقد ولاء الموالاة، فالقصد الأول فيه التآخى في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء، وسائر الأحوال، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع. (ز) قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به لا يصح، لأنَّه قياس مع الفارق ومن الفروق أنَّ الوعد بقرضٍ أو إعارةٍ، أو تحمل خسارةٍ مثلاً من باب المعروف المحض، فكان الوفاء به واجبًا، أو من مكارم الأخلاق، بخلاف عقود التأمين، فإنَّها معاوضة تجارية باعثها الربح المادي، فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر. (ح) قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول وضمان ما لم ٢٧٥) = كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه يجب قياس غير صحيح؛ لأنَّه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق أنَّ الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين، فإنَّه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولاً الكسب المادي، فإن ترتب عليه معروف فهوتابع غير مقصود إليه، والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع، ما دام تابعًا غير مقصود إليه . (ط) قياس عقود التأمين التجاري على ضمان خطر الطريق لا يصح، فإنَّه قیاس مع الفارق، کما سبق في الدلیل قبله. (ي) قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح، فإنَّه قياس مع الفارق أيضًا، لأنَّ ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسؤلاً عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة، ووضع له نظامًا راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين، الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية، التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين، والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة؛ لأنَّ ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقًّا التزم به من حكومات مسؤولة عن رعيتها وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه، وتعاونًا معه جزاء تعاونه معها ببدنه وفكره، وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة . (ك) قياس نظام التأمين التجاري وعقوده على نظام العاقلة لا يصح، فإنّه قياس مع الفارق، ومن الفروق أنَّ الأصل في تحمل العاقلة لديه الخطأ وشبه العمد ما بينهما وبين المقاتل خطأ أو شبه العمد من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون، وأسداء المعروف ولو دون مقابل، وعقود التأمين التجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة، لا تمت إلى ٢٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عاطفة الاحسان، وبواعث المعروف بصلة. (ل) قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة غير صحيح؛ لأنَّه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق أنَّ الأمان ليس محلاًّ للعقد في المسألتين، وإنما محله في التأمين الأقساط، ومبلغ التأمين، وفي الحراسة الأجرة، وعمل الحارس، أما الأمان فغاية ونتيجة وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس. (م) قياس التأمين على الإيداع لا يصح؛ لأنَّه قياس مع الفارق أيضًا، فإنَّ الأجرة في الإيداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شيء في حوزته يحوطه بخلاف التأمين، فإنَّ ما يدفعه المستأمن لا يقابله عمل من المؤمن، ويعود إلى المستأمن بمنفعة، إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة وشرط العوض عن الضمان لا يصح، بل هو مفسد للعقد، وإن جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جعل فيها مبلغ التأمين، أو زمنه فاختلف في عقد الايداع بأجر. (ن) قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة لا يصح والفرق بينهما أنَّ المقيس عليه من التأمين التعاوني وهو تعاون محض، والمقيس التأمين تجاري وهو معاوضات تجارية، فلا يصح القياس. كما قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (٥١) وتاريخ ١٣٩٧/٤/٤ هـ من جواز التأمين التعاوني بدلاً عن التأمين التجاري المحرَّم والمنوه عنه آنفًا للأدلة الآتية : الأول: أنَّ التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤلية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحًا من أموال ٢٧٧) كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم، والتعاون على تحمل الضرر. الثاني: خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه رباالفضل وربا النسا، فليس عقود المساهمين ربوية، ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية. الثالث: إنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنَّهم متبرعون، فلا مخاطرة، ولا غرر، ولا مقامرة، بخلاف التأمين التجاري فإنَّه عقد معاوضة مالية تجارية . الرابع: قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشيء هذا التَّعاون، سواء كان القيام بذلك تبرعًا أو مقابل أجر معيَّن، ورأى المجلس أن يكون التأمين التعاوني على شكل شركة تأمين تعاونية مختلطة للأمور الآتية: ( أ ) الالتزام بالفكر الاقتصادي الإسلامي الذي يترك للأفراد مسؤلية القيام بمختلف المشروعات الاقتصادية، ولا يأتي دور الدولة إلاَّ كعنصر مكمل لما عجز الأفراد عن القيام به، وكدور موجه، ورقيب، لضمان نجاح هذه المشروعات وسلامة عملياتها . (ب) الالتزام بالفكر التعاوني التأميني الذي بمقتضاه يستقل المتعاونون بالمشروع كله من حيث تشغيله، ومن حيث الجهاز التنفيذي، ومسؤلية إدارة المشروع. (ج) تدريب الأهالي على مباشرة التأمين التعاوني، وإيجاد المبادرات الفردية، والاستفادة من البواعث الشخصية، فلا شكَّ أنَّ مشاركته الأهالي في الإدارة تجعلهم أكثر حرصًا ويقظة على تجنب وقوع المخاطر التي يدفعون مجتمعين تكلفة تعويضها، مما يحقق بالتالي مصلحة لهم في إنجاح التأمين التعاوني، إذ أنَّ تجنب المخاطر يعود عليهم بأقساط أقل في المستقبل، كما أنَّ وقوعها قد يحملهم أقساطًا أكبر في المستقبل. ٢٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام (د) أنَّ صورة الشركة المختلطة لا يجعل التأمين كما لو كان هبة أو منحة من الدولة للمستفيدين منه، بل بمشاركة منها معهم فقط، لحمايتهم ومساندتهم باعتبارهم هم أصحاب المصلحة الفعلية، وهذا موقف أكثر إيجابية ليشعر معه المتعاونون بدور الدولة، ولا يعفيهم في نفس الوقت من المسؤولية. ويرى المجلس أن يراعي في وضع المواد التفصيلية للعمل بالتأمين التعاوني على الأسس الآتية: الأول: أن يكون لمنظمة التأمين التعاوني مركز له فروع في كافة المدن، وأن يكون بالمنظمة أقسام تتوزع بحسب الأخطار المراد تغطيتها وبحسب مختلف فئات ومهن المتعاونين: كأن يكون هناك قسم للتأمين الصحي، وثانٍ للتأمين ضد العجز والشيخوخة .. إلخ. أو يكون هناك قسم لتأمين الباعة المتجولين، وآخر للتجار، وثالث للطلبة، ورابع لأصحاب المهن الحرة كالمهندسين والأطباء والمحامين .. إلخ. الثاني: أن تكون منظمة التأمين التعاوني على درجة كبيرة من المرونة، والبعد عن الأساليب المعقدة. الثالث: أن يكون للمنظمة مجلس أعلى يقرر خطط العمل، ويقترح ما يلزمها من الوائح وقرارات تكون نافذة إذا اتَّفقت مع قواعد الشريعة. الرابع: يمثل الحكومة في هذا المجلس تختاره من الأعضاء، ويمثل المساهمين من يختارونه ليكونوا أعضاء في المجلس، ليساعد ذلك على إشراف الحكومة عليها، واطمئنانها على سلامة سيرها وحفظها من التلاعب والفشل. الخامس: إذا تجاوزت المخاطر موارد الصندوق بما قد يستلزم زيادة الأقساط فتقوم الدولة والمشتركون بتحمل هذه الزيادة. ويؤيد مجلس المجمع الفقهي ما اقترحه مجلس هيئة كبار العلماء في ٢٧٩ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه قراره المذكور بأن يتولى وضع المواد التفصيلية لههذه الشركة التعاونية جماعة من الخبراء المختصين في هذا الشأن. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلّم على نبينا محمَّد وآله وصحبه. والمجالس الثلاثة كلها أجازت البديل الشرعي؛ وهو ((التأمين التعاوني)). فعبارة مجمع الفقه الإسلامي المنبثقة من منظمة المؤتمر الإسلامي هي: إنَّ العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي، هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن التأمين التعاوني: أنَّ التأمين التعاوني من عقود التبرعات، التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤلية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية، تُخصَّص لتعويض من يصيبه ضرر، وإمكان الاكتفاء به عن التأمين التجاري. ٢٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦٧٧ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - أَنَّ رَسُولَ الله وَلِيمهل وسلم قَالَ: ((مَنِ اشْتَرَىَ طعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَلَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - فلا يبعه: هذه رواية مسلم ، وقد تكررت فيه من عدة طرق، أما روايات البخاري، فكل الروايات التي اطّلعت عليها فيه: ((فلا يبيعه)) ورواية مسلم بالجزم على أنَّ ((لا)) ناهية، ورواية البخاري بالرفع على أنَّها نافية، وكلتا الروايتين تؤدي إلى معنى واحد، إلاّ أنَّ رواية النفي أبلغ . - حتى يكتاله: المراد حتى يستوفيه بالكيل، والفرق بين الكيل والاكتيال إنما يستعمل إذا كان الكيل لنفسه، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿ وَإِذَا كَالْوُهُمْ أَو ◌َّزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين] فالمراد بالاكتيال ٣ استيفاء الطعام المبيع بالكيل، فقد جاء في رواية البخاري: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)) والرواية الأخرى للبخاري: ((إذا ابتعت فاكتل)) يعني اشتريت . * ما يؤخذ من الحديث: ١- في الحديث نهي المشتري أن يبيع الطعام الذي اشتراه حتى يكتاله، ويستوفيه ممن باعه عليه. ٢- الطعام عادة وغالبًا لا يباع إلاَّ كيلاً، ولذا جعل الفقهاء هذا الحكم في كل بیع یحتاج قبضه إلى حق توفية، من الكيل، أو الوزن، أوالعد، أو الذرع، فلا يصح بيعها إلاّ بعد استيفائها من البائع بما تقبض به من أحد هذه ٠ (١) مسلم (١٥٢٨).