Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١) كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٦٦ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِّ وَ الَ: «أَنَّ فَأُرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ نَّهِ عَنْهَا، فَقَال: أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ)) رَواهُ البُخَارِيُّ. وزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: ((في سَمْنٍ جَامِدٍ))(١). * درجة الحديث: زيادة أحمد والنسائي وتقييدها: ((في سمن جامد)) حكم عليها بالشذوذ الإمام البخاري وابن تيمية، وذلك لتفرد عبدالرحمن بن مهدي بها، ومخالفته الرواية الجماعة عن الإمام مالك. وفي التلخيص الحبير لابن حجر: ذكر عدَّة روايات وطرق تقوي هذه الزيادة، وتجود الحديث، وكذلك في الفتح (٦٦٩/٩) للكن رجح فيه الوقف. * مفردات الحديث: - فأرة: بفتح الفاء تُهمز ولا تُهمز، الواحدة من الفار، وتقع على الواحدة من الذكر والأنثى، وهو جنس حيوان من الفصيلة الفأرية، ورتبة القوارض. - سَمْن: بفتح السين وسكون الميم، هو سلاء الزبد، وهو ما يذاب ويخلص منه بعد إغلائه . - جامد: جمد الماء، وكل سائل يجمد جمْدًا وجُمُودًا - من بابي نصر وكرم - یبس، وضد ذاب. (١) البخاري (٥٥٤٠)، أحمد (٧٢٨٤)، النسائي (٤١٨٦). ٢٤٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦٦٧ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَجِّهِ : ((إِذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ البُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ بِالوَهْمِ (١). * درجة الحديث: قال الشيخ محمَّد زکریا الکاندهلوي في شرحه على الموطأ ما خلاصته: رواه عبدالرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ، ((سئل رسول الله وَليلةٍ ... )) الحديث. قال: حكى الترمذي عن البخاري أنَّه قال في رواية معمر: هذه خطأ، وقال ابن أبي حاتم: إنَّها وَهَم، وأشار الترمذي إلى أنَّها شاذة، وقد حكم البخاري وأبوحاتم عليه بالوهم، وقالوا: إنَّ معمرًا قد غلط على الزهري لأنَّ الصحيح هو الزهري عن عبيدالله عن ابن عباس عن ميمونة. * مفردات الحديث: - مائع: يقال: ماع الشيء يميع ميعًا: سال وجرى، فالمائع خلاف الجامد. * ما يؤخذ من الحديثين: ١- يدل الحديثان على نجاسة الفأرة، وأنَّها من الخبائث، فلقد جاء في الصحيحين أنَّ النَّبيَّ وَِّ أمر بقتلها، وسمَّاها فاسقة. ٢- أنَّ الفأرة إذا وقعت في سمن أو مائع، وماتت فيه نجَّست ما حولها مما وقعت فيه، فيجب إلقاؤها وإلقاء ما حولها . (١) أحمد (٦٨٨٠)، أبوداود (٣٨٤٢). ٢٤٣ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه قال الحافظ: لم يأت تحديد ما يُلقى، لكن أخرج ابن أبي شيبة من مرسل عطاء: أن یکون قدر الکف، وسنده جید لولا أنَّه مرسل. ٣- أنَّ بقية السمن أو اللبن أو نحوهما مما ليس حولها طاهرٌ، يجوز أكله واستعماله، فلا تسري النجاسة إلى كل أجزائه. ٤- أنَّ ذكر السمن إنَّما هو واقعة عين لميمونة، وإلاَّ فالحكم عام في كل المائعات من دهنٍ، وزيتٍ، ولبنٍ، وعصيرٍ، وغير ذلك. قال الحافظ : وإلحاق غير السمن به في القياس واضح. ٥ - قال الخطابي: في الحديث دليل على أنَّ المائعات لا تزال بها النجاسة، وذلك أنَّها إذا لم تدفع عن نفسها النجاسات، فلأن لا تدفع عن غيرها أولى. ٦- في الحديث دلالة على تحريم الأعيان النجسة، وأنه لا يجوز الاستفادة منها ولا استعمالها، وتقدم مثله في حديث جابر (٦٦١). ٧- مفهوم قوله: ((فماتت فيه)) أنَّها لو سقطت فيه وخرجت حية أنَّ السمن لا ينجس، فإنَّ الفقهاء جعلوا الهرة وما دونها في الخلقة طاهرًا في حال الحياة، لقوله وَ له: ((إنَّها ليست بنجس، إنَّها من الطوَّافين عليكم)) وقيس عليها الباقي. ٨- قوله: ((كلوه)) ليس أمرًا، وإنما هو إباحة، وبيان حكم طهارته. ٩ - هذا الحكم ما لم يتغيَّر السمن بالنجاسة في ريحه، أو طعمه، أو لونه، فإن تغيَّر فإنَّه نجس لا يجوز استعماله ولا قربه، فإنَّ الماء وهو الطهور إذا تغيّر طعمه أو ريحه أو لونه بالنجاسة نجس، فكيف بالمائعات التي لا تدفع عن نفسها نجاسة . ١٠ - الحديث عام في السمن: قليله وكثيره، فليس فيه تقیید، فيبقى على عمومه أنَّ الفأرة إذا وقعت فيه وماتت ولم تغيره أنَّها تلقى، ويؤكل السمن، كثُر أو قلَّ. ٢٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١ - وفي الحديث: دلالة على جواز ملامسة النجاسة لإزالتها، وتطهير المكان منها، ومن أدلة هذه المسألة مشروعية الاستنجاء، وغسل النجاسات. ١٢ - رواية البخاري مطلقة تعم السمن المائع والجامد، ورواية أحمد والنسائي تقيد ذُلك في السمن الجامد، وللكن محققي المحدثين كالبخاري وأبي حاتم حكموا على رواية «في سمن جامد))، بالوهم. قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: هو خطأ، والصواب: ما رواه الزهري عن عبيدالله عن ابن عباس عن ميمونة - رضي الله عنهم -. وقال الترمذي: هو حديث غير محفوظ . قال ابن القيم: اختلف العلماء في هذا الحديث إسنادًا ومتنًا، وللكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يرَوْه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا، فكثير من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية: ((إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه)) موهومة معلولة، فإنَّ النَّاس إنما رووه عن سفيان عن الزهري من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره. ٢٤٥) كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٦٨ - وَعَنْ أَبى الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالكَلْبِ، فَقَال: زَجَرَ النَّبِيُّ وَ ◌ّهِ عَنْ ذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ والنَّسَائِيُّ، وزَادَ: ((إلاَ كلْبَ صَيْدٍ))(١). * درجة الحديث: زيادة النسائي ضعَّفها الإمام أحمد، واستنكرها النسائي، وضعَّفها النووي والسيوطي، ونقلا اتفاق المحدثين على ذلك. * مفردات الحديث: - السّنَّوْر: بكسر السين المهملة وتشديد النون، هو الهرّ والقط، وهو حيوان أليف من الفصيلة السنورية ورتبة اللواحم، والأنثى سنورة، جمعه سنانير. - الكلب: كل سبع عقور، وغلب على هذا النابح بل صارت حقيقة لغوية فيه لا تحتمل غيره، الجمع: أكلب و كلاب، والأنثى كلبة، وجمعها كلاب وكلبات. - زجر عن ذلك: يقال: زجره يزجره زجرًا: منعه ونهاه عنه، وأمره بالكفِّ عن بيعه، والانتفاع بثمنه بعنفٍ وشدةٍ. - صيد: صاد الطير وغيره يصيده صيدًا واصطاده: اقتنصه وأمسكه بمشقة، فالطیر مصید، والرجل صائد. * مايؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على النَّهي عن بيع السنور، وتحريم ثمنه وإن جاز اقتناؤه لغير حاجة، لعدم النَّهي عن ذلك، ولما في الصحيحين: ((أنَّ امرأة دخلت النَّار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)). (١) مسلم (١٥٦٩)، النسائي (٧/ ١٩٠). ٢٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولأنَّها طاهرة في الحياة، وهذا مذهب طائفة من العلماء، ومنهم الحنابلة، إذ صحة البيع إنما تكون في عين مالية، والسنور ليس بمال . وذهب الجمهور إلى جواز بيعه، وحملوا الحديث على التنزيه ومكارم الأخلاق، وأنَّ هذا مما اعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة فيه، ولكنه خلاف الظاهر؛ لأنَّ النَّهي يقتضي التحريم، ففيه زجر، وهو أبلغ من النَّهي، وتكون العلة في تحريم بيعه لعدم النفع المقصود فيه. ٢- يدل الحديث على تحريم ثمن الكلب وتحريم بيعه؛ لما في الصحيحين من حديث أبي مسعود ((نهىُ النَّبِيُّ وَّ عن ثمن الكلب))، والنَّص على تحريم ثمنه يدل باللزوم على تحريم بيعه؛ لأنَّه نجس العين، ولا ينتفع به إلاَّ لحاجة. ٣- الحديث الذي في الصحيحين عام، ولكن عند النسائي زيادة تقدم حكمها وأنَّها ضعيفة: ((إلاَّ كلب صيد)). ومن أجل هذه الزيادة اختلف العلماء في جواز بيعه. فذهب الجمهور - ومنهم الإمامان: الشافعي وأحمد ۔ إلی تحریم بيعه، وإن كان كلب صيدٍ، أو زرع، أو ماشيةٍ، ويباح اقتناؤه لههذه الحاجة مع تحريم بيعه وثمنه؛ لأنَّ الأصلَ في النَّهي أنَّه للتحريم . قال الخطابي: جواز الانتفاع بالشيء إذا كان لأجل الضرورة لم یکن يدل على جواز بيعه، كالميتة يجوز الانتفاع بها للمضطر ولا يجوز بيعها، وذهب أبو حنيفة إلى جواز بيعه مطلقًا، سواء جاز اقتناؤه، أو لا. وقال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي: ما أبيح من الكلاب فبيعه جائز، وما حرم اقتناؤه منها فبيعه محرَّم. ٢٤٧ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٦٩ - وَعنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((جَاءَتْنِي بَرِيْرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَىْ تِسِعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامِ أُوْقِيَّةٌ، فَأَعِيْنِيْنِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَن أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونُ وَلاَؤُكِ لِي، فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيْرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللهِ لَّهَ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّى قَدْ عَرَضْتُ ذِلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الوَلاَءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ وَّهِ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيّ ◌َِّ، فَقَالَ: خُذِيْهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ ، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ وَه فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَىُ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطِ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضاءُ اللهِ أَحَقٌّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْتَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: ((اشْتَرِيْهَا، وَاعْتِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءُ)»(١) ٠ * مفردات الحديث: - بريرة: مولاة عائشة، كانت تحت زوجها مغيث، وكان مولى مثلها، فلما عتقت خيَّرها النبي وَّ فاختارت فراقه. - كاتبتُ أهلي: الكتابة مشتقة من الكتب وهو الجمع؛ لأنَّ نجوم أقساطها (١) البخاري (٢١٦٨)، مسلم (١٥٠٤). ٢٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام جمعت على الرقيق، أو من المكاتبة، وهو العقد بينها وبين مواليها من الأنصار. - أواق: تقدم أنَّ الأوقية أربعون درهمًا إسلاميًا، وأنَّ الدرهم نصف مثقال وخمس مثقال، والمثقال (٤,٢٥) غرامات. أواق: جمع أوقية، وأصلها أواقي بتشديد الياء، فحذفت إحدى الياءين تخفيفًا، والثانية على طريقة قاضٍ. - ولاؤك لي: أي ولاء عتقك يكون لي. - ما بال: جواب أما، والأصل أن يكون بالفاء، ولكنها قد تحذف، ومعنى ((بال)) يعني ما حال رجال، وشأنهم. - رجال: لإشعار النبي وَلّ أنَّ قصة المبايعة كانت مع رجال، وفي بعض روايات البخاري: ((ما بال أقوام)) وفي بعضها: ((ما بال أناس)). - ليست في كتاب الله: أي ليست الشروط في حكم الله تعالى وقضائه في كتابه، وسنة رسوله ول، بل هي مما يخالف الكتاب والسنة والإجماع. - ما كان: كلمة ((ما)) شرطية، فلذلك دخلت الفاء في جوابها، وهو قوله: ((فهو باطل». - باطل: في اللغة: ذاهبٌ ضائعٌ لاغ. وشرعًا: ما وقع غیر صحیح من أصله، فلا نفاذ له. - وإن كان مائة شرط: لم يقصد بالمائة التحديد، وإنما قصد التوكيد، والمبالغة للعموم، يعني أنَّ الشروط التي لم تشرع باطلة، ولو كثرت. - أحق وأوثق: جاءا على صيغة التفضيل، وليسا على بابهما، وإنما هما صفتان مشتبهتان، فالمراد: إنَّ قضاء الله، وشرط الله هما الحق القوي. - أوثق: يقال: وثُق الشيء يوتُق وثاقة: قوي وكان محكمًا، والمعنى: أقوى وأشد استحكامًا . ٢٤٩ کتاب البيوع - باب شروطه وما نھي عنه - إنما الولاء لمن أعتق: هذه صيغة حصر: بأنَّ ولاء العتاقة، وما يترتب عليه من عصوبةٍ، ومناصرةٍ، وتوارثٍ، ونحوها هي لمن أسدى النعمة على الرقيق بالعتق، وصار سببًا في حریته. قوله: ((أحق وأوثق))، و((لمن أعتق))، فيه سجع، وهو نوع من أنواع البديع، وهو من محسِّنات اللفظ إذا لم يكن فيه تكلف، وإنَّما نهى عن سجع الکھَّان لما فيه من التكلف. - الولاء: يقال: والى فلانًا موالاة: ناصره وأعانه، فالولاء بفتح الواو ممدود لغة: القرابة . وشرعًا: عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق. * ما يؤخذ من الحديث: هذا الحديث جليل عظيم الفائدة؛ لما اشتمل عليه من الأحكام، ولِما حوى من الفوائد والفرائد. وقد أفرده بعض العلماء بالتصنيف، واستخرجوا منه ما يزيد على أربعمائة فائدة، ونحن نجمل أهم الأحكام الظاهرة في : ١ - خلاصة القصة أنَّ أمةً لأحد بيوت أهل المدينة، يقال لها ((برِيرة)) اشترت نفسها من أسيادهم بتسع أواق فضة، لهم كل عام أوقية واحدة، فجاءت تستعين عائشة على وفاء دَيْنها، فقالت لها عائشة: اذهبي إلى أسيادك فأخبريهم أني مستعدة أن أدفع أقساط دين الكتابة مرَّة واحدة، ليكون ولاؤك خالصًا، فأخبرتهم فأبوا إلاَّ أن يكون لهم الولاء، فعلِمَ النَّبيُّ بَّهِ، وقال لعائشة: اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الوَلاء لمن أعتق)). ثم خطب النبي وَّ الناس، ونهاهم عن الشروط المحرَّمة، وأخبرهم بأنَّ أي شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وبيَّن لهم أنَّ الولاء لمن أعتق . ٢- مشروعية مكاتبة الرقيق، لأنَّها طريق إلى تخليصه من الرق، الذي هو من ٢٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أفضل الأعمال الصالحة. ٣- أنَّ دين الكتابة يكون مؤجلاً يحل قسطًا قسطًا؛ لأنَّ الرقيق حين عقد الكتابة لا يملك شيئًا، فصار التأجيل فيها لازمًا، ومن هذا أخذ العلماء معناها واشتقاقها . ٤- جواز تعجيل تسليم الأقساط المؤجلة، فإنَّ النَّبِيَّ وَلّ أقرَّ عائشة على استعدادها لدفعها لهم معجلةً . ٥ - أنَّ الولاء لمن أعتق؛ لأنَّه لُحْمة كَلُحمَة النسب، أما اشتراطه للبائع فباطل. ٦ - أنَّ اشتراطه من البائع لا يؤثر في صحة عقد البيع، إنما الذي يَبْطل: الشرطُ وحده، لمخالفته مقتضى العقد. ٧- استحباب تبيين الأحكام عند المناسبات، وأن يكون في المجامع الحافلة، كخطب الجمعة، والمجامع الكبيرة، ووسائل الإعلام، من الصحف، والإذاعة، والتلفاز وغير ذلك. ٨- استحباب افتتاح الخطب، بحمدالله والثناء عليه، لتحل بها البركة . ٩ - استحباب الابتداء بـ((أما بعد))؛ لأنَّها يؤتى بها في الكلام، للانتقال من أسلوب إلى غيره، ومن موضوع إلى آخر. ١٠ - أنَّ كل شرط يخالف حكم الله فهو باطل مردود، وإن كثر، فليس المائة في الحديث بعدد مقصود، وإنما المراد به التكثير والمبالغة، كقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. ١١ - أنَّ حدود الله وأحكامه وأقضيته وشروطه هي المتبعة، وما عداها فلا يلتفت إليه، ((فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق)). ١٢ - أنَّ العتق بأي طريق يسبب الولاء، سواء كان منجزًا، أو مكاتبًا، أو غير ذلك من طرقه، لعموم ((الولاء لمن أعتق)). ١٣- أنَّ الشروط التي على خلاف مقتضى العقد فاسدة بنفسها، ولكنها غير ٢٥١ کتاب البيوع - باب شروطه وما نھي عنه مفسدة للعقد . ١٤ - قوله: ((شروطًا ليست في كتاب الله)): قال ابن القيم: ليس المراد به القرآن قطعًا، فإنَّ أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل علمت من السنة، فعلم أنَّ المراد بكتاب الله حكمه، فإنَّه يطلق على كلامه، وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله بَّه، ومعلوم أنَّ كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلاً، والصواب إلغاء كل شرط خالف حكم الله، واعتبار کل شرط لم یحرمه الله، ولم يمنع منه . ١٥ - الولاء عصوبة سببها نعمة المُعتِقِ على عتيقه، ولذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم (٧٩٩٠) وابن حبان (٤٩٥٠) أنَّ النَّبِيَّ ◌َ قال: «الولاء لُحْمَة کلحمة النسب، لا يباع، ولا يوهب)). يرث به المعتِق - بكسر التاء - وترث به عصبة المعتِق المتعصبون بأنفسهم، کما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى. ١٦ - أشكل على كثير من العلماء إذن النبي والر لعائشة بشراء بريرة، واشتراط الولاء لهم، وهو شرط باطل، وأحسن جواب عن ذلك: أنَّهم يعلمون فساد الشرط، وأقدموا عليه، فأراد ◌َّير أن يعاملهم بنقيض قصدهم، فأمهلهم يمارسون هذا الشرط، ثم أعلن فساده، وعدم نفوذه، وغضب وزجرهم عن التلاعب بأحكام الله، إلاَّ أنَّه وَ لّ جعل وعظه وزجره عامًا ليكون؛ ردعًا لهم ولغيرهم، كما هي عادته في مثل هذه المواقف. خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل الأصل في العقود والشروط الحظر إلاَّ ما ورد الشرع بإجازته، أو أنَّ الأصل فيها الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلاَّ ما دلَّ الشرع على تحريمه وبطلانه؟ قال شيخ الإسلام: إنَّ القول الأول هو قول الظاهرية، وكثير من أصول ٢٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أبي حنيفة، وكثير من أصول الشافعي، وأصول الطائفة من أصحاب مالك وأحمد. فأهل الظاهر لا يصححون عقدًا، ولا شرطًا إلاّ ما ثبت جوازه بنصٌّ، أو إجماع. "أما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنَّه لا يصح من العقود والشروط ما يخالف مقتضى العقد، وكذلك الشافعي يوافق أباحنيفة على أنَّ كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، للکنه یستثني مواضع لدلیل خاص. وكذلك طائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، للكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي. وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر، فيتوسعون في الشروط أكثر منهم لقولهم بالقياس، ولما يفهمونه من معاني النصوص، التي ينفردون بها عن أهل الظاهر. وحجة هؤلاء : ١- قوله ◌َّلة: ((ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) فكل شرط ليس في القرآن، ولا في السنة، ولم يُجْمِع عليه العلماء فهو مردود. ٢- قياسهم جميع الشروط التي تنافي موجَب العقد على اشتراط الوَلاء؛ لأنَّ العامة فيه كونه مخالفًا لمقتضى العقد؛ لأنَّ العقود توجب متقضياتها بالشرع، فيعتبر تغييرًا لما أوجبه الشرع، بمنزلة تغيير العبادات، وهذه نكتة القاعدة، وهي أنَّ العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع. أما دليل القول الثاني: فقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بالوفاء بالعهود، والمواثيق، والشروط، والعقود، وأداء الأمانة، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به، عُلِم أنَّ الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للتصحيح ٢٥٣ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه إلاَّ ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده، ومقصوده العقد هو الوفاء به. وقد روى أبوداود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((المسلمون على شروطهم)) [قال الترمذي: حسن صحيح]، وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة . فمقصود الشروط وجوب ما لم یکن واجبًا، ولا حرامًا، فما كان مباحًا بدون الشرط فالشرط يوجبه . والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء المحدثين، أنَّ اشتراط الزيادة واشتراط النقص جائز، ما لم يمنع منه شيء. قال شيخ الإسلام: وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، وسواء اشترط على البائع فعلاً أو تركًا في البيع، مما هو مقصود للبائع، أو المبيع نفسه، فيصح البيع والشرط. وقال ابن القيم: الضابط الشرعي أنَّ كل شرط خالف حكم الله تعالى وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف فهو لازم، فإنَّ المسلمين على شروطهم إلاَّ شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرم حلالاً، وهو اختيار شيخنا ابن تيمية - رحمه الله -. * قرار هيئة كبار العلماء بشأن صحة الشرط الجزائي ولزومه: وملخص قرارهم ما يلي: إنَّ الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر، يجب الأخذ به، مالم يكن هناك عذر في الإخلال بالتزام الموجب له، يعتبر شرعًا، فيكون العذر مسقطًا لوجوبه حتى يزول، وإذا كان الشرط الجزائي كثيرًا عرفًا بحيث يراد به التهديد المالي، ويكون بعيدًا عن مقتضى القواعد الشرعية، فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف، على حسب ما فات من منفعة، أو لَحِق من مضرة، ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي، عن طريق أهل النظر والخبرة؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ ٢٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ◌ِاَلْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وبالله التوفيق. * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع الشرط الجزائي: إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادي الآخرة ١٤٢١ هـ، إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣ - ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠). بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع ((الشرط الجزائي))، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع، بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء. قرّر ما يلي: أولاً: الشرط الجزائي في القانون: هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شُرِط له عن الضرر الذي يلحقه، إذا لم يُنَفِّذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه. ثانيًا: يؤكد المجلس قرارته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السَّلَم، رقم: (٨٥) (٩/٢)، ونصه: ((لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلّم فيه؛ لأنَّه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير)) وقراره في الاستصناع رقم: (٦٥) ، (٧/٣) ونصه: ((يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتَّفق عليه العاقدان، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة)) وقراره في البيع بالتقسيط رقم: (٥١) (٦/٢) ونصه: ((إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه. أي زيادة على الدين، بشرط سابقٍ أو بدون شرط، لأنَّ ذلك ربًا محرم)). ثالثاً: يجوز أن يكون الشرط الجزائي مقترنًا بالعقد الأصلي، كما يجوز أن ٢٥٥ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه یکون في اتفاق لا حق قبل حدوث الضرر. رابعًا: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية، ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا؛ فإنَّ هذا من الربا الصريح. وبناءً على هذا، فيجوز هذا الشرط مثلاً في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع، إذا لم ينفذ ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه. ولا يجوز مثلاً في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية، سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه. خامسًا: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي، وما لَحِقَ المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر الأدبي، أو المعنوي. سادسًا: لا يُعمل بالشرط الجزائي إذا أثبت من شُرط عليه أنَّ إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته، أو أثبت أنَّ من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد . سابعًا: يجوز للمحكمة بناءً على طلب أحد الطرفين أن تُعدِّل في مقدار التعويض، إذا وجدت مبررًا لذلك، أو كان مبالغًا فيه . * توصيات: يوصي المجمع بعقد ندوة متخصصة لبحث الشروط، والتدابير التي تقترح للمصارف الإسلامية، لضمان حصولها على الديون المستحقة لها. والله سبحانه وتعالى أعلم ٢٥٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيَّعِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ، فَقَال: لاَ تُبَاعُ، وَلاَ تُوهَبُ، وَلاَ تُورَتُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ)) رَوَاهُ مَالِكٌ وَالبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الزُّوَاةِ فَوَهِمَ (١). * درجة الحديث: أثر موقوف صحيح. رواه الدار قطني وقال: الصحيح وقفه على عمر، ومثله قال البيهقي وعبدالحق، وقال ابن دقيق العيد: المعروف فيه الوقف، وفي الباب آثار عن الصحابة . وقال ابن عبدالهادي في المحرر: رواه مالك في الموطأ، وقال غلط فيه بعض الرواة فرفعه . * مفردات الحديث: - أمهات الأولاد: أم الولد: هي من كانت رقيقة فولدت من مالكها مولودًا حيًّا أو ميتًا، ولو لم يكن إلاَّ صورة خفية من إنسان، فإنها تعتق بموت سيدها . - ما بدا له: بدا الأمر يبدو بُدُوًّا: ظهر، أي إلى متى شاء. - ما: ظرفية مصدرية، وهي وما دخلت عليه في تأويل ((مدة بدوه له)). (١) مالك (٧٧٦/٢)، البيهقي (٣٤٢/١٠). ٢٥٧ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٧١ - وَعِنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: ((كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ، وَالنَّبِيُّ نَّهَ حَيٌّ لاَ يرَى بِذْلِكَ بَأُسَّا)) رواه النَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). درجة الحديث: * قال المؤلف: رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني، وصحَّحه ابن حبان، وقال في التلخيص: وأخرجه أحمد والشافعي وأبوداود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي والحاكم، ورواه الحاكم من حديث أبي سعيد، وإسناده ضعيف. قال البيهقي: وليس في شيء من الطرق أنَّ النَّبِيَّ وَّ اطلع على بيع أمهات الأولاد، وأقرَّهم عليه . وتعقّبه ابن حجر بأنّه روى ابن أبي شيبة عن جابر ما يدل على ذلك. وقال ابن عبدالهادي: إسناده على شرط مسلم. وصحح الحديث الألباني في إرواء الغليل بمجموع طرقه، وأيضًا لا يشترط لإقرار الحكم اطلاعه وَّية، فإنَّ الله مطلع عليه، ولا يقر نبيه على خلاف ما شرعه. * مفردات الحديث: - سرارينا: مفردها سُرِّية، بضم السين وكسر الراء وتشديدها ثم ياء مفتوحة آخرها تاء التأنيث، هي الجارية المملوكة. - بأسًا: ((لا يرى بذلك بأسًا)) أي إثمًا وحرجًا، قال في المحيط: قيل المعنى: لا یؤجر علیه، ولا یؤثم به)). * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - يدل أثر عمر - رضي الله عنه - على تحريم بيع أمهات الأولاد، وتحريم نقل (١) النسائي في الكبرى (١٩٩/٣)، ابن ماجه (٢٥١٧)، الدار قطني (١٣٥/٤)، ابن حبان (١٢١٥). ٢٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الملك فيهن بأي طريقة ووسيلة، سواء كان بيعًا، أو هبةً، أو إرثًا، وإنما تبقى أم ولد، تأخذ من أحكام الأحرار عدم جواز التصرف فيها بما ينقل الملك، أو يسببه، وتأخذ من أحكام الرقيق جواز الخدمة، والاستمتاع. ٢- أنَّها بعد موت سيدها تكون حرَّة تامة الحرية، تملك جميع تصرفاتها، فبدأ عتقها بولادتها من سيدها، وبعد موته کمل عتقها . ٣- أما حديث جابر فيدل على جواز بيع أمهات الأولاد، وأنَّ النَّبي ◌َّ يعلم ذلك ویقرهم عليه. ٤- جمهور العلماء أخذوا بما نهى عنه عمر، واعتبروه إجماعًا من الصحابة، وأيدوه بما رواه أحمد وابن ماجه والحاكم أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((أيما امرأة ولدت من سیدها فهي معتقة عن دُبُره)) . ٥- أجابوا عن حديث جابر بأنَّه مجرد إقرار على فعلٍ، وقته لا يعرف بالتحديد، وتتطرق إليه احتمالات كثيرة. ٦- قال فقهاؤنا: إذا أولد حرّ أمته ولدًا حيًّا أو ميتًا، قد تبيَّن فيه خلق الإنسان صارت أم ولدٍ له، تعتق بموته من كل ماله، ولو لم يملك غيرها، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة؛ لحديث ابن عبّاس يرفعه: ((من وطيء أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه)) [رواه أحمد وابن ماجه والدار قطني]. وذكرت أم إبراهيم عند النَّبِي وَّ فقال: ((أعتقهاولدها)). وهو قول أصحاب النبي وَلّر، ومذهب جماهير العلماء. ٧- قال ابن رشد: الثابت عن عمر أنَّه قضى بأنَّ أم الولد لا تباع، وأنَّها حرَّة من رأس مال سيدها إذا مات، وهو قول أكثر التابعين، وجمهور فقهاء الأمصار، وحكى ابن عبدالبر والإسفراييني والباجي والبغوي وغيرهم الإجماع على أنَّه لا يجوز بيعها، ولا نقل الملك فیها. ٢٥٩ كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه ٦٧٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَىُ رَسُولُ اللهِ عَن بَعِ فَضْلِ المَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: ((وَعَنْ بَّعِ ضِرَابِ الجَمَلِ))(١). ٦٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((نَهَىْ رَسُولُ اللهِوََّ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٢) * مفردات الحديثين: - فضْل الماء: هو الماء الزائد عن حاجة الإنسان. - ضِراب الجمل: بكسر الضاد المعجمة، وهو ماء الفحل الذي يقذفه في رحم أنثاه، والمنهي عنه أخذ الأجر علیه. - عَسب: بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وآخره باء موحدة، المراد بالضراب والعسب هو ماء الفحل، الذي يقذفه في رحم أنثاه، وقيل: عسب الفحل الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، وهذا المعنى أعدل، لأنَّ نفس الضراب غیر منهي عنه. قال أبو عبيد: العسب في الحديث الكراء، ويدل على صحة ما قاله أبوعبيد رواية الشافعي: ((نهى عن ثمن بيع عسب الفحل)). قال في القاموس: ومورد الثَّهي في الحديث الأجرة التي تؤخذ على ضراب الفحل. - الفَحل: هو الذكر من كل حيوان، جملاً كان، أو خروفًا، أو تيسًا، أو فرسًا، أو غير ذلك. (١) مسلم (١٥٦٥). (٢) البخاري (٢٢٨٤). ٢٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام : ما يؤخذ من الحديثين: ١ - الحديث رقم (٦٧٢) دليل على تحريم بيع فضل الماء، وأنَّ الواجب بذل الزائد منه لمحتاجه . ٢ - الماء الواجب بذل زائده هو ما كان نقع بئرٍ، أو نبع عينٍ، أو نهرًا جارٍ، أو مشربًا من وادٍ، ولو كان ذلك في أرض مملوكة، ما دام الماء زائدًا عن حاجة صاحب الأرض، وليس عليه ضرر كبير من دخول المُسْتَقِين أَرْضَه. قال في الشرح الكبير: أما الأنهار النابعة في غير ملك، فلا تملك بحال، وأما ما ينبع في ملكه كالبئر، فنفس البئر مملوكة لمالك الأرض، والماء غير مملوك في ظاهر المذهب، والوجه الثاني: يملك، والخلاف إنما هو قبل حيازته، أما بعدها فلا ريب أنَّه يملكه حائزه. ٣- أما المياه المحوزة بالقِرَب والأواني والخزانات والبرك فهي مياه مملوكة، لا يحل أخذها إلاَّ بإذن صاحبها، ولا يجب على صاحبه بذله إلاّ لمضطرٍّ. ٤- قال في الإقناع وشرحه: وإذا حفر بئرًا بأرض مَوَات لنفع المجتازين، فالناس مشتركون في مائها، والحافر لها كأحدهم في السقي والزرع والشرب؛ لأنَّه لم يخُصَّ بها نفسه، ولا غيره. وإن حفرها ليرتفق هو بمائها لم يملكها؛ لأنَّه عازم بانتقاله عنها، وتركها لمن ينزل منزله، بخلاف الحافر للتملك فهو أحق بمائها ما قام فيها؛ لسبقه، وعليه بذل الفاضل من الماء، وبعد رحيله تكون السابلة المسلمين، فإن عاد الحاضر إليها كان أحق بها من غيره. ٥ - يدل الحديث رقم (٦٧٣) على النَّهي عن بيع ضراب الفحل، ووجوب بذله . مجانًا، ذلك أنَّ في أخذ الأجرة على هذه النطفة دناءة، وضعة نفس، فهو من الأمور التي ينبغي أن يجري فيها الإحسان، والتَّعاون بين الناس، وهذا مذهب جمهور العلماء.