Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٩- قال الشيخ: يستحب أن يرمل من الحجر إلى الحجر في الأطوفة الثلاثة،
فهو سنة باتفاق الأئمة، ففي مسلم من حديث ابن عمر قال: ((رمل رسول الله
وَّ من الحجر إلى الحجرِ ثلاثًا، ومشى أربعًا في الحج والعمرة)»
وفي صحيح مسلم عن جابر: ((رمل ثلاثًا، ومشى أربعًا)).
قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم.
وقال ابن عباس: رمل في عُمَره كلها، وفي حجه، وأبوبكر، وعمر،
وعثمان، وكان أصل هذا الرمل إغاظة المشركين، ثم صار سنة مع زوال
سببه، كالسعي والرمي.
١٠ - قال الشيخ: فإن لم يمكنه الرمل للزحمة، كان خروجه إلى حاشية المطاف
والرمل أفضل من قربه إلى البيت بدون رمل، لأنَّ المحافظة على فضيلة
تتعلَّق بذات العبادة، أهم من فضيلة تتعلق بمكانها .

١٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٢٧ - وعَنِ ابْن عبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((لَمْ أَرَ
رَسُولَ اللهِ وَيْهِ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ)) رَوَاهُ مُسْلِمْ﴾(١)
* مفردات الحديث:
- يستلم: استلم يستلم استلامًا .
قال في المحيط: استلم الحجر الأسود استلامًا: لمسه ومسحه بيده.
- اليمانيين: تثنية يماني، وهو من باب التغليب، حيث يراد بهما الركن
اليماني، أي الموالي جهة اليمن، والركن الشرقي الذي فيه الحجر الأسود،
والتغليب كثير في اللغة العربية، كالقمرين: للشمس والقمر، والأبوين:
للأب والأم، وغير ذلك، قاله النووي. واللغة الفصيحة المشهورة تخفيف
الياء، وفيه لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف نسبة إلى اليمن، والألف عوض
عن إحدى يائي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شددت لجمع بين
العوض والمعوض.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- للبيت العتيق أربعة أركان: الشامي، والغربي، واليماني، والشرقي الذي فيه
الحجر الأسود.
٢- يشرع مسح اليماني والحجر الأسود، هذا هو الذي وردت فيه النصوص
الشرعية .
٣۔أنّه لا يُستلم إلاّ الركنان اليمانيان.
٤ - العبادات توقيفية، فلا يتعبد الله إلاَّ بما شرعه تعالى، أو شرعه رسوله وَله .
(١) مسلم (١٢٦٩).

١٤٣
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٥ - بإجماع المسلمين أنَّ الركنين اليمانيين مبنيان على أسس إبراهيم وقواعده،
وأما الشامي والغربي فليس على قواعد إبراهيم، حيث اقتطع الحِجر من
الكعبة، واحتجز.
٦ - ذكرنا هذا إن صلح أن يكون علة المسح لليمانيين دون الآخرين، وإلاَ
فالحكمة هو امتثال أمر الله تعالى، الذي لا يأمر إلاّ بما فيه الخير والصلاح،
ولا ينهى إلاَّ عما فيه الضرر والفساد، والله أعلم.

١٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٢٨ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ، وَقَالَ:
إِنِّي أعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لاَ تَضُرُ ولاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله
وَلَِّ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١)
* ما يؤخذ من الحديث:
١- يؤخذ من كلام هذا الإمام الملهم أصلٌ شرعيٌّ عظيمٌ، هو أنَّ الأصل في
العبادات الحظر والمنع، فلا يشرع منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله، فلا مجال
للرأي والاستحسان في ذلك، كما نبَّه على أنَّ القدوة في ذلك خاصَّة هو
النبي ◌َّة؛ لأنَّه المبلغ عن الله تعالى، فهو القدوة والأسوة في الأمور
الشرعية .
٢- قال النووي: وإنما قال: ((لا تضر ولا تنفع)) لئلا يغتر بعض قريبي العهد
بالإسلام الذين أَلِفُوا عبادة الأحجار وتعظيمها، رجاء نفعها، وخوف الضرر
بالتقصير في تعظيمها، فخاف عمر أن يراه بعضُهم يقبله، ويُعنى به فيشتبه
عليه، فبيَّن له أنَّه حجر مخلوق كباقي المخلوقات، التي لا تضر، ولا تنفع،
وأشاع عمر هذا في الموسم ليشهد في البلدان، ويحفظ عنه أهل الموسم.
٣- ما أشبه الليلة بالبارحة، فإنَّ كثيرًا من البلاد الإسلامية لديهم من الجهل
بشرعهم، وتوحيدالله تعالى الذي هو أصل الدين، مثلما هو عند أهل
الجاهلية، فما أحوج المسلمين إلى من يبصرهم بأمر دينهم، ويلقنهم إياه
على حقيقته، التي أرادها الله تعالى منهم، حينما بعث الله رسوله، وأنزل
علیه كتابه المبين .
(١) البخاري (١٥٩٧)، مسلم (١٢٧٠).

١٤٥
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٤- فيه مشروعية تقبيل الحجر الأسود في الطواف، ولكن هذه الفضيلة تكون
بشرط ألا يترتب عليها محرم، من مزاحمة الناس، ومدافعتهم، وأذيتهم
حتى يصل إليه، فإنَّه في هذه الحال يكون ترك الاستلام أفضل، لا سيّما
للنساء .
٥ - قال الخطابي - رحمه الله تعالى -: فيه أنَّ متابعة السنن واجبة، وإن لم يقف
لها على علل معلومةٍ وأسبابٍ معقولةٍ، وقد فضَّل الله البقاع والبلدان، كما
فضل بعض الليالي، والأيام، والشهور.
٦- يعلم من قوله - رضي الله عنه - ((إنَّك حجر)) أنهم ينزلون النوع منزلة
الجنس، باعتبار اتصافه بصفة مختصة به، فقوله: ((إنَّك حجر)) شهادة له بأنَّه
من هذا الجنس، ثم أكد هذه الجنسية وقررها بأنه حجر لا يضر ولا ينفع،
وقوله: ((لولا أني رأيت ... )) فهذا إخراج له من الجنس باعتبار تقبيله اكله.

١٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٢٩ - وَعنْ أَبِي الطُّفَيْلِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ
اللهِوَهِ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويُقَبِّلُ المِحْجَنَ))
رَوَاهُ مُسْلِمْ(١).
* مفردات الحديث:
- المحجن: بكسر الميم وسكون الحاء المهملة ثم جيم آخره نون والميم
زائدة، جمعه محاجن، هو عصا محنية الرأس.
قال ابن دريد: كل عود معطوف الرأس فهو محجن.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- لما كثر الناس على النبي ◌َّ في حجة الوداع، وهو يطوف طاف على ناقته
وجعل يستلم الحجر الأسود بمِحجنه، ويشير به وَلّل إلى الحجر.
٢ - فيه دليل على جواز الطواف راكبًا للحاجة.
٣- فيه استحباب استلام الحجر الأسود، فإن شقَّ استلامه باليد استلمه بما فيه
يده على أن لا يؤذي بذلك الطائفین.
٤- استلام الحجر الأسود، وتقبيله لم يرد عن النبي وَ لقر إلاّ في حال الطواف،
وبين الطواف والسعي.
٥- قال في الحاشية: أما الإشارة إلى الحجر الأسود إن شقَّ تقبيله، أو استلامه
بیده، أو شيء آخر فهو إجماع.
وأما الركن اليماني فلم يثبت عن النبي ◌َّ أنَّه كان يشير إليه، ولو فعله
لنقل، فالسنة ترك ما تركه ◌َ ﴿، فإنَّ السنة كما تكون في الفعل تكون أيضًا
(١) مسلم (١٢٧٥).

١٤٧
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
بالترك.
٦- قال الشيخ تقي الدين: لا يستلم إلاَّ الركنين اليمانيين دون الشاميين، فإنَّ
النَّبِيَّ وَّل إنما استلم اليمانيين خاصة، لأنهما على قواعد إبراهيم، والآخران
هما في داخل البيت، قاله النبي ◌َاله .
٧- قال الشيخ: وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وحجرة النبي وَّل،
ومقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس ، فالطواف بها،
واستلامها، وتقبيلها، من أعظم البدع المحرَّمة باتفاق الأئمة الأربعة.
٨- قال النووي: واستدل به أصحاب مالك وأحمد على طهارة بول ما يؤكل
لحمه وروثه؛ لأنَّه لا يؤمن ذلك من البعير، فلو كان نجسًا لما عرَّض
المسجد له .
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن حكم الطواف على جزء من سقف المسعى :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن
اهتدى بهداه، وبعد:
فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثالثة والخمسين، المنعقدة
بمدينة الطائف، خلال المدة من ١٤٢١/٥/١٢ هـ إلى ١٤٢١/٥/١٥هـ،
درس موضوع حكم الطواف وقت الزحام على جزء من سقف المسعى، وذلك
بناء على كثرة ما يرد إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء من استفتاءات
حول هذا الموضوع.
وبعد الدراسة رأى المجلس بالأكثرية عدم جواز الطواف فوق جزء من
سطح المسعى؛ لأنَّ المسعى یعتبر خارج المسجد الحرام، وليس جزءًا منه، بل
هو مشعر مستقل بأحكامه، وما يؤدى فيه من عبادات، والطواف إنما هو في
المسجد الحرام، لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ
٢٩
وخروجًا من هذا المحذور فقد اطّلع المجلس على كتاب معالي الرئيس

١٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
العام لشئون المسجدالحرام والمسجد النبوي رقم: (١/٣٢)) وتاريخ
١٤٢١/٣/١٥ هـ، ومشفوعه المحضر المعد من لجنة هندسية مكونة من:
((مجموعة بن لادن السعودية، واتحاد المهندسين الاستشاريين، والرئاسة العامة
لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي)) المتضمن ايجاد حل لهذا الموضوع،
وذلك بتوسعة سطح المسجد الحرام من الجهة الشرقية مما يلي صحن المطاف
من خلال اضافة ثلاثة عشر مترًا (١٣ م)) إلى الممر الضيق، ليصبح عرض الممر
كاملاً عشرين مترًا (٢٠م))، وهذا يتطلب عمل قواعد أرضية، وأعمدة جديدة
من الأرض إلى السطح، تخترق المبني القديم للحرم في ذلك الجزء.
ويرى المجلس الموافقة على رأي اللجنة الهندسية المذكور بعالية، لما
فيه من المصلحة العامة للطائفين من الحجاج والمعتمرين، ولكونه لا يجوز
الطواف خارج المسجد الحرام، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا
محمّد وعلى آله وصحبه ...
٤.

١٤٩
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٣٠ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((طَافَ
رَسُولُ اللهِ وَّرَ مُضْطَبِعًا بِيُرْدٍ أَخْضَرَ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ،
وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
قال في المنتقى: رواه أحمد، وأبوداود، وابن ماجه، والترمذي،
وصححه .
قال الشوكاني: حديث يعلى بن أمية صححه الترمذي، وسكت عنه
أبوداود والمنذري، وصححه النووي.
* مفردات الحديث:
- مضطبعًا: الاضطباع افتعال من الضَبْع بالسكون، هو العضد، أما بضم الباء
فهو الحيوان المعروف، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن،
ويجعل طرفي الرداء على كتفه الأيسر، وبهذا يبدو ضبعه الأيمن، والضبع هو
الكتف .
- بُرد: بضم الباء وسكون الراء المهملة، قال في المعجم الوسيط: البُرد كساء
مخطط یلتحف به، جمعه: أَبْرَاد، وأبُد، وبُرود.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب الاضطباع في طواف القدوم خاصة، حيث لم يرد في غيره من
الطواف .
(١) أحمد (١٧٢٧٣)، أبوداود (١٨٨٣)، الترمذي (٨٥٩)، ابن ماجه (٢٩٥٤).

١٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢- قال العلماء: والحكمة في فعله أنَّه يُعين على إسراع المشي، وأول من
اضطبع النبي ◌َّيه وأصحابه في عمرة القضاء؛ ليستعينوا بذلك على الرمل؛
لیری المشرکون قوتهم وجلدهم، ثم صار سنة.
٣- لا يشرع الاضطباع بعد هذا الطواف، فإذا قضى طوافه سوَّى ثيابه، فلا
يضطبع في ركعتي الطواف.
٤- كثير من المحرمين يضطبع منذ يلبس ملابس الإحرام حتى يحل منها، وهذا
غير مشروع.
٥ - جواز الإحرام بالأخضر وغيره من الألوان، مع فضيلة الأبيض.

١٥١
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٣١ - وَعنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: ((كَانَ يُهلَّ مِنَّاً
المُهِلُّ، فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنََّ المُكَبِّ، فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ)) مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ (١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث بتمامه في صحيح مسلم: سأل محمَّد بن أبي بكر أنس بن مالك
وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون في مثل هذا اليوم مع
رسول الله ◌َّله؟ فقال: ((كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منّا
فلا ینکر علیه)).
ففي الحديث رد على من قال: يقطع التلبية صبح يوم عرفة.
٢- الإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية، فالحديث دليل على جواز جعل التكبير
مكان التلبية، فتارةً يفعل هذا، وتارةً يفعل هذا، فكله سنة، أقرَّ النبي وَ ه
أصحابه عليها .
٣- الحديث يدل بفحواه على أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - ينكرون على من
خالف النَّهج المستقيم في قولٍ أو فعلٍ، وأنَّهم لا يقرون مخطئًا على خطئه
للمداهنة والمجاملة .
ـبينيـ
(١) البخاري (١٦٥٩)، مسلم (١٢٨٥).

١٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عِنْهُمَا - قَالَ: ((بَعَثَنِى
النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي الثَّقَلِ - أَوْ قَالَ: فِي الضَّعَفَةِ - مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ)) مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ(١) .
مفردات الحديث:
- الثقل: بفتح الثاء المثلثة وفتح القاف، قال في النهاية: هو متاع المسافر.
- الضَعَفة: بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة والفاء، جمع ضعيف، هم
النساء والأطفال، وكبار السن والمرضى.
- جَمْع: بفتح الجيم وسكون الميم فعين مهملة، هي مزدلفة، سمِّيت بذلك؛
لاجتماع الناس فيها، أو لجمع الصلاتين المغرب والعشاء فيها .
(١) البخاري (١٨٥٦)، مسلم (١٢٩٣).

١٥٣
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((اسْتَأْذَنَتْ
سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ شَبِطَةَ - يَعْنِي
ثَقِيلَةً - فَأَذِينَ لَهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- شَبِطَة: يقال: ثبّطه يثبّطه ثبطًا، من باب نصر، بمعنى عوَّقه وبطّأه، فالشَبط هو
الثقيل، والمرأة تَبِطة، جمعها ثِطَات.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - في الحديثين دليل على أنَّ هديه ◌َلِ البيات بمزدلفة إلى بعد طلوع الفجر.
قال في المغني: والمستحب الاقتداء برسول الله ◌َّ في المبيت إلى أن
يصبح، ثم يقف حتى يسفر.
٢ - أما الضعفة من النساء، والصبيان، والكبار العاجزين، والمرضى، وكذلك
مَن لا يستغنون عن رفقته من الأقوياء، فلا بأس من تقديمهم بعد منتصف
ليلة النحر إلى منى.
قال في المغني: ولا نعلم في تقديمهم مخالفًا، ولأنَّ فيه رِفْقًا بهم،
ودفعًا لمشقة الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم وَطلّ .
٣- قال الوزير: أجمعوا على جواز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل إلاَّ أباحنيفة
قال: علیه دم.
ودليل الجمهور حديث ابن عباس: ((كنتُ فيمن قدم النبي ◌َّ في ضعفة
أهله من مزدلفة إلى منى)). [رواه البخاري (١٦٧٨)، مسلم (١٢٩٣)].
(١) البخاري (١٦٨٠)، مسلم (١٢٩٠).

١٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم.
قال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: وله الدفع من مزدلفة بعد نصف
الليل، وبعض أهل العلم يأبى ذلك، ويقول: إنه ما جاء إلاَّ في حق
الضعيف، فلا يكون مسوغًا لبقية الناس أن يدفعوا مثلهم، وهذا أحوط،
وإلى هذا ذهب الشيخ، وابن القيم.
والليل الشرعي المعتبر من غياب الشمس إلى طلوع الفجر.
٤- مكان الوقوف يكون في أي جزء من مزدلفة التي تقدم تحديدها ، وأفضله
عند المشعر الحرام، وهو الجبل الصغير الذي فيه المسجد لمن سهل عليه
ذلك، أما من لم يسهل عليه، فالرفق بنفسه ورفقته أولى.
خلاف العلماء:
*
اختلف العلماء في حكم المبيت بمزدلفة، ويراد بالمبيت بها الحصول
فيها تلك الليلة .
فذهب الإمام أحمد إلى وجوبه إلى بعد منتصف الليل، على غير السقاة
والرعاة، وإن لم يدركها إلاَّ بعد نصف الليل أجزأ، لأنَّ الحكم منوط بالنصف
الأخير، وأما الشافعي: فالصحيح من مذهبه أنَّ الواجب جزء من النصف الثاني
من الليل، وقال مالك: الواجب هو النزول بمزدلفة ليلاً قبل الفجر، بقدر ما
يحط رحاله، وهو سائر من عرفة إلى منی.
وأما الأحناف: فالمبيت بمزدلفة عندهم سنة، والواجب عندهم هو الوقوف
زمنًا بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
وذهب قلة من العلماء منهم الشعبي، وعلقمة، والنَّخعي، وأبوبكر بن
خزيمة إلى أنَّ من فاته الوقوف بمزدلفة فاته الحج.
وأقرب هذه الأقوال للصواب الذي هو هدي النبي وَلّ في حجته القول الأول،
ولا يخالفه شيء من الأدلة عند التأمل، والله أعلم.

١٥٥)
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ لَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: ((لاَ تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ
إِلَّ النَّسَائِيَّ، وفِيهِ انْقِطَاعٌ(١) .
٦٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((أَرْسَلَ النَّبِيُّ
﴿َّهِ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ،
فَأَفَاضَتْ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (٢)
* درجة الحديثين:
أما حديث ابن عباس، فحسَّنه الحافظ في الفتح، وله طرق ذكرها
الألباني في إرواء الغليل، وصحَّحه ابن حبَّان، لكن قال ابن عبدالهادي
والحافظ: في إسناده انقطاع.
وأما حديث عائشة فأخرجه الحاكم والبيهقي ورجاله رجال الصحيح.
وقال ابن عبدالهادي: رجاله رجال مسلم، وقال البيهقي : إسناده صحيح
لا غبار عليه .
* مفردات الحدیث:
- فأفاضت: قال الجوهري: أفاض الناس من عرفات إلى جمع أي دفعوا، وكل
دفعة إفاضة، والمراد هنا أنَّ أم سلمة - رضي الله عنها - لما رمت جمرة العقبة
أفاضت إلى مكة فطافت طواف الإفاضة، وهو أحد أركان الحج.
(١) أحمد (١٩٧٧٨)، أبوداود (١٩٤٠)، الترمذي (٨٩٣)، النسائي (٢٧٠/٥)، ابن ماجه
(٣٠٢٥).
(٢) أبوداود (١٩٤٢).

١٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - حديث ابن عباس يدل على أنَّ وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر لا يدخل إلاَّ
بعد طلوع الشمس، وحديث عائشة يدل على جواز رميها قبل طلوع الفجر
وسیأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى.
٢ - الحديثان يدلان على جواز دفع الضعفة من النساء والصبيان ونحوهم من
مزدلفة إلى منى قبل طلوع الفجر.
٣- حديث عائشة يدل على أنَّ وقت رمي جمرة العقبة يبدأ قبل طلوع فجر يوم
النحر، وحدده الشافعية والحنابلة بدخول النصف الثاني من ليلة النحر.
قال ابن القيم: والذي دلت عليه السنة إنَّما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا
نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل، والله أعلم.
٤- فيه دليل على دخول وقت الإفاضة من منى إلى البيت لطواف الحج قبل
طلوع الفجر من ليلة النحر، وحدده الشافعية والحنابلة بنصف الليل.
٥- حديث عائشة أصح من حديث ابن عباس، فعند تعارض الحديثين في دخول
وقت الرمي يكون العمل بحديث عائشة أولى، على أنّه يمكن الجمع بينهما
بحمل حديث ابن عباس على الندب، وحديث عائشة على الجواز، مع أنَّه
من الرحمة واليسر العمل بحديث عائشة في هذه الأزمنة، التي تضخمت فيه
أعداد الحجاج، ووجدت المشقة العظيمة عند رمي الجمار.

١٥٧
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
٦٣٦ - وَعنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا هَذِهِ - يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةَ - فَوَقَفَ مَعَنَا
حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبَلْ ذُلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ،
وَقَضَىْ تَفَتَهُ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال في التلخيص: رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبَّان والحاكم
والدارقطني والبيهقي من حديث عروة بن مضرس بألفاظ مختلفة، وصحَّحه
هذا الحديث الدار قطني والحاكم والقاضي أبوبكر بن العربي، وقال: إنَّه على
شرطهما، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.
* مفردات الحديث:
- من شهد: أي حضر.
- صلاتنا هذه: صلاة الفجر بمزدلفة.
ـ ندفع: أي نرحل ونفیض من مزدلفة إلى منى.
- تفثه: بفتح التاء المثناة الفوقية والفاء الموحدة والثاء المثلثة.
قال في النهاية: التفث هو ما يفعله المحرم بالحج إذا حلَّ، كقص
الشارب، والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ويقال للرجل: تفِث،
وللمرأة تَفِئَة .
(١) أحمد (١٥٦١٩)، أبوداود (١٩٥٠)، الترمذي (٨٩١)، النسائي (٢٦٣/٥)، ابن ماجه
(٣٠١٦)، ابن خزيمة (٢٨٢٠).

١٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذمن الحديث:
١ - استدل به الحنابلة على أنَّ وقت الوقوف بعرفة يدخل من فجر يوم التاسع؛
لعموم قوله: ((ليلاً أو نهارًا)) وهو شامل لما قبل الزوال، وهو من مفردات
المذهب، أما الجمهور فيرون أنَّ الوقت لا يدخل إلاَّ بالزوال، والعمل بقول
الجمهور أحوط .
٢- قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه أنَّ من وقف بعرفات وقفة بعد
الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحج.
٣- قوله: ((فقد تمَّ حجه)) يريد به معظم الحج، وهو الوقوف بعرفة، لأنَّه أَمِنَ
فوات الحج، أما الطواف وهو ركن كبير، فلا يخشى فواته، لبقاء وقته
وامتداده .
٤- قوله: ((وقضى تفثه)) أي قرُب من التحلل الذي يزيل به ما علقه، بسبب
الإحرام، من شعور، وأظفار، وأدران.
٥- هذا الحديث هو حجة الشعبي وعلقمة والنَّخعي وغيرهم في أنَّ من فاته
الوقوف بمزدلفة فقد فاته الحج، ويجعل إحرامه عمرة، كما لو فاته الوقوف
بعرفة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من شهد صلاتنا هذه)) حيث جعلها
شرطًا لصحة الحج.
وقد خالفهم جمهور العلماء فأوجبوا دمًا على من فاته المبيت بمزدلفة،
وعلى هذا عمل المسلمين الآن.
٦ - استدل به الفقهاء على أنَّه لا يشترط لصحة الوقفة بعرفة أن يعلم الواقف أنَّها
عرفة .
٧- استدل به على أنَّ من لم يقف بعرفة إلاَّ ليلاً، فإنَّ حجَّه صحيح، وأنه لا
يجب عليه دم، لفواته جزء من وقوف النهار.
٨- استدل به على مشروعية الدفع مع الإمام أو بعده؛ لأنَّه هو قائد مسيرة الحج،

١٥٩
كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة
فهو قدوتهم في أعماله.
٩- استدل به على مشروعية شهود صلاة الصبح في مزدلفة مع الإمام، فهو من
كمال النسك .
١٠ - الوقوف - هنا - المراد به الحصول في مزدلفة في ذلك الزمن، لا نفس
الوقوف .
١١- في الحديث ترتيب أعمال مناسك الحج، وأنَّه لا يقدم شيء على شيء،
فلو قدم المبيت بمزدلفة على الوقوف بعرفة، فإنَّه لا يجزئه هذا المبيت .
١٢ - فيه جواز التعبير عن تمام الشيء بالإتيان ببعضه.

١٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٣٧ - وَعَنْ عُمرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((إِنَّ المُشْرِكِينَ
كَانُوا لاَ يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ويَقُولُون: أَشْرِقْ ثَبِرُ، وإِنَّ
النَّبِيّ ◌َهُ خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَن تَطْلُعَ الشَّمْسُ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١).
مفردات الحديث:
- أشرق ثَبير : ثبير بفتح الثاء المثلثة ثم باء موحدة مكسورة ثم ياء ساكنة آخره راء
مهملة، هو الجبل الكبير الشاهق الواقع على حد مزدلفة الشمالي.
وكانت العرب في الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلى منى إلاّ بعد إشراق
الشمس على قمة هذا الجبل، فكانوا يقولون: أشرق ثبير، كيما نغير.
- أشْرِق: بفتح الهمزة، فعل أمر من الإشراق، أي أدخل في وقت الإشراق،
وفي بعض نسخ البخاري ((كيما نغير)) أي لنذهب سريعًا إلى منى، كالمغيرين
من سرعة الدفع.
- فأفاض: أصله من إفاضة الماء، وهو صبه بكثرة، فالمراد هنا: الدفع من
مزدلفة إلى منى، أما الإفاضة الأولى التي قال الله تعالى عنها: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ
مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] فهي من عرفة إلى مزدلفة.
وأما الإفاضة الثالثة التي مرّت في حديث جابر، فهي الإفاضة من منى إلى
مكة بعد رمي جمرة العقبة، وبها سمِّي طواف الحج ((طواف الإفاضة))، وهذه
الإفاضة الثانية من مزدلفة إلى منى.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ المشركين كانوا يعظمون البيت، ويحجونه، ويقفون في المشاعر إرثًا من
(١) البخاري (١٦٨٤).