Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب الزكاة - باب صدقة الفطر
لغوًّا؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥].
- الرفث: يقال: رفث يرفث رفثًا، من باب طلب: أفحش في منطقه، والرفث:
الجماع، ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٧] فقوله تعالى: ﴿فَلَاَ رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] قيل: الجماع
ومقدماته، وقيل: الفحش في القول.
- طَعمة للمساكين: بضم الطاء: الطعمة: الرزق، وجمعها (طَعم)) مثل: غرفة
وغرف، والطعمة المأكلة.
- من أدَّاها قبل الصلاة: أي: صلاة العيد.
- صدقة من الصدقات: العامة يعني أنَّها لم تُجزِ عن زكاة الفطر، وإنما هي
صدقة تطوع مطلقة .
ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب زكاة الفطر، وتقدم أنَّه إجماع المسلمين .
٢ - أنَّ من حِكمِهَا وأسرار تشريعها أنَّها تطهِّر الصائم مما حصل منه أثناء صيامه
من لغو الكلام، ومما قد یکون اقترفه من رفث مع زوجته أو غيرها.
كما أنَّ من حِكمتها أنَّها مواساة للفقراء والمساكين، وإطعام لهم في هذا
اليوم، الذي ينبغي للمسلمین ألا يوجد بینھم من هو في حالة جوع وبؤسٍ
يشغله عن مشاركة المسلمين في فرحهم وعيدهم.
٣- يجب إخراجها قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن الصلاة.
٤- إن أداها قبل الصلاة فهي زكاة فطر، أجزأت عن الواجب، وإن أخَّرها عن
الصلاة، فإنّها عبادة فات محلها، وباء بإثم تأخيرها.
وهذا الذي أخرجه بعد الصلاة هو صدقة من جملة صدقات التطوع.
٥ - قوله: ((طهرة للصائم)) هذا دليل قلة من العلماء ذهبوا إلى أنَّها لا تجب في
حق الأطفال، ولكن جمهور العلماء أوجبوها على الصغير والكبير؛ لعموم

٣٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
النصوص، ولأنَّ العلة مركبة من عدة أمور، ولعل من أهمها: طعمة
المساكين ذلك اليوم، الذي لا ينبغي أن يوجد مسلم إلاّ وهو مشارك في
فرحة العيد وسروره، والتوسع فيه في المأكل والمشرب والملبس.
خلاف العلماء:
الأفضل إخراجها فجر يوم العيد قبل صلاتها، وهذا قول فقهاء المذاهب
الأربعة، فإن أخرجها بعد الصلاة في يومه، كره عند الجمهور، ومنهم الشافعية
والحنابلة وحرم بعده.
وذهب ابن حزم إلى تحريم تأخيرها عن الصلاة وعدم إجزائها؛ لقوله
وَله: ((من أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات))؛ وهذا هو الصحيح من
قول العلماء، والله أعلم.

٣٨٣)
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
باب صدقة التطوع
مقدمة
، الأصل في التطوع: فعل الطاعة، وشرعًا وعرفًا: طاعة غير واجبة.
قال شيخ الإسلام: التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة، إن لم يكن
أتمها .
وصدقة التطوع مستحبة كل وقت إجماعًا؛ فقد حثَّ عليها الله تعالى،
وأمر بها، ورغَّب فيها؛ فقال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ
لَهُوَ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥]
وروى الترمذي (٦٦٤)، عن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ نَّهِ قالَ:
((إنَّ الصدقة لتطفىء غضب الرب، وتدفع مِيئة السوء))
وإخفاء صدقة التطوع أفضل؛ لما جاء في البخاري (٦٢٩)، ومسلم
(١٠٣١ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ وَلّ قال: ((سبعة يظلهم الله في
ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله ... ))، وذكر منهم: ((رجلاً تصدق بصدقة، فأخفاها
حتى لا تعلم شمالُه ما تُنْفق يمينه)).
والصدقة في الصحة أفضل منها في غيرها؛ لقوله وَله: ((تصدق وأنت
صحيح شحيح)) [رواه البخاري (١٣٥٣)].
وفي رمضان أفضل منها في غيره؛ لما في البخاري (٦) ومسلم (٢٣٠٨)
عن ابن عباس قال: ((إنَّ النبيَّ وَ لّ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في
رمضان)) .
وهي في وقت الحاجة أفضل منها في غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿ أَوْ إِطْعَرُ فٍ

٣٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٤
يَوْمٍذِی مَسْغَبَةٌ
﴾ [البلد].
والصدقة على ذي الرحم أفضل من غيره مع تساوي الحاجة؛ لأنَّها صدقة
وصِلة رحم؛ لقوله ◌َّة: ((الصدقة على ذي رحم اثنتان: صدقة، وصلة)) [رواه
أحمد (١٥٦٤٤)]، وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه،
فإن تصدق بما ينقص مؤنة مَن تلزمه نفقته أثم؛ لقوله وَّر: ((كفى بالمرء إثمًا أن
يضيّع من يقوت)) [رواه مسلم (٩٩٦)].
ووفاء الدين مقدَّم على الصدقة؛ لوجوبه.
وتجوز صدقة التطوع على: الكافر، والغني، وبني هاشم، وغيرهم ممن
مُنع الزكاة، ولهم أخذها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا
[الإنسان] والأسير لا يكون إلاّ كافرًا.
وَأَسِيرًّا .
ولا تستقلَّ الصدقة فيستحب الصدقة بما تيسر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ
﴾ [الزلزلة].
٧
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًايَرَؤُ!
ولما في البخاري (١٣٥١)، ومسلم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم
قال: قال رسول الله وَ له: ((انَّقوا النار، ولو بشق تمرة)).
ويحرم المنّ بالصدقة، ويحبطها ويمنع ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
ويكره تعمد التصدق بالرديء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى
تُفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].

٣٨٥
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
٥٢٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ وَ لَ قَالَ:
((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظَلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظلُّهُ ... )) فَذَكَرَ الحَديثَ.
وفِيه: ((وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا
تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- سبعة: أي: سبعة أشخاص، وإنما قدر هكذا؛ ليشمل النساء، فالأصوليون
ذكروا أنَّ أحكام الشرع عامة لجميع المكلفين.
سبعة: التنصيص بالعدد في شيء لا ينفي ما عداه.
- يظلهم الله: جملة محلها الرفع على أنَّها خبر للمبتدأ، الذي هو ((سبعة))، وجاء
في رواية سعيد بن منصور بإسناد حسن: ((سبعة يظلهم الله في ظل عرشه))،
ومعنى ((يظلهم)): يسترهم.
- حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه: هكذا روايات البخاري وغيره، ولكن جاء
في مسلم مقلوبًا، وهو: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)).
قال القاضي عياض: جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم جاء
فيها الترتيب مقلوبًا، والصواب الأول؛ لأنَّ السنة المعهودة إعطاء الصدقة
بالیمین.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه إثبات البعث والجزاء الأخروي، وهو مما علم من الدين بالضرورة.
٢- فيه إثبات نزول الشمس يوم القيامة، وقربها من العباد في المحشر، حتى
(١) البخاري (٦٦٠)، مسلم (١٠٣١).

٣٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
یبلغ بهم العرق، کلٌّ على حسب عمله.
٣- فيه فضل الصدقة، وأنَّها سبب السعادة في الدار الآخرة.
٤- فيه فضل السر فيها، والحرص على إخفائها؛ ليكون صاحبها من السبعة
السعداء، الذين يستظلون بظل الله تعالى يوم القيامة، يوم لا ظل يقيهم من
ألسنة الشمس المحرقة إلاَّ ظلَّ الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُ واْالصَّدَقَتِ
فَنِعِمَّا هِىَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
يعني: إخفاء الصدقة أفضل من إعلانها، إلاّ إذا كان هناك مصلحة راجحة
في إعلانها، كأن يكون قدوة لغيره في الخير، ووثِقَ من نفسه من مخالطة
الرياء.
٥- الحِكمة في إخفائها: بُعدها عن الرياء، الذي هو من أسباب حبوط العمل،
وردّه على صاحبه، ولعلَّ في هذا احترامًا لشعور الفقير، بلحوق الذل
والانكسار إليه.
٦ - قوله: ((ورجل تصدق)) لا مفهوم له؛ فإنَّ المرأة كذلك.
٧- قال في ((الشرح)): واعلم أنَّه لا مفهوم للعدد، فقد ورد خصال أُخر تقتضي
الظل بلغ بها في ((فتح الباري)) إلى ثمان وعشرين خصلة، وبلغ بها السيوطي
إلى سبعين.
* فائدة:
عبادات الله تعالی تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: كف عن محبوب؛ وذلك مثل الصلاة، والصيام، وترك
الشهوات .
الثاني: بذل لمحبوب؛ وذلك مثل الزكاة، والصدقات، والحج.
وحديث السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلاَّ ظله جاء على هذا
التقسيم، فهو إمَّا كف عن محبوب، كالذي يرابط في المساجد، ويدع

٣٨٧
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
محبوباته، وكالذي اعتصم عن محبوبته ومعشوقته، والشاب الذي كف عن
نزوات الشباب ومغرياته، وكالإمام العادل الذي تنزه عن الأثرة والسلطة
المطلقة .
وأما البذل فهو المتصدق الذي بذل صدقته وأخفاها، حتى لا يذوق
حلاوة الثناء والدعاء.

٣٨٨)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٢١ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((كُلُّ امزِىءٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ، حَتَّى يُفْصَلَ بَيِّنَ
النَّاسِ)). رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ(١).
: درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
رواه الإمام أحمد (١٦٦٩٥)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان في
((صحيحيهما))، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي على
ذلك، قال المنذري: الحديث صحيح، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وقال في
((المهذب)): إسناده قوي، وصححه السيوطي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب صدقة التطوع، وفضلها، والحث عليها، وأنَّها من أسباب تخفيف
أهوال يوم القيامة .
٢ - أنَّ صاحبها يكون في ظلها يوم القيامة، حتى يقضى بين الناس في ذلك
الموقف، الذي فيه ما جاء في صحيح مسلم (٢٨٦٤) عن المقداد بن الأسود
رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إذا كان يوم القيامة، أُذْنِيت
الشمس من العباد، حتى تكون على قدر ميل أو میلین، فتصهرهم، ویکون
العرق على قدر أعمالهم، منهم من يأخذه على عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى
حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا)).
٣- في الحديث إثبات يوم القيامة، والحساب، والفصل بين العباد، وهذا من
(١) ابن حبان (٣٣١٠)، الحاكم (١٥١٧).

٣٨٩
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
أمور العقيدة التي يجب الإيمان بها، كما جاءت عن الله تعالى، وعن رسوله وَله .
* فائدة:
الزكاة والنفقة الواجبة أفضل من صدقة التطوع، فقد وصف الله تعالى
الزكاة بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
فهي مزكية للنفوس، ومطهرة من الذنوب.
وقد جاء في الحديث القدسي ما رواه البخاري (٦١٣٧) من حديث أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَّه: قال تعالى: ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب
إليَّ مما افترَضْتُهُ عَلَيْهِ)).

٣٩٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٢٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ
إنَّ﴿ قَالَ: ((أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْىٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ
الجَنَةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَىْ جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ
الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٌ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ، سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ
المَخْتُومِ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ لِينٌ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
فيه يزيد بن عبدالرحمن ((أبوخالد الدالاني))، قال المنذري: أثنى عليه
غیر واحد، وتكلم فيه غیر واحد. اهـ.
وتقدم أنَّ ابن حجر قال: في إسناده لين، بينما حسَّنه السيوطي في
الجامع الصغير.
قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٦٦/٢): روي موقوفًا على أبي
سعید، وهو أصح وأشبه. اهـ.
لكن هذا الموقوف مما لا مجال للرأي فيه.
وقال النووي: إسناده جيد، وحسّنه المنذري.
* مفردات الحديث:
- أيما: ((أي)) اسم مبهم متضمن معنى الشرط، وهي معربة بالحركات؛
لملازمتها الإضافة إلى المفرد، نحو ((أي امريء ... )) وقد يحذف المضاف
إليه فيلحقها التنوين عوضًا منه؛ نحو ﴿ أَيَّا مَّا تَدّعُواْ﴾ وقد تلحقها ((ما)) الزائدة
(١) أبوداود (١٦٨٢).

٣٩١)
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
- كما في هذا الحديث - فتكون للتوكيد.
وفعل الشرط ((کسا))، وجوابه ((كساه الله)).
- عُري: مصدر: عَرِي الرجل من ثيابه يعرى عُرْيًا وعُرية، من باب علم، نقيض
لبس، فهو عارٍ وعريان، والمرأة عارية وعريانة، وقوم عراة، ونساء عاريات.
- ظمأ: من ظمىء الرجل يظمأ ظمأً: اشتد به العطش، فهو ظامىء وظمآن،
والظمأ: شدة العطش.
- خُضر الجنة: جمع ((أخضر))؛ أي: من ثيابها الخضر، فهو من إقامة الصفة
مقام الموصوف، کما ذكره الطيبي .
- الرَّحيق: بفتح الراء المهملة بعدها حاء مهملة مكسورة، وبعدها ياء مثناة
تحتية ثم قاف.
قال أهل اللغة: هو من الخمر ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده، فهو أجود
الخمر، مما عتق وصفًا.
- المختوم: يقال: ختم الإناء يختمه ختمًا - من باب ضرب ـ: سدَّ فاه، فختم
الإناء: سدَّه بالطين ونحوه؛ لحفظه من التلويث، والمعنى: آنية مختومة
مصونة من أي تلوث، وختامها الذي سدت به هو المسك، فهذا كله لكمال
نفاستها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- في الحديث فضل صدقة التطوع، والحث عليها، وأنَّها من أسباب الحصول
على نعيم الجنة.
٢ - أنَّ أفضل ما تكون الصدقة إذا وافقت حاجة في المتصدق عليه، كأن يُكسى
على عري، وأن يُطعم على جوع، وأن يسقى على ظمأ، فإنَّ النفع يكون
أعظم .
٣- في الحديث إثبات نعيم الجنة وأنواعه وأشكاله؛ وأنَّ الجزاء من جنس

٣٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
العمل، فمن كسا كُسِيَ، ومن أطعم أُطْعم، ومن سَقَى سُقِي، وَمَا يُكسى
وَيُطعم، ويُسقَى خير مما أعطاه في الدنيا، فما ذكر من النعيم إلاَّ أسماؤه،
أما النعيم حقيقة فنعيم الجنة لم تره عين بشر، ولم تسمعه إذنه، ولم يخطر
على قلبه .
٤ - قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبٍِّ﴾ [الإنسان: ٨]؛ فهذا أفضل الصدقة،
وأجل الإيثار حينما تكون القلوب إلى المال طامحة، والنفوس فيه راغبة،
ثم جاء الوارد الإلهي، والرغبة الصادقة فيما عند الله تعالى، فتقوى على
الشهوات النفسية، والغرائز الجسدية، فيُؤْثِر المؤمن غيرَه بما عنده على
نفسه المحتاجة.
قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُخَ
ج
نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾﴾ [الحشر: ٩].
والإيثار معناه: تقديم الناس المحتاجين على أنفسهم، في حالٍ هم
محتاجون إلى ذلك، وهي درجة أعلى من درجة الذي أنفقوا من أموالهم
الشيء الذي ليس لهم به حاجةٌ، ولا ضرورةٌ.

٣٩٣
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
٥٢٣ - وَعَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ
مٍَّ قَالَ: ((اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلىُ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ
الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِقَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ
يُغْنِهِ اللهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١).
* مفردات الحديث:
- اليد العليا واليد السفلى: جاء في الصحيحين: أنَّ اليد العليا هي المنفِقة،
والسفلى هي السائلة، قال النووي: المنفِقَة أعلى من الآخذة، والمنفقة أعلى
من السائلة .
- ابدأ بمن تعول: فتشمل صدقة التطوع، والواجب، والإنفاق على العيال.
- تعُولُ: العيلة: الفاقة والحاجة، يقال: عال عيالة عولاً: كفاهم معاشهم
ومؤنهم، وعال الیتیم : کفله وقام به .
- عن ظهر غِنَّى: تعبير يراد منه التمكن من الشيء والاستواء عليه، وجاء التنكير
فيه للتعميم؛ أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنّى، وعما زاد عن نفقة العيال،
((والظهر)) هنا: لفظة زائدة، جاءت اتساعًا، وتمكينًا للسياق.
- من يستعفِف: يطلب العفة، فـ((من)) شرطيةٌ، تجزم فعلين: ((يستعفف)) فعل
الشرط، وجوابه ((يعفه))، والتعفف: هو الكف عن الحرام، وسؤال الناس.
- يُعْفه الله: يُقال: عف عن المسألة، واستعف أي: كف، فهو عف، وعفيف،
ويعفه الله؛ أي: يصير عفيفًا، فيرزقه الله العفة، ويوفقه لها، ويغنيه عما في
أيدي الناس.
(١) البخاري (١٤٢٧)، مسلم (١٠٣٤).

٣٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- من يستغنِ: يظهر الغنى.
- يغنه الله: أي: يرزقه الغنى عن الناس، فلا يحتاج إلى أحد.
- الصدقة: استعيرت الصدقة هنا للحث على الإنفاق، وللمسارعة فيما يرجى
ثوابه .

٣٩٥)
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قِيلَ: يَا رَسُولَ
الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدُ المُقِلِّ، وَبْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ)).
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّنَ وَالحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، صححه ابن خزيمة وابن حبان الحاكم، ووافقه
الذهبي .
* مفردات الحديث:
- أي: من أدوات الاستفهام، فهي اسم مبهم يستفهم به عن الشيء، فيطلب بها
تعيين الشيء؛ نحو: أي الصدقة أفضل؟ .
- جُهد: بضم الجيم المعجمة وسكون الهاء؛ أي: الطاقة والوُسع، قدر طاقته،
ووسعه، وأما بالفتح فهو المشقة.
- المُقِل: بضم الميم وكسر القاف آخره لام، والمُقِلّ: من كان قليل المال.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي المعطاة، فاليد العليا خير من
السفلى؛ لأنَّها المحسنة، وتلك المحسَن إليها، ولأنَّها المنفِقة، وتلك
المنفق عليها، فالمتفضلة بالخير هي المعطية .
٢- في هذا حثٌّ للأغنياء على الإحسان، وإعطاء المحتاجين، ومواساة
إخوانهم الفقراء بشيء من فضول أموالهم، بسد حاجتهم، وبرفّد فاقتهم.
(١) أحمد (٨٣٤٨)، أبوداود (١٦٧٧)، ابن خزيمة (٢٤٤٤)، ابن حبان (٣٣٤٦)، الحاكم
(١٥٠٩).

٣٩٦)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، ومن أبلغها أنَّ الله جعل الصدقة على
الفقراء إقراضًا له، فقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ فَرَّضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَلَهُ:
[الحديد: ١١].
١١
أَجْرٌ كَرِيمٌ(
٣- صدقة التطوع لا تكون إلاَّ بما زاد عن حاجة الإنسان، وحاجة من يمونه ممن
تجب عليه نفقته؛ فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم (٩٩٦) قال رسول
وَله: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت)) فإن تصدق بما ينقص مؤنتهم
وحاجتهم أثم، لأنَّه عدل عما خوطب به، ووجب عليه إلى مالم يخاطب
به، فأضاع من تلزمه مؤنتهم.
٤ - أنَّ الصدقة الواقعة موقعها هي التي يؤديها صاحبها عن غنّى، وفي شيء زائد
عن الضرورات، والحاجات الخاصة به، وبمن يمونه.
قال تعالى: ﴿وَيَسْعَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾ [البقرة: ٢١٩] والعفو هو
ما فضل وزاد عن الحاجة .
٥- فيه استحباب التعفف حتى مع الحاجة، فلا يسأل ولا يستشرف إلى ما في
أيدي الناس، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾
[البقرة: ٢٧٣] والتعفف معناه طلب العفة لنفسه عما في أيدي الناس، وكفّها
عن سؤالهم.
٦- يستحب إظهار الغنى، والصبر رضًا بأمر الله تعالى، وقناعةً بما عنده، وإن
قلّ، فيعف عما في أيدي الناس .
كما أنَّ من كان غنيًّا، فسأل الناس، أو أظهر الفاقة؛ ليحتال على الإعطاء
- فهذا قد غش وكذب، وأخَذَ حرامًا .
أما من استغنى وعفَّ عما في أيدي الناس، فإنَّ الله تعالی یغنیه بأن يسد
حاجته وخلته، ويجعل في قلبه القناعة والغنى، فليس الغنى عن كثرة
العرض، وإنما الغنى غنى النفس.

٣٩٧
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
٧- أفضل الصدقة جهد المُقل، وذلك بأن يتصدق بالفاضل عن حاجته وحاجة
عياله، ولو لم يكن صاحب مال وافر، وبهذا فإنَّ هذه الجملة لا تعارض
الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري (١٣٦١) ومسلم (١٠٣٤): ((خير
الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) فلكل منهما محمل ومعنى، فلابد من تقييد
جهد المقل بما زاد عن کفایته، وكفاية من یمونه.
٨- أنَّ من لم يطلب العفاف والغنى لم يُوفَّق لذلك، بل يبقى قلبه متعلقًا فيما
حرَّم الله تعالى من الشهوات، ويفتح له أبوابًا إلى المحرَّمات، وهذا هو
مفهوم قوله: ((ومن يستعفف یعفه الله، ومن يستغن یغنه الله)).
* فوائد:
الأولى: قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى - حديث: ((سبق
الفقراء بخمسمائة عام)) لا يدل على فضلهم على الأغنياء، بل بعض
الأغنياء الذين يدخلون بعدهم يكونون أرفع درجة منهم.
وهذا له شواهد كثيرة من أنَّ الفضيلة الخاصة لا تدل على الفضيلة
العامة .
الثانية: وفاء الدين مقدم على صدقة التطوع؛ لأنَّ وفاء الدين واجب، وحقوق
العباد عظيمة؛ ولذا جاء في الحديث الصحيح: أنَّ الشهادة في سبيل الله
تكفر الذنوب إلاَّ الذین.
وقال شيخ الإسلام: ومثل الدَّين جميع حقوق العباد، ومظالمهم.
الثالثة: صدقة التطوع يجوز إعطاؤها الكافر، والغني، وبني هاشم، وغيرهم
ممن مُنع الزكاة .
الرابعة: المنُّ بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب، ويبطل ثوابها، لقوله تعالى:
يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
الخامسة: قال أبوقلابة: أي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار،

٣٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يعفهم ويغنيهم؟ فقد جاء في صحيح مسلم (٩٩٤): ((أفضل دينار
ینفقه الرجل دینار ینفقه على عياله)) .
السادسة: قال شيخ الإسلام: إعطاء السائل فرض كفاية إن صدق في مسألته.
وقال القرطبي: اتَّفق العلماء على أنَّه إذا نزل بالمسلمين حاجة
بعد أداء الزكاة، فإنَّه يجب الصرف إليها.
قال في ((الإقناع)): وليس في المال حقٌّ واجبٌ سوى الزكاة اتفاقًا،
مع أنّه يجب إطعام الجائع ونحوه إجماعًا، وهذا مما يجب عند
وجود سببه.

٣٩٩
كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع
٥٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَلَه: («تَصَدَّقُوا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، عِنْدِي دِيْنَارٌ؟ قَالَ:
تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَقْ بِهِ عَلَى
وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي
آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ بِهِ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ
وَالحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث حسن .
قال في ((التلخيص)): رواه الشافعي وأحمد (٩٧٠٥) والنسائي وأبوداود
وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة. اهـ.
وقد صححه ابن حبان، والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط
مسلم، وأقرَّه الذهبي.
قال الألباني: كونه على شرط مسلم فيه نظر، فإنَّ فيه محمّد بن عجلان،
وهو حسن الحديث .
* مفردات الحديث:
- تصدق به على نفسك: أي: أنفقه على نفسك، عبر عن الإنفاق بالتصدق؛
إشارة إلى أنَّ الإنفاق على أهل الحقوق له مثل الصدقة في الأجر.
-أنت أبصر به: أي: أدری بحالك، وشأنك به.
(١) أبوداود (١٦٩١)، النسائي (٢٥٣٥)، ابن حبان (٤٢٣٥)، الحاكم (١٥١٤).

٤٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية صدقة التطوع؛ فقد أمر بها النبي وَّير، والصارف للأمر عن
الوجوب ما روى الترمذي (٦١٨) وابن ماجه (١٧٧٨) عن ابن عباس؛ أنَّ
النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك)).
وقال في ((الإقناع وشرحه)): وليس في المال حق سوى الزكاة اتفاقًا، وما
جاء حمل على الندب .
٢ - يبدأ الإنسان بالنفقة الواجبة قبل صدقة التطوع، فإذا كان ما عنده بقدر نفقة
نفسه، بدأ بها على غيره، فإذا زاد ما عنده على نفقته، أنفق على ولده، ذكره
وأنثاه، وتكون النفقة بقدر حاجة كل منهم، فإذا زاد عن ذلك، أنفق على
خادمه، فإذا زاد عن ذلك، فهو مخير بين من ينفق عليه، لأنَّ النفقات
الواجبة قضيت، ولم يبق إلاَّ نفقة التطوع.
٣- التمييز هنا ليس تمييز هوى وأثرة، وإنما هو تمييز مصلحة، فيقدِّم في صدقته
الطريق الأفضل والأحسن.
٤- أفضل طرق الخير والإحسان هو أن ينفق على جهات خيرية: من تعليم
علم، أو نشر دعوة الله تعالى، أو إنقاذ متضرري المسلمين، أو قريب
محتاج، أو جار ملاصق، فينظر إلى المصالح أيها أرجح، فيقدمها لتكون
صدقته كبيرة الفائدة، وواقعة في محلها، الذي يحبه الله تعالى ورسوله وَاله .
٥- في الحديث لم يذكر إلاَّ النفس، والولد، والخادم، ومثل ذلك الزوجة،
فالنفقة عليها واجبة، ومثل هذا الوالدان، لا سيَّما في حال كِبرهما
وضعفِهِمَا، ولعلَّ السائل ليس عنده إلاَّ ابنة وخادمة.
٦- في الحديث دليل على أنَّ النفقة على النفس، وعلى الولد، وعلى الخادم،
وعلى كل من يمونه الإنسان - تكون صدقة، وأنَّ صاحبها مأجور عليها، إذا
كان معها حضور النية الصالحة، إلاَّ أنَّ مثل هذه النفقات تكون غالبًا بدافع