Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١)
كتاب الزكاة
٥٠٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -
أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ لَهُمَا: ((لاَ تَأْخُذُوا فِي الصَّدَقَةِ، إِلَّ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ
الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالنَّمْرِ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
وقد أخرجه الدارقطني (٩٨/٢)، والحاكم، وقال: إسناده صحيح،
ووافقه الذهبي، وأقرَّه الزيلعي، قال الشيخ الألباني: وأخرجه أبوعبيد في
(الأموال)) من طُرُقٍ عن عمر بن عثمان قال: سمعت موسى بن طلحة يقول:
((أمر رسول الله ◌َ ﴾ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة
والشعير، والنخل والعنب)) وهذا سندٌ صحيح مرسل، وهو صريح في الرفع،
ولا يضر إرساله؛ لأنّه صحَّ موصولاً عن معاذ.
قال في ((التلخيص)): رواه الحاكم والبيهقي من حديث أبي موسى ومعاذ.
قال البيهقي (٧٢٤٢): ورواته ثقات، وهو متصل.
* مفردات الحديث:
- الشعير: نبات عشبي حبي من الفصيلة النجلية، وهو دون البر في الغذاء،
فيقال: (فلان كالشعیر یؤكل ويذم)).
- الحنطة : - بكسر الحاء -: القمح، جمعه: ((حنط)).
- الزبيب: جمع: ((زبيبة))، وهو ما جفّف من العنب.
(١) الحاكم (١٤٥٩).

٣٤٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٠٨ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((فَأَمَّا
القِنَّاءُ، وَالبِطُِّخُ، وَالرُّمَّانُ، وَالقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِوَلِّ)).
وإِسْنَادُهُ ضعيف(١).
: درجة الحديث:
الحدیث ضعيف.
قال في ((التلخيص)): رواه الدارقطني والحاكم (١٤٥٨) والبيهقي
(٧٢٦٨) من حديث معاذ، وفيه ضعف. اهـ. وفيه انقطاع بين موسى بن طلحة
ومعاذ بن جبل، وللكنه انقطاع مغتفر؛ ذلك أنَّ موسی یرویه عن کتاب معاذ،
وهو حجة عند علماء أصول الحديث، ولذا صححه بعض العلماء.
* مفردات الحديث:
- قِنَّاء: بكسر القاف وضمها ممدود، واحدته: قثاءة؛ نوع من الخيار، لكنه
أطول.
- البطيخ - بكسر الباء -: نبات عشبي حولي ينبت في المناطق المعتدلة
والدافئة، وهو من الفصيلة القرعية، وثمرته كبيرة كروية، أو مستطيلة، وهو
أصناف وأنواع.
- الرُّمَّان: بضم الراء وتشديد الميم، واحدته: رمَّانة، ثمر معروف، وشجره من
الفصيلة الأتنية.
- القصب: كل نبات كانت سوقه أنابيب وكعوب، ومنه قصب السكر، وقصب
الذرة وغيرها .
(١) الدار قطني (٢/ ٩٧).

٣٤٣
كتاب الزكاة
- عفا عنه رسول الله: قال القرطبي: العفو بمعنى الترك، أي تركها، ولم يعرف
بها فهو معفو عنها، فلا تبحثوا عنها، فقد قال رَاليه: ((وسكت عن أشياء من غير
نسيان فلا تبحثوا عنها)) فهذا معنى العفو عنها .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - حديث (٥٠٧) فيه دليل على أنَّ الزكاة تجب في الحبوب كلها، وتجب في
الثمار التي تُكال وتُدَّخر، ومثّل لذلك بالشَّعير والحنطة والزبيب والتمر؛
لأنَّ ما يقتات ضروري في الحياة، فأوجب فيه الشارع الزكاة نصيبًا مفروضًا
لأصحاب الضرورات.
أما الحبوب فشُرِط لوجوب الزكاة فيها الكيل؛ لأنَّه يدل على صحة إناطة
و
الحكم به، كما شرط للوجوب فيها صلاحيتها للادخار، فما لا يدخر لم
تكمل فيه النعمة لعدم الانتفاع به .
٢- قال شيخ الإسلام: أما أحمد وغيره من فقهاء الحديث فيوجبون الزكاة في
الحبوب، كالثمار التي تدخر، وإن لم تكن تمرًا ولا زبيبًا، جُعِلا للبقاء في
المعشرات بمنزلة الحول، ويفرقون بين الخضراوات وبين المدخرات؛ لما
في ذُلك من الآثار عن الصحابة، فرجح شيخ الإسلام أن المعتبر لوجوب
زكاة الخارج من الأرض هو الادخار، لا غير؛ لوجود المعنى المناسب
لإیجاب الزكاة فیه، بخلاف الکیل؛ فإنّه تقدیر محض، فالوزن في معناه.
٣- أما الفواكه والخضراوات والبقول فلا تجب فيها الزكاة؛ لأنَّها ليست
مدخرة، وليست مكيلة، ومثل هذه الأشياء إنَّما هي ذات منفعة عاجلة،
والحاجة إليها مؤقتة، وليست من الغذاء الضروري، وإنما هي للتنعم
والتفكه، فهي من مأكولات الأغنياء دون الفقراء: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] فلذا لم تجب فيها الزكاة، على قول جمهور
العلماء .

٣٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤- الحديث المتقدم الذي رواه البخاري (١٣٦٦) ((ليس فيما دون خمسة أوسق
من حب صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من الثمر - بالثاء المثلثة -
صدقة)) - دليل على أنَّ الزكاة تجب في عموم الثمار المعدة للادخار والکیل،
وأنَّها تجب في كل الحبوب؛ لأنَّه أطلق اسم الحب والثمر، فهو يشمل كل
حب وثمر، وقيد الثمر بما صلح للادخار، وضبط بالكيل.
٥- قال في ((الفروع)): ولو ملك ثمرة قبل صلاحها، ثم صلحت بيده - لزمته
زكاتها؛ لوجود السبب في ملكه، ومتى صلحت بيد من لا زكاة عليه، فلا
زکاة فیها .
٦ - قال غير واحد من أهل العلم: لا تجب زكاة المعشرات بعد الحول الأول،
ولو ادخرها للتجارة؛ لأنَّها لا تصير لها إلاّ بعد البيع، كعرض القنية.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء فيما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض :
فذهب الإمام أبو حنيفة إلى: أنَّها تجب في القليل والكثير، مما أخرجته
الأرض من الحبوب كلها، والثمار كلها، والفواكه، والخضراوات، والبقول،
والزهور.
واستدلَّ على ذلك: بحديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ نَّه قال: ((فيما سقت
السماء والعيون، أو كان عَثَرِيًا العُشر ... )) إلخ ... [رواه البخاري (١٤١٢)]
فعمم الواجب في كل خارج من الأرض.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّها تجب فيما يدخله الكيل، ولو لم يكن
قوتًا؛ كحب الكمون، وحب الكرات، وحب اللوز، ونحوه، ودليلهم ما تقدم
من حديث: ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون
خمسة أوسق من حب صدقة)).
والحديث يدل على وجوبها في الثمار والحبوب فقط.

٣٤٥
كتاب الزكاة
أما الخارج من الأرض من غير الحبوب والثمار: فهي حاصلات عاجلة،
ومنافعها حاضرة، وخارجها غالبًا قليل، وهي تراد للتنعّم، مع ما في هذا من
النص: ((فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله (وَ لات))
والحديث وإن كان ضعيفًا إلاَّ أنَّه جاء على وفق الأصل، في عدم الوجوب في
المسكوت عنه، فهو من المعفو عنه.
قال ◌َله: ((وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها))
[رواه الطبراني في «الأوسط)) (٨٩٣٨)، والدارقطني (٢٩٨/٤)]. وقد حسَّنه
النووي والسمعاني وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وله شواهد في لفظه
ومعناه.
وقد قُدِّرت ما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض بمكيالها الشرعي،
أما الفواكه والخضروات والبقول ونحوها، فهي من المعدودات فلا تكون داخلة
فيما تجب فيه الزكاة.
قال الخطابي: يستدل بالحديث (٥٠٨) على أنَّها لا تجب في شيء من
الخضراوات والفواكه ونحوها، وعليه عامة أهل العمل، فتركه وَليه إياها، وتَرك
خلفائه، وهي تزرع بجوارهم، ولا تؤدی زکاتها لهم - يدل على عدم وجوبها
فيها، وإن تركها لهو السنة المتبعة .
ذهب الإمامان: مالك والشافعي إلى: أنَّها لا تجب في الثمار، إلاَّ في
التمر والزبيب، ولا تجب في الحب إلاَّ ما كان قوتًا.
أما الإمام أحمد: فذهب إلى وجوبها في الثمار التي تكال وتدخر، وإلى
وجوبها في جمیع الحبوب، ولو لم تكن قوتًا.
وتقدم قول شيخ الإسلام: إنَّ المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض
هو الادخار؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه، بخلاف الكيل فإنَّه
تقدیر محض، فالوزن في معناه.
:

٣٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن إخراج زكاة الحبوب والثمار نقدًا:
(قرار رقم: ٩٨، وتاريخ ١١/٢٦/ ١٤٠٢هـ):
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمّد، وعلى آله وصحبه،
وبعد :
فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة في مدينة
الطائف في الفترة التي بين يوم ٢٤/ ١٤٠٢/١٠هـ ويوم ١٤٠٢/١١/٧ هـ، قد
اطّلع على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء، رقم
(٢٢٨٤٨)، وتاريخ ١٤٠٢/٩/٢٧ هـ، الذي طلب فيه سموه إبداء الرأي
الشرعي في جواز دفع زكاة الحبوب والثمار نقدًا، بدل دفعها من عين المال أو
جنسه، كما اطّلع المجلس على كتاب سمو نائب وزير الداخلية رقم
(٤٢٢٣٤)، وتاريخ ١٤٠٢/٩/٢٢ هـ، حول ما أفتى به فضيلة قاضي الغاط من
جواز أخذ النقود عن زكاة الحبوب والثمار، واطّلع أيضًا على كتاب معالي وزير
العدل رقم (١/٢٥٨/ف)، وتاريخ ١٤٠٢/٦/٢٦هـ، المتعلق بالمعاملة
المحالة إلى معاليه من فضيلة رئيس محاكم القصيم بشأن الموضوع.
وبعد اطلاع المجلس على ما ذكر، وعلى بعض النقول من كلام أهل
العلم، والنظر إلى أن الزكاة شرعت لمصالح كثيرة، منها مواساة الفقراء، وسد
حاجتهم، وتطهير الأغنياء وتزكيتهم، وبعد تداول الرأي، وتأمل ما كان عليه
العمل في صدر الأمة في عهد رسول الله وَّ ه وعهد خلفائه الراشدين - رضي الله
عنهم - وأتباعهم، ووجود حالات أخذت فيها بعض قيم الزكاة عند فقد الواجب
في الزكاة - فإن مجلس هيئة كبار العلماء يقرر بالإجماع:
أن الأصل أن تدفع الزكاة من عين المال حسب ما جاءت به النصوص عن
الرسول وَل18 في تفصيل الأموال الزكوية، وبيان مقدار الواجب فيها ما أمكن
ذلك .

٣٤٧)
كتاب الزكاة
كما يقرر بالأكثرية جواز دفع القيمة في الزكاة إذا شق على المالك
إخراجها من عين المال، ولم يكن على الفقراء مضرة في ذلك، كمن وجبت
عليه زكاة الغنم في الإبل وليس عنده غنم، ويشق عليه طلبها، وهكذا إذا
اقتضت مصلحة الفقراء إخراج القيمة؛ كأن يشق عليهم أخذها من عين المال
لكونهم في مكان يشق عليهم أخذها فيه، وكما لو باع الفلاح ثمرته كلها، فإنه
يجوز أن يعطي الزكاة من الثمن. هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه.

٣٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٠٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَمَرَنَا
رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ،
فَدَعُوا الرُّبُعَ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ ابْنَ مَاجَهْ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صححه الحاکم وابن حبان.
قال في ((التلخيص)): رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاث، وابن حبان،
والحاكم من حديث ابن أبي حَثْمَة، وفي إسناده عبدالرحمن بن مسعود بن نيار
الراوي عن سهل، قال البزّار: وقد تفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله،
قال الحاكم: وله شاهد بإسناده متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به.
* مفردات الحديث:
- إذا خَرَصْتُم: أيها السعاة والعمَّال.
- خرضْتُم : بفتح الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وبعدها صاد مهملة ساكنة، من
باب نصرينصر، وضرب يضرب-هو تقدير الشيء وخرصه بالظن والتخمين والحزر.
يقال: خرص النخل والكرم: حزر ما عليهما من الرطب تمرًا، ومن العنب
زبيبًا .
إذا خَرَصْتُم: ((إذا)) شرطية، ((خرصتم)) فعل الشرط، وجوابه ((فخذوا))،
و((دعوا)) عطف عليه .
- دعُوا الثُّلُث: اتركوا لأهل المال الثلث بقدر ما خرصتم.
(١) أحمد (١٥٥١١)، أبوداود (١٦٠٥)، الترمذي (٦٤٣)، النسائي (٢٤٩١)، ابن حبان
(٣٢٨٠) الحاكم (١٤٦٤).

٣٤٩)
كتاب الزكاة
٥١٠ - وَعَنْ عَتَّبِ بْنِ أَسِيدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أمَرَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يُخْرَصَ العِنَبُ؛ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ
زَبِيْبًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَفِيهِ انْقِطَاعُ(١).
* درجة الحديث:
الراجح أن الحدیث مرسل.
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود والترمذي والنسائي وابن حبان
والدارقطني من حديث عتاب بن أسيد، ومداره على سعيد بن المسيب عن
عتاب، فقد قال أبوداود: لم يسمع منه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر؛ لأن
مَوْلد سعيد في خلافة عمر ، ومات عتاب في اليوم الذي مات فيه أبوبكر الصديق.
قال أبوحاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي وَّ أمر عتابًا؛
مرسل .
قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلاً، لكنه اعتضد بقبول الأئمة له.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الحديث جاء على قواعد الشريعة
ومحاسنها .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديثان يدلان على أنه على الإمام أن يبعث جباة الزكاة وسعاتها لجبي زكاة
الحبوب والثمار؛ وذلك إظهارًا لهذه الشعيرة العظيمة، فإن الزكاة من شعائر
الإسلام الظاهرة.
٢ - ويدلان على أنه يكفي لمعرفة قدر الثمرة والحب خَرْصُه وتقدير ما يحصل
(١) أبوداود (١٦٠٣)، الترمذي (٦٤٤)، النسائي (٢٦١٨)، ابن ماجه (١٨١٩) وعزوه لأحمد
وهم، إنما رواه الإمام أحمد عن معاذ نحوه (٢٠٩٨٥).

٣٥٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
منه؛ إذ في جذاذه وحصاده وتقدير ذلك بالمكيال الشرعي مشقة كبيرة،
فاكتفى بتقديره وخرصه .
فتقوى الله تعالى وتكاليفه الشرعية تكون بقدر الاستطاعة والقدرة.
والقاعدة الشرعية أنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، أو تعسر، اكتفى بغلبة
الظن وأمثلته في الشرع كثيرة.
٣- ويدل الحديث رقم (٥٠٩) أن على خارص الثمرة والحب والجابي ألا
يستقصي بأخذ كل الزكاة، وإنما عليه أن يدفع لأصحاب الأموال ثلث الزكاة
أو ربعها؛ ليخرجها صاحبُها على أقاربه وجيرانه ونحوهم ممن تعلقت
نفوسهم بهذه الثمرة والحب، وتخيير الخارص بين الثلث والربع راجع إلى
نظر الخارص واجتهاده في تحقيق المصلحة في ذلك، من سخاء صاحب
الثمار وعدمه، وكثرة أتباعه وقلبتهم.
٤- قال شيخ الإسلام: إن الحديث - حديث سهل - جار على قواعد الشريعة
ومحاسنها، موافق لقوله وقاليقول: ((ليس في الخضراوات صدقة)) [رواه الترمذي
(٦٣٨)]، لأنه قد جرت العادة أنه لابد لرب المال بعد كمال الصلاح أن
يأكل هو وعياله، ويطعم الناس ما لا يدخر ولا يبقى مما جرى العرف
بإطعامه وأكله، بمنزلة الخضراوات التي لا تدخر. يوضح ذلك بأن هذا
العرف الجاري بمنزلة ما لا يمكن تركه، فإنه لابد للنفس من الأكل من
الثمار الرطبة، ولابد أن يشاركه في هذه الثمار الرطبة من قريب وجار وقائم
على صلاح الثمرة.
٥ - قوله: ((دعوا الثلث أو الربع)) فيه الأخذ بمراعاة الأحوال، من أنه يجب في
وقت ما لا يجب في وقت غيره، ويجب على شخص ما لا يجب على
الشخص الآخر، وهذا ومثله راجع إلى مراعاة المصالح والأحوال.
٦- تقدم في الحديث رقم (٥٠٧) حصر ما تؤخذ منه الزكاة في أربعة: ((الشعير،

٣٥١)
كتاب الزكاة
والحنطة، والزبيب، والتمر))؛ بمعنى: أنَّ الزكاة لا تجب إلاَّ في هذه
الأربعة. ولكن هل هذا الحصر هو حصر عين، بمعنى أنَّها لا تجب إلاّ في
هذه الأربعة الأصناف فقط، أم أنَّه حصر وصف، بمعنى أنَّه فيها، وفيما
يماثلها من الحبوب والثمار؟
قد تقدم خلاف العلماء أنَّ الراجح أنَّ هذا حصر وصف، وأنَّها تجب في
كل الحبوب والثمار المدخرة، وهو مذهب جمهور العلماء على اختلاف
بينهم؛ فيما يدخل، وما يخرج من هذه الأصناف الموصوفة، وقد اعتمدوا
في هذا العموم على آثار من الصحابة - رضي الله عنهم - كما اعتمدوا في
حصرها بالمعشّرات المدخرات على التعليل، وقالوا: إنَّ غير المدخر لم
تكمل فيه النعمة، فلا تجب الزكاة فيه، ويستدلون بقول معاذ: ((فأما الفثاء
والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله (مَليم)) [رواه الدراقطني
(٩٧/٢) والحاكم (١٤٥/١)].
وقد أخذ بحصر العين جماعة من السلف، منهم الحسن والثوري
والشعبي، فحصروا ما تؤخذ منه الزكاة في الأصناف الأربعة في الحديث.
قال في ((سبل السلام)): قال في ((المنار)): إنَّ ما عدا الأربعة محل احتياط
أخذًا وتركًا، والأصل حرمة مال المسلم، كما أنَّ الأصل براءة الذمة،
وهذان الأصلان لم يدفعهما دليل يقاومهما.
* قرار هيئة كبار العلماء بشأن جباية الزكاة:
قال مجلس هيئة كبار العلماء في قرار رقم: (١٣٣)، وتاريخ
١٤٠٦/٦/١٧ هـ ما خلاصته :
أولاً: فرض جباية الأموال الظاهرة مظهر شرعي، درج عليه المسلمون
منذ عهد النبي ◌َّر، وخلفائه الراشدين إلى يومنا؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فينبغي للدولة الاستمرار في

٣٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
القيام به، وإيصال كل ذي حق حقه.
ثانيًا: إبقاء الأمر على ما هو عليه من تشكيل لجان خَرْص الزروع والثمار التي
تجب فيها الزكاة، وجباية زكاتها وتوزيعها .
ثالثًا: لا مانع من الاكتفاء بلجان محلية، تتولى خرص وجباية وتوزيع
الزكاة .
رابعًا: أما أخذ الزكاة نقدًا، فالأصل أن تدفع الزكاة من عين المال، حسبما
جاءت به النصوص، كما يقرر المجلس بالأكثرية جواز دفع القيمة عن الزكاة إذا
شقَّ على المالك إخراجها من عين المال ، ولم يكن على الفقراء مضرة في
ذلك.
* فوائد:
الأولى: يحرم على المزكي شراء زكاته أو صدقته، ولا يصح ذلك بأن يشتريها
بعد دفعها، ولو من غير من أخذها منه؛ لحديث عمر: ((حملت على
فرس في سبيل الله، وأردت أن أشتريه، فقال النبي ◌َله: لا تشتره، ولا
تعُد في صدقتك؛ فإنَّ العائد في صدقته کالعائد في قیئه» [رواه البخاري
(١٤١٩) ومسلم (١٦٢٠)].
الثانية: يُزکی کل نوع من الثمار والحبوب على حدته، فمن التمر یخرج - مثلاً -
عن السكري منه، وعن البرني منه، وعن الشقر منه، وهكذا.
ويخرج عن الحنطة منها، وعن اللقيمي منه، وهكذا.
وإن أخرج الوسط من نوع واحد، كفاه ذلك.
وقد اختار الموفق وغيره: أنَّه يجمع ويخرج من الوسط بين الأعلى
والأدنى؛ لأنَّ كل شيء على حدته يشق، وقد رفعت المشقة والحرج
شرعًا، وإن أخرج من الأعلى فهو أكمل وأفضل، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُواْ
اَلْبِرِّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ

٣٥٣)
كتاب الزكاة
ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
الثالثة: تجب الزكاة في الثمار إذا بدا صلاحها وظهر نضجها، وتجب في الحب
إذا اشتد حبه في سنبله، وللكنه لا يستقر الوجوب إلاَّ بجعلها في
بيادرها، وهو المكان المعد لتشميسها وتجفيفها، والبيادر هي الجرن،
وبناء عليه فإنَّه لو قطعها، أو جزَّها، أو باعها، أو تلفت بغير تعدٍّ منه
قبل وضعها في البيدر- سقطت عنه الزكاة، إن لم يقصد بالبيع والقطع
الفرار من الزكاة، وذلك لزوال ملكه عنها قبل الاستقرار، وإن كان ذلك
بعد وضعها في البيدر لم تسقط؛ لاستقرارها بذلك، فالزكاة وإن وجبت
في المال، إلاَّ أنَّ لها تعلقًا في الذمة.
الرابعة: قال شيخ الإسلام: العنب الذي لا يصير زبيبًا إذا أخرج عنه زبيبًا بقدر
عُشره لو صار زبيبًا جاز وأجزأ بلا ريب، وأما العنب الذي يصير زبيبًا
للكنه قطعه قبل أن يصير زبيبًا، فهنا يخرج زبيبًا بلا ريب، فإن أخرج
العُشْر عنبًا فقولان في مذهب أحمد:
أحدهما: لا يجزئه، وهو المشهور من المذهب.
الثاني: يجزئه، وهذا قول أكثر العلماء، وهو أظهر.
أما الشيخ عبدالله بن محمَّد فيقول: ما أكله أهل العنب رطبًا لا زكاة
فيه، وأما الباقي فإن بلغ نصابًا وجبت فيه الزكاة.
الخامسة: روى الإمام أبو داود (٣٤١٠) عن عائشة: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ كان يبعث
عبدالله بن رَوَاحَةَ يخرص نخيل خيبر، حين يبدو صلاحه، وقبل أن
يؤكل منه)) وله شواهد تدل على مشروعية بعث الإمام خارصًا وقت
بدو صلاح الثمر، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وجماهير
أهل العلم.
وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال.

٣٥٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال ابن القيم: الصحيح الاكتفاء بخارص واحد، كالمؤذن،
والمخبر عن القِبلة ونحوه.
قال الأصحاب: ويشترط أن يكون عالمًا بالخرص، عدلاً،
ويجب أن يترك من الخرص الثلاث أو الربع؛ لحديث: ((إذا
خرصتم، فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع))
[رواه أحمد وغيره]، وترك هذا القدر توسعة للمالك، اختاره الشيخ
وغيره.
السادسة: قال شيخ الإسلام: أوجب الإمام أحمد الزكاة في العسل؛ لِما فيه من
الآثار التي جمعها، وإن كان غيره لم تبلغه إلاّ من طريق ضعيف.

٣٥٥)
كتاب الزكاة
٥١١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ - ((أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ بِّهِ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْتِهَا مَسْكَتَانِ
مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ. قَالَ: أَيَسُؤُكِ أَنْ
يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ سِوَارَيْنٍ مِنْ نَارٍ؟ فَأَلْقَتْهُمَا)). رَوَاهُ الثَّلاَثَةُ،
وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ(١)، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ(٢).
* مفردات الحديث:
- امرأة: هي: أسماء بنت يزيد بن السكن، الأنصارية الأوسية الأشهلية.
- مسكتان : - بفتح الميم وسكون السين المهملة - تثنية: مَسْكة، وهما سوران،
والمسكة السوار؛ سواء كان من فضة أو ذهب.
- أيسرك: الهمزة للاستفهام، والفعل مضارع من: السرور، والخطاب
للتأنيث، أي : أيعجبكِ.
- أن يسوِّرك: أن يجعل لك سوارًا من نار يوم القيامة.
- فألقتهما: طرحتهما في الأرض.
(١) أبو داود (١٥٦٣)، الترمذي (٦٣٧)، النسائي (٢٤٧٩).
(٢) الحاكم (٣٨٩/١).

٣٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥١٢ - وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّهَا كَانَتْ تَلْسَرُ
أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَذَيْتِ
زَكَاتَهُ، فَلَيْسَ بِكَنْزِ)). رواهُ أَبُودَاوُدَ وَالدَّارِ قُطْنِيُّ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
هذان الحديثان وما جاء في بابهما في زكاة الحلي، اختلف المحدثون
والفقهاء في صحة أحاديث المسألة: فأيَّدها قوم، وضعَّفها آخرون، فرأيتُ أن
أرجىء البحث في قبول هذين الحديثين إلى بحث اختلاف العلماء، وهناك إن
شاء الله تعالى سنعطي الموضوع حقه من البحث والتَّحقيق.
* مفردات الحديث:
- أوضاحًا: واحدها: وضَح، سميت بذلك؛ لوضحها ولمعانها، وهو نوع من
الحلي يُعمل من الفضة، سمي أوضاحًا لبياضها، ويكون أساورة في اليدين،
وخلاخل في الرجلين .
- أكنز هو؟: الهمزة للاستفهام الإخباري؛ أي: أهذا داخل في وعيد الكنز
المذكور في الآية، فكان الظاهر أن يكون الجواب بنعم، أو لا، للكنه وَليه
عرف الكنز بما هو معروف من أنَّه ما جمع من النقدين حتى بلغ نصابًا، ولم
تؤد زكاته، فانظري إن كان كذلك فهو كنز، وإن تزینت به كما شرعه الله،
وأباحه للنساء، فليس بکنز .
قال الراغب: أصل الكنز من: كنزت الثمر في الوعاء، فهو جعل المال
بعضه على بعض، وحفظه.
(١) أبوداود (١٥٦٤)، الدار قطني (١٠٥/٢) الحاكم (١٤٣٨).

٣٥٧
كتاب الزكاة
قال القرطبي: الكنز أصله في اللغة: الضم والجمع.
ما يؤخذ من الحديثين:
يدل الحديثان على وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال؛ سواء كان
قليلاً أو كثيرًا؛ لأنَّ المسكتين من الذهب، والأوضاح من الفضة، لا تبلغان
نصابي زكاة النقدين، والمسألة خلافية، وهذا بسط الخلاف فيها:
أجمع العلماء على وجوب الزكاة في الذهب والفضة؛ سواء كان نقودًا،
أو حليًّا، أو تبرًا، أو غير ذلك، ما لم يكن حليًّا معدًا للاستعمال أو العارية.
واختلفوا في حلي الذهب والفضة إذا أعد للاستعمال أو العارية: فذهب
إلى وجوب الزكاة فيه الإمام أبو حنيفة وأتباعه.
وصحَّ عن عدد من التابعين، منهم عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد،
والنخعي .
وذهب إلى عدم وجوب الزكاة فيه جمهور العلماء: من الصحابة،
والتابعين، والأئمة وأتباعهم.
فممن صرح بعدم الوجوب من الصحابة: ابن عمر، وأنس، وجابر بن
عبدالله، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وباقي الصحابة لم يرو عنهم القول
به، ومنهم الخلفاء الراشدون الذين تولوا جباية زكاة المسلمين، أما التابعون
فمنهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وقتادة، وطاوس، وعمرة بنت
سعد الأنصارية. كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم من جلة علماء
المسلمين.
أدلة الموجبین :
استدلَّ الموجبون: بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
وبما في صحيح مسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((ما من

٣٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلاّ إذا كان يوم القيامة صفِّحت له
صفائح من النار، فأحمي عليها في نار جنهم، فيكوى بها جبينه وظهره ... ))
الحديث .
فعموم الآية والحديث شامل لجميع أنواع الذهب والفضة، ومنه حلي
الاستعمال والإعارة.
كما استدلوا بحديثي الباب، وهما حديث عمرو بن شعيب، وحديث أم
سلمة، فهما نصٌّ في المسألة.
الجواب الأول: عن هذه الأدلة:
الآية عامة في كل ذهب وفضة، قليلاً كان أو كثيرًا، نقودًا كان أو غيره،
كما أنَّ الحديث عام في قليل الذهب والفضة، وكثيره، وفي الماشية القليلة
والكثيرة، السائمة والمعلوفة، ولههذا العموم أدلة تخصص معناه، وتقيّد
إطلاقه، وإلاّ فلو أخذنا بهذا العموم، لزكَّينا من هذه الأموال قليلها وكثيرها،
سائمتها ومعلوفتها، كما أننا لو أخذنا بعموم زكاة الخارج من الأرض، لزكينا
القليل والكثير، ولزكينا مع الحبوب والثمار الفواكه والبقول والخضراوات،
وللكن الأحاديث الأخر خصصت هذه العمومات، وبيَّنت المراد من هذه
المعلومات.
فمخصصات عموم الذهب والفضة بنصاب معين قوله عليه الصلاة
والسلام: ((ليس فيما أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا فيما أقل من مئتي
درهم صدقة))، وقال رَّة عن الإبل: ((في كل خمس من الإبل صدقة، وليس فيما
دون خمس صدقة)) [رواه النسائي (٢٤٧٦)، وابن ماجه (١٧٩٩)].
وقال ◌َله عن البقر: ((في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مُسِنَّةً)) [رواه
الترمذى (٦٢٢)].
وقال ◌َلّر عن الغنم: ((إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة)) [رواه

٣٥٩
كتاب الزكاة
البخاري (١٣٦٢)].
فهذه الأحاديث خصصت عموم حديث أبي هريرة في الصحيحين في
زكاة الذهب والفضة والماشية.
وقال وَة عن الخارج من الأرض: ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر
صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق في حب صدقة)) [رواه مسلم (٩٧٩)].
فهذه الأحاديث وأمثالها خصصت العمومات، وقيدتها بقدر النصاب،
وقدْر المخرج.
وهناك أحاديث أُخر خصصت تلك العمومات بصفاتها وقيدتها، وبيَّنت
مجملها؛ وذلك مثل قوله وقال: ((في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون))
[رواه البخاري (١٣٨٦)].
وقال وَّه: ((فيما سقت السماء العُشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر))
[رواه البخاري (١٣٨٨)].
وحديث: ((لا تؤخذ الصدقة، إلاّ من هذه الأصناف الأربعة: الشعير،
والحنطة، والزبيب، والتمر)).
وحديث: ((فأما القِثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله.
.樓
فهذه كلها مخصصاتٌ لعمومات الذهب والفضة، وبهيمة الأنعام،
والخارج من الأرض، ومقيدةٌ لمطلقة، ومبيناتٌ لمجمله.
الجواب الثاني :
النظرة الثابتة في هذه الأدلة أنَّ الآية الكريمة توعدت الذين يكنزون
الذهب والفضة، فما هو الكنز لغة وشرعًا؟
قال ابن جرير: الكنز: كل شيء جُمع بعضه إلى بعض.
قال القرطبي: ولا يختص ذلك بالذهب والفضة.

٣٦٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال الأصفهاني: الكنز: جعل المال بعضه على بعض وحفظه.
قال محمد رشيد: الكنز: ما خزن في الصناديق من الدنانير والدراهم
المضروبة، لا جنس الذهب والفضة، الذي يصدق بالحلي المباح، فإنَّ الدنانير
هي المعدة للإنفاق، ولا فائدة بها إلاّ في إنفاقها، فكنزها إبطال لمنافعها.
وأما حديثا الباب: فقد تكلّم العلماء فيهما إسنادًا ومتنًا:
فحديث عمرو بن شعيب: جاء من طريق ابن لهيعة والمثنى بن الصباح
وهما ضعيفان، وأحاديث عمرو بن شعيب اختلف العلماء في قبولها، وأحسن
ما قيل فيها: إنَّ ما رواه عن أبيه عن جدہ فھو ضعيف ۔ کهذا الحدیث - وما
رواه عن غيرهما فمقبول.
وأما حديث أم سلمة: ففي سنده انقطاع بين عطاء وأم سلمة، فإنَّه لم
يسمع منها، كما أنَّ في سنده عتاب بن بشير، وثابت بن عجلان متكلِّم فيهما.
أقوال العلماء عن هذين الحديثين:
قال الترمذي: لم يصح في هذا الباب شيءٌ.
ورجّح النسائي إرسال حديث عمرو بن شعيب.
وقال أبوعبيد: حدیث الیمانیة لا نعلمه روي إلاّ من طريق واحد، بإسناد
متكلم فيه .
وقال ابن عبدالبر: لم يثبت عن النبي ◌َّ شيء في الذهب.
وقال ابن حزم: ما احتجَّ به على إيجاب الزكاة في الحلي آثار واهية، لا
وجه للاشتغال بها .
* أدلة القائلین بعدم الوجوب:
أولاً: جاء البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٩٨٢) قال رسول الله ێ: «لیس على'
المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة)).
قال النووي: هذا الحديث يدل على أنَّ أموال القنية لا زكاة فيها،