Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
٤١٦ - وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((شَكَا النَّاسُ
إِلَى رَسُولِ اللهِ ◌ِّ قُخُوطَ المَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي المُصَلَّى،
وَوَعَدَ النَّسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ،
فَقَعَدَ عَلَىُ المِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ
وِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ
مَالِكِ يَوْمِ
٣
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٢
قَالَ: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ، يَفْعَل مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنتَ الهُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ
الدِّينِ فـ
أَنْتَ، أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَ الغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ
عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلاَغًا إِلَىْ حِيْنٍ، ثُمَّ رَفَعَ بَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بِيَاضُ
إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّل إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبِ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ
أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فَأَنْشَأَ اللهُ تَعَالَى سَحَابَةٌ،
فَعَدَتْ، وَبَرَقَّتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ)). روَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ
وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ(١).
وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثٍ عِبْدِاللهِ بنِ زَيْدٍ، وَفِيهِ :
((فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ»(٢).
(١) أبوداود (١١٧٣).
(٢) البخاري (١٠١٢)، مسلم (٨٩٤).

٨٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وَلِلْدَارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرِ الْبَاقِ: ((وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ؛
لِيَتَحَوَّلَ القَحْطُ))(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
قال المؤلف: رواه أبوداود، وقال: غريب، وإسناده جيد، وقال الحاكم:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، قال الذهبي: على شرطهما، ورواية
الدار قطني وصلها الحاكم من طريق جعفر بن محمَّد عن ابن جابر، ومحمَّد لقي
جابرًا .
* مفردات الحديث:
- القحط: بضم القاف؛ من: قحط المطر قحطًا قحوطًا، فالقحط: هو إمساك
المطر وحبسه، مثل: نهض ينهض نهوضًا.
۔حاجب: من حجب یحجب حجبًا، من باب قتل.
قال في ((المحيط)): الحاجب من كل شيء: حرفه، وحاجب الشمس:
أول ما يبدو منها، مستعار من حاجب العين، والجمع ((حواجب»، فھو قرن
الشمس الأعلى.
- جدب دياركم: هو المَخْلُ وزنًا ومعنى، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض.
- بلاغًا إلى حين: أي: زادًا يبلغنا إلى زمن طويل، فالبلاغ ما يتبلغ به إلى المطلوب.
- الغيث: هو المطر الذي ينقذ الله به البلاد من الجذب، ويحيى الله به البلاد
الميتة .
(١) الدارقطني (٦٦/٢).

٨٣
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
- قلبَ رداءه: بتخفيف اللام، وقلب الرداء هو: أن يحول رداءه؛ بأن يجعل ما
يلي بدنه هو الأعلى، ويتوخى أن يجعل ما على شقه الأيمن على الشمال،
ويجعل الشمال على اليمين.
- رعدت: يقال: رعد السحاب رعدًا - من باب قتل - ورعودًا، والرعد: صوت
يُدوِّي عقب ومیض البرق.
- برقت: بفتح الراء من: ((البروق))؛ وهو: لمعان في السماء على أثر انفجار
كهربائي في السحاب.
ـ رداءه : - بكسر الراء وفتح الدال ـ: هو الثوب الذي يستر أعلى البدن،
وجمعه: ((أردية))، ويطلق على ما ليس فوق الثياب؛ كالعباء، والجبة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ سبب صلاة الاستسقاء هو وجود القحط، والتضرر من انقطاع الغيث؛
ومثله جفاف الأنهار، وغَوْر الآبار.
٢- أنَّ لصلاة الاستسقاء خطبة تكون على مكان عالٍ؛ كالجمعة والعيد؛ ليكون
أسمع للخطيب، وأبلغ في الإفهام.
٣- يستحب للإمام أن يَعِدَ الناس وعدًا عامًا، يخرجون فيه لمصلى العيد.
٤ - يستحب أن تصلى في الصحراء؛ كما تصلى العيد.
٥- أنَّ وقت صلاة الاستسقاء كوقت صلاة العيد، حينما ترتفع الشمس قيد
رمح، هذا هو الوقت الأفضل في صلاتها، وإلاَّ فإنه يجوز فعلها كل وقت،
غير وقت النهي، بلا خلاف بين العلماء.
٦- يستحب للخطيب أن ينبه الحاضرين إلى الحاجة التي خرجوا إليها؛
ليجتهدوا في تحريها وتحقيقها.
٧- أن يأمر الناس بالدعاء هنا وفي غيره؛ لأنَّ الدعاء من أقوى الأسباب لحصول
المطلوب، فمتى أُلهمَ العبد الدعاء، حصلت الإجابة بإذن الله تعالی.

٨٤
- (
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨۔یستحب أن یطمعهم في ربهم، ويقوّي رجاءهم باستجابة دعائهم إيّاه، حتى
ينشطوا، ويجتهدوا فيه.
٩ - أول ما يبدأ به الخطيب الصعود على المنبر، واستقباله الناس، ثم يخطب
خطبة مناسبة للمقام، من تكبير الله، وحمده، والثناء عليه، واستغفاره، وإظهار
العجز والمسكنة، والاطراح بين يديه؛ بإظهار الفاقة والحاجة إلى فضله.
١٠- ثم بعد حمد الله، والثناء عليه، ووصفه بالرحمة العامة لخلقه، والخاصة
بأوليائه، ووصفه بالجود والغنى والعطاء.
وبعد وصف العبد نفسه، وعموم الخلق بالفقر والضعف، والحاجة إلى
فضل ربهم، وإحسانہ إلیھم، ورحمته بهم.
وبعد هذه الابتهالات والتوسلات - يرفع الخطيب يديه، ويستقبل
القبلة، ويدعو الله تعالى؛ بأن يُنزل عليهم الغيث، وأن يجعل ما أنزله قوةً
وبلاغًا في هذه الحياة.
١١ - وفي هذه الأثناء يحوّل الخطيب والحاضرون أرديتهم، أو ما يقوم مقامها
من الملابس الظاهرة، فيقلبونها تفاؤلاً؛ بأنَّ الله تعالى حوَّل شدَّتهم رخاء،
وبؤسهم غنّی .
١٢ - الحديث الذي معنا صريح في أنَّه وَّل قدم الخطبة على الصلاة؛ وبه قال
جماعة من العلماء.
والمروي عن النبي وص له وخلفائه الراشدين هو البداءة بالصلاة قبل
الخطبة؛ وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد.
قال النووي: وبه قال جماهير العلماء، وليس بإجماع.
١٣ - قال ابن القيم: ما استُجْلِبَتْ نعم الله، واستُدفعت نِقَمه، بمثل طاعته،
والإحسان إلى خلقه، والقرآن صريحٌ في ترتيب الجزاء بالخير والشر،
ومن تفقه في هذه المسألة، انتفع بها.

٨٥
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
٤١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ المَسْجِدَ
يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ نَّهِ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ، هَلَكَتِ
الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبْلُ، فَادْعُ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُغِيثُا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ
قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ... )) فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ الدُّعَاءُ
بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- أنَّ رجُلاً: قال الحافظ في ((الفتح)): لم أقف على اسمه .
- يخطب: جملة فعلية حالية.
- الأموال: المراد بها : المواشي؛ كما جاء في بعض الروايات، والمراد
بهلاكها: عدم وجود ما تعيش به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
- انقطعت السُّبُل: السُّبُل: الطرق، جمع: ((سبيل))، وانقطاعها بسبب الجدب؛
حيث لا تجد المواشي ما تأكله في طريقها، فيتوقف السير فيها.
- يُغيثنا: بضم الياء، من: أغاث يغيث إغاثة، من مزيد الثلاثي، والمشهور في
كتب اللغة أن يقال في المطر: غاث الله الناس والأرض يغيثهم، بفتح الياء،
فقد جاء على معنى طلب المعونة، وليس من طلب الغيث.
- يغيثنا: جاء الفعل مرفوعًا، والأفصح رواية الجزم؛ لأنَّه جواب الطلب.
- اللهم أغثنا: يقال: أغاثه الله يغيثه، ويقال: غاثه يغوثه غونًا، وأغاثه يغيثه
إغاثةً، قال الفراء: الغيث والغوث متقاربان في المعنى.
(١) البخاري (١٠١٤)، مسلم (٨٩٧).

٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
١- هذا النوع الثاني من الاستسقاء، وهو طلب السقي في خطبة الجمعة،
فيشرع ذلك حينما ينقطع المطر، ويتضرر الناس.
٢ - جواز تَعْدَاد النقم التي تحل بالمسلم، إذا لم يقصد بذلك التسخط من تدبير
الله تعالى، وإنما بقصد إظهار الحال، لمن إذا طلبه نفعه في حاله هذه، من
طبيب يعالجه، أو غني يتصدق عليه، فهذا الرجل الذي شكا إلى النبي وَل
أن يدعو الله تعالى، والدعاء أمر مقدور للنبي وَّه، وهو أقرب من يستجيب
الله له دعاءه، - أقرَّه النبي ◌َّلة على طلبه، ودعا فحصل المطلوب.
وقد جاء في بقية هذا الحديث: قال: «فخرجنا نخوض الماء؛ حتى أتينا
منازلنا)).
٣- ثم طلب منه في الجمعة الأخرى أن يدعو الله أن يمسك السماء، حينما
تضرروا باستدامة المطر وقوَّته، فدعا ربَّه، فأمسكت السماء، فصلوات الله
وسلامه عليه وآله وصحبه.
٤- فيه جواز الاستصحاء، حينما تطول الأمطار وتكثر، ويحصل بها الضرر.
٥ - فيه جواز التكلم مع الخطيب يوم الجمعة، وهي مسألة مستثناة من النهي عن
الكلام أثناء الخطبة .
٦ - جواز طلب الدعاء من الرجل الصالح الحي؛ فإنَّ هذا من التوسل الجائز،
كما في قصة العباس وعمر، والنبي ◌َّ أقرَّ الرجلَ على طلبه في الاستسقاء،
والاستصحاء، وأجابه على ما طلبه منه، أما التوسل الممنوع فهو التوسل
بجاه المخلوق، أو منزلته، فهذا غير مشروع، وهو من الاعتداء في الدعاء.
والفرق بين التوسل بالجاه أو المنزلة، وبين طلب الدعاء من الحي -
واضحٌ؛ فالجاه ينفع صاحبه، وللكنه لا يفيد المتوسِّل، وأما الدعاء فإنَّ
فائدته عائدة على طالب الدعاء.

٨٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
٧- في الحديث إثبات الأسباب؛ فإنَّ انقطاع السبل، وهلاك البلاد، والأموال
من حيوان، وأشجار - بسبب انقطاع المطر.
٨- في الحديث مشروعية رفع اليدين حال الدعاء، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة،
حتى جعله العلماء من التواتر المعنوي، وقد ذكر البخاري جملة من
الأحاديث في ((كتاب رفع اليدين))، ثم قال في آخرها: هذه الأحاديث
صحيحة عن رسول الله وَ ر وأصحابه، وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما
ذكر ته، وفيما ذكر ته كفاية.
٩- وفي الحديث دليل على ضعف الإنسان، وعدم تحمله لزيادة الأمور عليه،
[النساء]، فهو
٢٨
ونقصها منه؛ قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا
ضعيف في بدنه، ضعيف في بنيته، خائر في عزيمته وإرادته، واهن في
إيمانه، فرحمه ربه وخفّف عنه، ولم يجعل عليه حرجًا، ولا ضيقًا فيما كلفه
به؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ
عَلَيَّكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].

٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -
كَانَ إِذَا قَحَطُوا، يَسْتَسْقِي بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ
إِنَّا كُنَّا نَسْتَشْقِي إِلَيْكَ بِنَِّا فَتَسْقِيَا، وَإِنَا نَتَوَسَلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبَِّ
فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- قَحَطُوا: أَمْسِكَ عَنْهُم المطر وحبس، وهو من باب نفع، وحكى الفراء أنَّه من
باب تعب، فيقال: قحط قحطًا.
- استقى بالعباس: الاستسقاء: هو استفعال من طلب السقيا؛ أي: إنزال
الغيث على البلاد، والعباد، وهنا طلب عمر من العباس أن يدعو الله بطلب
السقيا .
- نتوسل إليك: نجعل دعاءه وسيله لنا إليك في حصول المطر والسقي.
- نتوسل: الوسيلة على وزن: فعيلة، وتجمع على: وسائل ووسل، وهي لغة:
ما يتقرب بها إلى الغير، فالوسيلة إلى الله تعالى ما تقرب به عبده إليه بعمل
صالح.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على استحباب صلاة الاستسقاء، والدعاء في خطبتها، وأنَّها
سنة متبعة، فعلها الصحابة - رضي الله عنهم - بعد وفاة النبي ◌َّة، وهذا
کالإجماع على استمرار مشروعيتها .
٢- أنَّ سبب الاستسقاء بالصلاة والدعاء هو وجود القحط الضار بالمسلمين؛
(١) البخاري (١٠١٠).

٨٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
وذلك بانقطاع الأمطار، وقلة المرعى.
٣- أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - ما كانوا يأتون إلى قبر النبي وَّل، فيطلبون منه
الدعاء، ويتوسلون بذاته وجاهه إلى الله تعالى؛ لعلمهم أنَّ دعاءه انقطع
بوفاته - عليه الصلاة والسلام - أما التوسل بذاته أو جاهه فإنَّه ليس بمشروع،
وما ليس بمشروع فهو بدعة .
لذا فإنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة معه - رضي الله عنهم -
طلبوا من العباس بن عبدالمطلب - رضي الله عنه - أن يدعو الله تبارك وتعالى
لهم بالسقي، وهم يؤمنون على دعائه، فهذا أمر جائز مشروع.
٤- قال العباس في دعائه: اللهمَّ إنَّه لم ينزل بلاء إلاَّ بذنب، ولم يُكشف إلاَّ
بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك
بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فَأَرْخَتِ السَّماءُ مثل
الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس .
٥- هذا الحديث مثار جدل بين المبتدعة الذين يرون جواز التوسل بذات
المخلوق، وجاهه من الأحياء والأموات، وبين أهل السنة الذين يرون في
هذا الحديث دليلاً صريحًا على أنَّ التوسل هو بالدعاء، وأنَّ التوسل بالذات
والجاه غير جائز، ذلك أنه لو كان جائزًا، فإنَّ كرامة النبي وَ لِّ عند ربه ورفعة
مقامه ما نقصت بموته، بل هي باقية، فلماذا عدل الصحابة عن التوسل بذاته
إلى طلب الدعاء من العباس؟
والجواب: ما كان إلاَّ لأن طلب الدعاء من الميت - مهما عظمت منزلته -
غير ممكن، فطلب ذلك من الحي القادر عليه، فهذا هو التوجيه الصحيح.
٦- وبهذا ظهر ما يردده شيخ الإسلام في كتبه، من أن أي مبطل يحتج على
باطله بدلیل صحیح، یکون حجة علیه، لا حجة له.
٧- وبهذه المناسبة، فإننا نسوق خلاصة عن أقسام التوسل وأحكامه :

٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
التوسل خمسة أقسام:
أحدها: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته العلى، فهو مشروع؛ قال
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وجاء في البخاري
(٧٣٩٢)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجيه :
((إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة)).
وما رواه الإمام أحمد (٣٩١/١) من حديث ابن مسعود عن رسول الله
وَإليه؛ أنَّه قال: ((ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن، فقال ... أسألك بكل اسم
هو لك، سمَّت به نفسك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك،
أو استأثرت به في علم الغيب عندك - إلاَّ أذهب الله همَّه وحزنه)).
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح للداعي، فهو أيضًا مشروع،
وأقرب مثال لذلك: ما جاء في الصحيحين من قصة أصحاب الغار الثلاثة،
الذين انطبقت عليهم الصخرة، ولم ينجهم من محنتهم إلاَّ التوسل بصالح
أعمالهم، وحديثهم وقصتهم مشهورة.
وقال الصالحون المؤمنون: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
[آل عمران].
٥٣
فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ!
الثالث: التوسل بدعاء الرجل الصالح، ومثاله: حديث الباب، فهو
صريح في ذلك؛ فإنَّ تقدير الكلام: ((اللَّھم، إنا كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا
فتسقينا، وإننا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا فاسقنا»؛ إذ لو كان المراد:
التوسل بالجاه؛ لما قدموا العباس، فإنَّ جاه النبي ◌َّهِ باقٍ، حيًّا وميتًا،
وهذه التوسلات الثلاثة جائزة.
الرابع: التوسل بالجاه أو بالحق؛ كأن يقول: أتوسل إليك بجاه النبي
وَ*، أو بحق النبي وَلل، أو بحق فلان، فهذا توسل بدعي، غير شرعي؛
لأنَّه لم يرد في كتاب، ولا سنة، ولم ينقل عن الصحابة، ولا عن أحد من

٩١
کتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
أصحاب القرون المفضلة، أما ما يقال: ((توسلوا بجاهي؛ فإنَّ جاهي عند الله
عظيم))، فقال شيخ الإسلام: هذا حديث كذب ليس في شيء من كتب
المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم، مع
العلم بأنَّ جاهه عند الله أعظم من جاه موسى الذي قال الله عنه: ﴿ وَكَانَ عِندَ
[الأحزاب].
٦٩
اُللَّهِ وَجِيهًا
الخامس: التوسل بالذات؛ وهذا ما يفعله المشركون مع أصنامهم،
فكانوا يتوسلون بها إلى الله تعالى، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى﴾ [الزمر].
وأما الرابع: فمن وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، وللكنه
لا يُخرجُ صاحبه من الإسلام.

٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤١٩ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَصَابَتَاً وَنَحْنُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَةُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ،
وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبَّةٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١) .
* مفردات الحديث:
- حسر: يقال: حسر الشيء يحسره حسرًا - من بابي نصر وضرب - أي: كشفه،
ويقال: حسر کمه عن ذارعه؛ أي: كشفه، والمعنى: کشف عن بعض بدنه.
- حديث عهد: من: حدث الشيء يحدث حدوثًا، نقيض ((قدُم))، فالحديث
الجدید .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب التعرض لأول المطر؛ ليصيب البدن والثوب والرحل، فرحًا بنعمة
الله تعالى، واغتباطًا بنزوله، ولأنَّه لا يزال على نقاوته، وطهارته الكاملة،
فلم تصبه الأرض، ولم يختلط بغيره مما يعكر صفوه، ويغير طعمه.
٢ - الله جلَّ وعلا في جهة العلو، والمطر نازلٌ من العلو، فهو وإن لم يبلغ علوَّ
الله سبحانه وتعالى، فهو آتٍ من العلو، وفيه بركة صنع الله الحديثة؛ قال
تعالى: ﴿ وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَّكً﴾ [ق: ٩]، وروى الشافعي في ((الأم)) بسنده
مرسلاً عن النبي ◌َّله قال: ((اطلبوا استجابة الدعاء عند نزول المطر، وإقامة
الصلاة)) .
قال في ((شرح الإقناع)): روي: أنَّه وَّ كان يقول إذا سال الوادي:
((اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورًا، فنتطهر منه)) [رواه الشافعي في
(١) مسلم (٨٩٨).

٩٣
کتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
((الأم)) (١/ ٢٥٢)].
٣- قال في ((شرح الإقناع)): ويستحب أن يقف في أول المطر، ويخرج رحله
وثيابه؛ ليصيبها المطر، وهو الاستمطار؛ لحديث أنس.
٤ - قال في ((شرح الإقناع)): ويسن أن يقول: مُطرنا بفضل الله ورحمته، ويحرم
قول: مُطرنا بِنَوْءِ كَذا؛ لِمَا في البخاري (٨٤٦) ومسلم (٧١)؛ أنَّ النَّبِيَّ وَله
قال: «أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من
عبادي مؤمنٌ وكافرٌ، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ
بي، وكافرٌ بالكواكب، وأما من قال: مُطرنا بنَوْءِ كَذَا، فذلك كافرٌ بي،
مؤمنٌ بالکواکب)).
ذلك أنَّ العرب كانت تزعم أنه مع سقوط نجم وطلوع نظيره، يكون
مطر، فينسبونه إليهما، وإضافة المطر إلى النوء دون الله تعالى كفر إجماعًا،
ويحرم نسبته إلى النجم، وإن قصد نسبة الفعل إلى الله تعالى، ويباح: مطرنا
في نوء كذا، كما يُقال: مُطرنا في شهر كذا.
٥- قال ابن القيم: ثم يرسل تعالى الرياح، فتحمل الماء من البحر، وتلقحها
به، ولذا نجد البلاد القريبة من البحر كثيرة الأمطار، وإذا بعدت عن البحر،
قلَّ مطرها، فالمطر معلوم عند السلف والخلف؛ أنَّ الله تعالى يخلقه من
الهواء، من البخار المتصاعد، فإنَّه لم يخلق شيئاً إلاّ من مادة.
٦- قوله: ((فحسر ثوبه، حتى أصابه المطر)) هل هذا الأمر مشروع، أو مباح؟
يحمل على أحد أمرين :
أحدهما: إن كان فعله النبي وَلّ على قصد التعبد، فهو مشروع.
الثاني: وإن كان فعله على سبيل العادة، فإنه لا يدل على مشروعية
الفعل. والتعليل بأنَّه حديث عهد بربه، يدل على قصد العبادة.
٧- فعل النبي وَلقوله المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب فقط.

٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨- الحديث يدل على قاعدة لأهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى؛ هي أنَّ
صفات الله قديمة النوع، حادثة الآحاد؛ بمعنى: أنَّ الله تعالى متصف بصفاته
الثابتة الفعلية، اتصافًا أزليًّا أبديًّا، وأما آحادها وأفرادها فتحدث حسب
[هود] فالله
إرادته وحكمته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ
تعالى - مثلاً - له صفة الخلقِ صفةٌ أزليةٌ أبديٌ، أما خلقه لهذا المطر فهو
حدیث جدید .
وهذا بخلاف مذهب الأشاعرة، الذين يؤولون صفة الله بالإرداة؛ لأنّهم
ينكرون أن تقوم بالله تعالى أفعال اختيارية؛ لأنَّه - على زعمهم - فعلٌ
حادثٌ، والفعل الحادث لا يقوم إلاّ بحادث، والله منزه عن الحدوث، فهو
الأول ليس قبله شيء، وهذا فهم منهم لصفات الله تعالى خاطىء؛ فإنَّ
صفات الله تعالى أزلية بأزلية ذاته، والحادث المتجدد دائمًا هو آحادها
ومفرداتها، التي تحدث حسب إرادته وحكمته.

٩٥
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
٤٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ إِذَا
رَأْىُ المَطَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافعًا)). أَخِرَ جَاءُ(١).
: مفردات الحديث:
- صيِّا: مفعولٌ لفعل محذوف، والتقدير: اجعله صيبًا، كما في رواية النسائي
(١٥٢٣)، قال في ((النهاية)): أصله الواو؛ لأنَّه من: صاب يصوب إذا نزل،
ومعناه: منهمرًا متدفقًا.
- نافعًا: صفة ((صیبًا))، واحترز به عن الصيب الضار.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب الدعاء عند نزول المطر، والأفضل أن يكون بهذا الدعاء؛ لثبوت
أنَّه من الأدعية النبوية في هذا الموطن.
٢ - الصيب هو المطر المنصب بغزارة، النافع للعباد والبلاد بالخصب والحياة.
٣- قال الطيبي: هو تتميم في غاية الحسن؛ لأنَّ الصيب مظنة الضرر، و((النافع))
احترازٌ من هذا الصيب المخوف.
قال في ((شرح الأذكار)): يجوز أن يكون احترازاً عن مطرٍ لا يترتب عليه
نفع، فيكون أعم من أن يترتب عليه ضرر؛ ولذا كان ◌َّه يقول: ((اللَّهمَّ سُقيا
رحمةٍ، لا سُقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرق)). [رواه البيهقي
(٣٦٢/٣)].
٤- قال الإمام النووي في ((الأذكار)): روى الشافعي في ((الأم)) بإسناده حديثًا
مرسلاً عن النبي ◌َّله قال: ((اطلبوا استجابة الدعاء عند: التقاء الجيوش،
(١) البخاري (١٠٣٢)، وعزاه الحافظ إلى مسلم وهو وهمٌ.

٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وإقامة الصلاة، ونزول الغيث)).
قال الشافعي وقد حفظت من غير واحدٍ طلب الإجابة عند نزول الغيث،
وإقامة الصلاة .

٩٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
٤٢١ - وَعَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : - ((أَنَّ النَّبِيَّ بَهِ دَعَا فِي
الاسْتِشْقَاءِ: اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَفِيفًا قَصِيْفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا،
تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلاً، يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ)). رَوَاهُ
أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيْحِهِ (١).
* درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ جدًّا، لكن له طرق عديدة بألفاظ مختلفة متقاربة.
قال في ((التلخيص)): أخرجه أبو عوانة بسند واهٍ، ثم ذكر عدة روايات في
الباب، ثم قال: فهذه الروايات عن عشرة من الصحابة، يعطي مجموعها أكثر
مما في حديث ابن عمر، وهو أنَّه ◌َ ليهِ كان إذا استسقى، قال: ((اللهمَّ اسقنا،
غيثاً، مغيثاً، هنيئًا، مريئًا، سريعًا، غدقًا، مجللاً، سخًا، طبقًا، دائمًا، اللهم
اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين ... إلخ)).
* مفردات الحديث:
- جللنا: بالجيم من: ((التجليل))، والمراد: تعميم الأرض.
- كثيفًا : - بفتح الكاف فثاء مثلثة فمثناة تحتية ففاء - أي: متكاثفًا متراكمًا بعضه
فوق بعض.
- قصيفًا : - بالقاف المفتوحة فصاد مهملة فمثناة تحتية ففاء - وهو ما كان رعده
شدید الصوت.
- دَلُوقًا: بفتح الدال المهملة وضم اللام وسكون الواو فقاف، والدلوق:
المنهمر بغزارة، والمندفع بشدة، يقال: دلق؛ أي: اندفع بشدة.
(١) مستخرج أبي عوانه (٥١٤).

٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- ضَحُوكًا: الضحوك: كثير البرق.
- رذَاذًا : - بفتح الراء المهملة فذال معجمة مفتوحة، فذال أخرى - وهو: ما كان
مطره دون الطش، والطش: المطر الضعيف.
- قِطْقِطًا: بكسر القافين وسكون الطاء الأولى، أصغر، فالقِطْقِطة أصغر المطر،
ثم الرَّذاذ، ثم الطش.
- سَجْلاً: بفتح السين وسكون الجيم، قال في ((النهاية)): هي الدلو الملأى ماء،
ويجمع على: ((سجال)).
قال في ((المحيط)): ويستعار السَّجْل للعطاء، وهو المراد هنا.
قد يظن أنَّ هذه الصفات للمطر متعارضة، ولكن الأمر بخلاف ذلك؛
فإنَّ الداعي طلب من الله تعالى أن ينزل على عباده المطر بهذه الصفات، التي
تجمع الغزارة مع الرفق، والإطناب في الدعاء مشروع، والله أعلم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - هذه الأدعية المأثورة هي المناسبة لطلب الغيث؛ فينبغي أن يدعى بها في
صلاة الاستسقاء، وفي خطبة الجمعة، وفي أي قت، وذلك عند وجود
السبب من القحط والجدب، والتضرر بذلك.
٢- وصف المطر المطلوب من الله تعالى بأن يجلل الأرض فيعمها، ولا يقصره
على بقعة خاصة، وأن يكون كثيف الماء بتراكم سحابه، وأن يكون فيه
صوت شديد من قصف رعوده، ولمعان بروقه، وأن يندفع بغزارة، وقوة من
شدَّة دفعه، وأن يكون مع غزارته ليّا سهلاً، فيكون نزوله من السماء
صغارًا، فينساب في الأرض انسيابًا، لئلا يفسد الزروع، ويهدم المباني.
والتوسل إليه بجلاله، وكرمه، بصفة الجلال وصفة الكرم، من أنسب
الوسيلة؛ لقوله واله: ألِظّوا بيا ذا الجلال والإكرام)) [رواه الترمذي
(٣٥٢٤)]، لا سيما في هذا المقام.

٩٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الاستسقاء
٣- وصف المطر بهذه الصفات التي يظهر التفاوت بين أوصافها هو عين
الفصاحة والبلاغة، والله تعالى قادر على أن يجمع بينها في شيء واحد؛ فقد
وصف عصا موسى بأنها ثعبان مبين، ووصفها بأنَّه حيّة تسعى، وهما صفتان
متباينتان، فهي من حيث عظمها وضخامتها ثعبان، وهي من حيث خفتها
وسرعة الحركة حيّة، وهكذا أوصاف السحاب والمطر.
٤ - البلاغة في الكلام : ما طابقت مقتضى الحال، وقد تقضي الحال الإطناب؛
كمواقف الدعاء، أو مقام الترغيب في العفو؛ كما في مثل قوله تعالى:
﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ﴾ [التغابن: ١٤]، والدعاء كمثل هذا الحديث
الذي توالت فيه الصفات.

١٠٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّه
قَالَ: ((خَرَجَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَسْتَشْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَّةً
عَلَى ظَهْرِهَا، رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنَّا خَلْقٌ مِنْ
خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنَّى عَنْ سُقْيَاكَ، فَقَالَ: ارْجِعُوا، فَقَدْ سُقِيْتُمْ بِدَعْوَةِ
غَيْرِكُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف .
أخرجه الدارقطني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي،
إلاَّ أنَّ فيه: محمد بن عون وأباه، والغَالب في مثلهما الجهالة.
* مفردات الحدیث:
- نملة : - بفتح النون وسكون الميم -: حشرة ضعيفة ضئيلة الجسم، من رتبة
غشائيات الأجنحة، تتخذ مسكنها تحت الأرض، جمعها: ((نمل ونمال)).
- مستلقية على ظهرها: أي: منقلبة على قفاها.
- قوائمها: جمع: ((قائمة))؛ وهي من الدابة والحشرة: يداها ورجلاها،
سميت: قوائم؛ لأن الدابة تقوم عليها .
- بدعوة غيركم: الباء للسببية.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ الخلائق كلها قد فطرَت على معرفة الله تبارك وتعالى، وأُلهمَتْ أنه لا
(١) الحاكم (٤٧٣١)، وليس هو في المطبوع من المسند.