Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٦ - السعي بين جبلين غير الصفا والمروة بَدَلهما. وأما البدعة الإضافية: فهي التي لها شائبتان: إحداهما: لها من الأدلة تعلق؛ إذ إنَّ دليلها من جهة الأصل قائم. الثانية: ليس لها تعلق، إذ أنَّها من جهة الكيفيات والأحوال لم يقم عليها دليل، مع أنَّها محتاجة إليه؛ لأنَّ وقوعها في التعبدات، لا في العادات المحضة، ولها أمثلة كثيرة منها: ١ - صلاة الرغائب: وهي اثنتا عشرة ركعة في أول ليلة جمعة من رجب، قال العلماء: إنَّها بدعة منكرة. ٢ - صلاة ليلة النصف من شعبان، ووجه كونها بدعة إضافية أنَّها مشروعة باعتبار مشروعية الصلاة، وغير مشروعة باعتبار ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص، والكيفية المخصوصة، فهي مشروعةٌ باعتبار ذاتها، مبتدعةٌ باعتبار ما عرض لها . قال النووي: صلاة رجب وشعبان بدعتان قبيحتان مذمومتان. وقال في ((شرح الإحياء)): بدعتان موضوعتان منكرتان قبیحتان، ولا تغتر بذكرهما في كتاب ((القوت))، وكتاب ((الإحياء)) وليس لأحد أن يستدل على شرعيتهما بقوله وقدقي: ((الصلاة خير موضوع))؛ فإنَّ ذاك يختص لصلاة لا تخالف الشرع بوجه . * قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن خطبة الجمعة والعيدين بغير العربية : الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمّد، وآله وصحبه، وسلم تسلیمًا کثیرًا، أما بعد: فإنَّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في السؤال المحال إليه، حول الخلاف القائم بين بعض المسلمين في الهند؛ بشأن جواز خطبة الجمعة باللغة المحلية غير العربية، أو عدم جوازها؛ لأنَّ هناك من يرى عدم الجواز، ٥٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام بحجة أنَّ خطبة الجمعة تقوم مقام ركعتين من صلاة الفرض، ويسأل السائل أيضًا: هل يجوز استخدام مكبر الصوت في أداء الخطبة، أو لا يجوز، وأنَّ بعض طلبة العلم يعلن عدم جواز استخدامه، بمزاعم وحجج واهيةٍ، وقد قرر مجلس المجمع بعد اطلاعه على آراء فقهاء المذاهب : ١ - أنَّ الرأي الأعدل الذي يختاره هو أنَّ اللغة العربية في أداء خطبة الجمعة والعيدين - في غير البلاد الناطقة بالعربية - ليست شرطًا لصحتها، وللكن الأحسن أداء مقدمات الخطبة، وما تتضمنه من آيات قرآنية باللغة العربية، لتعويد غير العرب على سماع العربية والقرآن، مما يسهل عليهم تعلمها، وقراءة القرآن باللغة التي نزل بها، ثم يتابع الخطيب ما يعظهم، وينورهم به بلغتهم التي يفهمونها . ٢ - أنَّ استخدام مكبر الصوت في أداء خطبة الجمعة والعيدين، وكذا القراءة في الصلاة، وتكبيرات الانتقال - لا مانع منه شرعًا، بل إنَّه ينبغي استعماله في المساجد الكبيرة المتباعدة الأطراف؛ لما يترتب عليه من المصالح الشرعية. فكل أداة حديثة وصل إليها الإنسان بما علمه الله، وسخر له من وسائل، إذا كانت تخدم غرضًا شرعيًّا، أو واجبات الإسلام، وتحقق فيه من النجاح ما لم يتحقق دونها - تصبح مطلوبة بقدر درجة الأمر الذي تخدمه، وتحققه من المطالب الشرعية؛ وفقًا للقاعدة الأصولية المعروفة، وهي أنَّ ما يتوقف عليه تحقيق الواجب فهو واجب، والله سبحانه هو الموفق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ٥٨٣ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٦٨ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((إنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَةٌ مِنْ فِقْهِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - قِصر: بكسر القاف وفتح الصاد؛ أي: تقصيرها. - مَئِنَّةٌ: بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة، أي: علامة ودلالة. - من فقهه: الفقه لغة: الفهم، وشرعًا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية العملية بأدلتها التفصيلية . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب قصر خطبة الجمعة وإيجازها، مع الإتيان بالمعنى المراد منها. ٢- قال في ((شرح الإقناع)): ولا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة عليها، وتصح مع العجز عنها؛ لأنَّ المقصود الوعظ والتذكير، وحمد الله، والصلاة على رسوله وَله، فلا يجزىء بغير العربية. ٣- استحباب إطالة صلاة الجمعة الطول الشرعي، الذي لا يشق على العاجز الضعيف، والمريض، وذوي الحاجة. ٤ - أنَّ قِصر الخطبة، وإطالة الصلاة دليل على فقه الخطيب والإمام؛ فإنَّه استطاع أن يأتي بمعاني الخطبة بألفاظ قليلة، وبوقفة قصيرة، أما تشقيق الكلام وتطويله، فهو دليل على العي والعجز عن الإبانة، فخير الكلام ما قلَّ ودلّ. (١) مسلم (٨٦٩). ٥٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أما إطالة الصلاة، فلأنَّ الإمام عرف مقام هذه الفريضة الجليلة، التي هي أفضل فرض من فروض الصلاة، فأعطاها حقها من الطمأنينة، واستيعاب الواجبات والمستحبات فيها . ٥- أنَّ تصرفات الإمام في الصلاة، من ترتيب القراءة في الصلاة، وترتيب السور، وإطالة الأولى، وقصر الثانية، وقراءة كل صلاة بما يناسبها، واختيار السور النظائر في صلاة واحدة، وغير ذلك مما ينبغي للإمام الإتيان به في الصلاة - دليل على علمه، ومعرفته بكلام الله تعالى، وفقهه في دينه . ٥٨٥ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٦٩ - وَعَنُ أَمّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((مَا أَخَذْتُ: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ إِلاَّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِوَ ◌ّهِ يَقْرَ ؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى المِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ)). رواهُ مُسْلِمُ(١). ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب قراءة سورة ﴿ق﴾ أو بعضها في خطبة الجمعة؛ فإنَّ ذلك من عادة النبي ◌َّ الغالبة . ٢ - سبب اختياره ◌َل هذه السورة، هو ما اشتملت عليه من ذكر إحصاء ما يلفظ به الإنسان من خير وشر، وما جاء فيها من ذكر الموت والبعث، وذكر الجنة والنار، وما جاء فيها من المواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، فهي خير ما يُوعظ به السامعون . ٣- فيه مشروعية قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وهي واجبة عند بعض العلماء، ومنهم الحنابلة، فلا بد من قراءة آية من كتاب الله . ٤- فيه استحباب ترديد المواعظ؛ تذكير الناس في الخطبة . ٥ - فيه أنفع ما يوعظ به العامة والعصاة هو ذكر الموت، والبعث، والجزاء؛ فإنَّ من ذكر ذلك وتحقَّقه، ارتدع وخاف، إن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهید . - (١) مسلم (٨٧٣). ٥٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ - وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ)). رواهُ أَحمَدُ بإسْنَادٍ لا بأسَ بِهِ (١) . وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيْحَيْنِ مَرْفُوعًا: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ - وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ))(٢). * درجة الحديث: الحدیث فیه فقر تان: إحداهما: ((إذا قلتَ لصاحبك: أنصت يوم الجمعة - والإمام يخطب - فقد لغوت))؛ هذا حديث مرفوع في الصحيحين، وهذه الفقرة هي الأصل في الحديث . الثانية: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب ... إلخ))؛ فهلذه مفسرة للجملة الأخرى. قال المؤلف: رواه أحمد بإسنادٍ لا بأس به . قال الصنعاني: وله شاهد قوي مرسل في ((جامع حماد)). * مفردات الحديث: - أسفارًا: جمع ((سِفر)) بكسر السين، والسِّفر: الكتاب الكبير، جمعه: (١) أحمد(٢٠٣٤). (٢) البخاري (٩٣٤)، مسلم (٨٥١). ٥٨٧ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ((أسفار))، وسمي الكتاب الكبير: سفرًا؛ لأنَّه يسفر عن المعنى إذا قرىء، وإنما شُبّه القارىء الذي لا يستفيد ولا يعمل، بالحمار يحمل أسفارًا؛ لأنَّه فاته الانتفاع من سماع الذكر، مع تكلفة مشقة التهيؤ للجمعة، والحضور إليها . - أَنْصِتْ: فعل أمر، من: أنصت ينصت إنصاتًا، والإنصات: هو السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة، يقال: أنصته، وأنصت له. - والإمام يخطب: ((الواو)) واو الحال، والجملة جملة حالية، من فاعل ((أنصت)). - لغوت: لغا الشيء لغوًا، من باب قال؛ أي: بطل، واللغو: هو الكلام الذي لا يعتد به، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع، وهو الساقط من الكلام، ومن تكلم يوم الجمعة، سقط نصيبه من أجر الجمعة . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - في الحديث دلالة على تحريم الكلام، والإمام يخطب يوم الجمعة. ٢- فيه دلالة على أنَّ النَّهي عن الكلام مختص بحال الخطبة، وهو رد على قول من يقول: إنَّ النَّهي عن الكلام من خروج الإمام. ٣- فيه دليل على إباحة الكلام بين الخطبتين؛ لأنَّ المنع هو حال خطبة الإمام. ٤- فيه دلالة على تحريم تسكيت المتكلم أثناء الخطبة، وأنَّ من سكت المتكلم فقد لغا؛ حيث أتى بكلام في حالٍ، هو مأمور فيها بالإنصات والاستماع. ٥ - قوله: ((ليست له جمعة)) الأصل في النفي أنَّه لنفي الحقيقة الشرعية، بمعنى: أنَّه لم تصح له جمعة، وللكن صرفها إلى نفي الكمال أرجح؛ ذلك أنَّ الخلل هنا ليس في نفس الصلاة، وإنما هو خارجها، وإذا لم يتعد الخلل إلى العبادة يحمل على نفي الكمال. ٦- إذا كان لابد من تسكيت المتكلم، فليكن بالإشارة، فهي أخف وأبعد عن الانشغال بالكلام والمحاورة. ٥٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧- مُثِّل المتكلم أثناء الخطبة بالحمار، الذي يحمل على ظهره أسفار الكتب، ومراجع العلم؛ ذلك أنَّ المتكلم قد تكلف لحضور الجمعة، وسماع الخطبة، والاستعداد لها، والمجيء إليها، والمشقة في حضورها، ثم لم ينتفع بأهم ما في صلاة الجمعة، وهي الخطبة التي قال الله عنها: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فهو مثل الحمار الذي حمل على ظهره أسفار الكتب، وذخائر العلم، ومع ذلك لا يستفيد منها، فهذا لم يستفد من جمعته، التي بذل المشقة في الوصول إليها، فبين هذا اللاغي وبين الحمار الموصوف بالبلادة شبه؛ من حيث عدم الانتفاع والاستفادة مما حمل . ٨- وجوب الإنصات للخطيب يوم الجمعة، وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على وجوب ذُلك. ٩ - تحريم الكلام حال سماع الخطبة، وأنَّه منافٍ للمقام. ١٠ - استثني من هذا من يخاطبه الإمام، أو يخاطب الإمام؛ كما جاء في قصة الرجل الذي شكا إلى النَّبِي وَلِّ القحط، والرجل الذي دخل المسجد، ولم يصلِّ تحية المسجد، فأمره بالقيام والصلاة. ١١ - الخطبتان من أعظم شعائر الجمعة، فيجب الإنصات لهما، ولذا فإنَّ أقلَّ كلمة والإمام يخطب، تعتبر لغوًا؛ لمنافاتها سماع الذكر والخطبة. ١٢ - أجمع الأئمة الأربعة على وجوب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، لكن اختلفوا في حكم رد السلام؛ ونحوه: فبعضهم أجاز تشميت العاطس، ورد السلام، ومنهم الثوري والأوزاعي وأحمد وأتباعه. وبعضهم: لم يجز التشميت ورد السلام، فهو مقابل للقول الذي قبله؛ ويروى عن الشعبي، وسعيد بين جبير، وإبراهيم النخعي. وبعضهم: فرَّق بين من يسمع الخطبة فلا يجوز، ومن لا يسمعها فيجوز؛ وهو رواية عن أحمد، ومروي عن عطاء وجماعة. ٥٨٩ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة والجمهور على أنَّ صلاته لا تفسد إذا تكلم. ١٣- قال القاضي عياض: اختلف العلماء فيمن لا يسمع الخطبة، هل يجب عليه السكوت كما لو كان يسمع، وقال الجمهور: نعم؛ لأنَّه إذا تكلم يشوش على السامعين، ويشغلهم عن الاستماع. وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولكن يستحب له. قال محرره: استثنى بعض العلماء من لا يسمع لصممه؛ أنه لا ينبغي له السكوت، بل يشتغل بالقراءة والذكر؛ وهو قول وجیه. ٥٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٧١ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ وَِّ يَخْطُبُ، فَقَالَ: صلَّيْتَ ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ)). مُتَّفَقٌ عَلْيهِ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية خطبة الجمعة، وَأنَّها من شعائر الصلاة التي يلزم الإتيان بها. ٢ - استحباب ركعتي تحية المسجد وتأكدها؛ حيثُ قُدِّمَت على سماع الخطبة، وأمر بها مَّله وهو مشغول بالخطبة. ٣- الحديث وإن كان أمرًا بتحية المسجد، والأمر يقتضي الوجوب، إلاَّ أنَّ هناك أدلةً أخرى صحيحةً، صارفة الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. ومن تلك الأحاديث: ((أنَّ سائلاً قال للنبي وَّ: هل عليَّ غير الصلوات المكتوبة؟ فقال: لا))، وحديث الثلاثة الذين دخلوا المسجد، فجلس منهم رجلان يسمعان العلم بدون الصلاة، ودخول كعب بن مالك المسجد بعد التوبة عليه، ولم يصل، وكل هذا على مرأى من النبي ◌َّةِ، ولم يأمرهم بتحية المسجد . ٤- أنَّ الجلوس القليل لا يفوت وقت الركعتين؛ فإنَّ الرجل جلس ثم قام، فصلى. ٥- جواز الكلام حال الخطبة من الخطيب ومن يخاطبه؛ لأنَّه في هذه الحال لا يوجد انشغال عن سماع الخطبة . ٦ - أنَّ النَّبِيَّ وَّوَ لا يقر خطأ يراه، وإنما ينبه عليه في وقته، فهو وقت البيان. (١) البخاري (٩٣١)، مسلم (٨٧٥). ٥٩١) كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٧- أنَّه لا يزيد في تحية المسجد حال الخطبة على ركعتين؛ لأنَّه لابد من الإنصات للخطبة، كما أنه في غير هذه الحال فإنَّ تحيّة المسجد ركعتان، وما زاد فهو تطوع مطلق. ٨- قوله: ((قم فصل ركعتين)) الخطاب خاص مع هذا الرجل الداخل، لكن الحكم عام فيه وفي غيره؛ فقد قال شيخ الإسلام: إنَّه ليس في النصوص نصُّ یخص شخصًا بعينه لعینه، وللکنه یخصه لوصفه؛ لأنَّ الناس عند الله تعالى سواء. هذا فيما عدا النبي وَلّ، فإنَّ له أحكامًا تخصه لنبوته ورسالته، وإن كان الأصل العموم. خلاف العلماء: اختلف العلماء فيمن دخل المسجد والخطيب يخطب: هل يصلي تحية المسجد، أو یجلس وينصت للخطيب؟ فذهب الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث إلى: أنَّ المستحب له الصلاة، مستدلین بهذا الحديث. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى: أنَّه يجلس ولا يصلي؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف، الآية: ٢٠٤] وحديث: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، فقد لغوت)). وأجابوا عن حديث الباب بأجوبةٍ واهيةٍ . ولذا قال النووي عند هذا الحديث في شرح مسلم: هذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحًا يخالفه. أما الآية فالخطبة ليست قرآنًا، ومع هذا فهي مخصصة، وأما الحديث: (فقد لغوت))، فهو أمر الشارع، فلا تعارض بين أمرين، بل القاعد ينصت، وأما الداخل فيصلي تحية المسجد. ٥٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَله كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ وَالمُنَافِقِينَ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ٣٧٣ - وَلَهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ، وَفِي الجُمُعَةِ: ﴿ سَيِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾، وَ﴿هَلْ أَتَلِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾))(٢) * مفردات الحديث: - سَبِّح: فعل أمر من ((التسبيح))، وهو تنزيه الله تعالى عن النقص والعيب، وهو تنزيه يثبت ضده من الكمال والجلال. - اسم: اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: إنَّه زائد؛ لأنَّ الذي يُسَبَّح هو الرب، والتقدیر: ((سبح ربك))، فالتسبيح وارد على المسمى. وقال بعضهم: إنَّ الاسم هو المسمى، والراجح الأول، ولكن زيادات القرآن تكون لفائدة، ومنها: التوکید. - الأعلى: مجرور على أنَّه صفة لـ((رب))، والكسرة لا تظهر على آخره للتعذر، وهو اسم تفضيل محلى بـ((أل))؛ ليفيد العلو المطلق للذات والصفات. - هل: استفهام يراد به التحقيق؛ لأنَّها متضمنة معنى التقدير. - أتاك: الخطاب للنبي وَلقول، وما خوطب به، فهو خطاب لأمته. - حديث: النبأ، وحديثها: ما جاء في نفس السورة من أخبار الفريقين، وما جاء من وصف الجزاءين. (١) مسلم (٨٧٩). (٢) مسلم (٨٧٨). ٥٩٣ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة - الغاشية: الغشي هو: الإغماء، وما يصيب من فتور الأعضاء، وتعطل لقوى الإرادة والحركة من أثر شدة الصدمة، والمراد هنا: ((يوم القيامة)) الذي يصيب الناس بأهواله، فيفقدون وعيهم وإحساسهم، فتراهم سكارى، وما هم بسکاری، ولكن عذاب الله شدید. * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - استحباب الجهر في صلاة الجمعة، ولو كانت صلاة نهارية؛ وذلك لجمعها الخلق الكثير، فينبغي أن يسمعوا القرآن ممن يحسن القراءة. ٢ - استحباب قراءة سورة (الجمعة) في الركعة الأولى، وسورة ﴿المنافقين﴾ في الركعة الثانية، كل ذلك بعد الفاتحة. ٣- أما الحديث رقم (٣٧٣): فيدل على الجهر في صلاة الجمعة، وصلاة العيد. ٤- يدل على استحباب قراءة سورة الأعلى، في الركعة الأولى من الجمعة والعيدين، ﴾ في الركعة الثانية، بعد الفاتحة فيهما . ١ وسورة ﴿هَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ( ٥- قوله: ((كان يقرأ الجمعة والمنافقين))، وقوله: ((كان يقرأ سبح والغاشية)) - دليلٌ على أن ((كان)) لا يراد بها الدوام، وإلاَّ لَتَعارض الحديثان، وإنما المراد أنَّ أكثر قراءته في هذه السور الأربع، تارةً هاتين السورتين، وتارةً السورتين الأخیرتین. ٦- مناسبة سورة الجمعة في صلاة الجمعة ظاهرة؛ ففيها الحث على هذه الشعيرة الكبيرة، والحض على الإتيان إليها، وإلى ذكر الله فيها، وترك ما یشغل عنها من أعمال الدنیا ولهوها، ولو کان مباحًا نافعًا، فکیف إذا كان ما يشغل ضارًّا محرَّمًا؟! كما أنَّ فيها تمثيلَ من عنده أسفار العلم النافعة، ولا يستفيد منه فمثله كمثل الحمار، الذي يحمل تلك الأسفار، ولا ينتفع بها، وهو مَثَل يُضربُ لمن يأتي إلى الجمعة، وللكنه يشتغل عن سماع الذكر بالكلام، والانشغال بما لا فائدة فيه. ٥٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧- أما سورة المنافقين: فقال بعض العلماء: إنَّ مناسبتها إسماعها المنافقين الذين لا يحضرون إلاّ لههذه الصلاة فقط، وللكني أرى فيها شيئًا من سورة الجمعة، حينما انفض المسلمون: وأعرضوا عن سماع الذكر، حينما قدمت العير، ففيها ما ينبه على هذه الغلطة منهم بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْخَسِرُونَ [المنافقون] . ٩ ٨- في سورة المنافقين أيضًا التحذير من هذا الخلق الذميم وهو النفاق سواء كان هذا النفاق اعتقاديًا وهو النفاق الأكبر المخرج من الملة، أو كان نفاقًا عمليًّا، وهو النفاق الأصغر، الذي صاحبه على خطر كبير، إلاَّ أنَّه لم يخرج من الملة . ٩- أما مناسبة سورة ﴿الأعلى﴾: فالأعلى هو صاحب العلو المطلق في الذات والصفات، فعلو الذات هو أنَّه سبحانه وتعالى عالٍ بذاته، فوق جميع مخلوقاته، فله العلو المطلق فليس فوقه شيء، ولا يحيط به شيء، بل هو المحيط بكل شيء، العالي على كل شيء، ولو أحاط به شيء، أو كان فوقه أو ساواه شيءٌ، لانتفى عنه العلو المطلق، ومن وصف الله بغير ذلك من العلو، فقد نقصه، ورضي له بأدنى الأمكنة، وعلو الله تعالى شهد به القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وإجماع أهل السنة، والعقل الكامل، والفطرة السليمة . كما بينت هذه السورة أحوال يوم القيامة والجزاء فيها، وعدم الاغترار بالحياة الدنيا، وبيّنتها سورة الغاشية، فقد احتوت على حالي الآخرة بالنعيم والجحيم، فهذا وجه جمع هاتين السورتين في المواضع العامة، لمناسبة مخاطبة الجمهور، وتذكيرهم بسرعة، وإيجاز عن معادهم. ٥٩٥ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ٣٧٤ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقمَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((صَلَّى النَّبِيُّ وَ﴿ العِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الُمُعَةِ، فَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَخَحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١) . : درجة الحديث: الحديث ضعيف، وقَوِيَ بشواهده؛ قال الشوكاني: حديث زيد بن أرقم أخرجه النسائي والحاكم، وصححه ابن المديني وابن خزيمة، وفي إسناده : إياس بن أبي رملة، وهو مجهول. قال محرره: الحدیث له شواهد، منها : ١- حديث أبي هريرة، أخرجه الحاكم (٤٢٥/١)، وفي إسناده: بقية بن الوليد. قال المنذري : فيه مقال. ٢- حديث ابن عمر: أخرجه ابن ماجه (١٣١٢)، وإسناده ضعيف. ٣- حديث عطاء بن أبي الزبير: ((صلَّى في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدنا، فذكرنا ذلك لابن عباس، فقال: أصاب السنة)) [رواه أبوداود (١٠٧١)]. قال محرره: والحديث بههذه الشواهد قد قوي. * مفردات الحديث: - رخص في الجمعة: الرخصة لغة: السهولة واليسر، واصطلاحًا: ما يثبت على خلاف دليلٍ شرعيٍّ لمعارضٍ راجحٍ. (١) أحمد (١٨٨٣١)، أبوداود (١٠٧٠)، النسائي (١٥٩١)، ابن ماجه (١٣١٠)، ابن خزيمة (٣٥٩/٢). ٥٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١- في الحديث دلالة على أنَّه إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، فإنَّه يجوز لمن صلَّى صلاة العيد، ألا يصلي صلاة الجمعة، ويكتفي بصلاة الظهر . ٢- ذلك أنَّه اجتمع عيدان في يوم واحد، فدخل أحدهما في الآخر، فاكتفي بحضور صلاةٍ واحدةٍ منها . ٣- ومن أسباب اكتفاء إحداهما بالأخرى قوة الشبه بين الصلاتين؛ من حيث إنَّ كلّ منهما ركعتان يُجهر فيهما بالقراءة، وفي كل منهما خطبتان، وفيهما الجمع الكبير، والاحتفال العظيم، لكنه لا تسقط صلاة الظهر عمن لم يحضر الجمعة. ٤- أما من لم يحضر العيد أو فاتته، فلا يجوز له التخلف عن صلاة الجمعة؛ لئلا تفوته الفريضتان، ولئلا يتأخر عن المشهدين الكبيرين. ٥- قوله: ((رخّص)) يدل على أنَّ المستحب هو الحضور؛ فإنَّ الرخصة إنما تفيد التخفيف والتسهيل فقط، بل إنَّ جمهور الفقهاء لا يرون سقوط صلاة الجمعة بصلاة العيد إذا اجتمعا في يوم واحد . ٦ - أما الإمام فلا يتخلف، وإنما يجب عليه الحضور لإقامة الجمعة للناس الذين سيحضرون؛ فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ بَّهِ قال: ((اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه عن الجمعة، وإنا مجمعون))، فهو المأثور عن النبي وَّر، ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف، ولأنَّ صلاة الظهر هي فرض الوقت، فتغني عن الجمعة في الأحوال التي لا تصلى فيها. ٧- قال بعض الناس: إنَّ الجمعة والظهر يسقطان عمن صلى العيد، وهذا قول ضعيف جدًّا. ٥٩٧ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة قال شيخ الإسلام: إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد، فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال : أصحها: أنَّ من شهد العيد، سقطت عنه الجمعة، فقد اجتمع عبادتان من جنس واحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، ولأنَّ في إيجابهما على الناس تضييقًا لمقصود عيدهم، وما سُنَّ لهم فيه من السرور والانبساط، فحينئذ تسقط الجمعة . ٨- يدل على أنَّه ينبغي أن ينبه الناس إلى الأحكام التي تخفى عليهم، ويكون التنبيه وقتها؛ لأنَّه وقت الحاجة إلى معرفتها . ٥٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١- فيه دلالة على أنَّ للجمعة سنة بعدها، وأنَّها أربع ركعات تصلى ركعتين رکیتین. ٢- جاء في البخاري (٩٣٧)؛ ومسلم (٨٨٢) عن ابن عمر: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّل كان يصلي بعد الجمعة ركعتين))، وجاء في سنن أبي داود: ((أنَّه ◌َلِّ كان يصلي سنًّا)). قال الإمام أحمد: إن شاء صلَّى ركعتين، وإن شاء صلَّى أربعًا، وإن شاء صلَّی ستًا، فأيها فعل فحسن، والكل كان يفعله ێ﴾ . ٣- ولا سنة راتبة للجمعة قبلها، فإنَّ النَّبِيَّ وَ لّ كان يخرج من بيته، ويصعد المنبر، ثم يأخذ بلال في الأذان، فإذا انتهى منه كمله أخذ النبي وَّ في الخطبة من غير فصل . قال شيخ الإسلام، وابن القيم: لا سنة للجمعة قبلها، وهو أصح قولي العلماء، وعليه تدل السنة. قال الشيخ: وهو مذهب الشافعي، وعليه جماهير الأئمة، وعدَّ النبي ◌َّ رواتب الصلوات، ولمّا لم يذكر لها راتبة إلاَّ للَّتي بعدها، عُلِمَ أنَّهُ لا راتبَة لها قبلها . وهذا مما انعقد سبب فعله في عهده وَّ، فإذا لم يفعله، ولم يشرعه، كان تركه هو السنة. (١) مسلم (٨٨١). ٥٩٩ كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة قال أبوشامة: وما وقع من بعض الصحابة أنَّهم كانوا يصلون قبل الجمعة، فمن باب التطوع المطلق، وليس بمنكر، وإنما المنكر اعتقاد العامة وبعض المتفقهة أنَّ ذلك سنة للجمعة قبلها . قال الشيخ: الأولى لمن جاء الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام؛ لما في الصحيح ((ثم يصلي ما كتب له)). ٦٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٧٦ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: ((إِذَا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ، فَلاَ تَصِلْهَا بِصَلاَةٍ، حتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّةِ أَمَرَنَا بِذْلِكَ: أَلَّ نُوصِلَ صَلاَةً بِصَلَاةٍ، حَتَّى نَتَّكلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ)). رَوَاهُ مُسلِمُ(١). * مفردات الحديث: ۔فلا تصلها: من (الوصل))، من باب ضرب. - أو تخرج: أي: من المسجد، أو من موضع الصلاة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كراهة وصل صلاة النافلة - ولو راتبة - بصلاة الفرض، حتى يخرج، فيصليها بالبيت، كما هو الأفضل، أو يفصل ذلك بأذكار الصلاة المكتوبة؛ فإنَّ للشارع الحكيم نظرًا للتمييز بين الفرض والنفل، وبين العبادات بعضها عن بعض؛ لئلا يُشَبَّه الفرض بغيره، فربما - مع الجهل، وتطاول الأمر - زيد في الفرائض ما ليس فيها . ٢- الحكمة في ذلك - والله أعلم -: تمييز العبادات بعضها عن بعض، فتميز النافلة عن الفريضة: لذا نهى عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين، وله نظائر كثيرة في الشرع. ٣- المستحب أنَّ مصلي الجمعة يصلي سنتها، أو سننها في المسجد، كما كان النبي وَلّ يفعله، وللكنه لا يصِلُ الراتبة بها، وإنما يصليها بعد كلام، ومنه أذكار الصلاة المشروعة بعدها . (١) مسلم (٨٨٣).