Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة * ما يؤخذ من الحديث: ١- لما كان المنافقون یراؤون الناس بعبادتهم، ولا یریدون بها وجه الله تعالى، صارت الصلاة عليهم ثقيلة، وأثقلها عليهم هما الصلاتان اللتان لا يراهم فيهما الناس -: العشاء والفجر؛ فإنَّ الناس يؤدونهما في ظلام، قبل إسراج المساجد . ٢- كما أنَّ هاتين الصلاتين تقعان في وقت الراحة، والدعة، والنوم، فلا ينشط لهما إلاّ من في قلبه وازع من إيمان بالله تعالى، يزعجه ويقلقه حتى يؤديهما، أما الذي قلبه خال من الإيمان - وأول من يوصف بذلك هم المنافقون - فلا ينشطون لهاتين الصلاتين. ٣- هاتان الصلاتان عظيمتا الأجر، كبيرتا الأمر، فلو علم هؤلاء المتخلفون عنهما، ما أعدَّ الله من الثواب لِمَنْ أداهما جماعة ـ لأتوهما ولو حبوا على رُکبهم كحبو الطفل. ٤- في الحديث دليلٌ على وجوب صلاة الجماعة في المسجد؛ ذلك أنَّ النَّبيَّ وَلي لم يجد رخصة لرجل أعمى، ليس له قائد يأتي به إلى المسجد، فكيف بالبصير القادر؟! ٥ - فيه بيان نعمة الإيمان بالله تعالى، ورجاء ثوابه؛ فإنَّ ذلك يخفف الطاعة على صاحبها ويحببها إليه، ويسهلها له، وييسرها عليه، كما أنَّ نقمة النفاق - والعياذ بالله - تكون ظلامًا على صاحبها فيظلم قلبه، وتعمي بصيرته، وینسی نفسه، حتى تثقل عليه الطاعات، ويكره العبادات، فینزل به هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وهو على حاله من الغفلة والضلال. ٦- قال شيخ الإسلام: حديث الأعمى نصٌّ في إيجاب الجماعة، والرجل الأعمى هو ابن أم مكتوم؛ كما جاء ذلك صريحًا في بعض الروايات. وقال ابن عباس عن رجل يصلي بالليل، ولا يحضر الجماعة، فقال: هو ٤٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام في النار . وقال الشافعي: أما الجماعة، فلا رخصة فيها إلاّ من عذر. وقال النووي: الجماعة مأمور بها؛ الأحاديث الصحيحة المشهورة، وإجماع المسلمين . وقال شيخ الإسلام: من أصرّ على ترك الجماعة فهو آثم مخالف للكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. وقد مرَّ أنَّه - رحمه الله - يرى أنَّ الجماعة، شرط لصحة الصلاة في حق غير المعذور. وقال ابن كثير: وما أحسن ما يستدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة بصلاة الخوف؛ حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنَّها واجبة ما ساغ ذلك. ٧- ظاهر حديث الأعمى تقييد وجوب الإتيان إلى النداء بسماع النداء سماعًا مجردًا؛ لأنَّه قد يسمع غير مجرد، والمسألة عرفية. ٨- ترخيص النبي وَ لهو الرجل الأعمى بترك الجماعة، ثم رده - يحتمل أنَّه كان بوحي نزل في الحال، ويحتمل أنَّه قد تغيَّر اجتهاده وَله . ٤٦٣ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ وَّلـ قَالَ: ((مَنْ سَمِعَ النَّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ، فَلاَ صَلاَةَ لَهُ إِلَّ مِنْ عُذُرِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والدَّارَ قُطْنِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ(١). * درجة الحديث: الحديث ضعيف؛ قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود والدارقطني، وفيه: أبو جناب ضعيف ومدلس، وقد ضعفه الحافظ ابن الملقن من هذا الوجه، وقد رواه ابن ماجه وابن حبان والدار قطني والحاكم من طريق أخرى مرفوعًا: ((من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلاّ من عذر))، لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة. وله شواهد منها: حديث أبي موسى، رواه الحاكم والبيهقي، وقال: الموقوف أصح، ورواه العقيلي عن جابر وضعفه، ورواه ابن عدي عن أبي هريرة وضعفه . * مفردات الحديث: - عذر: بضم الذال للاتباع، وتسكن، وجمعه: ((أعذار))، والعذر: الحجة التي يعتذر بها، وما يرفع اللوم عما حقه أن يلام عليه، فيقال: معذور؛ أي: غير ملوم فيما صنع. (١) ابن ماجه (٧٩٣)، الدار قطني (٤٢٠/١)، ابن حبان (٤٥٠/٥)، الحاكم (٢٤٥/١). ٤٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث حجة قوية لمن يقول: إنَّ صلاة الجماعة فرضُ عينٍ، وأَنَّه یجب أداؤها بالمسجد. ٢ - قوله: ((من سمع النداء)) مفهوم الحديث أنَّ الذي لا يسمع النداء؛ لبعده عن مكان النداء - فإنه لا يجب عليه الحضور، فأما من كان بمكان بحيث یسمعه، فإنّه يجب عليه الحضور. ٣- أما سماع النداء من مكان بعيد يشق الوصول إليه بواسطة مكبر الصوت -: فهذا سماع لا يتعلق به حكم، فلا يجب على سامعه الحضور؛ فإنَّ العبرة بالمعاني المرادة في هذه الفقرة، وفي التي قبلها، ومراد الشارع معروف من الأمر. ٤- أما قوله: ((فلا صلاة له))، فإنَّ النفي في الأصل يكون نفيًا لذات الشيء، فإن لم يمكن نفي الذات كان نفيًا لحقيقته الشرعية، وهذا معناه نفي الصحة، فإن لم يمكن فهو نفي لكمال الشيء. وفي هذا الحديث نفي الذات متعذر؛ لأنَّ صورة الصلاة موجودة، ونفي الصحة ممكن، لو لم يعارضه أحاديث تنافيه، وتصحح صلاة المنفرد، ولو بدون عذر، ومنها: حديث يزيد بن الأسود الآتي. فيكون الجمع بين هذا الحديث، وبين ما عارضه من الأحاديث -: هو أنَّ النفي يكون لنفي الكمال، وتكون صلاة المنفرد بلا عذر صلاة ناقصة، قليلة الثواب، إلاّ أنَّها مجزئة للذمة، مع الإثم الذي حمله المتخلف عن الجماعة بلا عذر . قال الطيبي: اتَّفقوا على أنَّه لا رخصة في ترك الجماعة لأحدٍ، إلاَّ من عذرٍ؛ لحديث ابن عباس، وحديث الأعمى. قال عطاء: ليس لأحد رخصة أن يدع الجماعة إذا سمع النداء، لا في ٤٦٥ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة الحضر، ولا في السفر. ٥- قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: ((من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليصل هذه الصلوات الخمس حیث ینادی بهن؛ فإنَّ الله شرع لنبيه سنن الهدى، وأداء هذه الصلوات الخمس في المساجد من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)) [رواه مسلم (٦٥٤)]. ٦ - قال ابن القيم: ومن تأمّل السنة، تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرض عين، إلاَّ لعارض يجوز معه ترك الجماعة، وقد علم من الدين بالضرورة أنَّ الله شرع الصلوات الخمس في المساجد، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِنْدَكُلّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]. والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة. ٧- قال جمهور العلماء: صلاة الفرض إذا أتى بها المصلي على وجهها الكامل ترتَب عليه شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإن أداها على غير وجهها الكامل، حصل سقوط الفرض عنه دون حصول الثواب. ٤٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٢٤ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ - رَضِيَ الله عَنْهُ -: ((أَنَّهُ صَلَّىُ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ◌ِِّ، إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيًا مَعَنَا؟ قَالاَ: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِ حَالِنَا، قَالَ: فَلاَ تَفْعَلاَ، إِذَا صَلَيْتُمَا فِي ◌ِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَصَلًِّا معَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلاثَةُ، وَصخَحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّان(١). * درجة الحديث: الحديث صحيح؛ قال في ((التلخيص)): رواه أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي والدار قطني (٤١٣/١) وابن حبان والحاكم كلهم من طريق: يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، ويعلى بن عطاء من رجال مسلم، وجابر وثّقه النسائي وغيره، فسند الحديث صحيح . * مفردات الحديث: - إذا: فجائية، بعلامة دخولها على الجملة الاسمية. - تَرْعُد : - بفتح التاء وسكون الراء المهملة وضم العين المهملة فدال مهملة - أي : ترجف من الخوف. - فرائصهما: الفريصة هي: اللحمة بين الجنب والكتف. (١) أحمد (١٦٠/٤)، أبوداود (٥٧٥)، الترمذي (٢١٩)، النسائي (٨٥٨)، ابن حبان (١٥٥/٦). ٤٦٧ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - رحالنا: مسكن الإنسان وما يتبعه من أثاث، وفي الحديث: ((إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال)). - فلا تفعلا: ((لا)) ناهية، والفعل بعدها جزم بها بحذف النون، والألف فاعل. - أدركتما: يقال: أدركت الشيء: إذا طلبته فلحقته. - نافلة: يعني: الصلاة الأولىُ لهما فريضة، وهذه المُعَادَةُ تطوع، والنافلة للزيادة في الأجر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على استحباب إعادة الجماعة لمن صلّى، ثمَّ جاء المسجد، فوجد الناس يصلون، أو أقيمت الصلاة، وهو في المسجد. ٢- يدل على صحة الصلاة في البيت، ولو من دون عذر، وللكنه يأثم بترك الجماعة في المسجد بدون عذر، كما تقدم في حديث أبي هريرة وغيره. ٣- يدل على أنَّ صلاة الفريضة هي الأولى؛ سواء كانت في جماعة أو صلاها وحده، وأنَّ المعادة هي النافلة. ٤- فيه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرويكون بالحكمة والموعظة الحسنة. ٥- فيه حُسْن خُلقِ النبيِ وَّر، وحُسن تعليمه؛ فإنَّه سأل في بادىء الأمر عن سبب عدم دخولهما في الصلاة، فلما علم أنَّه لا عذر لهما، أرشدهما إلى ما ينبغي لهما فعله، كل ذلك بلطف و توجیه حسن . ٦- حضور الجماعة، وعدم الدخول مع الإمام فيها مما يسيء الظن؛ بأنَّ المتخلف يكره الإمام، أو بأنّه لا يصلي، أو غير ذلك من الظنون، والإنسان يطلب منه دفع سوء الظن عن نفسه، ولا يعتبر هذا رياء. ٧- أنَّ العبادة إذا انتهت لا يجوز إلغاؤها، وإنما قد وقعت موقعها، ولو صلح إلغاؤها لأمرَ هذين الرجلين بإلغاء الصلاة التي وقعت في البيت، وجعل الفريضة هي التي مع الجماعة، والأولىُ نافلة. ٤٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبََّ فَكَبِرُوا، وَلاَ تُكَبُِّوا حَتَّىُ يُكبَِّ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلاَ تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلاَ تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّىُ قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَاَ صلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا فُعُودًا أَجْمَعِيْنَ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ؛ وورد عن جماعة من أصحاب النبي وَّر، منهم: أنس، وعائشة، وجابر، وأبوهريرة. فأما حديث أبي هريرة، وهو حديث الباب، فله عدة طرق: الأولى: الأعرج عنه، أخرجه البخاري (٧٠١)، ومسلم (٤١٤)، وأحمد(٧١٠٤) الثانية: أبو علقمة عنه، رواه مسلم (٤١٦). الثالثة: أبويونس مولى أبي هريرة عنه، أخرجه مسلم (٤١٤). الرابعة: أبوصالح عنه، رواه أبوداود (٦٠٣) والنسائي (٩٢١)، وزاد: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، قال أبوداود: هذه الزيادة ليست بمحفوظة، وقد صحّت هذه الزيادة عند مسلم، وأخرجها في صحيحه (٤٠٤)، ومما يقوي هذه (١) أبوداود (٦٠٣)، البخاري (٧٣٤)، مسلم (٤١٧). ٤٦٩ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة الزيادة أنَّ لها شاهدًا من حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم (٤٠٤) وغيره. مفردات الحديث: - إنَّما: للحصر، وهو إثبات الحكم في المحصور فيه؛ كوجوب الاقتداء في هذا الحدیث، ونفیه عمَّا عداه. - جُعِلَ الإمام: مبني للمجهول، والجعل يأتي لمعنيين: أحدهما: قدري، والآخر: شرعي، فإن كان بمعنى الخلق فهو قدري؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ﴾ [الحجر]، وإن كان أمرًا، أو نهيًا، فهو ٢٠ لَكُمْ فِهَا مَعَيِشَ وَمَنْ أَسْتُمْ لَهُ بِرَزِقِينَ شرعي؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَرَجَ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والفرق بين الجعلين: أنَّ القدري لا يتخلف، بخلاف الشرعي فقد يتخلف. - ليؤتَمَّ به: أي: لِيُقْتَدى به في الصلاة، ويتابع . - فإذا كبر: ((إذا )) ظرف زمان للمستقبل، متضمن معنى الشرط، مضاف إلى الجملة بعده. - فكبروا: الفاء رابطة لجواب الشرط، وهي عاطفة، وتفيد الترتيب مع التعقيب؛ فتكون أفعال المأموم عقب أفعال الإمام، بلا تراخ. - ولا تكبروا حتى يكبر: جاءت لتأكيد ما قبلها، بإبراز المفهوم بصورة المنطوق. - ربنا ولك الحمد: جاء في بعض روايات الحديث بحذف الواو، وبعضها بإثباتها؛ أي: ((ربنا ولك الحمد))، فمن أثبتها قال: إنَّ فيها معنى زائدًا، ومن حذفها قال: الأصل عدم التقدير. قال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح . - فصلوا قعودًا: أي: قاعدين وهو الحال. - أجمعين: توكيد معنوي لواو الجماعة في ((فصلوا)). ٤٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وأما ((قعودًا)) فهي حال من واو الجماعة أيضًا، نصب على الحال، وأكثر الروايات ((أجمعون)) بالرفع تأكيدًا لضمير الجمع في ((فصلوا)). ما يؤخذ من الحديث: الحديث يدل على الآتي من الأحكام: ١- وجوب متابعة الإمام، وأنَّه القدوة في تنقلات الصلاة، وسائر أعمالها وأقوالها؛ فلا يجوز الاختلاف علیه. ٢- أنَّ الأفضل أن تأتي تنقلات المأموم بعد تنقلات الإمام، فتكون عقبه، فلا تخلف في الانتقال من ركن إلى ركن؛ ذلك أنَّه عطف بين تنقلات الإمام وتنقلات المأموم بالفاء، الدالة على الترتيب والتعقيب. ٣- أنَّ مسابقة الإمام محرّمة، وإذا وقعت عمدًا بطلت صلاته، وسيأتي بيان ذلك وتفصيله إن شاء الله تعالى . ٤- أنَّ التخلف عنه کمسابقته، لا تجوز. ٥- أنَّ المشروع في حق الإمام والمنفرد هو قول: ((سمع الله لمن حمده)) عند الرفع من الركوع، وأنَّ ذلك لا يشرع في حق المأموم. ٦ - يستفاد من الحديث أنَّ حالة المأموم تنقسم إلى أربع حالات: إحداها: أن يسبقه، فهذا محرم مع العمد، ومبطل للصلاة على القول الراجح، وإن كان السبق في تكبيرة الإحرام، فإنَّ الصلاة لم تنعقد. الثانية: أن يوافق المأموم في أقواله وتنقلاته، فهذا مكروه، وبعضهم حرَّمه، ولا يبطل الصلاة إلاّ في تكبيرة الإحرام، فإنَّ الصلاة لم تنعقد معه. الثالثة: أن يتخلف عنه، والتخلف كالسبق في أحكامه. الرابعة: أن يتابعه في أقواله وأفعاله، وهذا هو المشروع الذي يدل عليه الحديث، المرتِّب فعل المأموم بعد الإمام بـ((الفاء)) المفيدة للترتيب والتعقيب . ٤٧١ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة ٧- قوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) الائتمام: هو الاقتداء والاتباع، ومن شأن التابع ألا يسابق متبوعه ولا يوافقه، بل يأتي على أثره. ٨- أنَّ المشروع في كل من الإمام والمأموم والمنفرد بعد الرفع من الركوع - قول (ربنا ولك الحمد ... إلخ))؛ فـ(سمع الله لمن حمده)) هو الذكر المناسب من الإمام، وأما ((ربنا ولك الحمد)) فهي مناسبة من الكل. ٩- أنَّ الإمام الراتب إذا صلَّى قاعدًا لعذر، فإنَّ من تمام الاقتداء والمتابعة أن يصلي المأمومون قعودًا، ولو من دون عذر. ١٠ - قال شيخ الإسلام: إنَّ الحديث يدل على أنَّ المأموم إذا كان يرى مشروعية جلسة الاستراحة مطلقًا، والإمام لا يراها أنه يتابع إمامه، ولا يجلس لها، وبالعكس إذا كان الإمام يراها، والمأموم لا يراها، فإنه يجلس، وهذا كله تحقيق للمتابعة . ١١- مذهب الإمام أحمد: أنَّها لا تصح إمامة العاجز عن القيام إلاَّ بمثله، إلاَّ الإمام الراتب، فإذا عجز عن القيام لمرض يرجى زواله، صحّت خلفه، ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، ولو مع قدرتهم على القيام، إن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، وعجز عن القيام أثناءها فجلس، صلّوا خلفه قيامًا وجوبًا . ١٢ - اتَّفق العلماء على تحريم مسابقة المأموم الإمامه، واختلفوا في بطلان صلاته : فذهب الجمهور إلى: أنَّها لا تبطل. وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ من سبق إمامه بركن كركوع وسجود، فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل عمدًا حتى لحقه الإمام فیه، بطلت صلاته. ۔۔۔ ١٣ - قال الشيخ تقي الدين أيضًا: اتَّفق الأئمة على تحريم مسابقة الإمام عمدًا، وهل تبطل الصلاة بمجرده؟ قولان في مذهب أحمد وغيره، وقد ٤٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام استفاضت الأحاديث عن النبي ◌َّ في ذلك، كما أجمعوا على أنَّها لا تبطل إذا سبقه سهوًا، إلاَّ أنَّه لا يعتد بما سبق به إمامه؛ لأنَّ فعله في غير محله، ووجه عدم بطلانها بالسبق سهوًا: أنَّها زيادة من جنس الصلاة وقعت سهوًا لا عمدًا. وقال الشيخ تقي الدين: الصحيح ما ذكره الإمام أحمد في رسالته من أنَّ مجرد السبق عمدًا يبطل الصلاة؛ لأنَّ الوعيد للنهي، والنهي يقتضي الفساد . ١٤ - الحديث حجة في أنَّ المأموم لا يجمع بين التسميع والتحميد عند الرفع من الركوع، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وإنما الذي يجمع بينهما هو الإمام والمنفرد. بخلاف الشافعية: فإنَّهم يرون الجمع بينهما؛ لما في مسلم (٤٧٦) من ((أَنَّهُ وَّيِ كان إذا رفع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهمَّ ربنا ولك الحمد)) وقال: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلي)). قال ابن عبدالبر: لا أعلم خلافًا في أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد. وقال ابن حجر: فأما الإمام فيسمع ويحمد، يجمع بينهما؛ لما ثبت في البخاري أنَّ النبيَّ ◌َّ كان يجمع بينهما . ١٥ - ((سمع الله لمن حمده)) محلها عند رفع رأسه من الركوع، وأما ((ربَّنا ولك الحمد)» فمحلها بعد الاعتدال من الركوع. ١٦ - أنَّ تكبيرة المأموم تأتي بعد تكبيرة الإمام بلا تخلف؛ سواء في تكبيرة الإحرام، أو في تكبيرات الانتقال، فإن وافقه في التكبير، فإن كبَّر الإمام والمأمومون معًا، ففي تكبيرة الإحرام، لا تنعقد صلاة المأموم، وفي سائر التكبيرات يُکره ذلك. ٤٧٣ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة ١٧ - يقاس ما لم يذكر من أعمال الصلاة على ما ذكر منها هنا، فيستحب المتابعة والاقتداء؛ فإنَّ قوله: ((إنَّما جُعل الإِمام؛ ليُؤْتَمَّ بِهِ)) أداة حصر، تشمل جميع أعمال الصلاة. ١٨ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يصح ائتمام مفترض بمتنفل، ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ولا عكسه، ولا كل مفترض خلف مفترض لفرض آخر، مخالف له وقتًا أو اسمًا؛ لحديث: ((فلا تختلفوا)) والرواية الأخرى عن الإمام صحة ذلك كله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنَّه - رحمه الله - يجيز أن يصلي شخص خلف شخص آخر، يخالفه في النية والأفعال، فمن صلَّى العشاء خلف من يصلي المغرب، إذا سلم إمامه قام وأتى بالركعة الرابعة، ومن صلَّى المغرب خلف إمام يصلي العشاء فهو مخيَّر، فإما أن ينتظر حتى يلحقه الإمام في التشهد فيسلم بعده، وإما أن ينوي الانفراد، ويسلم قبله. ومثله لو صلَّى العشاء خلف من يصلي التراويح، فإذا سلم الإمام من الركعتين، قام وأتى بالركعتين الباقيتين. ١٩- عموم الحديث بمنع مخالفة المأموم للإمام يشمل النية؛ فلا يجوز أن يصلي الإمام فريضة بمن يصلي نافلة، وبالعكس، للكن حديث معاذ مخصص لههذا الحديث في مسألة اختلاف النية؛ فإنَّ معاذًا يصلي مع النبي وَل الفريضة، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له نافلة ولهم فريضة. ٢٠ - قال شيخ الإسلام: مسابقة الإمام عمدًا حرامٌ باتفاق الأئمة، فلا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي ◌َّ في ذلك؛ لأنَّ المؤتم تابع لإمامه، فلا يتقدم على متبوعه، وفي بطلان صلاته قولان معروفان للعلماء. ٤٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام : خلاف العلماء: أجمع الأئمة على وجوب القيام في صلاة الفرض، وأجمعوا على أنَّ إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه، لا تصح إذا كان الإمام ليس إمامًا راتبًا . واختلفوا في صحة إمامة الإمام الراتب المرجو زوال علته، إذا صلَّى قاعدًا بالمأمومين القادرين على القيام: فذهب إلى جوازها الإمام أحمد؛ عملاً بهذا الحديث، ولصلاة النبي ۋال﴾ بأصحابه قاعدًا حین انفكت قدمه، وصلاته قليل في مرض موته. وذهب الحنفية إلى: أنه يصح اقتداء قائمٍ بقاعدٍ؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ صلَّى في مرض موته جالسًا، والناس خلفه قيامًا، وهي آخر صلاة صلّها إمامًا . وذهب مالك والشافعي إلى: أنَّها لا تصح إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه مطلقًا؛ سواء كان هو الإمام الراتب، أو لا؛ وسواء رُجي زوال علته، أو لا . ودليلهم: قوله ◌َله: ((لا تختلفوا على إمامكم)) [رواه مسلم (٤١٤)]. ٤٧٥ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة ٣٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ رَأىَ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخِّرًا، فَقَالَ: ((تَقَدَّمُوا فَائْثَمُوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). : مفردات الحديث: - تأخرًا: أي: تخلفًا، وبُعْدًا في صفوف الصلاة. - ليأتم: بلام الأمر الساكنة، أو المكسورة. * ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب الدنو من الإمام، فأوائل الصفوف خير للرجال من أواخرها؛ الحديث: ((خير صفوف الرجال أولها»، ولحديث: ((لو يعلم الناس ما في الصف الأول، لاستهموا علیه)). ٢- أنَّ الإمام هو القدوة في الصلاة في جميع أعمالها وأقوالها، فلا يُخْتَلَف عليه فيها . ٣- في الصلاة الانضباط والنظام الإسلامي؛ ليتعود المسلمون على حسن التنظيم، وجمال الترتيب، والامتثال والطاعة بالمعروف، فهو من جملة أسرار صلاة الجماعة. ٤- أنَّ المأمومين الذين لا يرون الإمام، ولا يسمعونه، يقتدون بمن أمامهم من المأمومين المتقدمین . ٥- قوله: ((وليأتم بكم من بعدكم)) يحتمل أن يراد به الاقتداء في الصلاة، فيليه العلماء ثم العقلاء، والصف الثاني يقتدون بالصف الأول. (١) مسلم (٤٣٨). ٤٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ويحتمل حمل العلم عنه، فليتعلم منه رَية الصحابة، وليتعلم منهم التابعون، وهكذا. ٦- المشهور من مذهب الإمام أحمد ما قاله صاحب ((شرح العمدة)): يصح اقتداء مأموم بإمام، وهما في مسجد مطلقًا؛ سواء رأى إمامه أو رأى من خلفه، أو لا؛ لأنَّ المسجد معد للتجمع بهم في موضع الجماعة، وكذا يصح اقتداء مأموم خارج المسجد إن رأى الإمام، أو بعض المأمومين. ولا يصح إن كان بين الإمام والمأموم طريق، أو نهر جارٍ، ولو سمع التكبير. ٧ - قال شيخ الإسلام: صلاة الجماعة سميت بذلك؛ لاجتماع المصلين بالفعل مكانًا وزمانًا، فإن أخلُّوا بذلك، كان منهيًّا عنه باتفاق الأئمة. ٨ - بهذا النقل عن شيخ الإسلام الذي حكى فيه اتفاق الأئمة، نعلم أنَّها لا تصح الصلاة خلف المذياع، والتلفاز، إذا كان المقتدي ليس مع الجماعة، وإنما يفصل عنه مسافة بعيدة؛ لأنَّه ليس مع الجماعة في مكان التجمع. ٩- قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أنَّ المأموم إذا أمكنه الاقتداء بإمامه بالرؤية، أو السماع - أنَّه يصح اقتداؤه؛ سواء كان في المسجد، أو خارج المسجد، ولو حال بينهما طريق؛ لأنّه لا دليل على المنع. وقال الإمام النووي: يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام؛ سواء صلاها في المسجد، أو غيره بالإجماع، ويحصل العلم له بذلك بسماع الإمام، أو من خلفه، أو جواز اعتماد واحد من هذه الأمور، واشترط النووي - رحمه الله - ألا تطول المسافة في غير مسجد، وهو قول جمهور العلماء. خلاف العلماء: اختلف العلماء: متى يستحب أن يقام إلى الصلاة؟ ٤٧٧ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة فذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أنه يقوم عند قول المقيم: ((حيَّ على الصلاة))؛ وبه قال سويد بن غفلة والنخعي، واحتجوا بقول بلال: ((لا تسبقني بآمین)». وذهب مالك وأحمد إلى: أنَّه يقوم عند قول المقيم: ((قد قامت الصلاة)) قال ابن المنذر: على هذا أهل الحرمين. وذهب الشافعي إلى: أنه يقوم إذا فرغ المقيم من الإقامة؛ وبه قال عمر بن عبدالعزيز ومحمَّد بن كعب، وسالم، وأبوقلابة، والزهري، وعطاء. قال في ((المغني)): وإنما قلنا: إنَّه يقوم عند قوله: ((قد قامت الصلاة))؛ لأنَّ هذا خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا، فيستحب المبادرة إلى القيام؛ امتثالاً للأمر، وتحصيلاً للمقصود. وذكر ابن رشد قولاً للإمام مالك آخر، وهو أنَّه لم يحد في ذلك حدًّا، فإِنَّه وكل ذلك إلى قدر طاقة الناس، وليس في هذا شرع مسموع، إلاَّ حديث أبي قتادة أنَّه وَ لّه قال: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني)) [رواه البخاري (٦٣٧)] فإن صحَّ وجب العمل به. قلْتُ: الحديث في الصحيحين، وهذا لفظ البخاري في ((باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام؟)). والمستحب عند جمهور العلماء - ومنهم الحنابلة : - أن يكبر الإمام والمقتدون إذا فرغ من الإقامة . قال في ((المغني)): وعليه جُل الأئمة في الأمصار. ٤٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٢٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْه - قَالَ: ((احْتَجَرَ رَسُولُ الله ◌َِِّ حُجْرَةً بِخَصَفَةٍ، فَصَلَّى فيها، فَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ ... )) الحديث. وفيه: ((أَفْضَلُ صَلاَةِ المَرْءِ فِي بَيَتِهِ إِلَّ المَكْتُوبَةَ)) مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - احتجر حجرة: بالراء؛ أي: اتّخذ شيئًا كالحجرة. - بخصفة: أي: من حصير، فهي منسوجة من سعف النخل. - فتتبع إليه رجال: فتتطلبه رجال؛ ليقتدوا به في صلاته. - المكتوبة: المفروضة، وهي الصلوات الخمس. * ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز اقتداء المأموم ولو كان الإمام في حجرة لا يراه المأموم، أو كان أحدهما في السطح، والآخر في المكان الأسفل، فالعبرة بإمكان الاقتداء إذا كانا جميعًا بالمسجد، فجواز هذا محل اتفاق بين الأئمة. ٢- جواز حجز مكان في المسجد، والاختصاص به للعبادة والراحة، إذا كان هناك حاجة، و کان لا یضیق بالمصلین. ٣- أنَّ صلاة النافلة بالبيت أفضل؛ لتنوير البيت بالصلاة، والبُعد عن الرياء والسمعة، أما المكتوبة فالواجب الإتيان بها في المسجد، إلاَّ من عذر، هذا في حق الرجال المكلفین. ٤ - جواز تعيين نية الجماعة في الصلاة من الإمام والمأموم، ولو لم يحصل ذلك (١) البخاري (٧٣١)، مسلم (٧٨١). ٤٧٩ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة إلاّ في أثناء الصلاة، فتنتقل نية المنفرد إلى نية الإمام، وهذا لا يجوز في مشهور مذهب أحمد، ما لم يكن يظن حضور مأموم يأتي معه، ويأخذونها من صلاة ابن عباس مع النبي ◌َّد . ٥- جواز اقتداء المتنفل بالمفترض؛ فإنَّ صلاة التهجد في حقه وَّال واجبة، وفي حق أمته سنة، لا واجبة، وهذا هو المشهور من المذهب، أما اقتداء المفترض بالمتنفل ففيها روايتان عن الإمام أحمد : إحداهما: لا تجوز، وهي المشهور من المذهب. والأخرى: تجوز، وهي الصحيحة دليلاً؛ لقصة في الصحيحين. ٦- فيه دليل على أنَّ الحائل بين الإمام والمأمومين غير مانع من صحة الصلاة والاقتداء، وقال النووي: يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقال الإمام؛ سواء صليا في المسجد، أو في غيره، أو أحدهما فيه، والآخر في غيره بالإجماع. اهـ. وإن كان أحدهما خارج المسجد، ورأى الإمام أو المأمومين، ولو لم تتصل الصفوف صحت؛ لانتفاء المفسد، ووجود المقتضي للصحة، وهو الرؤية، وإمكان الاقتداء. وفي ((الإنصاف)): المرجع في اتصال الصفوف إلى العرف، على الصحيح من المذهب . قال في ((المغني)): فلا يتقدر بشيء، وهو مذهب مالك والشافعي؛ لأنَّه لا حدَّ في ذلك، ولأنَّه لا يمنع الاقتداء، فإنَّ المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية، أو سماع الصوت، واشترط النووي ألا تطول المسافة في غير المسجد، وهو قول جمهور العلماء. ٤٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٢٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ العِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: أَتْرِيْدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا، إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ، فَاقْرَأْ ب﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾، و﴿ سَيِّح أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾، و﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْثَى﴾)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفظُ لمُسْلِمٍ (١). مفردات الحديث: - فتَّانًا: الفتّان بفتح الفاء، جاء على صيغة المبالغة، والمراد: أتريد أن تفتن الناس عن دينهم، بتثقيل العبادة عليهم. - أتريد: بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، ومعناه: أ أنتَ منفِّر؟ !. - إذا أممت الناس: إذا صليت إمامًا بهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز إمامة المتنفل بالمفترض؛ فإنَّ صلاة معاذ الأولى فريضة، وصلاته بقومه هي النافلة . ٢ - أنَّ الإمامة ينبغي أن تكون في أصحاب الفضل والصلاح والتقى والعلم، فههذا معاذ يخرج ليؤم قومه من المدينة إلى ضاحيتهم، وهم مغتبطون بذلك؛ لما يعلمون عنه من الخير - رضي الله عنه - والنبي ◌َّ أقرَّهم على ذلك. ٣- أنَّه لا ينبغي للإمام أن يشق على المأمومين بتطويل الصلاة، ففيهم من لا يتحمل التطويل من الكبر، أو الضعف، أو ذوي الحاجات. ٤- قال الحافظ: من سلك طريق النبي وَليل في الإيجاز والإتمام لا يُشتكى منه (١) البخاري (٧٠٥)، مسلم (٤٦٥).