Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ٢٨٨ - وَعَنْ أُمّ حَبِيْبَةَ أُمّ المُؤْمِنِيْنَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهِ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، بُبِيَّ لَهُ بِهِنَّبَيِّتٌ فِي الجَنِّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: (تَطَوُّعًا)). وللتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ: وَزَادَ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةٍ الفَجْرِ (١)). ولِلْخَمْسَةِ عَنْهَا: ((مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ قَبْلَ الُّهْرِ، وَأَرْبَعِ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَىْ عَلَى النَّارِ))(٢) . ** درجة الحديث: الحديث صحيحٌ، أصله في مسلم، وأما زيادة الخمسة فهي صحيحة أيضًا، ورجالها رجال الصحيحين، وأما زيادة الترمذي التفسيرية: فقد جاءت عن أم حبيبة بنحو ما رواه مسلم عنه، وقال الترمذي عنها: إنه حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم (١/ ٤٥٦). * ما يؤخذ من الأحاديث السابقة: (٢٨٥، ٢٨٦، ٢٨٧، ٢٨٨): ١ - في مجموع هذه الأحاديث الأربعة حكم السنن المعروفة برواتب الصلوات الخمس، عدا صلاة العصر، تلك الرواتب التي كان ◌َلية يواظب عليها، (١) مسلم (٧٢٨)، الترمذي (٤١٥). (٢) أحمد (٣٢٦/٦)، أبوداود (١٢٦٩)، الترمذي (٤٢٧)، النسائي (١٨١٦)، ابن ماجه (١١٦٠). ٣٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ويحض على فعلها . ٢- من مجموع الأحاديث والأخذ بجميع الروايات، يتحصل لنا من الرواتب ست عشرة ركعة، أربع منها قبل الظهر، وأربع بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد الجمعة. ٣- في الأحاديث تأكيد المحافظة على هذه الرواتب، وعدم الإخلال بها، وإن من فضلها وفوائدها وأحكامها ما يأتي: (أ) الأفضل أن تكون رواتب المغرب، والعشاء، والصبح، والجمعة، في البيت، ففي صحيح مسلم (٧٣٠) عن عائشة: ((كان النبي ◌َّ- يصلي قبل الظهر أربعًا في البيت، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى البيت ليصلي ركعتين))، ففيه أنَّ الصلاةَ الراتبة في البيتِ أفضل منها في المسجد، مع شرف مسجده وَّه؛ لأنَّ فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها لمزيد الإخلاص. (ب) إنَّ ركعتي الفجر خفيفتان، حتى إنَّ عائشة تقول: ((أقرأ مَليه بأم القرآن أم لا؟)). (ج) إنَّ ركعتي الفجر هي أفضل الرواتب، فإنَّهما خير من الدنيا وما فيها، فقد كان ◌َاخل لا يدعهما حضرًا، ولا سفرًا. (د) أما نوافل الصلوات عدا الرواتب، فكان يصليها في السفر، فكان يصلي الوتر، ويقوم الليل، ويصلي الضحى، ويصلي صلاة الاستخارة، ويصلي النفل المطلق حتى على الراحلة، وإنما الذي لم ينقل عنه صلاتها فيه الرواتب التابعة للصلاة المقصورة المخففة، التي يقول عنها عبدالله بن عمر: (لو كنتُ مسبِّحًا، لأتممت)). ٤ - قوله: ((أربعًا قبل الظهر)) هذا لا ينافي حديث ابن عمر، الذي فيه: ((ركعتين قبل الظهر))، ووجه الجمع بينهما أنه تارةً يصلي ركعتين، وتارةً أربعًا، فأخبر كل منهما عن أحد الأمرين، وهذا موجود في كثير من نوافل العبادات ٣٨٣ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع وأذكارها. وكان - والله أعلم - يأتي بالعبادة كاملة في حال الفراغ والرغبة والإقبال، ويقللها في أحوال العذر، فضلاً من الله تعالى على العباد أن يأتوا بالعبادة على السنة، والوجه المشروع في كلا الحالين. ٥- قال الإمام ابن القيم: إِنَّ من هدي النبي وَّ في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنَّه صلَّى سنة الصلاة قبلها، ولا بعدها إلاَّ ما كان من الوتر، وسنة الفجر، فإنَّه لم يكن ليدعهما حضرًا ولا سفرًا. أما إذا كان التنفل نفلاً مطلقًا، فقد سئل الإمام أحمد، فقال: أرجو ألا یکون بالتطوع بأس. ٦ - فضل الأربع قبل الظهر والأربع بعدها، فمن حافظ عليها، حرَّمه الله تعالى على النار. ٧- أنَّ من حافظ على هذه الرواتب عمومًا، بنى الله له قصرًا في الجنة. ٨ - أنَّ صلاة العصر ليس لها راتبة لا قبلها، ولا بعدها، وسيأتي أنَّه نُدب لصلاة أربع قبلها . ٩ - استحباب هذه الرواتب المذكورة، وتأكد المحافظة عليها . ١٠ - بعض هذه الرواتب تكون قبل الفريضة؛ لتهيئة نفس المصلي للعبادة قبل الدخول في الفريضة، وبعض الرواتب بعدها . ولعل من حكمة الله تعالى: كون راتبتي الصبح والظهر قبلها؛ لبُعد العهد، فالصلاة قبل وقتهما؛ لتهيئة النفس، وتكييفها للصلاة المفروضة، التي هي أجل شعيرة، بخلاف المغرب والعشاء، فالمصلي حديث عهد بالصلاة . ١١- للرواتب فوائد عظيمة، وعوائد جسيمة، من زيادة الحسنات، وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وترقيع خلل الفرائض، وجَبْر نقصها؛ لذا ١٣٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ينبغي العناية بها، والمحافظة عليها . ١٢- فيه دليل على أنَّ هذه الرواتب ليست واجبة، وإنما هي مستحبة؛ ذلك أنَّه ذکر ثواب المحافظة علیھا، ولم یذکر عقاب تارکها . ٣٨٥ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ٢٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ - رسُولُ الله - بَ: ((رَحِمَ اللهُ امْرَءًا صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاودَ، وَالتِّرْ مِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَخَّحَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيفٌ، وقد حسّنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وأعلَّه ابن القطان، وللكنه حسن بالشواهد الآتية: ١- حديث عليٍّ: أخرجه أحمد، وأبوداود، وحسّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان . ٢- حديث عبدالله بن عمروبن العاص: أخرجه الطبراني في ((الكبير))، و((الأوسط)). ٣- حديث أبي هريرة: عند أبي نعيم. ٤- حديث أم سلمة: عند الطبراني في ((الكبير)). * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذه الركعات الأربع - قبل العصر - ليست من الرواتب، وإنما هي من السنن النوافل، التي ليس لها مرتبة الرواتب في الفضل والمحافظة. ٢- قال ابن القيم: وأما الأربع قبل العصر، فلم يصح عنه مَّ في نقلها شيء من الأحاديث، على أنَّه وَ لير كان يصلي في النَّهار ست عشرة ركعة، وسمعت شيخ الإسلام ينكر هذا الحديث، ويدفعه جدًّا، ويقول: إنَّه موضوع، ثم ساق حديث ابن عمر عن النبي ◌َله: ((رحم الله امرأً صلَّى أربعًا قبل العصر))، وقال: قد اختلف في هذا، فصححه ابن حبان وأعلَّه غيره. (١) أحمد (١١٧/٢)، أبوداود (١٢٧١)، الترمذي (٤٣٠)، ابن خزيمة (٢٠٦/٢). ٣٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- الحديث صالح للعمل به بشواهد، وعلى فرض قبول الطعن فيه، فإنَّ الحديث إذا لم يشتد ضعفه، وكان داخلاً تحت قاعدة عامة - فإنه يجوز العمل به في فضائل الأعمال. ٤- فيه الترغيب في صلاة أربع ركعات تطوعًا قبل صلاة العصر، وأنَّ هذه الصلاة من أسباب حصول رحمة الله تعالى. ٣٨٧ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ٢٩٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((صَلُوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ))، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِئَةِ: (لِمَنْ شَاءَ))، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَواهُ البُخَارِيُّ. صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ صلالله وسيلة رَكْعَتَیْنٍ»(١). وفِي رِوَايَةٍ لابن حِبَّانَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَِّيُّ نَّه يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُزْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا))(٢). * مفردات الحديث: - صلوا قبل المغرب: الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى، وهذا هو التوكيد اللفظي، الذي هو تكرير لفظ، يراد به تثبيت أمر في نفس السامع . - كراهية: منصوب على أنَّه مفعول من أجله، والمفعول من أجله: مصدر قلبي، يذكر علة لحدث شاركه في الزمان، والفاعل. * ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب صلاة ركعتين بعد الغروب، وقبل الصلاة، ولكنهما ليستا من السنن الرواتب المؤكدة. (١) البخاري (١١٨٣)، ابن حبان (٤٥٧/٤). (٢) مسلم (٨٣٦). ٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢- يستحب عدم المداومة عليها؛ خشية أن يُظَنَّ أنَّها سنة راتبة، فتأخذ حكم الرواتب من التزامها، وعدم التخلف عنها، فالكراهة ليست في فعلها؛ إذ لا يجتمع استحباب وكراهة في فعل واحد، وإنما الكراهة في المداومة واتخاذها سنة دائمة، وقد فرَّق العلماء بين الشيء الراتب، الذي يتّخذ سنة راتبة، وبين الشيء العارض الذي يؤتى به في بعض الأحيان والأحوال، وللكنه لا يأخذ حكم السنة الراتبة التي لا ينبغي الإخلال بها. ٣- أنَّ صلاتهما لا تؤخر صلاة المغرب عن أول وقتها، فقد قال النووي: إِنَّ قول من قال: ((فعلهما)): ((يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها)) - خيال فاسد، منابذ للسنة، ومع ذلك فزمانهما يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها . ٤ - صلاة هاتين الركعتين ثبتت عن النبي ◌ّر بأقسام السنة الثلاثة، فقد أمر بها بقوله: ((صَلُّوا قبل المغرب))، وفعَلَهُما كما في رواية ابن حبان، ورأى الصحابة يصلونها فأقرَّهم عليها . ٥- قال ابن القيم - رحمه الله -: ثبت أنّه كان يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة: سبع عشرة الفرائض، واثنتي عشرة راتبة في حديث أم حبيبة، وإحدى عشر صلاة الليل، فكانت أربعين ركعة . ٦ - قال شيخ الإسلام: ما ليس براتب لا يلحق بالراتب، ولا تستحق المواظبة عليه؛ لئلا يضاهي السنن الراتبة، فما قبل العصر، والمغرب، والعشاء، من شاء أن يصلي تطوعًا فهو حسن، للكن لا يتّخذ ذلك سنة راتبة. ٣٨٨ ٣٨٩ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ٢٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ النَّبِىُّ صلى الله وسلم يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَقْرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟)). مُتَّفَقٌ علَيْهِ(١). مفردات الحديث: - إني: بكسر الهمزة. - أم الكتاب: سميت الفاتحة بـ((أم الكتاب))؛ لأنَّ أم الشيء: أصله، وهي مشتملة على كليات معاني القرآن. - أقرَأَ: قال القرطبي: ليس هذا شكًّا من عائشة، وإنما كانت عادته وَلل إطالة النوافل، فلما خفَّف في ركعتي الفجر، صار كأنَّه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرها من الصلوات . (١) البخاري (١١٧١)، مسلم (٧٢٤). ٣٩٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾)). رواه مسلم (١) . ٢٩٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ الشَّيُّ ◌َله إِذَا صَلَّى رَكْعَتَِ الفَجْرِ، اصْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢). * مفردات الحديث (٢٩٣): - اضطجع: ضجع من باب نفع، يقال: ضجعت جنبي وأضجعته، والأصل: افتعل، للكن بعض العرب يقلب التاء طاء، ويظهرها عند الضاد، فيقول: اضطجع، وبعضهم يقلب التاء ضادًا، ويدغمهما في الضاد تغليبًا للحرف الأصلي، وهو الضاد، فيقول: اضجع. - شِقّه الأَيْمَن: بكسر الشين وتشديد القاف المثناة؛ أي: جنبه، وهو ما تحت إبطه إلى كشحه. وحكمة تخصيص الأيمن - والله أعلم، كما قال الكرماني -: لئلا يستغرق في النوم؛ لأنَّ القلب من جهة اليسار، متعلق حينئذ غير مستقر، وإذا نام على اليسار كان في دَعَة واستراحة، فيستغرق. (١) مسلم (٧٢٦). (٢) البخاري (١١٦٠). ٣٩١ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ٢٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَىُ جَنْبِهِ الأَيْمَنِ)). رواهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَالتِّر مِذِيُّ وَصَخَّحْهُ(١). : درجة الحديث: الحدیث صحیحٌ، وسنده جید. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال النووي في ((شرح مسلم)): إسناده على شرط الشيخين. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. أما شيخ الإسلام: فلم يصحح الأمر وأنكره، وإنما قال: الصحيح أنَّ هذا ثابت من فعله وَل﴾، لا من قوله. * ما يؤخذ من الأحاديث: (٢٩١، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٤): ١- هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بأحكام راتبة صلاة الفجر. ٢- حديث عائشة يدل على استحباب تخفيف ركعتي الفجر، فقد كان وَلايه- يصليها أمام عائشة، فتقول: ((أقرأ بأم القرآن (الفاتحة)؟)) كل هذا من شدة تخفيفهما؛ فإنَّه يخفف القراءة، وإذا خفف القراءة، فإنه يخفف بقية الأقوال والأفعال. ٣- يدل أيضًا على أنَّه ◌َ ليه يصليهما أمام عائشة في البيت، فعائشة هي التي تحزر صلاته . ٤- حديث أبي هريرة يدل على أنَّه يستحب قراءة هاتين السورتين بعد الفاتحة: (١) أحمد (٤١٥/٢)، أبوداود (٢٦١)، الترمذي (٤٢٠). ٣٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ١ في الركعة الأولى، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ١ في الركعة الثانية . ٥- قال ابن القيم: كان ◌َليّ يصلي سنة الفجر بسورتي ((الإخلاص))، و((الكافرون)) وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، فسورة ((الإخلاص)) متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب من الأحدية المنافية لمطلق المشاركة، والصمدية المثبتة لجميع صفات الكمال، ونفي الولد والوالد، ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير، فتضمنت هذه السورة إثبات کل کمال له، ونفي کل نقص عنه . وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي، فأخلصت: ﴿قُلْ قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي. هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ أما ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾: فأخلصت قارئها من الشرك العملي، الإرادي القصدي، ولما كان العلم قبل العمل، كانت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ تعدل ثلث القرآن، والأحاديث في ذلك تبلغ حد التواتر، ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس؛ لأجل متابعتها هواها، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه؛ لما لها فيه من حظ في نيل أغراضها، جاء في التأكيد والتكرار في سورة ((الكافرون))، المتضمنة لإزالة الشرك العملي مما لم يجيء مثله في: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدَّ ٦- لما كان لهاتين السورتين العظيمتين من الأهمية، وما جمعتاه من العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة - كان ◌َ له يقرأ بهما في ركعتي الفجر، وفي الوتر، اللّتين هما فاتحة العمل وخاتمته؛ ليكون مبتدأ النهار توحيدًا، وخاتمة الليل توحيدًا. ٧- جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: ((أنَّ النبيَّ وَّ قرأ الآيتين في ٣٩٣ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ركعتي الفجر: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا ... ﴾ [البقرة: ١٣٦] إلخ الآية عوضًا عن: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ و﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوَا ... ﴾ [آل عمران: ٦٤]))، وهاتان الآيتان من أصول الإيمان، وأصول التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، ونفي کل شريكٍ عنه. ٨- أما حديث عائشة رقم (٢٩٣): فيدل على استحباب الاضطجاع على الشق الأيمن، بعد راتبة الفجر، وقبل فريضتها . ٩ - قال ابن القيم: وفي اضطجاعه على الشق الأيمن سرٍّ، هو أنَّ القلب معلق في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر، استثقل نومًا؛ لأنَّه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنَّه يقلق ولا يستغرق في النوم؛ لقلق القلب. قلت: وفي هذه الاستراحة اليسيرة راحة واستجمام لصلاة الفجر، والله أعلم. ١٠ - أما حديث أبي هريرة، رقم (٢٩٤): فيدل على استحباب الضجعة على الجانب الأيمن، قبيل صلاة الصبح. لكن قال ابن القيم عن هذا الحديث في ((زاد المعاد)): سمعت ابن تيمية يقول: هذا باطلٌ، وليس بصحيحٍ، وإنما الصحيح العمل لا الأمر بهما، والأمر تفرد به عبدالواحد بن زياد، وغلط فيه. ولكن قال الحافظ في ((فتح الباري)) (٢٩/٣): الحق أنَّه تقوم به الحجة، ويحمل الأمر على الندب. وقال النووي: إسناده على شرط الشيخين. وقال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح. ٣٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٩٥ _ وعَن ابْن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهُ: ((صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبحَ، صلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، ثُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى)). مُتَّفقٌ عليه. وللخَمسَّةِ، وَصَخَّحْهُ ابنُ حِبَّنَ بِلَفْظِ: ((صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)). وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذا خَطَأُ (١). * درجة الحديث: الحدیث صحیحٌ، بدون ذکر ((النهار)). رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، وأصله في الصحیحین بدون ذکر ((النهار)). قال الترمذي: الصحيح ما رواه الثقات عن ابن عمر، فلم يذكروا فيه ((صلاة النهار)). وقال الدار قطني: ذكر ((النهار)) فيه وَهمٌ. وقال النسائي والحاكم: خطأ. وممن ضعف زيادة ((النهار)) ابن سعيد، والترمذي، والنسائي، وشيخ الإسلام ابن تيمية . * مفردات الحدیث: - صلاة الليل: أي: عددها، وهو مبتدأ، خبره «مثنى)). - مثنى مثنى: مرفوع بأنه خبر المبتدإ، وبلا تنوين؛ لأنَّه غير منصرف؛ للوصف والعدل؛ فإنَّه معدول عن (اثنين اثنين))، وفائدة التكرار التأكيد، (١) البخاري (٩٩٠)، مسلم (٧٤٩)، أبو داود (١٢٩٥)، الترمذي (٥٩٧)، النسائي (١٦٦٦)، ابن ماجه (١٣٢٢)، أحمد (٢٦/٢)، ابن حبان (٢٠٦/٦)، ابن خزيمة (٢١٤/٢). ٣٩٥ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ومعناه: أن يسلّم من كل ركعتين. - فإذا خشي أحدكم الصبح: أي: فوات الليل بطلوع الصبح. - تؤتر له: على صيغة المجهول، والمعنى: تُصِّر تلك الركعة صلاته وترًا. والوتر - بكسر الواو -: الفرد، وهو ضد الشفع. ٣٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّه: ((أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١). * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - حديث ابن عمر برواية الصحيحين، يدل على مشروعية صلاة الليل اثنتين اثنتین، فیسلم من کل رکعتین . قال شيخ الإسلام: وحمله الجمهور على أنَّه لبيان الأفضلية، وممن ذهب إلى استحباب التثنية في صلاة الليل الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد. أما الإمام مالك: فيرى عدم الزيادة على اثنتين؛ لأنَّ مفهوم الحديث فيه الحصر، وقد عارض هذا الحديث ثبوت إيتاره وَلّ بخمس، كما في الصحيحين ، والفعل دليل على عدم إرادة الحصر. ٢- أما رواية الخمسة بلفظ: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) -: فقد اختلف المحدثون في صحة لفظ ((النهار))؛ فقد أنكرها الإمام أحمد، وقال النسائي: هذا الحديث خطأ، وكذا قال الحاكم، وقال الدار قطني: ذكر النهار فيه وهمٌّ، وقال الترمذي: الثقات لم يذكروا النهار. وقال البيهقي: هذا حديث صحيح، وقال البارقي: احتج به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة. قال في ((سبل السلام)): لعلَّ الأمرين جائزان. وقال أبو حنيفة: يخير في النهار بين أن يصلي ركعتين ركعتين، أو أربعًا أربعًا، ولا يزيد على ذلك. والمشهور من مذهب الحنابلة: أنَّ صلاة الليل والنهار تكون مثنى مثنى، (١) مسلم (١١٦٣). ٣٩٧ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع قال في ((شرح الإقناع)): وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى؛ أي: يسلم فيها كل رکعتین؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: «وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) [رواه الخمسة]، وليس بناقضٍ للحديث الذي خصَّ فيه الليل بذلك، وهو قوله: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) [متفق عليه]؛ لأنَّه وقع عن سؤال عيّنه السائل، والنصوص بمطلق الأربع لا تنفي فضل الفصل بالسلام. ٣- أما حديث أبي هريرة: ففيه أنَّ أفضل الصلوات النوافل هي صلاة الليل؛ للبعد عن الرياء، ولما ورد فيها من صفاء المناجاة، ولأنَّها وقت الراحة والسكون في الفراش، فإتيان طاعة الله تعالى في هذا الوقت فيه أجرٌ كبير، قال تعالى: ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وفيه ساعة الإجابة. قال شيخ الإسلام: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل؛ لما روى مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)). ولما روى الترمذي (٣٥٩٤)، والنسائي (٥٧٢)، والحاكم (٣٩٥/١) أنَّه وَالر قال: ((أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل؛ فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكُنْ)). ولمسلم (٧٥٧) أنه مَ ﴿ قال: ((إنَّ من الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا، إلاَّ أعطاه إياه)). ٣٩٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٩٧ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤْتِرَ بِثَلاَثٍ فَلَّيْفَعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤْتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ)). رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَخَّحْهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَقْفَهُ(١) . * درجة الحديث: الحديث صحيح موقوف؛ قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والدار قطني (٢٣/٢)، والحاكم (٣٠٢/١) من طريق أبي أيوب، وله ألفاظ، وصحح أبوحاتم، والذهلي، والدار قطني، والبيهقي، وغير واحد وقفه، وهو الصواب. قال الصنعاني في ((سبل السلام)): وله حكم الرفع؛ إذ لا مسرح للاجتهاد فيه، وضعَّف الحديث ابن الجوزي؛ لوجود محمّد بن حسان في سنده، ولكن خطَّأه الحافظ في ذلك، وقال: إنَّه ثقة. * مفردات الحديث: - الوتر: بكسر الواو: الفرد، وهو ضد الشفع. - حق: يقال: حق یحق حقًّا، من بابي ضرب ونصر، بمعنى: وجب وثبت بلا شك، وله معانٍ عدة، والمراد هنا: تأكد مشروعيته. (١) أبوداود (١٤٢٢)، النسائي (١٧١٠)، ابن ماجه (١١٩٠)، ابن حبان (١٦٧/٦). ٣٩٩ كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع ٢٩٨ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((لَيْسَ الوِتْرُ بِحَتْمِ كَهَيْتَّةِ المَكْتُوبَةِ، وَلكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ الله ◌َ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ وصَحَّحَهُ(١). * درجةُ الحديث: الحديث حسنٌ، قال في ((التلخيص)): رواه النسائي والترمذي من طريق عاصم بن ضمرة عن عليٍّ، وحسَّنه، وصححه الحاكم وابن خُزَيْمَةَ . * مفردات الحديث: - ليس: فعل جامد لا ينصرف، ومعناه: نفي الخبر، وهي من أخوات ((كان)) ترفع الاسم وتنصب الخبر، والشائع في خبرها جره بالباء. - بحتم: جار ومجرور، وهو خبر («ليس)). وحتم يحتم حتمًا، من باب ضرب: أوجب الشيء جزمًا - كهيئة: الهيئة بالفتح والكسر: حال الشيء وكيفيته، وشكله وصورته، جمعها : هيئات. - سنة: السنة: الطريقة، حسنة كانت أو قبيحة، ومن الله حكمه وأمره ونهيه، وسنة النبي ◌ّ﴾ عند المحدثين هو قوله، وفعله، وتقريره، وعند الفقهاء ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه، وجمع السنة - في جميع معانيها -: سنن. * ما يؤخذ من الحديثين: (٢٩٧، ٢٩٨): ١- الوتر: اسم الركعة المنفصلة عما قبلها، وللثلاث، والخمس، والسبع، والتسع، والإحدى عشرة إذا جمعن، فإذا انفصلت الثلاث بسلامين، أو (١) الترمذي (٤٥٣)، النسائي (١٦٧٦)، الحاكم (٣٠٠/١). ٤٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الخمس، أو السبع، أو التسع، أو الإحدى عشرة - كان الوتر اسمًا للركعة المفصولة وحدها . قال ◌َله: ((فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة، توتر لك ما قد صليت)). ٢- حديث أبي أيوب يدل على أنَّ الوتر واجب، ويدل على جواز الإتيان بخمس، أو ثلاث، أو واحدة. ٣- من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، يعني : لا يقعد إلاّ في آخرها. ؛ خلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين - منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد - إلى عدم وجوب الوتر؛ لحديث الأعرابي الذي سأل النبي وَي عما فرض الله عليه قال: ((خمس صلوات في كل يوم وليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلاّ أن تطوَّع)). [رواه البخاري (٤٦) ومسلم (١١)]. وذهب إلى وجوبه ((أبو حنيفة)) وطائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ الحديث: ((الوتر حقٌّ على كل مسلمٍ)) [رواه أبوداود(١٤٢٢)]. ولما روى أبوداود (١٤١٩) بإسناده عن بريدة؛ أنَّ النَّبيَّ وَّ قال: ((من لم یوتر، فليس منّ». وما ذهب إليه الجمهور أرجح من أنَّ الوتر سنة مؤكدة، لا واجب، وحملوا حديث: ((الوتر حق)) على تأكيد استحبابه، وقد قال علي - رضي الله عنه -: ((الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنَّها رسول الله وَلِّ)). وقال شيخ الإسلام: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وآكد ذلك الوتر وركعتا الفجر، ولا ينبغي لأحد تركه، فمن تركه فإنَّه تُرد شهادته. وقال: الوتر أفضل من جميع الصلوات النوافل. واختار الشيخ وجوب الوتر على من له ورد من الليل، واستدل بقوله