Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١)
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
٢٥٨ - وَعَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ الله -
وَّهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلاَثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ،
وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَاَلِ وَالإِكْرَامِ.)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
مفردات الحديث:
- اللَّهمَّ أنت السلام: السالم من التغيرات والآفات، والسالم من جميع النقائص،
ومن كل ما ينافي كماله، أو معطي السلامة لمن يشاء.
- ومنك السلام: أي: منك يُرجى السلام، ويستوهب السلام، فمبدؤه منك
یا رب.
- السلام: يقال: سلم يسلم سلامًا، من باب علم، إذا نجا وبرىء، والسلام:
مصدر من ((سَلِمَ)) بالتخفيف، وهو التحيّة في الإسلام، فهو دعاء لهم بالسلامة
من الآفات في الدين، والعقل، والنفس.
- الجلال: يقال: جلَّ يجل جلالاً: عظم قدرًا وشأنًا، وضد صغر ودقّ، فهو
جلیل و جلال .
والجلال: التناهي في عظم القدر والشأن.
- يا ذا الجلال والإكرام: فسر بعضهم الجلال بالصفات الجليلة، فهو يجل عن
النقص، والعيب، ومشابهة المخلوقين، والإكرام بالصفات الثبوتية، فهو
مقابل له.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تقدم بيان الأذكار وترتيبها بعد الصلوات الخمس المفروضات، وهذا
(١) مسلم (٥٩١).
٣٠٢)-
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الحديث يؤخذ منه الدلالة على أنَّ المصلي - بعد الفراغ من الصلاة - يقول:
((أستغفر الله)) ثلاث مرات.
ثم يقول: ((اللَّهمَّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال
والإكرام)).
٢- المراد بالانصراف منها هنا ((السلام))، وبيانه سيأتي إن شاء الله .
٣- قيل لأحد رواة هذا الحديث، وهو الأوزاعي: كيف الاستغفار؟ فقال:
يقول: ((أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله)).
٤- الاستغفار هو طلب المغفرة، وطلبها لا يكون إلاّ من شعور بالتقصير،
فالاستغفار إشارة منه إلى أنَّه لم يقم بحق عبادة ربِّه، لما يعرض له من
الوساوس والخواطر والمنقصات، فشرع له الاستغفار تكميلاً لههذا النقص،
واعترافًا بالعجز والتقصير.
٥- فيه إثبات اسم السلام الله تعالى وصفته، فهو السالم من كل نقص وعيب،
وهو واهب السلامة لعباده من شرور الدنيا والآخرة.
٦- أما الجلال والإكرام فهما من صفات الغنى المطلق، والفضل التام، الثابتة
والمستحقة لله تعالى ، وهو جلَّ ذكره وفضله يكرم عباده المتَّقين، وينعِم
على عباده المخلصين .
وذو الجلال والإكرام اسمان عظيمان، وصفتان كريمتان، قال ◌َله:
((ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام))، ومرَّ يَّةِ برجل يصلي ويقول: يا ذا الجلال
والإكرام قال: ((استُجيب لَك)).
٧- يستحب في حق الإمام أن يبقى بعد السلام متَّجهًا إلى القبلة، حتى يفرغ من
هذا الذكر، الذي في هذا الحديث.
قال في ((شرح الإقناع)): ويستحب للإمام ألا يطيل الجلوس مستقبل
القبلة؛ لحديث عائشة قالت: ((كان النبي وَّ إذا سلم، لم يقعد إلاّ مقدار ما
٣٠٣
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
يقول: اللَّهمَّ أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام)).
[رواه مسلم (٥٩٢)].
٨- قال شيخ الإسلام: الإسرار بالذكر، والدعاء، والصلاة على النبي بَّ هو
الأفضل مطلقًا، إلاَّ لمعارض راجع .
أما مراءاة الناس في العبادات؛ كالصلاة، والصيام، وقراءة القرآن،
والذكر- فمن أعظم الدنوب، ولا يكفي أن يبطل عمله، بل هو مستحق
للعذاب.
٣٠٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَه
قَالَ: ((مَنْ سَبَّحَ اللهَ دُبُ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِيْنَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلاَثًا
وَثَلاَثِيْنَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاَئِيْنَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ
المِائَةِ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ،
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ
البَحْرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
وفَي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((أَنَّالتَّكْبِيْرَ أَرْبَعٌ وَثَلاَثُونَ)(٢) .
* مفردات الحديث:
- دبر كل صلاة: منصوب على الظرفية، وهو - بضم الدال ـ نقيض القبل، وهو
من كل شيء عقبه ومؤخره.
- سبحان الله: ((سبحان)) اسم مصدر منصوب بفعل محذوف، تقديره: سبَّحت
الله، ولا يستعمل غالبًا إلاَّ مضافًا، والمصدر هو ((التسبيح))، وهو التنزيه، وهو
التخلية التي تكون مقدمة على الحمد، الذي هو التحلية .
- حمد الله: الحمد: هو الثناء على الله بصفات الكمال الوجودية، فهي تحلية
بكماله، بعد تنزيهه عن صفات النقص السلبية.
- لا إله إلاّ الله: ((لا)) نافية لكل معبود بحقِّ، وهذه الجملة هي أفضل الذكر،
فالإيمان لا يصح إلاَّ بها، وهي كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص.
(١) مسلم (٥٩٧).
(٢) مسلم (٥٩٦) من حديث كعب بن عجرة.
٣٠٥)
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
- له الملك: المطلق الحقيقي الدائم، الذي لا انتهاء لوجوده، ثابت له لا
لغيره، کما يدل على ذلك تقديم الجار والمجرور.
- له الحمد: فالحمد: هو الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم،
ثابت له تعالى، وتقديم المعمول يفيد الحصر .
- الله أكبر: أي: أجلُّ وأعظم من كل ما عداه، وحُذِفَ المعمول للتعميم.
- زبد البحر: بفتحتين آخره دال، وزبد البحر: رغوته عند هيجانه؛ أي: في
الكثرة، قال ابن حجر: هو كناية عن المبالغة في الكثرة.
- وحده لا شريك له: تأكيد لمعنى «لا إلالكه إلاَّ الله)).
- وهو على كل شيء قدير: صاحب القدرة العامة الشاملة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب هذا الذكر بعد الصلوات الخمس المكتوبة.
قال في ((فتح الباري)): حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد رفع في
حديث كعب بن عجرة عند مسلم على التقيد بالمكتوبة، وكأنَّهم حملوا
المطلقات عليها .
٢- إذّن لا يستحب التقيد به في غير الصلوات المكتوبات، ومنها الجمعة، ولو
كانت صلاة جامعة؛ كالعيدين، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح، وقوفًا
عند الوارد .
٣- ورد الإتيان بههذا الذكر بأن يقال: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر)).
وورد بأن يقال: ((سبحان الله)) ثلاثًا وثلاثين، ثم يقال: ((الحمد لله))
كذلك، و((الله أكبر)) كذلك، والأفضل فعل هذا مرَّة، وفعل هذا مرَّة؛
ليحصل العمل بالسنة؛ فإنَّ القاعدة أنَّ العبادات الواردة على وجوه متنوعة،
ينبغي أن تفعل على كل وجه؛ ليحصل العمل بالسنة كلها .
٤- ترتيب هذه الجمل على هذه الصيغة بغاية المناسبة:
٣٠٦)-
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
((فسبحان الله)) تنزيه عن كل نقص وعيب، ((والحمد لله)) وصفه تعالى
بجميع المحامد، والتنزيه والتخلية تكون قبل التحلية.
ثم إذا وصف العبد ربه بالنزاهة عن النقص والعيب، ووصفه بالكمال،
جاءت صفات التكبير والتعظيم المستحقة لمن تنزه عن العيوب، ووفى
بالمحامد .
٥- قوله: ((غفرت خطاياه)) ظاهر الحديث العموم، ولكن جمهور العلماء
يقولون: إنَّ جميع الأحاديث الواردة بمغفرة الذنوب، أو تكفير السيئات من
أجل القيام بالأعمال الصالحة، مقيّدة باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِن
تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله
وَ اله: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان،
مكفرات لما بينهنَّ، ما اجتنبت الكبائر)). [رواه مسلم (٢٣٣)].
فإذا كانت هذه الفرائض العظام - ومنها الصلوات الخمس - لا تقوى على
تكفير الكبائر، فما دونها من فضائل الأعمال من باب أولى، وقال النووي:
إن لم تکن صغائر رجي التخفيف من الكبائر، فإن لم تکن رفعت له به درجات.
أما شيخ الإسلام فقال: إنَّ إطلاق التكفير بالعمرة متناول الكبائر.
٦- يقال هذا الذكر بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة، وكما ورد في الأخبار،
والظاهر أنَّ المراد أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه وفي ذهابه،
فالظاهر أنَّه مصيب للسُّنَّة أيضًا؛ إذ لا تحجير في ذلك، ولو شُغِلَ عن ذلك
ثم تذكره فذكره، فالظاهر حصول أجره الخاص له أيضًا، إذا كان قريبًا لعذر.
أما لو تركه عمدًا، ثم استدركه بعد زمن طويل، فالظاهر فوات أجره
الخاص، وبقاء أجر الذكر المطلق له.
٧- أنَّ هذا الذكر سببٌ لمغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، والمراد: تكفير
صغائر الذنوب، أما الكبائر فلا يكفرها إلاّ التوبة منها، قال تعالى: ﴿ إِن
٣٠٧
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].
قال شيخ الإسلام: الذكر من أفضل العبادات، ولذا قالت عائشة: ((الذكر
بعد الانصراف من الصلاة هو مثل مسح المرآة بعد صقالها؛ فإنَّ الصلاة
تصقل القلب)).
والذكر عقب الصلاة ليس بواجب، فمن أراد أن ينصرف فلا ينكر عليه،
وللكن ينبغي للمأموم ألا يقوم حتى ينصرف الإمام عن القبلة، ولا ينبغي
للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة، إلاَّ بمقدار ما يستغفر ثلاثًا،
ويقول: ((اللَّهمَّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام)).
٨- عَدُّ التسبيح بالأصابع سُنة، فقد قال ◌َّ للنساء: ((سبحن، واعقدن بالأصابع؛
فإنَّهنَّ مسؤولات مستنطقات)) [رواه أحمد (٢٦٥٤٩) والترمذي (٣٥٨٣)].
٩ - جاء في بعض روايات الصحيحين: ((أنَّ تمام المائة هي: لا إله إلاّ الله ... ))
إلخ، وجاء في بعضها: ((أنَّ التكبير أربع وثلاثون))، وفي رواية لمسلم من
هذا الحديث: «تسبحون وتحمدون وتکبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين،
إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة؛ فذلك كله ثلاث وثلاثون)).
وفي رواية للبخاري (٦٣٢٩) من هذا الحديث: ((تسبحون دبر كل صلاة
عشرًا)). وقال في ((فتح الباري)): جمع البغوي في ((شرح السنة)) بين هذا
الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صَدَرَ في أوقات متعددة، ويحتمل أن
يكون ذلك على سبيل التخيير، أو يختلف باختلاف الأحوال.
قال محرره عفا الله عنه: وما دام أنَّ الأحاديث صحَّت بههذه الأعداد،
فينبغي أن يفعل هذا مرَّة، وهذا مرة أخرى، ولعلَّ العدد القليل يؤتى به في
الأزمنة الضيقة، حتى لا يفوت المصلي السنة والفضيلة، والله لطيف بخلقه.
أما العمل بالروايات كلها، أو بأكثر من واحدة منها في صلاة واحدة، فلا
یستحب .
٣٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٦٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْن جَبَلٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله
قَالَ لَهُ: ((أُوْصِيكَ يَا مُعَاذُ: لاَ تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ
◌ِعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)). رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُودَاودَ
والنَّسائي بِسَنَدٍ قَوِيٌّ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال الإمام النووي في ((الأذكار)): إسناده صحيح ، وقال الشيخ صديق
حسن في ((نزل الأبرار)): رواه أبوداود والنسائي، وابن حبان (٣٦٤/٥) وابن
خزيمة (٣٦٩/١) في صحيحيهما، وقال الحاكم: صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي، وقد احتج به المنذري.
* مفردات الحديث:
- لا تدعن: بفتحات ثلاث، من ((ودعه)): إذا هجره وتركه؛ أي: لا تتركن.
- أعِنِّي : - بفتح الهمزة وكسر العين وتشديد النون: صيغة دعاء من: الإعانة، إذا
أدغمت نون الفعل في نون الوقاية، فصارت مشددة؛ أي: انصرني ووفقني.
ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب هذا الدعاء بعد الصلوات المكتوبة، وتقييده بعد المكتوبة؛ لأنَّها
هي المرادة عند الإطلاق .
٢ - قوله: ((دبر كل صلاة)) اختلف في دبر الصلاة، هل المراد به قبيل السلام، أو
المراد بعد السلام؟ .
(١) أحمد (٢٤٤/٦)، أبوداود (١٥٢٢)، النسائي (٥٣/٣).
٣٠٩
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
أكثر العلماء على الثاني، وطائفة على الأول، ومنهم شيخ الإسلام.
أما النصوص: فجاء في حديث معاذ في بعض ألفاظه: ((لا تدعن أن تقول
في صلاتك)) مما يدل على أنَّ المراد بدبر الصلاة: قبل السلام.
وجاء في حديث أبي هريرة: ((من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ... )).
وجاء فيما رواه النسائي في الكبرى (٣٠/٦) وغيره: ((من قرأ آية الكرسي
دبر كل صلاة مكتوبة))؛ والمراد بههذين الحديثين: بعد السلام.
فصار الدبر يراد به: آخر جزء من الصلاة، ويراد به: ما بعد السلام.
والأفضل أن يكون الدعاء فيما قبل السلام، وأما الذكر ففيما بعد السلام؛
وتقدم الكلام عليه .
٣- قال في ((الشرح)): دبر الصلاة يشمل ما بعدها، وبعد التشهد، والظاهر هنا
الأول.
أما شيخ الإسلام : فيرجح أنَّ الدعاء يكون في الصلاة قبل السلام منها،
فقد قال - رحمه الله تعالى : -، والدعاء في آخر الصلاة قبل الخروج منها
مشروع بالسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، وعامة الأدعية المتعلقة
بالصلاة إنما فعلها - عليه السلام - فيها، وهو اللائق بحال المصلي المقبل
على ربه يناجيه .
٤- فضيلة هذه الكلمات المباركات الطيبات، الجامعة لخيري الدنيا والآخرة،
ففيهن طلب الإعانة من الله تعالى على إقامة ذكره، والقيام بشكره، وإحسان
عبادته، بأن یعبد المسلم ربه كأنه يراه.
فمن قام بذكر الله تعالى على الوجه المطلوب، وأدى شكر الله على نعمه
وإحسانه، وأتى بالعبادة محسنًا فيها، متقنًا لها - فقد أدى عبادة ربه بقدر
طاقته، ومن الله القبول والثواب.
٥- الحديث فيه فضيلة ومنقبة لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - فقد جاء فيه: ((یا
٣١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
معاذ، إني أحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة ... )) الحديث، ومحبة الرسول
للعبد عنوان سعادته في الدنيا والآخرة، وأما الحديث فهو من الأحاديث
المسلسلة، بههذه الكلمة اللطيفة الكريمة .
٦- الحديث فيه التأكيد على الإتيان بههذه الدعوات الكريمات، بما جاء فيهنَّ
من النهي عن تركهن، مما قد يحمل على القول بالوجوب.
قال شيخ الإسلام: الحاصل أنَّه يستحب للعبد إذا فرغ من صلاته،
واستغفر الله، وذكره، وهلَّله، وسبَّحه، وحمده، وكبّره، بالأذكار المشروعة
عقب الصلاة - أن يصلي على النبي ◌َّهِ، ويدعو بما شاء؛ فإنَّ الدعاء عقب
هذه العبادة أحرى الأوقات بالإجابة، لا سيما بعد ذكر الله وحده، والثناء
عليه، والصلاة على رسوله، وهو أبلغ الأسباب لجلب المنافع، ودفع
المضار، ويستحب إخفاء الدعاء، ففي إخفائه فوائد منها :
- الإخلاص لله تعالى، والبعد عن الرياء.
- وحضور القلب، وخشوعه عند مناجاة الله تعالى.
- والبعد عن القواطع والمشوشات.
- وغير ذلك مما تجلبه السرية مع الله تعالى.
فالإسرار بالذكر، والدعاء، والصلاة على النبي وَّه ــ هو الأفضل مطلقًا،
إلاَّ لعارض راجع.
٧- ((وحسن عبادتك)): المطلوب من هذه الجملة هو التجرد عما يشغله عن
الله، ويلهيه عن ذكره وعبادته؛ ليتفرغ لمناجاته الله، فتكون قرة عينه في
الصلاة، ويرتاح بها من همومه وغمومه، وليحقق كمال الإحسان، الذي دلَّ
عليه النبي وَل بقوله: ((أن تعبدالله كأنَّك تراه)). [رواه مسلم (١)].
٨- فيه حرص النبي ◌ّ﴾ على ما ينفع أمته، ويرفع درجاتهم، ويعلي مراتبهم عند
ربهم، فصلوات الله وسلامه عليه، فقد بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة.
٣١١
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
٩ - فيه الحرص على مجالسة العلماء والصالحين، الذين يزيدون الإنسان من
العلم النافع، ویقوون فيه الإيمان، ویقربونه من ربه.
١٠- إذا ضعف الإنسان عن العدد الكثير، أو كان له ما يشغله عنه، فيكون
القليل من باب الترخيص؛ فإنَّ الشرع جاء بالرفق في حال السفر والعذر،
والله أعلم.
١١ - ما جاء في هذه النصوص الصحيحة هو الذكر المشروع، أما ما استحدث
من أذكار، وما جعل له من هيئات وصفات، فهو من البدع، التي قال عنها
وسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد)) [رواه مسلم (١٧١٨)]،
ومن ذلك الاستغفار جماعة بصوت واحد بعد السلام، وقولهم بعده: ((يا
أرحم الراحمين، ارحمنا))، وتدوير أصابع اليد اليمنى مبسوطة على
الرأس، وجمع رؤوس أصابع اليدين، وجعلها على العينين بعد الصلاة،
وقراءة ثلاث آيات من سورة آل عمران، والصلاة على النبي وَ لاو بعد الصبح
والمغرب، ونحو ذلك من أذكار لم ترد بها سنة، فلا يجوز، والواجب
الاقتصار على الوارد، وعبادة الله تعالى تكون بما شرعه.
١٢- يُسْأَل الله الإعانة على هذه المطالب الثلاثة، وهي ذكره، وشكره، وحسن
عبادته، فهي غايات في بلوغ طاعة الله تعالى، التي هي مراده من إيجاد
خلقه، وهي وسائل إلى الحصول على فضله ورحمته.
* خلاف العلماء:
اختلفت أقوال العلماء فيما إذا زاد الإنسان على العدد المحدود في هذه
الأذكار :
فقال بعضهم: إذا زاد على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب
المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة، وخاصية تفوت لمجاوزة
ذلك العدد، وبالغ القرافي في ((القواعد)) فقال: من البدع المكروهة الزيادة في
٣١٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
المندوبات المحددة شرعًا، ومثَّله بعضهم بالدواء إذا تخلّف الانتفاع به .
وبعض العلماء قال: إذا أتى بالمقدار الذي رتّب الثواب على الإتيان به -
حصل الثواب بعد حصوله.
قال الحافظ: وعليه أن تفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه
امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة، فلا تكون الزيادة مزيلة للثواب
المخصوص، وإن زاد بغير نية فيتجه للقول الأول.
٣١٣
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
٢٦١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَهُ : ((مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ
الجَنَّةِ إِلَّ المَوْتُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ: ((و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال الشيخ صديق حسن في ((نزل الأبرار)): أخرجه النسائي وابن حبان،
وفي إسناده: الحسن بن بشر، قال النسائي: لا بأس به، قال أبوحاتم: وبقية
رجاله رجال الصحيح، وأخرجه الطبراني، بإسنادين: أحدهما صحيح.
وأما زيادة الطبراني: ((و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
))) فقال المنذري:
وإسناده بهذه الزيادة جيد .
وقال في ((مجمع الزوائد»: لهذه الزيادة إسنادان: أحدهما جيد.
* مفردات الحديث:
- إِلاَّ الموت: هو على حذف مضاف تقديره: ((إلاَّ عدم موته))، حذف لدلالة
المعنی علیه .
- مکتوبة: کتب یکتب کتابًا، مصدر سیال، له عدة معانٍ:
منها: فرض، وهي المرادة هنا، فمعنى المكتوبات؛ أي: المفروضات.
- آية الكرسي: هي: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُمْ لَا تَأْخُذُمُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
(١) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٠)، الطبراني في الكبير (١٣٤/٨).
٣١٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّ بِمَا شَآءٌ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَعُودُهُ حِفْظُهُمَا
﴾ [البقرة].
٢٥٥
وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
أما الكرسي: فقد جاءت الأحاديث أنه موضع القدمين للرب تبارك
وتعالى.
- آية: أصلها ((أوية)) قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والنسبة إليه:
أوي، جمعها: آيات وآي، قال أبوالبقاء: الأصل في الآية: العلامة الظاهرة،
وتطلق على طائفة حروف من القرآن، علم بالتوقيف انقطاعها عما قبلها،
وعما بعدها من الكلام.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فضل هذه الآية العظيمة؛ لما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى، والصفات
العلى، والوحدانية، والحياة الكاملة، والقيومية الدائمة، والعلم الواسع،
والملكوت المحيط، والقدرة العظيمة، والسلطان القويم، والإرادة النافذة.
وقد روى الإمام أحمد (٢٠٧٧١) ومسلم (٨١٠): ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّ سأل أُبَيَّ
ابن كعب: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، فرددها عليه
مرارًا. قال أبيُّ: آية الكرسي، قال: ليهنك العلم، يا أباالمنذر!)).
٢ - من معاني الآية العظيمة:
﴿الله﴾: لفظة الجلالة جمعت معاني الألوهية التي لا يستحقها إلاَّ هو، فعبادة
غير الله باطلة، وهو - جلَّ وعلا - صاحب الحياة الكاملة من السمع والبصر،
والقدرة، والإرادة، وغيرها من الصفات الحميدة.
{ الْقَيُومُ﴾ الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع خلقه، وقامت به جميع
الموجودات، فهو الذي أوجدها، وأبقاها، وأمدها بجميع ما تحتاج إليه في
وجودها، وبقائها .
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ السِّنة: النعاس في العين، وأما النوم: فهو
ج
٣١٥ -
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
الاسترخاء والثقل، الذي يصل إلى القلب فيزول معه الذهن، فالسِّنة والنوم
إنما يعرضان للمخلوق الناقص، الذي يعتريه الضعف والعجز، ويحتاج
للراحة والاستجمام، أما صاحب القوة الكاملة والقيومية التامة فلا يعرضان
له .
﴿لَُّ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَافِي الأَرْضِ﴾: فالكل عبيده، والجميع ملكه، لا يخرج
أحدٌ منهم عن ذلك.
﴿ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ؟ إِلَّا بِإِذْنِهِْ﴾: فمن تمام ملكه، ومن عظمة
سلطانه، ومن جلال أمره -: أنه لا يتجرأ أيُّ مخلوق على أن يشفع لأحد،
إلّ بإذنه ورضاه عن الشافع والمشفع فيه، وإذن منه في الشفاعة، فكل
وجيه، وشفيع من عبيده لا يشفع إِلاّ بإذنه؛ ﴿قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا﴾ .
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فعلمه المحيط الواسع، واطلاعه على
شؤون خلقه، وعلمه بماضیهم، وحاضرهم، ومستقبلهم - لا يحتاج معه إلى
الوسطاء والشفعاء في أمر خلقه، إلاّ في حالة هو يرضاها، فيأذن فيها إكرامًا
للشافع، ورحمة للمشفوع له.
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءَ﴾ أما خلقه العلوي والسفلي فلا
يحيطون بقليل، أو بكثير من علم الله تعالى، ومعلوماته، إلاّ أن تقتضي
حكمته تعالى إطلاعهم على شيء مما ينفعهم من معاشهم ومعادهم، من
الأمور الشرعية والأمور القدرية، وهي نسبة ضئيلة قليلة في جانب علم الله
الواسع، وإحاطته الشاملة؛ ولذا قالت الملائكة: ﴿سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا
عَلَّمْتَنَآ﴾ [البقرة: ٣٢]، وتقول الرسل يوم القيامة: ﴿ لَا عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ
[المائدة] .
اُلْغُيُوبِ
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ مما يدل على ملكه الواسع، وجلاله
العظيم، وسلطانه القويم، وإحاطته الكاملة، وقدرته التامة، وإرادته
٣١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
النافذة، وأنّه الحافظ للسموات ومن فيها، والأرض ومن فيها، بالأسباب
القوية، والنظام المحكم، والترتيب العجيب.
﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ﴾ بذاته على جميع مخلوقاته، والعلي بعظمته وصفاته،
والعلي بقهره لمخلوقاته، فقد عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلَّت
له الصعاب، ودانت له الموجودات، سبحانه ما أعظم شأنه.
الجامع لصفات العظمة والكبرياء، والمجد والبهاء، فهو
٥٥
﴿اَلْعَظِيمُ
المحبوب المعظم، الکریم الممجد.
فآية اشتملت على هذه المعاني الجليلة، والصفات الإلهية الحميدة،
والمعارف الربانية العظيمة - لهي أعظم آية في كتاب الله، فالكلام يشرف،
ويعظم بشرف وعظم معانيها، ومعارف الله تعالى، وصفاته العلى، وأسماؤه
الحسنى هي أشرف العلوم، وأجل المعارف.
وإنَّ العارفين بالله تعالى أصحاب القلوب الواعية، ليدركون من هذه
الآية العظيمة، وأمثالها من كتاب الله تعالى - مما يتعرض لبيان أسماء الله
وصفاته ـ ما لا یدر که غیرهم.
٣- أما سورة الإخلاص: فقد جاء في فضلها أحاديث كثيرة صحيحة، لا يسع
المقام إلاَّ لنقل بعضها، ففي صحيح البخاري (٥٠١٥) من حديث أبي سعيد
الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله لأصحابه: ((أيعجز
أحدكم أن يقرأ ثُلثَ القرآن في ليلة؟ فقالوا: أيُّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟
قال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن)).
وفي صحيح مسلم (٨١١) من حديث أبي الدرداء، عن النبي وَّ قال:
((إنَّ الله جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ جزءًا من
أجزاء القرآن».
٤ - قال شيخ الإسلام: وأما السؤال عن معنى هذه المعادلة، مع الاشتراك في
٣١٧)
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
كون الجميع كلام الله تعالى، فقد قال تعالى: ﴿﴿ مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا
تَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ فأخبر أنَّه يأتي بخير منها، أو مثلها، فدلَّ ذلك على
أنَّ الآيات تتماثل تارة، وتتفاضل تارة أخرى.
وأيضًا: التوراة والإنجيل والقرآن، جميعها كلام الله، مع علم المسلمین،
بأنَّ القرآن أفضل الكتب الثلاثة، فالقول بأنَّ كلام الله بعضه أفضل من بعض
هو القول المأثور عن السلف، وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف
الأربعة وغيرهم، وكلام القائلين بذلك كثير منتشر في كتب كثيرة، والمثبت
لتفاضل كلام الله معتصم بالكتاب والسنة والآثار، ومعه من المعقولات
الصريحة التي تبين ما ذهب إليه، وإثبات تفضيل بعض الكلام على بعض،
لیس فیه ما یوهم أنَّ المفضول معیب، أو ناقص.
فإذا علم ما دلّ عليه الشرع، مع قول السلف من أنَّ بعض القرآن أفضل
تعدل ثلث
١
من بعض، بقي الكلام في كون: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
القرآن، ما وجه ذُلك؟ .
الجواب: قيل في ذلك وجوه: أحسنها - والله أعلم -: ما قاله ابن سُريج
وهو: أنَّ القرآن أنزل على ثلاثة أقسام:
ثُلُثُ أحكام، وثلثٌ وعدٌ ووعيد، وثلثُ الأسماء والصفات، وهذه
السورة جمعت الأسماء والصفات.
٥ - أما الإشارة إلى معاني هذه السورة الجليلة، فهي:
﴿قُلْ﴾ انطق جازمًا، معتقدًا عارفًا بما تقول:
فهو صاحب الأحدية، والفردية المطلقة، وهو
﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ فَّ﴾
صاحب الصفات الكاملة، والأسماء الحسنة، والأفعال الحكيمة.
الذي تقصده جميع المخلوقات لقضاء حوائجها
اللهُ الصَّمَدُ أَ
وأمورها، فلا معطي ولا مانع إلاَّ هو .
٣١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
لَمْ يَلِدْ﴾ لكمال غناه عن الولد، والمعين.
﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾﴾ لأزليته المطلقة، فهو الأول فليس قبله شيء.
﴿وَلَمْ يَكُن لَّمُ كُفُوا أَحَدًا ﴾﴾﴾ فليس له شبيه، ولا نظير، ولا مثيل،
لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذه الآية مثل قوله تعالى:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾﴾ [الشورى: ١١].
٦- وفي الحديث استحباب قراءة تلك الآية العظيمة، وهذه السورة الشريفة بعد
كل صلاة مفروضة؛ ليكتمل بهما ذكره لربه، ويرفع بهما ما نقص من
صلاته، وليجدد إيمانه كل يوم خمس مرات، بتلاوة أسماء الله الحسنى،
وصفاته العلى.
٧- فيه إثبات الجزاء الأخروي، وأنَّ أوله نعيم القبر، أو عذابه، وأنَّ نعيم القبر
جزء من نعيم الجنة، كما أنَّ عذاب القبر جزء من عذاب النار؛ لقوله تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْسِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
[غافر].
٤٦
اُلْعَذَابِ
وفيه أنَّ الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءُ بِمَا
﴾ [السجدة]، ولا يعارض ذلك ما جاء في البخاري (٥٦٧٣)
١٧
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
ومسلم (٢٨١٦) أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((لن يُدخل أحدكم الجنة عملُه، فقيل:
ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل»
وقد أشار إلى ذلك ابن القيم في النونية بقوله:
سبب الفلاح لحكمة الفرقان
وتأمَّل الباء التي قد عينت
ذاك الحديث أتى به الشيخان
وأظن باء النفي قد غرتك في
بالسعي منه ولو على الأجفان
لن يدخل الجنات أصلاً كادح
والكل مصدرها عن الرحمن
والله ما بين النصوص تعارضٌ
و((الباء)» التي للنفي بالأثمان
للكن ((بـ)) الإثبات للتسبيب
٣١٩
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
والفرق بينهما ففرقٌ ظاهرٌ يدريه ذو حظ من العرفان
والفرق بين الباءين معناه: أنَّ الجنَّة إنَّما تنال وتدخل برحمة الله تعالى،
والباء في النصوص سبب.
ونفى رسول الله رب له دخولها بالأعمال بقوله: ((لن يدخل أحد منكم الجنة
بعمله)) [رواه البخاري (٥٣٤٩) ومسلم (٢٨١٦)]: على أن الباء ثمنية، فلا
تنافي بین الأمرین .
٣٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٦٢ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ -یدل الحدیث على أصلين عظيمين:
الأصل الأول: دلالة الحديث على أنَّ أفعال النبي وَ لّ في الصلاة وأقواله
ـفيها بيان لما أجمل من الأمر بها في القرآن الكريم، وفي الأحاديث
الشريفة .
الأصل الثاني: وجوب اقتداء الناس به وَله، فيما يفعله من الصلاة، فكل ما
حافظ عليه من أفعالها، وأقوالها، وجب على الأمة فعله، أو قوله، إلاّ
لدلیل یخص شيئًا من ذلك.
هذا الأصل الثاني مستقيم، لو لم يعارضه حديث المسيء في صلاته،
الذي قال العلماء فيه: إنَّ ما لم يذكر فيه من أحكام الصلاة فهو غير واجب،
إلاَّ بدليل خاص، فحينئذ يقال في حديث مالك بن الحويرث: ((صلوا كما
رأيتموني أصلي)) ما كان الأمر فيه للوجوب يجب، وما كان الأمر فيه
للاستحباب يُستحب، وهو يدل على المشروعية المطلقة للرسول وَ ل.
٣- أنَّ صلاة النبي ◌َّه هي الصلاة التامة والكاملة، التي من احتذاها، فقد أكمل
صلاته، وأتم عبادة ربه، وما دام المسلم مأمورًا بالاقتداء بالنبي ◌َّ في
صلاته، فإنَّه لا يمكن ذلك إلاَّ بتعلمها، فيجب أن يتعلم كيف كانت صلاة
النبي ◌َّهر .
٤- وجوب الاهتمام والعناية بالصلاة، وإجادتها وإتقانها؛ ذلك أنَّه وَالتّر هو
(١) البخاري (٦٣١).