Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
وسيأتي الخلاف في ذلك.
٣- الحديث يدل على أنَّ المسؤول عنه هو كيفية الصلاة، لا حكمها، فإنَّ
حكمها معروف لديهم من الآية الكريمة، وكذلك هم عارفون بلغتهم
ولسانهم العربي أنَّ مطلق الأمر يكفي فيه أي صيغة كانت، وإنَّما أرادوا أن
يبيِّن لهم الصيغة الكاملة المفصّلة، ولذا بيَّن لهم عليه الصلاة والسلام
الكيفية والصيغة المختارة في الصلاة عليه وَاخيه .
٤- استحباب هذه الصفة المذكورة في الصلاة، فرضًا كانت أو نافلة.
٥- أنَّ من حق نبينا علينا أن نُصلي عليه وندعو له، فإنَّ هذا الدين العظيم
وهذه المِنَّة الكبرى لم تصلنا من الله تعالى إلاَّ عن طريقه، وعلى يديه، فمن
حقه علينا الصلاة، وصلاتنا وصلاة الملائكة عليه هي الدعاء له والثناء
عليه، فمن صلَّى عليه مرَّة واحدة، صلَّى الله عليه بها عشرًا، فينبغي الإكثار
من الصلاة عليه، لا سيَّما في يوم الجمعة، وأن تكون بالصيغ والألفاظ
المشروعة .
٦- أنَّ من أسباب علو شأن النبي وَّ، ورفع منازله ودرجاته دعاء أمته له،
وصلاتهم وسلامهم عليه .
٧- وردت الصلاة على النبي مَليه بألفاظ مختلفة وروايات متنوعة، وقد أجمع
العلماء على جواز كل ثابت من الصلاة على نبينا، وجواز الإتيان به، ولكن
في غير صلاة واحدة، وإنَّما يأتي في الصلاة بواحدة من تلك الصيغ؛ ليعمل
بجميع النصوص، ويحيي روايات السنة كلها، ولكن المختار منها للإتيان
به أكثر الأحيان هو الصيغة التي معنا .
٨- شرح بعض الجمل:
- اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد: الصلاة من الله: الثناء على عبده في الملأ
الأعلى؛ كما رواه البخاري عن أبي العالية.

٢٨٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- آل محمد ((آل)) بمعنى «أهل))، تأتي بمعنى الأتْبَاع، وبمعنى القرابة،
والذي يحدد المعنى، هو السياق، ففي قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾﴾ [غافر] المراد بهم: الأتباع.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾
[الأحزاب: ٣٣] المراد بهم: القرابة.
- كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم: وهم إسحاق وإسماعيل، ومن
ذرية إسماعيل محمَّد، عليهم جميعًا الصلاة والسلام، كما جاء في بعض
الروايات: ((وآل إبراهيم)) ومن أجل هذا صلح تشبيه الصلاة على محمَّد
وحده بالصلاة على إبراهيم، ومعه ابنه محمَّد ◌َّرِ، وعليهم أجمعين.
-إنّك حميد: كثير المحامد المستحق لها على كل حال.
- مجيد: كثير الأمجاد، والمجد هذا كمال الشرف، والكرم، والصفات
المحمودة .
- بارك على محمَّد: أي: ثبت له، وأدم عليه، وزده مما أعطيته من
الشرف والكرامة؛ فإنَّك حميد مجيد.
* خلاف العلماء:
ذهب الشافعي وأحمد إلى: وجوب الصلاة على النبي ◌َّ في التشهد الأخير،
سواء كانت الصلاة ذات تشهدين أو تشهد واحد، ولو تركت لم تصح الصلاة، مستدلين
بالآية الكريمة، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((قُولُوا: اللهمَّ صلِّ ... )) إلخ.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنَّ الصلاة على النبي وَّ في التشهد الأخير
سُنَّةٌ؛ لقوله وَ لِّ بعد أن ساق التشهد: ((إذا فعلتَ ذلك فقد قضيت صلاتك)).
والراجح: هو الأول، وقد بحثَ وجوب الصلاة على النَّبِي بَّ في التشهد
الأخير الإمامُ ابن القيم في كتابه ((جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام))،
ورد قول الذين لم يروا وجوبه، بما لا مزيد عليه من الاستدلال عليهم.

٢٨٣)
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
٢٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَّه: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِالله مِنْ أَرْبِعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا
وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)). مُتَّفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لِمُسْلِمٍ: ((إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ)) (١)
* مفردات الحديث:
- فليستعذ بالله: أصل ((أعوذ)) بسكون العين وضم الواو، فنقلت الضمة إلى
العين؛ لاستثقالها على الواو، فسكنت، ويقال: استعذت بالله، وعذت به
معاذًا، أو عياذًا: اعتصمت واستجرت به؛ فالاستعاذة في كلام العرب، هي:
الاستجارة والاعتصام.
- جهنّم: هي النار، أو طبقة من طبقاتها، سميت بذلك؛ لجهمتها وظلامها،
وبُعد قعرها .
- فتنة: عبارة عن الامتحان والابتلاء، في حال الحياة وعند الموت، وكثر
استعمال الفتنة فيما آخره الاختيار للمكروه، ثم كثر استعماله بمعنى الإثم،
والكفر، والقتال، ونحو ذلك.
- المحيا والممات: كلاهما مصدران ميميان؛ لأنَّ ما كان معتلاً من الثلاثي يأتي
منه المصدر، واسما الزمان والمكان بلفظ واحد، والمراد: ما يعرض
للإنسان في حال الحياة، وعند الوفاة، وفي القبر، فأمّا الفتنة حال الحياة فهي
ما يخشى من الزيغ والضلال، وما يتعرض له الإنسان من فتنة الدنيا وزينتها .
(١) البخاري (١٣٧٧)، مسلم (٥٨٨).

٢٨٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وأما فتنة الممات: فعند الاحتضار، وفي القبر عند سؤال الملكين، كما
جاء في البخاري (٨٦): ((إنّكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريباً من فتنة
الدجال)).
- المسيح: بفتح الميم وكسر السين المهملة المخففة في آخره حاء مهملة،
وسمي الدجال بالمسيح؛ لأنَّ الخير مسح منه، أو لأنَّ عينَه الواحدة ممسوحة،
أو لأنّه يمسح الأرض بمروره عليها.
وقد وردت الأخبار الصحيحة بخروجه آخر الزمان، علامة كبرى من
علامات الساعة .
- الدجال: على وزن فعَّال، من: ((الدَّجل)) وهو الكذب، والتمويه، وخلط
الحق بالباطل، فكل من ظهر على الناس يريد إضلالهم، وإغواءهم عن الحق
فهو دجال، وأول من يدخل في ذلك أصحاب المبادىء الهدَّامة، والمذاهب
الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، الذين يقدمونها للناس ولشعوبهم باسم
الإصلاح، فهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَلَيَحْمِلَُ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ
[العنكبوت].
١٣
أَثْقَالِهِمٌ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
* ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية التشهد الأخير في الصلاة، وتقدم أنَّ الصحيح وجوبه، ووجوب
الصلاة على النبي گڵ فيه .
٢- استحباب الدعاء بعد التشهد، والصلاة على النبي ◌َّ في هذه الجلسة،
التي هي دبر الصلاة.
قال شيخ الإسلام: الدعاء آخر الصلاة قبل الخروج منها مشروع بالسنة
المستفيضة، وإجماع المسلمين، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنَّما فعلها
عليه السلام فيها، وأمر بها فيها، ما دام مقبلاً على ربه يناجيه، فلا ينبغي أن
يترك سؤال مولاه في حال مناجاته، والقرب منه.

٢٨٥
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
٣- يستحب الدعاء بهذا المأثور، والتعوذ بالله تعالى من الشرور الأربع، فإنَّها
أساس البلاء والشر؛ فإنَّ الشر نوعان:
إما عذاب البرزخ، وإما عذاب في الآخرة، وأسبابه فتنة المحيا، أو فتنة
الممات، أو فتنة المسيح الدجال.
والدعاء بهذا مندوب إليه بالإجماع، ولم يوجبه إلاَّ طاوس والظاهرية.
٤- عذاب جهنم: هو عذاب في شدَّته، واستمراره لا يتصور ولا يتخيل؛ لأنَّه
فوق الطاقة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِىِ النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ
:[غافر]، وهو مستمر في شدَّته.
٤٩
يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ
٥- أن هذا دعاء خاص بالتشهد الأخير؛ لِما في رواية مسلم: ((إذَا فرغ أحدكم
من التشهد الأخير ... ))، ولا يقال إلاّ بعد التشهد، والصلاة على النبي وَّر.
٦ - القعود الأخير في الصلاة رتِّب فيه الذكر والدعاء أحسن ترتيب، ترتيبًا يوافق
آداب الدعاء، فبدىء بالثناء على الله تعالى، وذكر محامده، ثم بالصلاة
والسلام على نبيه محمَّد ◌َّةِ، ثم الدعاء، والدعاء لا يوصل إلى ثمرته إلاَّ
بهذه المقدمات .
قال شيخ الإسلام: شرع للعبد استعطاف ربه أمام الدعاء بالتحيات لله،
ثم بالشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة على رسوله، ثم
قيل له: تخيَّر من الدعاء أحبه إليك، وليكن بخشوع وأدب؛ فإنَّه لا يستجاب
لدعاء من قلبٍ غافلٍ.
٧- شرح بعض الألفاظ:
- أعوذ بالله من عذاب جهنّم: التعوذهو: اللجوء، والاعتصام، والاحتماء،
وجهتَّم: أحد طبقات النار، سميت بذلك؛ لجهومتها، وظلامها، وبعد
قعرها.
- ومن عذاب القبر: تواترت الأخبار بثبوت عذاب القبر، ونعيمه، فهو

٢٨٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
من عقيدة أهل السنة والجماعة.
وقال الشيخ تقي الدين: إنَّه يقع على الأبدان والأرواح جميعًا، وقد ینفرد
أحدهما، وقد أخفى الله تعالى عذاب القبر عن الإنس والجن؛ لِحِكمٍ بالغة،
فلو ظهر عذابه، لحصل ما يلي:
أولاً: لا يكون الإيمان بالعذاب والنعيم من الإيمان بالغيب، وإنَّما كان
مشاهدة، فبطل الاختبار، والامتحان، والفضل بالإيمان بالغيب.
ثانيًا: لصار في ذلك فضيحة، وخزي للميت، ولأهله، في حال الحياة
الدنيا .
ثالثًا: لو اطّلع الناس على شقاء الميت لما تدافنوا، ولَنَفَر منهم الأحياءُ،
وللكنَّ الله تعالى أخفاه حكمةً ورحمةً.
أمَّا العذاب: فثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.
- ومن فتنة المحيا: الفتنة هي الابتلاء، والامتحان، والاختبار، وفتنة
الحياة: هي ما يعرض للإنسان، من مِحنٍ، وفتنٍ، وابتلاءٍ بالشبهات،
والشهوات وغيرها، وأعظمها سوء الخاتمة عند الموت.
- الممات: إما أن تكون الفتنة عند موته، وخروجه من الدنيا، وإما أن
تكون في قبره؛ فقد جاء في البخاري (٨٦): ((إِنَّكم تفتنون في قبوركم مثل،
أو قريبًا من فتنة الدجال»، ومنه سؤال الملکین.
- ومن فتنة المسيح الدجال: سمي مسيحًا؛ إمَّا لأنَّه يجوب الأرض طولاً
وعرضًا، وإما لأنَّه أعور بمسح عينه اليمنى، وسمي دجالاً؛ لخداعه وكذبه،
وتمویھه على الناس، وتلبيسه عليهم، وتغطيته الحق بباطله.
٨- قال السبكي: ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أمرنا بها في كل
صلاةٍ، وهي حقيقة بذلك؛ لعظم الأمر فيها، وشدَّة البلاء في وقوعها.
٩ - استعاذة النبي وَّل من هذه الأمور، مع أنّه معاذٌ منها قطعًا، فائدته إظهار

٢٨٧
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
الخضوع والاستكانة، والعبودية والافتقار، وليقتدي به غيره في ذلك،
ویشرع لأمته.
١٠- إثبات خروج المسيح الدجال، الذي هو أحد علامات الساعة الكبار،
يخرج ويمكث في الأرض، ويفسد فيها، ويخدع الناس، ويغوي من اتَّبعه
منهم، حتى ينزل عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - فيقتله.

٢٨٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٥٤ - وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ -: ((أنَّهُ قَالَ
لِرَسُولِ اللهِوَّهَ: عَلِّمْنِي دُعَاءَ أَدْهُو بِهِ فِي صَلاَّتِي، قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ
إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي قُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي
مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي، إِنَّك أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ)) مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- أدعو به: جملة فعلية محلها النصب؛ لأنَّها صفة لقوله: ((دعاء)» الذي هو
منصوب على أنَّه مفعول ثانٍ لقوله: ((علِّمني)).
- في صلاتي: ظاهره عموم الصلاة، ولكن المراد به: حالة القعود بعد
التشهد، وقبل السلام.
- ظلمًا كثيرًا: بالثاء المثلثة، ويروى بالباء الموحدة؛ كما في مسلم:
((ولا يغفر الذنوب إلاّ أنتَ)): جملة معترضة بين قوله: ((ظلمتُ نفسي ظلمًا
كثيرًا»، وبين قوله: ((فاغفر لي مغفرة من عندك))، ويصلح أن تكون جملة حالية.
- مغفرة: إشارة إلى مزيد ذلك التعظيم؛ لأنَّ ما يكون عنده لا يحيط به وصف
الواصفین.
- إنَّك أنت: ضمير منفصل، وفائدته التوكيد، والحصر، والتمييز بين الخبر
والصفة، يقال: ((زيدٌ الفاضل)) فيُحتمل في ((الفاضل)): الخبر، والصفة،
وأما: ((زيد هو الفاضل)) فلا يحتمل إلاَّ الخبر، وهذا الضمير لا محلّ له من
[الشعراء] .
٤٠
الإعراب، ولذا لم يغير صيغة: ﴿إِن كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ
- الغفور الرحيم: لفّ ونَشر، مرتب مع: ((اغفر لي وارحمني)) قبله.
(١) البخاري (٨٣٤)، مسلم (٢٧٠٥).

٢٨٩
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - من فقه الصديق - رضي الله عنه - أنَّه علِمَ أنَّ الصلاة هي أقرب صلة بين العبد
وبين ربه، وأنَّها إحدى الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء، فطلب من النبي
وَالر أن يعلمه أنفع دعاء، وأنسب دعاء في هذا المقام، فعلّمه النبي ◌َّ هذا
الدعاء، الذي يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات، وعلّمه الوسيلة القريبة التي
تستوجب قبول هذا الدعاء.
٢- قال في ((الشرح)): الحديث دليل على شرعية الدعاء في الصلاة على
الإطلاق، من غير تعيين محل له، ومن محلاته بعد التشهد والصلاة عليه
وَالهر؛ لقوله: ((فلیختر من الدعاء ما شاء)).
٣- في الحديث اعتراف العبد بذنبه من تقصيره بالواجبات، أو ارتكابه
المنهيات، وفيه التوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، عند طلب
الحاجات، واستدفاع المكروهات، وأنَّ الداعي يأتي من صفات الله تعالى
بما يناسب المقام؛ فلفظ: ((الغفور الرحيم)) عند طلب المغفرة والرحمة،
وختم الآيات الكريمة بأسماء الله مناسبة غاية المناسبة؛ لما في الآية من
معنّى كريمٍ، وكذلك الأدعية النبوية مختومة بأسماء الله تعالى بما يناسبها .
٤- وفي الحديث الترغيب في طلب العلم، وسؤال العلماء، لا سيَّما في
المسائل الهامة، والأشياء المطلوبة .
٥- وفيه وجوب نصح العالم المتعلم، وتوجيهه إلى ما هو أنفع له، وإعطاؤه
قواعد العلم وأصول الأحكام؛ لتكون الفائدة أتم وأكمل.
٦- وردت أدعية أُخر يستحب الإتيان بها قبيل السلام من الصلاة، منها: ((ربنا
آتنا في الدنيا حسنة ... إلخ)) [رواه ابن أبي شيبة (١ /٢٦٤) عن ابن مسعود
موقوفًا].
ومنها: ((اللَّهمَّ اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت ... )) [رواه

٢٩٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أبوداود (٧٦٠)].
ومنها وصيته عليه السلام لمعاذ: ((لا تدعنَّ دبر كل صلاة أن تقول: اللَّهم
أعنِّي على ذِكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)) [رواه أبو داود (١٥٢٢)].
٧ - ولا يتعيَّن دعاء خاص؛ لقوله وَّهِ: (ثُمَّ ليتخيّر من الدعاء أعجبه إليه))،
وللكن الدعاء الوارد المأثور أفضل من غيره، والله أعلم.
٨- ظلم الإنسان يكون في أحد أمرين:
إما تقصير في الواجبات، أو تعدٍّ على المحرمات، أو بهما جميعًا.
٩ - قوله: ((ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت)) استفهام بمعنى الإنكار، ومعناه: أنَّ
الخلق جميعًا، لا يستطيعون أن يغفروا زلة واحدة من الزلاَّت، وإنّما هذا
إلى الله تعالى، فلا یطلب إلاَّ منه جلَّ وعلا.
١٠ - ((اغفر لي وارحمني)): المغفرة فيها زوال المكروه، والرحمة فيها حصول
المطلوب.
١١ - قال ابن الملقن: ما أحسن هذا الترتيب؛ فإنَّه قدم اعترافه بالذنب، ثم
بالوحدانية، ثم سأل المغفرة؛ لأنَّ الاعتراف أقرب إلى العفو، والثناء على
المسؤول أقرب لقبول مسألته .

٢٩١
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
٢٥٥ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - قَالَ: ((صَلَّيْتُ
مَعَ النَّبِّ ◌ََّ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ
وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ الله [وَبَرَ كَاتُّهُ].)) رَوَاهُ
أَبُودَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ أخرجه أبوداود بسند صحيح، وقد صحّحه عبدالحق،
والنووي، وابن حجر، وإسناد رجاله ثقات منهم رجال الصحيح.
قال الألباني: الأولى عدم المداومة على زيادة ((وبركاته))؛ لكونها لم تأت
في أحاديث السلام الأخر.
قال الشيخ المباركفوري: اعلم أنَّ أكثر نسخ أبي داود خالية من زيادة
((وبركاته)) مع التسليمة الثانية، وإنَّما هي مع التسليمة الأولى فقط، حتى توهم
البعض أنَّ الحافظ ابن حجر وهم في نقل هذه الزيادة مع التسليمة الثانية، وإنَّما
الواهم هو ذلك البعض؛ فإنَّ هذه الزيادة مع التسليمتين موجودة في بعض
النسخ الصحيحة المعتمد عليها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الصلاة عرفها العلماء شرعًا: بأنّها أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة
بالتكبير، مختتمة بالتسليم، قال قال: ((وتحليلها التسليم)). [رواه أحمد
(١٠٠٩)].
٢- صيغة التسليم: ((السلام عليكم ورحمة الله)) مرتان، واحدة عن اليمين،
(١) أبوداود (٩٩٧).

٢٩٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والأخرى عن الشمال، وسيأتي بحث ((وبر كاته)) إن شاء الله تعالى.
٣- هذا هو السلام الذي كان يقوله وَلغيره، ويخرج به من الصلاة، ولم ينقل عنه
خلافه، وقد قال: ((صلَّوا كما رأيتموني أصلي)) [رواه البخاري (٦٠٥)]،
وعلى المصلي أن ينوي به الخروج من الصلاة استحبابًا، وإن لم ينو جاز،
والأولى كافية.
٤- الابتداء باليمين بالسلام، والالتفات في التسليمتين، كل ذلك سنة، ليس
بواجب.
٥- زيادة ((وبركاته)) قال في: ((شرح الإقناع)): وإن زاد ((وبركاته)) جاز؛ لفعله
الجر، كما رواه أبوداود.
وقال الألباني: وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى: ((وبركاته)) [رواه
أبوداود بسند صحيح]، فالأولى الإتيان بههذه الزيادة أحيانًا؛ لأنَّها لم ترد في
أحاديث أُخر، فثبت أنَّ النبيَّ يٍَّ لم يداوم عليها.
٦- السلام ... إلخ: دعاء بالسلامة من النقائص، والعيوب، والآفات، وسؤال
الرحمة للحاضرين من المصلين، والملائكة الكرام الحاضرين، فهو دعاء
مناسب، ينبغي للمصلي أن يستحضر هذه المعاني ، وأن يستحضر أدب
الدعاء .
٧ - قال في ((الروض وحاشيته)): ((ويكره للإمام إطالة قعوده بعد السلام مستقبل
القبلة، لما روى مسلم (٥٩٢) عن عائشة قالت: ((كان رسولُ اللهِ وَلَه إذا
سلم، لم يقعد إلاَّ بمقدار ما يقول: اللَّهمَّ أنت السلام، ومنك السلام،
تباركت يا ذا الجلال والإكرام))؛ لأن في انحرافه إلى المأمومين إعلامًا بأنه
قد انتھی من صلاته، فلا ينتظر)).
وحكى النووي وغيره: أنَّ عادته ◌َّلّ إذا انصرف استقبل المأمومين
جمیعھم بو جهه .

٢٩٣
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
٨- قال الشيخ تقي الدين: المصافحة بعد السلام من الصلاة لا أصل لها، لا
بنص ولا عمل من الشارع، ولا من الصحابة، ولو كانت مشروعة لتواترت،
ولكان السابقون أحق بها، أما إذا كانت أحيانًا؛ لكونه لقيه عقب الصلاة، لا
لأجل الصلاة فجائز.
* خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية السلام في الصلاة، والخروج منها به،
واختلفوا في حکمه:
فذهب المالكية والشافعية إلى: وجوب التسليمة الأولى، وأما التسليمة
الثانية فسنة ليست بواجبه لديهم.
وذهب الحنفية إلى: أنَّه يجب لفظ ((السلام)) مرتين، في اليمين واليسار،
دون ((عليكم ورحمة الله)) فسنة، وعلى هذا فهو واجب، وليس بفرض، فيجوز
الخروج من الصلاة بسلام أو كلام، أو غير ذلك مما ينافي الصلاة، لكن مع
الكراهة التحريمية، وإذا جازت الصلاة مع الكراهة التحريمية فتجب إعادتها .
والمشهور عند الحنابلة: أنَّ التسليمتين فرضان، فلا تكفي الأولى عن
الثانية إلاَّ في صلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، فيخرج منها
بتسليمة واحدة، لأنَّ هذه العبادات مبنية على التخفيف، فاكتفي بتسليمة، ولو
سلم الثانية جاز.
قال العقيلي: الأسانيد ثابتة في حديث ابن مسعود في التسليمتين، ولا
يصح عنه تسليمة واحدة .
ونصَّ الطحاويُّ وغيره على تواتر التسليمتين عنه وَاله .
وقال البغوي وغيره: التسليمة الثانية زيادة من ثقات يجب قبولها،
والواحدة غير ثابتة عن أهل النقل.
واستدلَّ الشافعية والمالكية على أنَّ الفرض هو تسليمة واحدة: بعموم
:

٢٩٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قوله: ((وتحليلها التسليم)) [رواه أبوداود (٦١)].
وأقله: ((السلام عليكم)) قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل
العلم أنَّ صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة.
أما دليل الحنفية على أنَّه ليس بفرض: فحديث ابن مسعود: ((إذا قضيت
هذا، تمت صلاتك)) [رواه أبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٢)].
أما دليل الحنابلة: فما رواه أبوداود (٩٩٦)، والنسائي (١٣١٩) عن ابن
مسعود ((أن النبي وَّ كان يسلم عن يمينه، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة
الله، السلام علیکم ورحمة الله، ویلتفت حتی یری بیاض خده)).
وأجابوا عن حديث ابن مسعود: (( ... تمت صلاتك)): بأنَّ هذا التعبير
معناه: أنَّك وصلت إلى نهايتها، وهو السلام، الذي به تخرج منها.
٦

٢٩٥
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
صَلَ اللَّهِ
وسام
٢٥٦ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ
كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلاَةٍ مَكَّتُوبَةٍ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ
لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ
لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ))
. مُتَّفقٌ عَليْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- دُبُر : - بضم الدال المهملة، وضم الباء الموحدة، ويجوز سكونها -: ضد
القبل، فالقبل: وجه كل شيء، والدبر: عقبه ومؤخره.
- صلاة مكتوبة: أي: فريضة، وجاءت مطلقة في إحدى روايات البخاري:
((كان يقولها في دبر كل صلاة))، والمطلق يحمل على المقيد.
- لا إله إلاّ الله: ((لا)) نافية للجنس، ((إلله)) اسمها، أما خبرها فمحذوف، تقديره
(حق))، واسم الجلالة بدل منه، وهي كلمة التوحيد بالإجماع، وهي مشتملة
على النفي والإثبات؛ فقوله: ((لا إله)) نفي للألوهية، و((إلاَّ الله)) تأكيد لإثبات
الألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صارت هذه هي كلمة التوحيد والشهادة.
- وحدَه: منصوب على الحال، تقديره: ينفرد وحده، وأوَّلناه هكذا؛ لأنَّ
الحال لا تكون إلاَّ نكرة.
- لا شريك له: تصلح أن تكون تأكيدًا لـ((وحده))؛ لأنَّه المتَّصف بالوحدانية ،
وأن تكون توكيدًا لنفي الشريك، فكلمة الإخلاص تضمنت إثباتًا ونفيًا .
- له الملك: بضم الميم؛ ليعم، ويكون له جل وعلا مطلقُ الملكوت.
(١) رواه البخاري (٨٤٤)، مسلم (٥٩٣).

٢٩٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- وله الحمد: جميع أصناف المحامد؛ بناء على أنَّ الألف واللام لاستغراق
الجنس .
- وهو على كل شيء قدير: من باب التتميم والتكميل؛ لأنَّ الله تعالى لما كانت
له الوحدانية، وله الملك، وله الحمد، فبالضرورة يكون قادرًا على كل
شيء، وذكره یکون للتتميم والتكميل.
- القدير: اسم من أسماء الله، وصفة من صفاته تعالى، فله القدرة الكاملة
الباهرة في السموات والأرض.
- لما أعطيت، ولما منعت: أي: الذي أعطيته، والذي منعته بحكمتك.
- الجدّ: بالفتح في جمیع الروايات، ومعناه: الغنى.
- منك: متعلق بقوله: ((ينفع))، ولا يصلح أن يكون متعلقًا بـ(الجد))؛ قاله ابن
دقيق العيد .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب هذا الذكر بعد الصلوات الخمس المكتوبات كلها، ويكون
بعدالسلام مباشرة؛ فإنَّ دبر الشيء ما يليه، وظاهره يأتي به مرَّة واحدة بعد
الصلاة، ويأتي تمام البحث.
٢ - شَرِعَ هذا الذكر الجليل بعد الصلوات المكتوبات التي هي أفضل
الطاعات؛ لما اشتمل عليه من إثبات الوحدانية الله تعالى، ونفي الشريك له
في ذاته وصفاته وعبادته، وإثبات كمال القدرة، وشمولها له وحده، ثم
إثبات التصرف له وحده من العطاء والمنع، وأنَّ أي مخلوق لا ينفعه جده،
ولا حظه، ولا غناه، عن الله تعالى، فهو صاحب الملكوت والسلطان، فإذا
عرف العبد ذُلك تعلّق قلبه بربه تعالى، وصرف نظره عن غيره.
٣- ترتيب هذا الذكر المشروع بعد الصلوات الخمس المكتوبات -: أن يستغفر الله
ثلاثًا، ثم يقول: ((اللَّهُمَّ أنت السلام ومنك السلام ... إلخ))، ثم يأتي بذكر

٢٩٧
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
هذا الحديث، وهو أن يقول: ((لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك ... )) مرَّة
واحدة، إلاَّ في المغرب والفجر فعشر مرات، ثم يقول: ((سبحان الله))
و((الحمد لله)) و((الله أكبر)) ثلاثًا وثلاثين مرة، فتكون تسعة وتسعين، وتكمل
المائة: بـ ((لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ... )).
ثم يقرأ آية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، ثم يقول في المغرب،
والفجر خاصة: ((اللَّهمَّ أجرني من النار)) سبع مرات.
فهذا الذكر ورد في فضله نصوص عظيمة معروفة، لا يتسع المقام
لنقلها؛ بعد الذكر يدعو مخلصًا في دعائه؛ لأنَّ الدعاء هو العبادة،
والإخلاص ركنها.
قال الشيخ تقي الدين: إذا لم يخلص الداعي في الدعاء، ولم يتجنّب
الحرام، تبعد إجابته، إلاّ مضطرًا مظلومًا.
والحاصل أنَّه عقب أذكار الصلاة؛ يستحب أن يصلي على النبي وَّر،
ويدعو بما شاء؛ فإنَّ الدعاء عقب هذه العبادة من أحرى أوقات الإجابة، لا
سيَّما بعد ذكر الله، وحمده، والصلاة على نبيه محمَّد ◌َّهِ .

٢٩٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٥٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((إِنَّ
رَسُولَ اللهِ ◌ِّ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَىْ أَرْذَلِ العُمُرِ،
وَأَعُوذُبِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١).
* مفردات الحديث:
- يتعوذ: عاذ بالله يعوذ عوذًا وعياذًا: لاذ والتجأ واعتصم، تقول: أَعُوذُ بالله من
الشيطان؛ أي: التجأ واعتصم به.
- البخل: يقال: بخل الرجل يبخل بخلاً، من بابي كرم وعلم، والاسم: البخل.
فالبخل - بضم الخاء وإسكانها -: هو الإمساك والشح، وهو ضد الجود
والسخاء والكرم.
وقيل: البخل هو نفس المنع، والشح حالة نفسية تقتضي المنع .
والبخل في الشرع: منع الواجب.
واسم الفاعل: ((بخيل))، والجمع: ((بخلاء)).
- الجبن: يقال: جبن الرجل يجبن جبنًا، من بابي نصر وكرم، والجبان جمعه:
جبناء، وهو الهيوب للأشياء، فلا يقدم عليها .
قال في ((المصباح)): هو جبان؛ أي: ضعيف القلب.
- أُردّ: بالبناء للمجهول، يقال: رددت الشيء: أرجعته، وأعدته إلى ما كان عليه.
-أرذل: يقال: رذل رذلاً: كان رذيلاً.
والرذيل: الخسيس، أو الرديء من كل شيء، جمعه: أرذال ورذلاء،
(١) البخاري (٢٨٢٢).

٢٩٩
كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة
والأرذل: اسم تفضيل من الرذالة؛ بمعنى الأردأ.
- الفتنة: جمعها: فتن، يقال: فتنه يفتنه فتنًا وفتونًا، من باب ضرب، استماله،
وفُتن في دينه: مال عنه.
وأصل الفتنة: الاختبار؛ لتمييز الخبيث من الطيب، وللفتنة معانٍ كثيرةٍ،
وهي هنا إغواء المسلم عن دينه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- فيه استحباب الدعاء دبر الصلوات المكتوبات؛ لأنَّ الدعاء فيه مظنة
الإجابة، والصلاة عند الإطلاق يراد بها الصلوات الخمس المفروضة.
٢- فيه استحباب الاستعاذة بالله تعالى من هذه الأخلاق الذميمة، وهي البخل،
والجُبْن، والخوف، وفتنة الدنيا، وعذاب القبر، فهذه الأمور إما عذاب،
وإما أسباب قوية تجلب العذاب.
٣-مساوىء هذه الأخلاق هي:
الجُبْن: يمنع صاحبه من الإقدام في المواطن الشريفة، من بذل النفس في
الجهاد في سبيل الله، والتأخر عن القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، ونحو ذلك من المواقف التي فيها عز الإسلام والمسلمين.
البخل: يمنع صاحبه من أداء الزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة،
والمستحبة، وبذل الخير، وصلة الأقارب، والجيران، وأصحاب الحقوق.
أرذل العمر: هو أردؤه وأخسه، حينما تضعف قوى الإنسان العقلية،
ويكون بمنزلة الطفل والمجنون، من سخف العقل وقلّة الإدراك.
فتنة الدنيا: الانهماك في شهواتها وملذاتها، وجمعها من طرق الحلال
والحرام، والافتتان بها؛ بحيث تصده عن ذكر الله تعالى، وتلهيه عما فيه
نجاته وسعادته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَالُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
عذاب القبر: صحت الآثار أنَّ الإنسان إما أن يعذب في قبره، وإما أن

٠٠
٣
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ينعَّم، فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حُفرة من حفر النار، وهو أوَّل
منازل الآخرة.
فهذه دعوات طيبات، واستعاذات مستحبات، يحسن الاستعاذة بها في
المواطن التي حري للعبد أن يستجاب له فيها، والله سميع مجيب، وهي لم
تذكر في حديث المسيء، ولكن ثبتت بأدلة أخر، والله أعلم.
٤ - قوله: ((دبر كل صلاة)) يحتمل أن يكون بعد التشهد الأخير، وقبل السلام،
ويحتمل أن يكون بعد السلام؛ فدبر الشيء ضد قبله وضد آخره.
وصنيع المؤلف في ترتيب الأحاديث، يُفهم منه أنَّ مشروعية هذا الدعاء
یکون بعد السلام.
أما شيخ الإسلام: فذهب إلى أنَّ مشروعية الدعاء وفضيلته تكون بعد
التشهد، وقبل السلام، فقد قال: والدعاء في آخر الصلاة قبل الخروج منها
مشروع بالسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، فقد كان غالب دعائه ولايڼ
بعد التشهد قبل السلام، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة، فإنَّه فعلها فيها،
وأمَرَ بها فيها، وهو اللائق بحالة المصلي، فإنَّه مقبل على ربه يناجيه ما دام
في الصلاة، فلا ينبغي للعبد أن يترك سؤال مولاه في حالة مناجاته، والقرب
منه، والإقبال عليه، وآكده قرب إنهاء هذه العبادة الجليلة التي فيها شرع له
استعطافه بكلمات التحيّة، ثم تبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة
على یدیه، ثم قيل له: تخيَّر من الدعاء أحبه إليك.
فهذا الحق الذي عليك، وهذا الحق الذي لك، وليكن بأدبٍ، وخشوع،
وحضور قلبٍ، ورغبةٍ، ورهبةٍ؛ فإنَّه لا يستجاب الدعاء من قلب غافل. اهـ.
قلتُ: دبر الصلاة يراد به ما بعد السلام، كما سيأتي في حديث أبي
هريرة قريبًا برقم (٢٥٩)، ولكن الراجح أنَّ المراد بالدبر - هنا - هو: ما قبل
السلام، والله أعلم.