Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه كَانَ إِذَا قَعَدَ للَّشَهُدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَىُ عَلَىْ رُكْبَتِهِ الْيُسْرَىُ، وَاليُمْنَىِّ عَلَى اليُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلاَثًا وَخَمْسِيْنَ، وأَشَارَ بِأَصْبُعِهِ السَّبَّبَةِ)). رواهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوَايَةٍ لَهُ: ((وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ)(١). * مفردات الحدیث: - للتشهد: أي في زمنه، وسمي الذكر المخصوص: تشهدًا؛ لاشتماله على كلمتي الشهادة، كما أنَّ فيه دعاء يدعوه؛ فإنَّ قوله: ((السلام عليك، السلام علينا))، دعاء عبر عنه بلفظ الإخبار، لمزيد التأكيد. - عقد ثلاثًا وخمسين: إشارة إلى طريقة حسابية كانت معروفة عند العرب، وصورتها: أنَّ الثلاثة لها حلقة بين الإبهام والوسطى، وللخمسين يقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة عند ذكر الله تعالى. - السبابة: مؤنثة، يقال: سَبَّهُ سبَّا فهو سبَّاب، بمعنى: شتمه، وسميت الأصبع التي تلي الإبهام: سبابة؛ لأنَّه يشار بها عند السب . - قبض: يقبض قبضًا، من باب ضرب: ضمَّ أصابعه، فقبض اليد خلاف بسطها . * ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية القعود للتشهد في الصلاة الثنائية التي ليس فيها إلاَّ تشهد واحد، وأما الصلاة الثلاثية والرباعية ففيهما تشهدان . ٢ - استحباب وضع اليدين أثناء التشهد على الفخذين. ٣- أما صفة اليدين أثناء التشهد: فاليسرى يبسطها على فخذه اليسرى، وأما اليد (١) مسلم (٥٨٠). ٢٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام اليمنى فيقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى مع الإبهام، ويدع السبابة على وضعها، مستعدةً للإشارة بالتوحيد والعلو، وهذه الصفة تسمى اصْطلاحًا حسابيًّا قديمًا: ((ثلاثًا وخمسين)). ٤- الرواية الأخرى في الحديث: أنَّ المستحب هو قبض الأصابع الأربعة كلها اليد اليمنى، والإشارة بالسبابة. فهاتان صفتان مشروعتان لوضع الكفين أثناء التشهدين، كما جاء في هذا الحديث . ٥- جاء في بعض روايات حديث ابن عمر في مسلم (٥٨٠) قال: ((كان رسول الله ◌َّ إذا جلس في الصلاة، وضع کفه الیمنی علی فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام)). ولكن هذه الرواية المطلقة تحمل على الروايات المقيدة حسب القاعدة الأصولية؛ لما يلي: أولاً: أنَّها خالفت العديد من الروايات من قبض اليد اليمنى حال التشهد، ففي حديث ابن عمر : «إذا قعد للتشهد، وضع يده الیسری علی ر کبته الیسری، والیمنی على اليمنى، وعقد ثلاثًا وخمسين)). وحديث مقسم مولى عبدالله الحارثي: ((إنَّما كان رسول الله وَّل يصنع ذلك، يوحد بها ربََّ عزَّ وجل)) [رواه البيهقي (١٣٣/٢)]، والتوحيد في التشهد . وحديث عبدالله بن الزبير: ((إذا جلس في التشهد، وضع يده اليمنى، وأشار بالسبابة))؛ وغير ذلك من الروايات المقيدة. ثانيًا: جلوس الصلاة يراد به الجلوس للتشهد، أما الجلسة التي بين السجدتين، فهي تعرف وتقيد بهذا اللفظ : الجلسة بين السجدتين. ثالثًا: أنَّ الرواية المطلقة تدل على أنَّ ذلك في التشهد؛ فقد روى مسلم (٥٨٠) ٢٦٣ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة وغيره عن علي المعادي قال: ((رآني ابن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة ... )) الحديث. والعبث في الحصى لا يكون إلاَّ في الجلسة الطويلة؛ وهي التشهد. رابعًا: إنّني لا أعلم أحدًا قال بهذا القول، والسنة المحمَّدية اتباع سبيل المؤمنين وجمهورهم، وعدم الخروج عنهم في الأقوال والأعمال. خلاف العلماء: ذهب الحنفية إلى: أنَّ المستحب هو وضع يده الیمنی على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، جاعلاً أطراف أصابعه عند حرف ركبته الأعلى، باسطًا أصابعه كلها، فلا يقبض شيئًا منها؛ وذلك لما روى مسلم (٥١٩) من حديث عبدالله بن الزبير بلفظ: ((كان رسولُ الله وَلَه إذا قعد يدعو، وضع يده الیمنی علی فخذه الیمنی، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم کفه الیسری ركبته)). وهناك صفاتٌ أخرى عند الحنفية في قبض الأصابع الثلاثة، مذكورة في الكتب المبسوطة عندهم. وذهب المالكية إلى: بسط اليسرى على الفخذ اليسرى، وتحليق الأصابع الثلاثة من اليمنى، وهي الخنصر والبنصر والوسطى، فيحلق هذه الثلاثة مع حرف اليد إلى الجانب الذي يلي البنصر، ويمد أصبعه السبابة كالمشير بها، ويترك الإبهام على طبيعته، وهذه الصفة تشبه اصطلاحًا حسابيًّا قديمًا: ((تسعة وعشرين)). وذهب الشافعية والحنابلة إلى: أنَّ المستحب وضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطةَ الأصابع مضمومة، وتكون أطرافها دون الركبة، مستقبلاً بجميع أطرافها القبلة، أمَّا اليمنى فيضعها على فخذه اليمنى، قابضًا منها الخنصر والبنصر والوسطى عند الشافعية، ومحلَّقًا بين الوسطى والإبهام عند ٢٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الحنابلة، ومد السبابة للإشارة بها، وهذه الصفة تشير في المصطلح الحسابي القديم إلى عدد: ((ثلاث وخمسين)). ودليلهم: حديث ابن عمر (حديث الباب). واختلاف العلماء في قبض الأصابع وبسطها، راجعٌ إلى اختلاف الروايات في ذلك. وأشار ابن القيم - رحمه الله تعالى - إلى وجه الجمع بينها؛ فقال: الروايات المذكورة كلها واحدة، فمن قال: ((قبض أصابعه الثلاثة))، أراد: أنَّ الوسطى مضمومة، ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: ((قبض اثنتين)) أراد: أنَّ الوسطى لم تكن مضمومة مع البنصر والخنصر، والبنصر والخنصر متساویتان في القبض دون الوسطى. واختلف الأئمة وأتباعهم في الحال: التي يستحب فيها الإشارة بالإصبع السبابة . فذهب الحنفية إلى: أنَّه يشير بها عند قوله في التشهد: ((لا إله إلاّ الله))؛ وذلك عند إثبات الإلهية لله تعالى، ونفيها عمن سواه. ودليلهم: حديث ابن الزبير في مسلم الذي اقتصر على الإشارة بالسبابة. وذهب المالكية إلى: أنَّ المستحب أن يديم تحريك السبابة تحريكًا وسطًا، ويكون من أول التشهد إلى آخره. ودليلهم: حديث وائل بن حجر قال: ((رأيتُ رسول الله مَلل قبض اثنين من أصابعه، وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته یحر کھا یدعو بها» [رواه أحمد (١٨٣٩١) والنسائي (٨٨٩)]. وعقب على هذا القول البيهقي، فقال: يحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، حتى لا يتعارض مع حديث عبدالله بن الزبير عند أبي داود (٩٨٩) بلفظ: ((يشير بالسبابة، ولا ٢٦٥ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة يحركها)) قال الحافظ: وأصله في مسلم. وذهب الشافعية إلى: أنَّ المستحب أن يشير بالسبَّابة عند الهمزة من قوله: ((إلاَّ الله))؛ لأنَّ هذا هو موطن الإشارة إلى التوحيد، فيجمع في ذلك بين القول والفعل، ولا يحركها؛ لعدم وروده. ودليلهم: ما جاء في حديث ابن عمر عند مسلم (٥٨٠): ((وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام)). وذهب الحنابلة إلى: استحباب الإشارة بالسبَّابة في التشهد في كل مرَّة عند ذكر لفظ ((الله))، منبِّهَا على التوحيد، ولا يحركها . قال في ((شرح الإقناع)): ((ويشير بسبَّابته اليمنى في التشهد مرارًا، كل مرة عند ذكر لفظ ((الله))؛ تنبيهًا على التوحيد، ولا يحركها، ويشير بها أيضًا عند دعائه في صلاة وغيرها))؛ وذلك لما روى النسائي (١٢٧٠) من حديث عبدالله ابن الزبير قال: «کان رسول الله ێے یشیر بأصبعه إذا دعا، ویحر کها)» واختلف الفقهاء في هيئة الجلوس : فذهب مالك وأتباعه إلى: أنَّ المستحب أن يجلس متوركا؛ وذلك بأن يفضي بمقعدته إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى، وَيَثْنِي اليسرى، وذلك في كل جلسات الصلاة، والرجل والمرأة في هذا سواء. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى: أنَّ المستحب هو أن ينصب رجله اليمنى ويقعد على اليسرى ، وهذا في كل جلسات الصلاة، فهذان القولان متقابلان. وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّ المستحب: أن يتورك في جلوس التشهد الأخير في الصلاة ذات التشهدين، وما عداه يكون ناصبًا اليمنى جالسًا على الیسری. وذهب الإمام الشافعي إلى: أنَّه يتورك في كل تشهد أخير مطلقًا؛ سواء ٢٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام كانت الصلاة ثنائية، أو أكثر، وينصب اليمنى ويجلس على اليسرى فيما عداه. قال ابن رشد: وسبب الاختلاف تعارض الآثار. ولذا ذهب ابن جرير إلى: أنَّ السنة وردت بهذا كله، فعلى أي جلسة جلس، متوركًا، أو ناصبًا اليمنى وجالسًا على اليسرى، فقد أصاب السنة، والأمر فيه سعة، والله أعلم. * فوائد: الأولى: الإصبع التي تلي الإبهام تسمى ((السباحة))؛ للإشارة بها إلى تسبيح الله تعالى، وتنزيه عن الشريك. وتسمى ((السبابة))؛ لأنَّه يشار بها عند السب إلى الرجل الذي يعاب. الثانية: للإشارة بالسبَّاحة عند ذكر الله تعالى معانٍ كريمة، فهي تشير إلى وحدانية الله تعالى، وتفرده في الإلهية وعبادته. کما تشير إلى علوه تعالى على خلقه ذاتًا وصفة، وقدرًا وقهرًا؛ فقد روي عن ابن عباس أنَّه قال في الإشارة: ((هو الإخلاص))، فالحكمة في ذلك أن يجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد. الثالثة: عرض الروايات والجمع بينها : الإصبع السبّاحة ورد في حكمها عدة روايات؛ فحديث وائل بن حجر في النسائي (٨٨٩): ((وأشار بالسباحة ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها)). وحديث ابن عمر عند أحمد (٥٩٦٤): ((وأشار بأصبعه، وقال: لهي أشد على الشيطان من الحدید». وحديث ابن الزبير عند مسلم (٥٧٩): ((وأشار بالسبابة)). وحديث ابن عمر عند مسلم (٥٨٠): ((وأشار بأصبعه السبابة)). وحديث ابن عمر عند البيهقي (١٣٢/٢): ((تحريك الإصبع مذعرة للشيطان)) وليس بالقوي. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بالتحريك ٢٦٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، فيكون موافقًا لرواية ابن الزبير. قلت: والجمع بين هذه الروايات أن يكون المراد بتحريكها هو: الإشارة بها، وأن تكون الإشارة بلا تکریر للتحريك. قال في ((الروض وحاشيته)): لا يوالي حركتين عند الإشارة؛ لأنه يشبه العبث، ولحديث ابن الزبير: ((ويشير بسبابته، ولا يحركها)). قال ابن القيم: كان لا ينصبها نصبًا ولا يرخيها، بل يحنيها شيئًا قليلاً. الرابعة: ما ورد من اختلاف الأئمة في صفة وضع اليدين على الفخذين، والإشارة بالسباحة هي مسائل فرعية، كل واحد من الأئمة قال حسبما وصل إليه اجتهاده من فهم النصوص، والمجتهد له أجران، أو أجر واحد، وهم كلهم - رحمهم الله تعالى - مجمعون على أنَّها من فضائل الصلاة، إن تركها المصلي أو فعلها، لا تبطل الصلاة، ولا يوجب الاختلاف. لذا فإني أنصح أبناءنا الشباب الراغبين في الخير، ألا تكون هذه الخلافات الفرعية مثار جدل لهم، وعداوة بينهم، وأن يبحثوها، للوصول إلى الصواب منها، أما أن يخطىء بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا، فهذا مباين للإسلام، والله الهادي إلى سواء السبيل. (٢٦٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ اللهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيَكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرْحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَانُّهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ للبُخَارِيِّ. ولِلْنَّسَائِيِّ: ((كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا الَّشَهُّدُ ... )). ولِأَحْمَدَ: ((أَنَّ النَّبِيّ ◌َعَلَّمَهُ التَّشَهُدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ)) (١). وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابنِ عبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلڼ يُعَلِّمُنَ التَّشَهُّدَ: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لله ... إِلَىْ آخرِهِ»(٢). * مفردات الحديث: - التَّحيَّات لله: جمع ((تحيّة))، جمعت؛ لتشمل معاني التعظيم كلها لله تعالى، ففيها الثناء المطلق لله تعالى ، وأنواع التعظيم له جلَّ وعلا. و((التَّحيَّاتُ)) مبتدأ، ولفظ الجلالة (الله)) خبره. - الصلوات: هي جنس الصلاة، وأوَّل ما يدخل فيه الصلوات المكتوبات الخمس. (١) البخاري (٨٣١)، مسلم (٤٠٢)، النسائي في الكبرى (٣٧٨/١)، أحمد (٣٥٦٢). (٢) مسلم (٤٠٣). ٢٦٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - الطيبات: تعميمٌ بعد تخصيص، فجميع الأقوال، والأفعال، والأوصاف الطيبة هي مستحقة لله تعالى. - السلام: قال النووي: يجوز في ((السلام)) في الموضعين حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين. والأصل: سلمت عليك، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء؛ للدلالة على ثبوت المعنى. أما التعريف في الموضعين، فهو إمَّا للتعريف التقديري الموجّه إلى عباد الله الصالحين السابقين علينا، وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى: أنَّ حقيقة السلام المعروف هو عليك. - السلام عليك أيُّها النبي: أي: السلام من النقص والعيب، وأي آفة أو فساد، فهو دعاء من المصلي لرسول الله تلاته . وقال النووي: السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني: السالم من النقائص، والسالم من المكاره، والآفات والعيوب وغيرها، فمبدأ السلام منه تعالى. - عليك: لم يقصد بهذه الكاف المخاطب الحاضر، وإنَّما قصد بها مجرد السلام، سواء كان حاضرًا أو غائبًا، بعيدًا أو قريبًا، حيًّا أو ميتًا؛ ولذا فإنَّها تقال سرًّا، وإنَّما اختصَّ النبي ◌َّو بهذا الخطاب؛ لقوّة استحضار المرء هذا السلام، الذي كان صاحبه حاضرًا، واختص ◌َلّ بكاف الخطاب بالصلاة، وكل هذا من علو شأنه، ومن رفع ذكره واسمه. - النبي: إما مشتق من ((الإنباء)):، وهو الإخبار، وإما من ((النبوّة))، وهي الرفعة، وهو إما بمعنى - مفعل - اسم فاعل، فهو منبىء عن الله، وإما بمعنى ((مفعل)) اسم مفعول فهو مَنَبَّأ من الله، وكلا المعنيين صالح. - رحمة الله: صفة حقيقية لله تعالى، تليق بجلاله، بها يرحم عباده، ويُنْعِم عليهم. ٢٧٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام - وبركاته: جمع ((بركة))، وهو الخير الكثير من كل شيء؛ قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، تنبيهًا على ما تفيض عنه الخيرات الإلهية. - السلام علينا: أراد به: الحاضرين من الإمام، والمأمومين، والملائكة. - أشهد ... إلخ: أي: أقطع بالإخبار، فالشهادة هي العلم القاطع. قال الراغب: الشهادة قولٌ صادرٌ عن علمٍ حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر. - الرسول: أصل الإرسال: الابتعاث، ومنه: الرسول المبتعث، ويطلق على الواحد والجمع، وجمع الرسول رسل، ورسول الله من البشر: رجل أوحي إليه وأمر بالتبليغ، والرسول: له جهتان: جهة من أرسله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر] وجهة من أُرسل إليهم؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ [غافر: ٨٣]. - مُحمَّدًا: قال علماء اللغة: محمَّد ومحمود اسم مفعول، من: ((حمَّد)) بالتشديد، لخصاله الحميدة. قال ابن فارس: وبذلك سمي نبينا: محمَّدًا وَّه؛ لعلم الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة . وللنبي وَّ أسماء متعددة هي أسماء من حيث دلالتها على الذات، وأوصاف من حيث دلالتها على المعنى. ولا شبهة للنصارى في أنَّ اسمه في الإنجيل: ((أحمد))، فأحمد اسم تفضيل من اسم الفاعل، ومحمد اسم مفعول، فهو أحمد الناس لربه، وهو محمَّد لخصال الخير فيه، وهما متصرفان من مادة واحدة. - أيُّها النَّبي: فيه عدول عن الغيبة إلى الخطاب، مع أنَّ لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق بهما، على أنَّهم لم ينالوا هذا الخير إلاَّ بواسطته، فوجهوا إليه الخطاب تصريحًا، لا عمومًا فقط، وعُدِلَ عن الرسالة إلى النبوة، مع أنَّ الرسالة أفضل ؛ ليُجْمَع له الوصفان. ٢٧١ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة = - الصالحين: هم القائمون بحقوق الله وحقوق خلقه، ودرجاتهم متفاوتة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا الذكر يسمى ((التشهد)) مأخوذٌ من لفظ الشهادتين فيه، فهما أهم ما فيه . ٢- يقال هذا التشهد في الصلاة الثنائية مرَّة واحدةً، أما الصلاة الثلاثية والرباعية ففيها تشهدان : الأول: بعد الركعة الثانية. والأخير: الذي يعقبه السلام، وسيأتي قريبًا. ٣- التشهد الأول: واجب عند الحنفية والحنابلة، مستحب عند غيرهم، وسيأتي تفصيل الخلاف فيه. ٤- التشهد ورد عن النبي وَل عن أربعة وعشرين صحابيًّا بألفاظ مختلفة، وكلها جائزة . قال شيخ الإسلام: كلها سائغة باتِّفاق المسلمين، وأصل الإمام أحمد استحسان كل ما يثبت عنه وَلّر، ومع هذا فقد قال العلماء: أثبتُها تشهد ابن مسعود، وهو الوارد في هذا الباب. ٥- قال البزار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود، يروى عنه ﴿ ٤ بنيف وعشرين طريقًا، ولا يعلم فيما روي عن النبي وَّ في التشهد أثبت منه، ولا أصح إسنادًا، ولا أثبت رجالاً، ولا أشد تضافرًا بكثرة الأسانيد والطرق. وقال مسلم: إنَّما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود؛ لأنَّ أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف فيه عن أصحابه . وقال الذهلي: هو أصح ما روي في التشهد. وقال الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. وقال مسلم: اتَّفق علیه الناس. ٢٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء: تشهد ابن مسعود أفضل، له مرجحات كثيرة، منها الاتفاق على صحته وتواتره، وهو أصح التشهدات وأشهرها، ولأمره وَ لي أن يعلمه الناس، وكونه محفوظ الألفاظ. ٦- شرح ألفاظ التشهد بأوسع من شرحه في المفردات؛ لأجل أن يلاحظ المصلي معانيه : - التحيات الله: جمع ((تحية))، والتحية هي: التعظيم، فهي تعظيمات مستحقة ومملوكة لله تعالى، ومختصة به، وهي تشمل كل التحايا، التي قدمها المسلمون المصلون لله تعالى، في هذه الجلسة الخاشعة. - الصلوات: هي الصلوات الفرائض والنوافل، وسائر العبادات التي يراد بها تعظيم الله، كلها لله تعالى، فهو المستحق لها، المعبود بها، ولا تليق لأحدٍ سواه. - الطيبات: هي جميع الأعمال والأقوال الصالحة، فهي كلها لله تعالى، فجميع ما صدر منه تعالى من فعل وقول فهو طيب، وجميع ما صدر من خلقه من أفعال، وأقوال طيبة، فهو المستحق لها؛ فإنَّه طيِّبٌ لا يقبل إلاَّ طيبًا. ولا يكون العمل والقول طيبًا حتى يتحقق فيه أمران : الإخلاص لله تعالى، ومتابعة الرسول القول . - السلام: اسمٌ من أسماء الله الحسنى، فهو السالم من النقائص والعيوب، المسلم خلقه من المصائب والآفات، فههذا الاسم الكريم الجامع للخيرات يكون: ((عليك أيُّها النبي))، فهو دعاء له وَّ بالسلام من كل نقص وآفة، وخوطب بالنبوة التي هي مأخوذة، إما من إخباره وإنبائه عن الله تعالى، وإما أن تكون من رفعته ومقامه، وهما متلازمان. - ورحمة الله وبركاته: جمع ((بركة))، وهي الزيادة والنماء؛ لما خصَّه الله تعالى به، وحباه إياه، وخصّ بذلك عليه الصلاة والسلام. ٢٧٣ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - والبركة: كثرة الخير وزيادته، وسعة الإحسان والإفضال، واستمرار ذلك وثبوته لعظيم حقه عليهم، فأعظم خير وصل إليهم من ربهم كان بواسطة دعوته المباركة، فصلوات الله وسلامه عليه. - السلام علينا: نحن المصلين، والملائكة. - عباد الله الصالحين: هم من صلح باطنه وظاهره، وهم القائمون بما أوجب عليهم من حقوقه، وحقوق عباده. قال الترمذي: من أراد أن يحظى بههذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدًا صالحًا، وإلاّ حُرمَ هذا الفضل العظيم، وقد جاء في الحديث: ((فإنَّكم إذا فعلتم ذلك، فقد سَلَّمتم على كلِّ عبدٍ صالح في السماء والأرض)). [رواه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢)]. فعلى المصلي أن يلاحظ هذا المعنى العام. - أشهد أن لا إله إلاَّ الله: أي: أجزم وأقطع أن لا معبود بحق إلاَّ الله، فالشهادة خبر قاطع، والقطع من فعل القلب، واللسان مخبرٌ بذلك، وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد، وهي كلمة التقوى والصراط المستقيم، والمراد معرفتها والعمل بها، لا مجرد نطقها . - أشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله: بصدق ويقين ومحبة ومتابعة، فهو عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسيأتي عن هذه الشهادة كلمة أوسع من هذا. - عبده ورسوله: فهو عبدلله تعالى، أكمل الخلق عبادةً لربه، بلَّغ الرسالة، ونصح الأمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده. وكلمتا ((عبد، ورسول)) فيهما الرد على طائفتين ضالتين: إحداهما: طائفة الغلاة ممن أعطوا النبي ◌َ* شيئًا من عبادة الله، وبعضهم أعطاه حقًّا من الربوبية والتصرف في الكون، فقالوا: إنَّه يعلم ٢٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الغيب، والله جلَّ وعلا يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وأمره تعالى أن يتلو على الناس قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وجعلوا له قدرة على الضر والنفع، والله يأمره أن يبلغ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِّي لَآ أَمْلِكُ لَكُضَرًّا وَلَ رَشَدًا ٢١ [الجن]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِّ لَنْ يُحِيَرَبِ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا ٢٢ [الجن]. الطائفة الثانية: ملاحدة، كذبوه في بعض ما أتى به، وكذبت رسولنا اليهودُ؛ بأنَّ الرسول الذي يأتي في آخر الزمان المذكور في التوارة، لا يأتي إلاّ بعد عيسى، وعيسى حتى الآن لم يأتِ، فهم كذبوا عيسىُ، ومحمَّدًا عليهما الصلاة والسلام. والنصارى: كذبوا رسولَنا، وقالوا: إنَّ الذي بشَّر به عيسى لم يأت. وفي هذه العصور الأخيرة ظهرت طوائف تكيد لرسالة محمَّدٍ وَّهِ، وتكيد للإسلام بالطعن فيه، منها ((الماسونية)) التي تقول: إنَّ محمَّدًا نبيٌّ مزعوم، وإنَّه لم يأت بجديد، وإنَّ القرآن فرعٌ من التوراة، أخَذ من أحكامها وتعاليمها . و((الماسونية)) مذهب خبيثٌ ماكرٌ، له أساليب - في الدهاء والخداع والمكر - يضل بها بسطاء العقول. ومن ذلك النِّحلة الكاذبة المنحرفة ((القاديانية))، وما تفرغ عنها من ((البابية)) و((البهائية))، فكل نحلة من هذه النِّحل تدعي أنَّها طائفة إسلامية، وأنَّ الرسالة لم تختم بمحمّد، وأنَّ زعيمها المسمى ((غلام أحمد القادياني)) نبيٌّ یوحی إلیه. والقصد أنَّ هاتين الكلمتين الطيبتين ((عبد الله، ورسوله)) هما ردٌّ وإنكارٌ لمثل هذه الطوائف من الغلاة والجفاة، وإنَّهما نور وسعادة لمن دان بهما ٢٧٥ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة عقيدة، وسلوكًا، وقولاً، وعملاً. فنسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يثبّت قلوبنا على دينه، وألا يزيغ قلوبنا عن الحق، إنَّه سميع مجيب. ٧- قوله: ((ثم ليتخيّر من الدعاء أعجبه إلیه، فيدعو)) : لا شكَّ أنَّ المراد بالدعاء هو الدعاء في الصلاة، بعد التشهد وقبل السلام، وهو المكان الذي يشرع فيه، بعد حمد الله وتمجيده في التشهد، وبعد الصلاة على نبيه محمَّد ◌ََّ، وفي حال مناجاة المصلي ربه قبل انصرافه عنه، فالدعاء المشروع يكون في سجوده، وبعد التشهد وقبل السلام منها، وغير ذلك من مواطنه فيها، فالمشروع بعد السلام هو الذكر لقوله تعالى : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْاللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] أما رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة النافلة؛ سواء كانت قبل الفريضة أو بعدها - فإنَّه لم يرد فيه شيء، فإن فعل أحيانًا فلا بأس، أما أن يتخذ عبادةٌ راتبةً فلا ينبغي؛ لأنَّ الواجب في العبادات كلها الاتباع، وألا يتعبد الإنسان إلاّ بما شرعه الله ورسوله. وقد اعتاد كثير من الناس هذا الفعل، فكلما سلموا من نافلة رفعوا أیدیهم، فبعضهم لا يدعو، وإنَّما يمسح وجهه بيديه . ومسح الوجه باليدين بعد الدعاء فيه حديثان ضعيفان، لا تقوم بهما حجة، والله أعلم. * خلاف العلماء: أجمع العلماء على مشروعية التشهد الأول، والجلوس له في الصلاة ذات التشهدين، واختلفوا في وجوبهما: فذهب الإمام أحمد، والليث، وإسحاق، وأبوثور، وداود، والشافعي في إحدى الروايتين عنه: إلى وجوبهما؛ مستدلين بالأحاديث الواردة في التشهد ٢٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والأمر به، من غير تقييد بتشهد آخر، ولأنَّ النبيَّ وَلّ فعله وداوم عليه، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) [رواه البخاري (٦٠٨)]، ولأنَّه قال لابن مسعود: ((فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله ... إلخ)). والأصل في الأمر الوجوب. وذهب الحنفية إلى: أنَّ القعود الأول والثاني، للتشهد واجب، ويجب بتر که سجود السهو . وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى: استحبابه دون وجوبه. ودليلهم: أنَّ النبيَّ ◌َّه تركهما سهوًا، ولم يرجع لهما، ولم ينكر على الصحابة حين تابعوه على تركها . والجواب عن هذا: أنَّ الرجوع إليهما إنَّما يجب إذا ذكر المصلي تركهما، قبل أن يستتم قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو؛ لما روى أبوداود (١٠٣٦) عن المغيرة بن شعبة عن النبي وَّبيو: ((إذا قام أحدكم في ركعتين، فلم يستتم قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو)). وهذا الحديث وإن كان في سنده ((جابر الجعفي)) وهو شيعيٌّ، إلاّ أنَّ الحديث لا يَمُثُّ إلى التشيع بشيء. وعلى ضعفه بهذا الرجل الذي لم يرو أبوداود عنه إلاّ هذه المرة، فإنَّه يؤيد الأدلة الأخر، والله أعلم. ٢٧٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٥١ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((سَمِعَ رَسُولُ اللهِّهِ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ، ولَمْ يَحْمَدِ اللهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلىُ النَّبِّ ◌َ، فَقَالَ: عَجِلَ هَذَا، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأُ بِتَحْمِيدِ رَبِّ وَالثََّاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِّ ◌َّهِ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلاثَةُ، وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ حِبَّانَ والخَائِمُ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيح؛ فقد جاء في السنن الثلاث من أربع روايات متفقة المعنى، وفي بعض ألفاظها اختلاف، وكلها روايات جيدة، إلاَّ إحدى روايتي الترمذي، ففيها رِشْدِينَ ابن سعد وهو ضعيف، ولكن ضعفه منغمر بتلك الأسانيد الثلاثة الجيدة . قُلْتُ: رِشْدِين: بكسر الراء وسكون الشين المعجمة، ثم دال مهملة مکسورة، ثم یاء، آخره نون. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - سمع النبي ◌ّل رجلاً في تشهد صلاته الأخير شرع يدعو ربه، قبل أن يحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على نبيه، فقال ◌َّلتر: ((عجل هذا بدعائه))؛ حيث لم يقدم قبل دعائه هذين الأمرين الهامين. (١) أحمد (١٨/٦)، أبوداود (١٤٨١)، النسائي (٤٤/٣)، الترمذي (٣٤٧٧)، ابن حبان (١٩٦٠)، الحاكم (٢٣٠/١). ٢٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢- أرشد ◌َّلّ أمَّته إلى أدب الدعاء، فقال: ((إذا صلَّى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ◌َّر، ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة))، ولم يقيده، والأفضل الدعاء بالمأثور. ٣- في الحديث دليلٌ على تقديم الوسائل بين يدي المقاصد، وسورة الفاتحة مثالٌ كريمٌ في ذلك؛ فهي بدأت بتحميد الله وتمجيده، وإثبات الوحدانية والعبادة له، وإثبات ربوبيته بطلب إعانته، وذلك كله متضمن لإثبات رسالة نبيه محمَّد مَّة، ثم الشروع في الدعاء بعد هذا كله؛ لتكون وسيلة أمام الدعاء . ٤- قال ابن القيم - رحمه الله - في ((الجواب الكافي)): الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، فإذا صادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب، وذلاً وتفرغًا ورِقَّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورَفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثَنَّى بالصلاة على محمد وَ﴿، ثم قدَّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألخَّ في الدعاء عليه في المسألة، ودعاه رغبةً ورهبةً، وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدَّم بين يدي دعائه صدقة، فإنَّ هذا الدعاء لا يكاد يُردُّ أبدًا، لا سيَّما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي ◌َّ- أنَّها مظنة الإجابة، ومن الآفات التي تمنع ترتيب أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد، ويستبطيء الإجابة، فيَدَع الدعاء. ٢٧٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٥٢ - وَعنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: قَالَ بَشِيْرُ بْنُ سَعْدٍ: ((يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وبارِكْ عَلَى مُحمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آل إِبْرَاهِيْمَ فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجِيْدٌ. والسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيه: ((فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صِلاَتِنَا؟))(١) . * مفردات الحديث: - كيف: اسم مبني على الفتح، والغالب فيه أن يكون استفهامًا، كما هو هنا. - نصلي عليك: الصلاة من المؤمنين لنبيهم دعاؤهم له؛ أي: طلب زيادة الثناء والكمال، الموجود أصل له بنص القرآن . - آل: أصله: ((أهل))، فأبدلت الهاء همزة، ثم الهمزة ألفًا، ويدل على ذلك تصغيره على ((أُهَيْل)). - وبارك: أي: أثبت له دوام ما أعطيته من التشريف والكرامة، فهو مأخوذ من: ((برك البعير))؛ إذا أناخ في موضعه ولزمه، كما أنَّ البركة تطلق على الزيادة، وللكن الأصل هو الأول. - في العالمين: العالمون جمع ((عالَم))، بفتح اللام، ويراد به: جميع الكائنات؛ (١) مسلم (٤٠٥)، ابن خزيمة (٣٥١/١). ٢٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أي: أظهر الصلاة والبركة على محمَّد وآله في العالمين، كما أظهرتها على إبراهيم وآله في العالمين. - حميد: فعيل من: ((الحمْد))، يعني: المحمود، وهو أبلغ منه، والحميد: هو من حصل له من صفات الحمد أكملها ذاتًا وصفاتًا . - مجيد: فعيل من: ((المَجْدِ))، مبالغة من ماجد، وهو صفة الكمال في الشرف والكرم، يقال: مجُدَ الرجل - بضم الجيم وفتحها - يمجُد - بالضم - مجدًا، واعتبار المبالغة في صفات الله تعالى باعتبارها في نفسها، لا فيمن تعلّقت به؛ لأنَّ صفات الله تعالى لا تختلف. - إنَّك حميد مجيد: جملة كالتعليل لما قبلها، وحكمة الختم بهذين الاسمين الكريمين: أنَّ المطلوب تكريم الله تعالى لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويهُ به، وزيادةُ تقريبه، ففيهما إشارة وتعليل للمطلوب؛ فإنَّ الحميد فاعل ما يستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة المتوالية. والمجيد كثير الإحسان إلى جميع خلقه الصالحين، ومن محامدك، وإمجادك، وإحسانك أن توجه صلواتك، وبركاتك، وترحمك على رسولك، وإلى آله. * ما يؤخذ من الحديث: ١- قال الصحابة لرسول الله وَله: إنَّ الله تعالى أمرنا أن نصلي عليك، بقوله فكيف نصلي تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ! عليك؟ فسكت وَله، حتى تمنَّوا أنَّ السائل لم يسأله، مخافة أن يكون كره السؤال، وشقَّ عليه. وعند الطبراني: فسكت حتى جاءه الوحي، فقال: «قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّد ... )) إلى آخر الصلاة المذكورة في الحديث. ٢- قولهم: ((أمرَنَا الله أن نُصَلي عليك)) دليل وجوب الصلاة، فإنَّ الأمر - أصوليًّا - يقتضي الوجوب، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((قولوا)) أمر آخر أيضًا،