Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة (ب) هذا الذكر مستحب عند بقية الأئمة الثلاثة. (ج) وذهب الحنابلة إلى: أنَّ ((رب اغفر لي)) واجبة مرَّة واحدة، وأدنى الكمال فيها ثلاث، وما زاد عنها من الكلمات فهو سنة . صيغة الدعاء عند المالكية والشافعية والحنابلة هو: ((رب اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارزقني، واهدني، وعافني)). ٣- قال ابن القيم: لما فصل بركن بين السجدتين، شرع فيه من دعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال المغفرة، والرحمة، والهداية، والعافية، والرزق. ٤- قال الشيخ تقي الدين: الأفضل الدعاء بما ورد. وقال الموفق: الكمال فيه كالكمال في تسبيح الركوع والسجود. وقال شيخ الإسلام: لا دليل على تقييده بعدد معلوم، وكان عليه الصلاة والسلام يطيل فيه بمقدار السجود. ٥- في صحيح مسلم (٢٦٩٧): ((أنَّ رجلاً أتى النبيَّ وَّ فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربِّي؟ فقال: اللَّهمَّ اغفر لي وارحمني؛ فإنَّ هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك)». * معاني الكلمات الخمس: - اغفر لي: أي: استرني، مع التجاوز عن المؤاخذة. - ارحمني: أي: هات لي من لدنك رحمة تشتمل على ستر الذنب وعدم المؤاخذة، مع الإفضال عليَّ من خيري الدنيا والآخرة. - اهدني: الرحمة تشمل الهداية، فعُطِفَ عليه، من باب عطف الخاص على العام، والهداية نوعان: أحدهما: التوفيق إلى العلم النافع، والعمل الصالح، والإيمان الثابت، وهي الهداية القلبية، وهذه لا يملكها إلاّ الله. الثاني: بمعنى الدلالة والإرشاد إلى طريق الحق والصواب. ٢٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - عافني: اعطني سلامة وعافية، في ديني من السيئات والشبهات، وفي بدني من الأمراض والأسقام، وفي عقلي من العته والجنون، وأعظم الأمراض هي أمراض القلب، إما بالشبهات المضلّة، وإما بالشهوات المهلكة، فهذا النوع من المرض هو سبب الشقاوة الأبدية، والعياذ بالله . ومع هذا، فالناس بغفلة يتزاحمون على المستشفيات والعيادات؛ لعلاج أمراض البدن، ولا يأتون العلماء، ومجالس الذكر، وأبواب المساجد؛ لعلاج أمراض القلوب. وهذا مما يدل على ضعف في العقل، وضعف في اليقين، وانتكاس في التفكير، وعدم تمييز الحقائق. - ارزقني: أي: اعطني رزقًا، يغنيني في هذه الحياة الدنيا عن الحاجة إلى خلقك، وأعطني رزقًا واسعًا في الآخرة، مثل ما أعددته لعبادك الذين أنعمت عليهم . والرزق: عند أهل السنة والجماعة يشمل الحلال والحرام، ولكن موضع الدعاء هو طلب الرزق الحلال في الدنيا. ٢٤٣ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٣ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َِّ يُّصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ، لَم يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِدًا)). رواه البُخَارِيُّ(١). * مفردات الحديث: - وِتْر من صلاَّتِهِ: هي عند النهوض إلى القيام إلى الثانية، وعند النهوض من الثالثة إلى الرابعة في الرباعية، وتسمى جلسة الاستراحة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على استحباب هذه الجلسة، وهو أنَّ المصلي إذا قام في وتر من صلاته؛ بأن يقوم من الركعة الأولى، أو يقوم من الركعة الثالثة، فإنَّه يستوي جالسًا، فيما بين السجدة الأخيرة والقيام، ثم ينهض لأداء الركعة الثانية، أو الركعة الرابعة. ٢- هذه الجلسة يسميها العلماء ((جلسة الاستراحة))، والاستراحة: طلب الراحة؛ فكأنَّ المصلي حصل له إعیاء، فیجلس لیزول عنه. ٣- وهي جلسة خفيفة لطيفة عند من يرى استحبابها، قال النووي: جلسة الاستراحة جلسة لطيفة؛ بحيث تسكن حركتها سكونًا بينًا. خلاف العلماء: ذهب الإمام الشافعي في القول المشهور من مذهبه إلى: استحباب جلسة الاستراحة، وذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم استحبابها . ودليل الشافعي: هو حديث الباب الذي رواه البخاري وغيره من حديث (١) البخاري (٨٢٣). ٢٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مالك بن الحويرث: ((أنَّه رأى النبي ◌َّهِ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ینهض حتى يستوي قاعدًا». أما دليل الثلاثة في تركها فما روى الترمذي (٢٨٨) من حديث أبي هريرة: ((أنَّ النبيَّ ◌َّلِ كان ينهض على صدور قدميه)). قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وقال أبوالزناد: تلك السنة. وقال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي وَّ لا يجلس. قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، وممن روي عنهم تركها: عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس. قال ابن القيم: اختلف الفقهاء في جلسة الاستراحة؛ هل هي من سنن الصلاة، أو ليست من السنن؟ وإنَّما يفعلها من يحتاج إليها؟ على قولين: ففي حديثي أبي أمامة وابن عجلان ما يدل على: ((أنَّهِ وَ لِّ نهض على صدور قدميه))، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي وَّر، وسائر من وصف صلاته لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ◌ّيو دائمًا لذكرها كل واصف لصلاته، ووجود فعلها لا يدل على أنَّها من سنن الصلاة، إلاّ إذا عُلم أنه فعلها سنة، فيقتدى به فيها، وأما إذا قدر أنَّه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في المسألة. واختار الشيخ تقي الدين: أنَّه ◌َ لـ جلس في آخر عمره عند كِبَره، جمعًا بین الأخبار . وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: المشهور من المذهب أنَّها ليست مشروعة، وإنَّما هي من الأسباب العارضة، لا الراتبة، فيكون فعلها من ٢٤٥ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة السنة العارضة، لا الراتبة، وبهذا تجتمع الأدلة. وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: أصح الأقوال الثلاثة في جلسة الاستراحة : استحبابها؛ للحاجة إليها، واستحباب تركها؛ عند عدم الحاجة إليها . اهـ. وهذا القول هو الراجح؛ ذلك أنَّ هذه الجلسة ليست مقصودة لذاتها، حتى تكون سنة راتبة، وليس لها ذكر يقال فيها، فعلم أنَّها مرادة عند الحاجة إليها، من عجز، ومرض، وشيخوخة، ونحو ذلك، فتفعل حينئذٍ. قال في ((المغني)): وبهذا القول تجتمع الأدلة. والله أعلم. ومسائل الخلاف في الفروع لا ينبغي أن تكون مثار فتنة، وشقاق، وتنازع، والأفضل بحث المسائل في جو ودّي علمي، فما وصل فيه أهل العلم إلى اتفاق فذاك، وما اختلفوا فيه فلا ينكِرُ بعضُهم على بعض، ويعادي بعضهم بعضًا، وإنَّما الواجب أن يعذر بعضهم بعضًا بما وصل إليه المخالف من الاجتهاد؛ فإنَّ العداوة والبغضاء هو سبب تفريق كلمة المسلمين، وتشتيت أمرهم، وضعف شأنهم، حتى أصبحوا ممزقين متفرقين، قد تسلط عليهم أعداؤهم، فاستباحوا بلادهم، وأضعفوا كيانهم، وصار المسلمون لهم أتباعًا، وفيما بينهم أحزابًا، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. ٢٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءِ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، ثمَّ تَرَكَهُ)) مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. ولأحمدَ والدَّار قطِيِّ، نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخرَ، وَزَادَ: ((وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَ))(١) . * درجة الحديث: زيادة أحمد والدارقطني صححها الحاكم، ومال ابن دقيق العيد إلى تصحيحها، ولكن في سندها عيسى بن ماهان؛ وهو سيء الحفظ، والربيع بن أنس؛ وله أوهام، والمعول في الجمع بين أحاديث القنوت هو ما سيأتي عن ابن القیم ، رحمه الله. * مفردات الحديث: - قنت: ذكر العلماء أنَّ للقنوت عشرة معانٍ، والمراد هنا: هو الدعاء في الصلاة بعد الرفع من الركوع الأخير من الوتر، وبعد الرفع من الركوع في الثانية من صلاة الفجر، عند من یری ذلك. - على: تكون للضرر، فيقال: دعا عليه. - أحياء من العرب: جمع ((حيٍّ))، قال في ((المصباح)): الحي القبيلة من العرب، والمراد بهم هنا: رِعِل، وَعُصَيَّة، وَذَكْوَان، وبنو لِحْيَان. (١) البخاري (٤٠٨٩)، مسلم (٦٧٧)، أحمد (١٢٢٤٦)، الدارقطني (٣٩/٢). ٢٤٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ لاَ يَقْنُتُ إِلاَّ إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ)) صخَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (١). ** درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال ابن القيم في ((زاد المعاد)): أحاديث أنس في القنوت كلها صحاح، يصدق بعضها بعضًا، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقَّته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، ففعله شهرًا يدعو لقوم، ثم استمرّ تطويل هذا الركن للدعاء والثناء، إلى أن فارق الدنيا، والذي تركه هو الدعاء على أقوام من العرب، وكان بعد الركوع. (١) ابن خزيمة (٣١٤/١). ٢٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٤٦ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقِ الأَشْجَعِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْه - قَالَ: ((قُلْتُ لِأَبِ: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعِلِيٍّ؛ أَفَكَانُوا يَقْتُونَ فِي الفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ؛ مُحْدَثٌ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ أَبَا دَاوُدَ(١). درجة الحديث: الحدیث حسن. قال في ((التلخيص)): رواه الترمذي، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، والنسائي وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه، وإسناده حسن. قلتُ: وصححه أيضًا ابن حبان. * مفردات الحديث: - مُحْدَث: أي: أمر مخترعٌ ومبتدعٌ في الدين، لم يرد في الشرع. - أي - بفتح الهمزة وسكون الياء -: أداة نداء للقريب. - قنوت الوتر: القنوت ورد لمعانٍ كثيرة، والمراد هناك: الدعاء؛ إما مطلقًا، أو مقيدًا بالأذكار المشهورة الواردة. * ما يؤخذ من الأحاديث الثلاثة: ١- القنوت هنا: هو الدعاء بعد الركوع من الركعة الأخيرة في الصلوات الخمس، والوتر . ٢ - أجمع العلماء على أنَّ فعله، أو تركه لا يبطل الصلاة، وإنَّما الخلاف في استحباب تركه، أو التفصيل في ذلك. (١) أحمد (٤٧٢/٣)، الترمذي (٤٠٢)، النسائي (١٠٨٠)، ابن ماجه (١٢٤١). ٢٤٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٣- حديث أنس: (٢٤٤) ((أنَّ النبيَّ ◌َلِّ قَنَتَ في الصَّلَوات الخمس کلها شهرًا، يدعو على أحياء من العرب)) - ورد تعيينهم بأنَّهم: رِعِل وعُصَيَّة وبَنُو لِحْيَان؛ هذه الرواية في الصحيحين. ٤- زيادة الدار قطني: ((أنَّه ما زال يقنت، حتى فارق الحياة الدنيا)) - معارضة لرواية الصحیحین. ٥ - حديث أنس (٢٤٥): ((أَنَّ وَّه كان لا يقنت إلاّ إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم))؛ كأن يدعو للمستضعفين، كما يدعو على القبائل التي مرَّ ذكرهم، وعلى غيرهم من صناديد قريش الذين آذوا المستضعفين. ٦- حديث طارق الأشجعي (٢٤٦): ((أنَّه صلَّى مع النبي ◌َّ والخلفاء الراشدين الأربعة، وما كانوا يقنتون في صلاة الفجر، بل هو محدث)). * خلاف العلماء: أجمع العلماء على استحباب القنوت في الجملة، ولكن اختلفوا في تحدید الصلاة التي يقنت فيها على مذاهب : ذهب الحنفية إلى: وجوب القنوت في صلاة الوتر. وذهب الحنابلة إلى استحباب القنوت في صلاة الوتر. وذهب المالكية والشافعية إلى استحبابه في صلاة الصبح. وذهب الشافعية والحنفية والحنابلة إلى استحبابه في الفرائض إذا نزل بالمسلمين نازلة، لكن خصَّه الحنفية بالصلاة الجهرية . أما دليل الحنفية والحنابلة في قنوت الوتر: فما رواه الخمسة عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنَّه قال: ((علَّمني رسول الله وَّرَ كلمات أقولهنَّ في صلاة الوتر))، وسيأتي الحديث قريبًا إن شاء الله تعالى. وأما دليل المالكية والشافعية: فما رواه الدار قطني عن أنس: ((أنَّ النبيَّ لو لم يزل يقنت في الصبح، حتى فارق الحياة)). ٢٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وأما دليل الحنفية والشافعية والحنابلة على استحبابه عند النوازل: فما رواه ابن خزيمة (٣١٤/١)، عن أنس عن النبي وَلجر: ((كان لا يقنت إلاّ إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم)). قال الشيخ تقي الدين: للعلماء في القنوت ثلاثة أقوال: أصحها: أنه يسن عند الحاجة. قال الشيخ المباركفوري: هذا القنوت يسمى بقنوت النوازل، ولم يرد في الصلاة المكتوبة قنوت غيره، هذا وهو مخصوص بأيام المهام والوقائع والنوازل؛ لأنَّ النبي ◌َّه كان لا يقنت إلاَّ إذا دعا لقوم مسلمين، أو دعا على الكافرين، وهذا القنوت لا يختص بصلاة دون صلاة، بل ينبغي الإتيان به في جميع الصلوات. وأما الزيادة التي تدل على مواظبته وَيوعلى القنوت في صلاة الفجر - فهي لا تصلح للاحتجاج، ومع ذلك تعارض حديث أنس. وقال ابن القيم في ((زاد المعاد»: أحاديث أنس في القنوت كلها صحاح، يصدق بعضها بعضًا، ولا تناقض فيها، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقَّته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهرًا، يدعو على قوم، ويدعو لقوم، ثم استمر تطويل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، أما الذي تركه فهو الدعاء على أقوام من العرب، وكان بعد الركوع، فزاد أنس القنوت قبل الركوع وبعده، الذي أخبر أنَّه ما زال عليه هو إطالة القيام في هذين المحلين، بقراءة القرآن وبالدعاء. وقال شيخ الإسلام: لا يقنت في غير الوتر، إلاَّ أن تنزل بالمسلمين نازلة، فيقنت كل مصلٍّ في جميع الصلوات، للكنه في الفجر والمغرب آكد بما يناسب تلك النازلة، ومن تدبر السنة، علم علمًا قطعيًّا أنَّ النبيَّ ◌َّ لم يقنت دائمًا في شيء من الصلوات. ٢٥١ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٧ - وَعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِوَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيتَ، وَعَافِنِي فِيْمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِيْ فِيْمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِيْ فِيْمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَىْ عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّا وَتَعَالَيْتَ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَِيُّ: ((وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ)). وزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخرَ فِي آخِرِهِ: ((وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ))(١). ولِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَاسِ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي القُنُوتِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبحِ)). وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ(٢). : درجة الحديث: الحديث صحيح؛ قَال النَّووي في ((المجموع )) و((كتاب الأذكار)): رواه أبوداود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد صحيح. وصححه الحاكم وابن الملقن، وقال الألباني: إسناده صحيح، وأما زيادة الطبراني والبيهقي: ((لا يعز من عاديت)) - فضعفها النووي، لكن قواها ابن حجر، وابن الملقن. وأما زيادة النسائي: ((وصلى الله تعالى على النَّبي)) - فإسنادها حسن، كما (١) أحمد (٢٠٠/١)، أبوداود (١٤٢٥)، النسائي (٢٤٨/٣)، الترمذي (٤٦٤)، ابن ماجه (١١٧٨)، الطبراني في الكبير (٧٣/٣)، والبيهقي (٢٠٩/٢). (٢) البيهقي (٢١٠/٢). ٢٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال النووي في الأذكار، وحسنها ابن الملقن، لكن ابن حجر أعلها بالانقطاع بين عبدالله بن علي وبين الحسن بن علي. وأما رواية البيهقي عن ابن عباس: ((في القنوت من صلاة الصبح)) - فقال الحافظ : سندها ضعيف. * مفردات الحديث: - فيمن هديت: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، قيل: ((في)) في هذه الفقرة والتي بعدها بمعنى ((مع)). - عافني: عن كل نقص ظاهر، أو باطن في الدنيا والآخرة، واجعلني مندرجًا فیمن عافیت. - تولني: بحفظك عن كل مخالفة، ونظر إلى غيرك، واجعلني مندرجًا فيمن توليت، والموالاة ضد المعاداة. - بارك لي: أُنْزِل عَليَّ بركتك العظمى، من التشريف والكرامة، وزدني من فضلك. - فيما أعطيت: ((في)) للظرفية متعلقة بالفعل المذكور قبلها. - قني: اجعل لي وقايةً من عندك، تقيني شر ما خلقته ودبرته. - ما قضیت: ((ما)) اسم موصول، بمعنى ((الذي)). - إنَّك تقضي: تعليل لما قبله؛ إذ لا يعطي تلك الأمور المهمة العظام إلاّ من كملت قدرته وقضاؤه، ولم يوجد منها شيء في غيره. - لا يذِل: بفتح الياء وكسر الذال المعجمة؛ أي: لا يضعف ولا يهون من واليت، والذل ضد العز. - لا يَعِز: بفتح الياء وكسر العين؛ أي: لا ينتصر من عاديت، فهو ضد الذل. قال السيوطي: لا خلاف بين علماء الحديث واللغة والصرف أن ((يعز)) بكسر العين وفتح الياء. ٢٥٣ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - تباركت: تعاظمت وتزايد برك وإحسانك، وكثر خيرك. - تعالیت: تنزهًا عما لا يليق بك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعية القنوت في صلاة الوتر، واستحبابه فيها. ٢- استحباب هذا الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة، والمأثور عن النبي وَالر؛ فيكون من أفضل الأدعية. ٣- ليس في الحديث بيان محل هذا الدعاء، ولكن الحاكم في ((المستدرك)) (١٨٨/٣) زاد، فقال: ((علمني رسول الله ربَّل في وتري إذا رفعت رأسي، ولم يبق إلاّ السجود)). ٤- قال العراقي: جاء قنوت الوتر من طرق تدل على مشروعيته، منها ما هو حسن، ومنها ما هو صحيح، وجاءت السنة بالقنوت قبل الركوع وبعده، وأكثر الصحابة والتابعين وفقهاء الحديث؛ كأحمد وغيره، يختارون القنوت بعد الركوع . قال الشيخ تقي الدين: لأنَّه أكثر وأقيس. ٥- استحب الجمهور رفع اليدين حال الدعاء، وفي الحديث: ((إنَّ الله يستحيي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا، فيردهما خائبتين)) [رواه الترمذي (٣٥٧١) وابن ماجه (٣٨٦٧)]. والأحاديث في هذا كثيرة. * معاني الكلمات الواردة في دعاء القنوت بتوسع: - اللَّهمَّ اهدني فيمن هديت: الهداية من الله تعالى، هي: التوفيق والإلهام إلى ما يوصل إلى المطلوب، وهذه الهداية لا تكون إلاّ من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] والهداية الأخرى هداية الدلالة والإرشاد، وهذه هي وظيفة الرسل؛ قال * [الشورى] ومثل الرسل دعاة الخير. ٥٢ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ : ٢٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - وعافني فيمن عافيت: أي: عافني من الأسقام والبلايا في جملة من عافيته منها، وعافني أيضًا في ديني من أمراض الشبهات والشهوات. - وتولني فيمن توليت: فتولَّ أمري كله، ولاية عامَّة، في ضمن خلقك، وتولَّني ولاية خاصَّةً، لأكون من أوليائك وحزبك المفلحين، فتولَّ أمري كله، ولا تكلني إلى نفسي، ولا أحدٍ غيرك. - وبارك لي فيما أعطيت: البركة هي الخير الكثير، فهي النماء والزيادة؛ أي: وضع لي البركة فيما وهبت لي من العمر، والمال، والولد، والعلم، والعمل. - وقني شرَّ ما قضيت: تقدَّم أنَّ ((ما)) اسم موصول بمعنى ((الذي))، والمعنى: وقني الشر الذي في مخلوقاتك؛ فإنَّ الشر لا يكون في فعل الله تعالى، وإنَّما يكون فيما خلق؛ ولذا جاء في الحديث: ((الخير بيديك، والشر ليس إليك))، ﴾ [الفلق] فمخلوقات ٢ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ جَ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ الله تعالى قد يكون فيها شرٌّ وضرر، والشر - الذي جعله الله في مخلوقاته - ما هو إلاّ لحكمة ومصلحة عظيمة. - إنَّك تقضي : تحكم، وتقدر ما تريد. - لا يُقضى عليك: لا يقع حكم عليك، ولا معقب لحكمك، تفعل ما تشاء، ﴾﴾ [الأنبياء] والله جلَّ وعلا وتحكم ما تريد: ﴿لَا يُْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ج يقضي على نفسه ويحكم، قال تعالى: ﴿كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، وفي الحديث القدسي: ((إني حرَّمت الظلم على نفسي)). - إنّه لا يذل من واليت: أي: لا يصير ذليلاً مَنْ كنتَ وليه وناصره؛ فلا يلحقه ذلٌّ، ولا هزيمة: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِىٌ﴾ [المجادلة]. ـ تباركت ربنا: كثر خيرك، واتَّسع لخلقك، وعم فضلك جميع خلقك، ٢٥٥ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة (ربنا)) يعني: يا ربنا. - تعاليت: علو الله تعالى صفةٌ أزليةٌ ثابتةٌ بالنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، فله العلو، هو وصفٌ ثابتٌ لله أزليٌّ أبديٌّ، وهو علو ذاته، فهو عال على جميع خلقه، بائنٌ منهم، وعلو صفاته، فلا يشبهه ولا يماثله أحد في صفاته: [الشورى]، وعلو على خلقه ١١ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ بقهره، قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، أما استواؤه جل وعلا على عرشه فهو وصفٌ فعليٌّ يتعلق بمشيئته تعالى، فالعرش خلق من مخلوقات الله تعالى، وهو تعالى غنيٌّ عن جميع المخلوقات. واستواؤه على عرشه حقٌّ ثابتٌ، وللكنه استواءٌ يليق بجلاله وعظمته. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذين بَعدوا عن التعطيل، وتنزَّهوا عن التشبيه والتمثيل. قال في ((شرح الإقناع)): ولا بأس أن يدعو في قنوت وتر بما شاء، والمأموم يؤمن على الدعاء بلا قنوت إن سمع، وإن لم يسمع دعا، وإذا كان واحدًا أفرد الضمير، فيقول: ((اللهم اهدني))، وإذا سلم من الوتر، سُنَّ أن يقول: ((سبحان الملك القدوس ثلاثًا، ويرفع صوته في الثالثة)) [رواه أحمد (١٤٩/٣٣) والنسائي (١٧٣/٢)]. - أقولهن في قنوت الوتر: هذا يدل على أنَّه يجوز أن يزيد الإنسان في دعاء قنوت الوتر على هذه الكلمات. وهو - أيضًا - لم يقل وَيّ للحسن: لا تقل غيرهن، وإنَّما علَّمه إياهن؛ لیکن مما يقول . قال شيخ الإسلام: يخير في دعاء القنوت بين فعله وتركه، ويفضل أن يختمه بالصلاة على النبي وَلّ؛ لما روى الترمذي (٤٨٦) عن عمر - رضي الله عنه -: ((الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي ٢٥٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام على' نبيك)). وشرعت الصلاة على النبي وَلّر في أول الدعاء وأوسطه وآخره. وقال بعضهم: ينبغي أن يمسح وجهه بيديه بعد الفراغ منه . قال الشيخ: جاء في ذلك أحاديث لا تقوم بها حجة . ٢٥٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَله: ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكْم، فَلا يَبْرُدْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيْرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)). أخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ(١). وَهُوَ أَقْوَى مِن حَدِيْثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ : ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ إِذَا سَجَدَ، وَضَعَ رُكْبَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ)). أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَهُ(٢). فَإِنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - صَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مُعَلَّقًّا مَوْقُوفًا. (٣) * درجة الحديث: حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٣٨١/٢)، وأبوداود (٨٤٠)، والترمذي (٢٦٩)، والنسائي (١٠٩١)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) من حديث محمَّد بن عبدالله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، قال البخاري عن محمَّد بن عبدالله بن الحسن: لا يتابع عليه، ولا أدري سمع عن أبي الزناد أم لا . وقال حمزة الكناني: هذا حديث منكر . وقال ابن سيِّد الناس: ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلاً في الحسن على رسم الترمذي؛ لسلامة رواته من الجرح. (١) أبو داود (٨٤٠)، الترمذي (٢٦٩)، النسائي (١٠٩١). (٢) أبو داود (٨٣٨)، الترمذي (٢٦٨)، النسائي (١٠٨٩)، ابن ماجه (٨٨٢). (٣) ابن خزيمة (٣١٨/١). ٢٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقد رواه السرقسطي في ((غريب الحديث)) (٢/ ٧٠) عن أبي هريرة موقوفًا؛ بلفظ: ((لا يبرك أحدكم بروك البعير الشارد)). وأما حديث وائل بن حجر: فأخرجه أبوداود (٧٢٦)، والترمذي (٢٦٨)، والنسائي (١٠٨٩)، وابن ماجه (٨٨٢)، من حديث شريك النخعي عن عاصم بن کلیب عن أبيه عن وائل بن حجر . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا غير شريك، وقال الدارقطني: تفرد به شريك، وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به. وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وله طرق أخرى، ولذا قال الخطابي: حديث وائل أصح من حديث أبي هريرة. وأمَّا حديث ابن عمر: فعلّقه البخاري (٢/ ٢٩٠ فتح)، ووصله ابن خزيمة (٣١٨/١)، وأبوداود والطحاوي والدار قطني من طريق الدَّرَاوَردي عن عبيدالله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر . وقد تكلّم الإمامان: أحمد والنسائي في رواية الدراوردي عن عبيدالله، وخالفه أيوب السختياني، فرواه عن نافع عن ابن عمر يرفعه قال: ((إنَّ اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما)). قال الأوزاعي: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. وصحَّ عن عمر - رضي الله عنه - موقوفًا: ((أنَّه كان يقع على ركبتيه)). رواه ابن أبي شيبة . * مفردات الحديث: - فلا يبرك: يقال: برك البعير بركًا: وقع على بركه، والبَرَك: ما يلي الأرض من صدر البعير . ٢٥٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة * ما يؤخذ من الحديث: ١ - لدينا ثلاثة أحاديث في صفة الهوي إلى السجود: ( أ) حديث أبي هريرة: ((إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، ولیضع یدیه قبل ر کیتیه)) مرفوعًا . (ب) حديث ابن عمر: قال نافع: (کان ابن عمر یضع یدیه قبل رکیتیه)). رواه البخاري معلقًا موقوفًا . (ج) حديث وائل بن حجر: ((إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه)) مرفوعًا . ٢ - فأما ((حديث أبي هريرة))، و((حديث ابن عمر)) - فمتفقان على أنَّ الأفضل هو وصول اليدين قبل الركبتين إلى الأرض، وحديث وائل بن حجر مخالف لهما ففیه أنَّ الأفضل هو وصول الرکیتین قبل الیدین. ٣- بعض العلماء رجحوا حديثي أبي هريرة وابن عمر، على حديث وائل بن حجر، وقالوا: إنَّ ركبتي البعير في يديه، وهما أول ما ينزل إلى الأرض، والإنسان ركبتاه في رجليه، فلا ينبغي أن تصلا قبل يديه، فالنهي منصَب على الركبتين، بألا يتقدما في النزول إلى الأرض، وإن اختلف مكانهما من الإنسان ومن البعير، فما دام أنَّ أول ما يصل إلى الأرض هما ركبتا البعير اللتان في يديه، فينبغي أنَّ أوَّل ما يصل إلى الأرض من الإنسان يداه، على ظاهر حديث أبي هريرة وابن عمر . ٤- أما ابن القيم: فإنَّه يقول: إنَّ في حديث أبي هريرة قلبًا من الراوي؛ حيث قال: ((وليضع يديه قبل ركبتيه))، وأنَّ أصله: ((ولیضع ركبتيه قبل یدیه))، ويدل عليه أوَّل الحديث، وهو قوله: ((فلا يبرك كما يبرك البعير))؛ فإنَّ المعروف من بروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، فينهى الإنسان أن يكون أول ما يصل إلى الأرض هو مقدم جسمه، كما هو الحال في البعير، وعليه أن يخالف البعير؛ وذلك بأن ينزل أول ما ينزل من جسمه ركبتاه اللتان ٢٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام في رجليه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه؛ هذا هو الصحيح مما يفهم من الأحاديث، ويزول ما يوهم من التعارض بينها . وكما أنَّ هذا هو مقتضى الأثر، فإنَّه مقتضى الطبيعة، وخلقة الإنسان؛ فإنَّ المصلي ينزِّل جسمه من العلو تنزيلاً، فيكون أول ما يصل إلى الأرض من جسمه أقربها إلى الأرض، وهما ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته مع أنفه. ٥- قال محرره عفا الله عنه: لا شكَّ أنَّ ركبتي البعير في يديه لا في رجليه، وإنَّما الذي في الرجلين عرقوباه، ولا شكَّ أنَّ أوَّل ما يصل إلى الأرض من البعير - عند البروك - ركبتاه اللتان في يديه، والحديث ينهى عن مشابهة بروك البعير في الهيئة التي ينحط بها إلى الأرض من وصول مقدم البعير الذي فيه يداه، عن وصول آخره الذي فيه ركبتاه، ويكون في حديث أبي هريرة قلبٌ، كما قال ذلك ابن القيم - رحمه الله - وإنَّما الذي وهم فيه ابن القيم ظنه أنَّ ركبتي البعير في رجليه لا في يديه، فركبتا البعير لغة وعرفًا في يديه، كما قال المثل العربي: ((فلان وفلان في الشرف کرکبتي البعير)). وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الأفضل للساجد أن يضع ركبتيه، ثم یدیه؛ لحديث وائل بن حجر . .