Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّه: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّىُ القَذَاةُ يُخْرِ جُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ أبنُ خُزَيْمَةَ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف، للکن له شواهد. ورواه أبوداود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، وقد ذاكرت به البخاري، فلم يعرفه واستغربه، وقال: لا أعرف للمطلب سماعًا من أنس. ونقل المناوي ((في فتح القدير)) عن الحافظ ابن حجر، قال: في إسناده ضعف، للکن له شواهد. * مفردات الحديث: - عُرضت: فعل ماضٍ، مبني للمجهول، وهو من: عرض يعرض عرضًا، من باب ضرب، وعرضت الشيء: أظهرته وأبرزته. - أجور: جمع أجر، وهو الثواب على الحسنات، وهو نائب الفاعل. - أمتي : أمة الرسول نوعان: أحدهما: أمة الدعوة، التي تشمل كل من دُعِي إلى الدين. والثاني: أمة الإجابة، وهم الذين اتَّعوه، وهم المراد هنا. - القَذاة: بفتح القاف المثناة، وبعدها ذال معجمة مفتوحة، ثم ألف ثم تاء التأنيث، جمعها: قذّى بزنة حَصَى، والقذاة: ما يسقط في العين والشراب، والمراد هُنا: كِسَرُ الأخشاب. (١) أبوداود (٤٦١)، الترمذي (٢٩١٦)، ابن خزيمة (٢٧١/٢). ١٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١- عرضت على النبي ◌َّل ثواب أعمال أمته، كبيرها وصغيرها، حتى ثواب القذاة، التي يخرجها الرجل من المسجد. ٢- فيه: دليل على أنَّ الأعمال تحصى كلها، الكبير منها والحقير، وتُوقَّى أصحابها؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ جَ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا بَرَهُ شَام [الزلزلة]. ٣- الظاهر أنَّ أعمال أمته عرضت عليه ليلة عرج به، فاطّلع على أعمال أمته، وثوابهم عليها . ٤- فيه: دليل على تعظيم المساجد واحترامها، ومشروعية تنظيفها وتطييبها، كما جاء في مسند أحمد (٢٥٨٥٤) عن عائشة قالت: ((أمر رسول الله وَل ببناء المساجد، وأن تُنظف وتطيب)) فتعظيمها من تعظيم حرمات الله. ٥- المنقبة الكبيرة لنبينا - عليه الصلاة والسلام - حيث أراه الله تعالى من آياته، وأطلعه على شيء من غيبه؛ ليزداد بصيرة ويقينًا، مما يزيده نشاطًا في دعوته، وحماسًا في رسالته، فعين اليقين أرسخ من علم اليقين، ولذا قال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿وَإِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَظْمَيْنَ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فأراه الله تعالى ما طمأن قلبه، وزاد في إيمانه . ٦- في الحديث أنَّ المسلم لا يَحْقِر من الأعمال شيئًا؛ سواء أكانت حسنة أم سيئة، فيأتي الحسنات كبرت أو صغرت، ويتجنب السيئات كبيرها وصغيرها، فالكل محصی في كتاب مبين . ١٤٣ كتاب الصلاة - باب المساجد ٢١١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . * مفردات الحديث: - إذا دخل: ((إذا)) شرطية، وفعلها ((دخل)). - فلا يجلس: ((لا)) ناهية، والفعل بعدها مجزوم، وهو جزاء الشرط. - ركعتين: أطلق الجزء وأراد الكل، وهذا كثير، والغالب أنَّ الجزء المذكور لم یعین إلاّ لأهميته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نُهِيَ داخل المسجد أن يجلس حتى يصلي ركعتين، تسميان تحية المسجد. ٢ - ظاهر الحديث الأمر بهما للوجوب، وحمله جمهور العلماء على الندب والاستحباب؛ لقوله ◌َّلول للذي يتخطى رقاب الناس: ((اجلس، فقد آذيت))، ولم يأمره بالصلاة. ولقوله وَلّ لمن علّمه أركان الإسلام، وفيها الصلوات الخمس، دون تحية المسجد . ٣- ظاهر الحديث أنَّهما تصليان في أي وقت، سواء أكان وقت نهي أم لا، وفي ذلك خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى . ٤- ظاهر الحديث أنَّ الداخل إذا جلس فاتتا عليه، ولكن قال جمع من أهل العلم: إذا لم يطل الوقت، فإنَّهما تستدركان، فیصلیهما؛ لما روى ابن حبان (١) البخاري (١١٦٣)، مسلم (٧١٤). ١٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام في صحيحه (٧٦/٢) من حديث أبي ذر: ((أنَّه دخل المسجد، فقال له النبي وَّ : ركعتَ ركعتين؟ قال: لا، قال: قُمْ فاركعهما)). ٥- قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: الطواف تحية الكعبة، وتحية المسجد الحرام الصلاة، وتجزيء عنها الركعتان بعد الطواف. وهذا لا ينافي أنَّ تحية المسجد الحرام الطواف، لأنَّه مجمل وذا تفصيل، ذكر معناه في الإقناع . قال في ((سبل السلام)): لو دخل المسجد الحرام، وأراد القعود قبل الطواف، أو لم يرد الطواف، فإنَّه يشرع له التحية، كغيره من المساجد. ٦ - إذا دخل المسجد وهم في المكتوبة، وهو يريد الصلاة معهم، فإنَّه يجب عليه أن يدخل معهم، ولا يجوز له الانشغال بصلاة غير المكتوبة؛ لما في صحيح مسلم (٧١٠): ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلاَّ المكتوبة)). وتجزيء عن تحية المسجد، فإنَّه إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد، دخلت إحداهما في الأخرى. خلاف العلماء: اختلف العلماء في الصلوات ذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف، هل تصلى وقت النَّهي أم لا؟: فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنَّ جميع التطوعات لا تصلى في وقت النهي عدا ركعتي الطواف، وعند الحنفية: حتى ركعتا الطواف، لا يصليها في أوقات النَّهي، مستدلين بعموم أحاديث النَّهي. وذهب الشافعية وإحدى الروايتين في مذهب أحمد إلى: أنَّ النَّهي خاص بالنفل المطلق عن السبب، أما الصلوات ذوات الأسباب فجائزة عند وجود سببها . ١٤٥ كتاب الصلاة - باب المساجد واستدلوا بالأحاديث الخاصة بهذه الصلوات؛ فإنَّها مخصِّصة لأحاديث النَّهي العامة . واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من أصحاب الإمام أحمد. قال المجوزون: إنَّه بهذا تجتمع الأدلة كلها، ويعمل بأحاديث الجانبين کلها . ١٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب صفة الصلاة مقدمة صفة الصلاة هي: الهيئة الحاصلة في الصلاة، بما لها من الأركان والواجبات والسنن، وهي تبرىء الذمة وتسقط الواجب، إذا أداها العبد بشروطها وأركانها وواجباتها فقط . وهي أعظم العبادات وسيلة إلى مرضاة الله تعالى، وحصول ثوابه، إذا صاحب أداءَ الواجبات الخشوعُ، والخضوع، والطمأنينة، وجمع القلب على الله تعالى، بحيث يؤديها بحال المراقبة لله تعالى، والتفكر والتدبر لما يقول من القراءة، والذكر، والدعاء، ولما يفعل من هيئات القيام، والركوع، والسجود، والقعود. قال الغزالي: لن تصل أيها المسلم إلى القيام بأوامر الله تعالى، إلاَّ بمراقبة قلبك وجوارحك، في لحظاتك وأنفاسك، من حين تصبح إلى حين تمسي، فاعلم أنَّ الله مطلع على ضميرك، ومشرف على ظاهرك وباطنك، ومحيط بجميع خطواتك وخطراتك، وسائر سكناتك وحركاتك، فتأدب في حضرة الملك الجبار، واجتهد ألا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. واعلم أنَّ الله مطلعٌ على سريرتك، وناظرٌ إلى قلبك، فإنَّما يتقبّل من صلاتك بقدر خشوعك وخضوعك، فاعبده في صلاتك كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، فإن لم يحضر قلبك، ولم تسكن جوارحك، فهذا لقصور معرفتك بجلال الله تعالى، فعالج قلبك، عساه أن يحضر معك صلاتك، فإنَّه ليس لك من صلاتك إلاَّ ما عَقلتَ منها. اهـ كلامه، رحمه الله تعالى. ١٤٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أنَّ النبيَّ ◌َلّه قال: إِذَا قُمتَ إِلى الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَ أْمَا تَشَرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذلك في صلَّتِكَ كُلِّهَا)). أَخْرَجَهُ السَّبعةُ، واللَّفُ للبُخَارِيِّ. ولابن ماجهُ باسْنَادِ مسلمٍ: ((حتَّى تطْمَئِنَّ قَائِمًا)»(١). ومِثْله في حَدِيثِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ: ((حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا)». ولأَحْمَدَ: ((فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ». وَلِلنَّسَائِيِّ وَأبي داودَ مِنْ حَديث رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ: ((إِنَّها لَنْ تَتِمَّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ، كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعالَىَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهَ تَعالى، ويَحْمَدَهُ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ)). وفِيها: ((فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلاَ فَاحْمَدِ الله، وَكَبِّرْهُ، وَهَلِّلْهُ)) . ولأَبِي دَاودَ: ((ثُمَّ اقْرَأُ بِأُمِّ الكِتَابِ، وَبِمَا شَاءَ الله). (١) البخاري (٧٥٧)، مسلم (٣٩٧)، أبوداود (٨٥٦)، الترمذي (٣٠٣)، النسائي (٨٨٤)، أحمد (٤٣٧/٢)، ابن ماجه (١٠٦٠). ١٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ولابنِ حِبَّنَ: ((ثُمَّ بِمَا شِئْتَ))(١). * مفردات الحديث: - أسبغَ: يقال: سبغ يسبغ سبوغًا، من باب قعد: تمَّ وكَمُلَ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أسبغت الوضوء: أتممته؛ أي: أبلغته مواضعه، ووفّيت كل عضو حقه . - أم الكتاب: هي الفاتحة، سميت بذلك؛ لجمعها المعاني العظيمة التي اشتمل عليها القرآن، ولأنَّها فاتحته في التلاوة والكتاب. - ما تيسر من القرآن: ما سهل عليك معرفته من القرآن، والمراد بذلك سورة الفاتحة؛ لأنَّها أيسر سورة تحفظ من القرآن، ولما جاء في أبي داود: ((فاقرأ بأم الكتاب)». - راکعًا: الركوع: حني الظهر حتى تمس الیدین الركبتين، وکماله حتى يستوي الرأس بالظهر. - حتى تطمئن راكعًا: جاء في تفسير الطمأنينة في بعض روايات الحديث، بقوله: ((حتى تطمئن مفاصلك، وتسترخي))، و((حتى تستوي جالسًا))، ((فأقم صلبك حتى ترجع العظام))، و«يسجد حتى يمكن وجهه وجبهته))، فهذه تفاسير الطمأنينة في هذه الأركان ونحوها، و((حتى)) في هذه المواضع لغاية ما يقع به الركن، فدلت ((حتى)) على أنَّ الطمأنينة داخلة فيه. - راكعًا: منصوبَة على أنَّها حال مؤكدة. - أقم صلبك: بضم الصاد وسكون اللام، وقد تضم اللام للاتباع، وهو فقار ﴾ [الانفطار]. ٧ الظّهر، قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتََّآيِ (١) أحمد (٣٤٠/٤)، ابن حبان (٢١٢/٥)، أبو داود (٨٥٨، ٨٥٩)، النسائي (١١٣٦). ١٤٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ويجمع على: أصلاب وأصلب. - كبره وهلله: كلمتان منحوتتان من ((الله أكبر)) و((لا إله إلاّ الله))، والنحت: هو جمع حروف الكلمة وترکیبها، من کلمتین أو كلمات. - فكبر: يعني: قل: ((الله أكبر)) لا يقوم غيرها مقامها، وتكون همزة ((الله)) مقصورة، فإن مدها، لم تنعقد صلاته؛ لأنَّها صارت همزة استفهام. ومثلها في القصر همزة ((أكبر)) فهي بالمد تكون استفهامًا، وإن قال: ((أكبار)) لم تنعقد صلاته؛ لأنه جمع ((كَبَر))، والكبر: الطبل، فيكون ((أكبار)) بمعنى : طبول. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - هذا حديثٌ عظيمٌ جليلٌ يسميه العلماء ((حديث المسيء في صلاته)). ٢- قصة الحديث أنَّ رجلاً من الصَّحابة، اسمه: ((خلاد بن رافع))، دخل المسجد فصلى صلاة غير مجزئة، والنبي ◌ّ ينظر إليه، فلما فرغ من صلاته، جاء إلى النبي ◌َّلو فسلم عليه، فردَّ عليه السلام، ثم قال: ((ارجع فصل؛ فإنَّك لم تصلِّ))، فرجع وعمل في صلاته الثانية، كما عمل في صلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي ◌َّه، فقال له: ((ارجع فصل؛ فإنَّك لم تصل)) ثلاث مرات، فأقسم الرجل أنَّه لا يُحسن من الصلاة إلاَّ ما فعل، فعندما اشتاق إلى العلم، وتهيَّ لقبوله، علّمه النبي وَ ل﴿ كيف يصلي، كما جاء في الحديث. وذلك بأن يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة، ثم یرکع حتى يطمئن راكعًا، ثم يعتدل من الركوع ويطمئن، ثم يسجد فيطمئن، ثم يجلس بعد السجود ويطمئن، ثم يسجد أخرى ويطمئن، ثم يفعل هكذا في صلاته كلها، ما عدا تكبيرة الإحرام، الخاصة بالركعة الأولى. ٣- ما ذُكر في هذا الحديث - من الأقوال والأفعال - هو مما يجب في الصلاة، وما لم يذكر فيه يدل على عدم وجوبه، ما لم يثبت بدليل آخر؛ ذلك أنَّ ما ١٥٠) - توضيح الأحكام من بلوغ المرام ذكر فيه قد سُبق بلفظ الأمر، بعد قوله: ((ارجع فصل؛ فإنك لم تصل))، كما أنَّه سيق مساق الاستقصاء، في تعلم ما يجب في الصلاة. وأما الاستدلال به على أنَّ كل ما لم يذكر فيه لا يجب، فلأنَّه مقام تعلیم جاهل لواجبات الصلاة، فلو ترك بعض ما يجب، لكان منه تأخيرٌ للبيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز بالإجماع. ٤- طريق الاستدلال بهذا الحديث على ما يجب، وما لا يجب من أقوال الصلاة وأفعالها، هو أن تُخْصَى ألفاظ الحديث الصحيحة، وكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في الاستدلال على هذا الحديث، فإنّنا نتمسك بوجوبه، ما لم يأت دلیل معارض أقوى منه. وكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث الذي سيق مساق التعليم، وإن جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في هذا الحديث، احتمل أن يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب، واحتمل البقاء على الظاهر، فيحتاج إلى مرجع للعمل به . ٥- يدل الحديث على وجوب الأعمال المذكورة في هذا الحديث؛ بحيث لا تسقط سھوًّا ولا جهلاً، وهي: (أ) تكبيرة الإحرام: وهي ركن من أركان الصلاة في الركعة الأولى فقط. قال الغزالي: التكبير معناه: تعظيم الباري جلَّ وعلا، بأنَّه أكبر من كل شيء وأعظم، وهو متضمن تنزيهه عن كل عيبٍ ونقصٍ، وحكمة الاستفتاح به استحضار عظمة من يقف بين يديه، وأنّه أكبر شيء يخطر بباله، ليصيب الخشوع والحياء من يشتغل فكره بغيره، ولهلذ أجمع العلماء على أنَّه ليس للعبد من صلاته إلاَّ ما عقل منها . (ب) قراءة الفاتحة في كل ركعة، ثم الركوع، والاعتدال منه، ثم السجود، والاعتدال منه، والطمأنينة في كل هذه الأفعال، حتى في الرفع ١٥١) = كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة من الركوع والسجود، خلافًا لمن لم يوجبْها في هذين الركنين. (ج) أما بقية الأركان - كالتشهد، والصلاة على النبي وَّة، والتسليم - فقال البغوي: إنَّها معلومة لدى السائل. ٦- يفعل هذه الأركان في كل ركعة من أركان الصلاة، عدا تكبيرة الإحرام، فهي في الركعة الأولى دون غيرها. ٧- جاء في صفة الاعتدال بعد الركوع في هذا الحديث، لفظ: ((حتى تطمئن قائمًا))، وجاء فيه: ((فأقم صلبك حتى ترجع العظام))؛ والعلماء أمام هذا التغاير بين ألفاظ الحديث، يذهبون مذهب التعارض، وللكن هذا المخرج قد لا يمكن في بعض الأحاديث، والأفضل حينئذ هو الجمع بين النصين، ما أمكن الجمع، فإن لم يمكن فإننا ندع الشاذ، ونأخذ بالمحفوظ والراجح. ففي هذا الحديث نأخذ بقوله: ((حتى تطمئن قائمًا))، فإنَّه أبلغ من ((حتى ترجع العظام))؛ لأنَّ الطمأنينة رجوع العظام وزيادة. ٨- الطمأنينة: قال فقهاؤنا: هي الركن التاسع من أركان الصلاة، في الركوع، والاعتدال منه، والسجدة، والجلوس بين السجدتين، وفي قدرها وجهان: أحدهما: أنها السكون وإن قلّ، وهي المذهب. الثاني: أنَّها بقدر الذكر الواجب، قال المجد وغيره: وهذا هو الأقوى. قال في ((الإنصاف)): وفائدة الوجهين إذا نسي التسبيح في ركوعه أو سجوده، أو التحميد في اعتداله، أو سؤال المغفرة في جلوسه، فصلاته صحيحة على الوجه الأول، ولا تصح على الثاني. والوجه الثاني هو القول الصحيح في قدر الطمأنينة. ٩ - وجوب الطمأنينة في الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وسيأتي بيانه إن شاء الله . ١٠ - وجوب الوضوء وإسباغه للصلاة، وأنَّ ذُلك شرط. ١٥٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١ - وجوب استقبال القبلة للصلاة، وأنَّ ذلك شرط . ١٢ - وجوب الترتيب بين الأركان؛ لأنَّه ورد بلفظ ((ثم))، كما أنَّه مقام تعليم جاهل بالأحكام. ١٣ - أنَّ هذه الأركان لا تسقط جهلاً ولا سهوًا، بدليل أمر المصلي بالإعادة، ولم يكتف وَيهر بتعليمه، ولأنَّها من باب المأمورات التي لا يعذر تاركها بجهل ولا نسیان. ١٤ - أنَّ صلاة المسيء بالكيفية التي صلاها غير صحيحة، ولا مجزئة، ولولا ذلك لم يؤمر بإعادتها، وليكن في ذلك عبرة وعظة لمن ينقرون صلاتهم، ولا يتمونها، وليعلموا أنَّها صلاة غير مجزئة. قال شيخ الإسلام: قوله: ((فإنَّك لم تصل)) نفى أن يكون عملُه صلاةً، والعمل لا يكون منفيًا إلاّ إذا انتفى شيء من واجباته، فلا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات. وقال الصنعاني: لا يتم حمل النفي على نفي الكمال، فإنَّ كلمات النفي موضوعة لنفي الحقيقة . ١٥ - أنَّ من أتى بعبادة على وجه غير صحيح جهلاً، ومضى زمنها، فإنَّه لا يطلب منه إعادتها؛ بناءً على القاعدة الشرعية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، بقوله: ((أوامر الشرع لا تلزم المكلف إلاّ بعد علمه بها، وكذلك من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، كمن لم يتيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة، أو لم يترك الأكل حتى يتبيَّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود)). ١٦- مشروعية حسن التعليم، وطريقة الأمر بالمعروف؛ بأن يكون بطريقة سهلة ميسرة، حتى لا ينفره، فيرفض المتعلم إذا عُلِّم بطريق العنف والشدة والغلظة. ١٧ - يستحب للمسؤول أن يزيد في الجواب إذا اقتضت المصلحة، ذُلك كأن تكون قرينة الحال تدل على جهل السائل، ببعض الأحكام التي يحتاجها . ١٥٣ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ١٨ - أنَّ الاستفتاح، والتعوذ، والبسملة، ورفع اليدين، وجعلهما على الصدر، وهيئات الركوع، والسجود، والجلوس، وغير ذلك - كلها مستحبة. ١٩ - قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))، القرآن: هو كلام الله تعالى حقًّا؛ قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فليس هو عبارة عن كلام الله، كما تقوله الأشاعرة، ولا حكاية عن كلام الله، كما تقوله الكرامية، ولا مخلوقًا، كما تقوله المعتزلة، وللكنه كلامه هو، كما قاله هو جلَّ وعلا، وبلَّغه رسوله وَلّه، واعتقده الصحابة والتابعون، وأتباعهم من أئمة السلف الصالح، وبهذا يعرف فضل هذا القرآن، وأنّه أشرف الكلام، وأصدقه، وأعدله، وأفصحه، وأبلغه. ٢٠- أنَّ المعلُّم يبدأ في تعليمه بالأهم فالأهم، وتقديم الفروض على المستحبات . خلاف العلماء: ذهب الحنفية إلى: صحة الصلاة بقراءة أي شيء من القرآن، حتى من قادر على الفاتحة عالم بها، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَقْرَهُوأَ مَا تَتَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] واستدلُّوا أيضًا بإحدى روايات هذا الحديث ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» . وذهب الجمهور إلى: عدم صحة الصلاة بدون الفاتحة لمن يحسنها، مستدلين بما في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت؛ أنَّ النبيَّ وَه قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، وهذا نفي لحقيقة الصلاة، لا لكمالها . وأجابوا عن الآية: بأنَّها جاءت لبيان ما يقرأ في صلاة الليل، بعد الأمر في أول السورة بقوله: ﴿قُ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (أَ نِصْفَهُ،أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتَّلِ ﴾ [المزمل] فخففت القراءة والصلاة إلى المتيسر من ذلك. الْقُرْءَانَ تَّرِلًا ! ١٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وأما رواية الحديث: فمجملة، فسَّرتها الروايات الأخر عند أبي داود (٨٥٦): ((اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله)) وقد سكت عنه، أبوداود، وما سكت عنه فهو صالح. ولابن حبان (٨٨/٥) في حديثه: ((واقرأ بأم القرآن، وبما شئت)). قال ابن الهمام: الأولى الحكم بأنَّه وَلّ قال للمسيء في صلاته ذلك کله . واختلف العلماء في قراءة الفاتحة؛ هل تكون في الركعتين الأوليين، أم في جميع الصلاة؟ فذهب بعض العلماء إلى: وجوب الفاتحة في الركعتين الأوليين دون غيرهما . وجمهور العلماء: يرون وجوبها في كل ركعة، ويدل عليه قوله: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)). قال الحافظ ابن حجر: وحديث أبي قتادة في البخاري، من كونه ێ کان يقرأ الفاتحة في كل ركعة، مع قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) - دليل الوجوب. واختلف العلماء في وجوب الطمأنينة في الرفع من الركوع، وما بين السجدتين . فذهب الحنفية إلى: عدم وجوبها في الرفع من الركوع، وما بين السجدتين . وذهب جمهور العلماء من فقهاء المذاهب الأربعة إلى: وجوب الطمأنينة في الاعتدال بعد الركوع، والجلسة بعد السجود، كما هو محل اتفاق في بقية الأركان، وحجة الجمهور بعض روايات هذا الحديث التي أمرت بالطمأنينة فيهما، وما جاء في البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤٧١)، من حديث البراء بن ١٥٥ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة عازب: «أنّه رمق صلاة النبي ټلټ من حین قیامه، فر کعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريباً من السواء)). * فائدة : قال ابن الملقن في ((شرح العمدة)): اعلم أنَّ الواجبات في الصلاة على ضربين: متفق عليه، ومختلف فيه، وليس هذا الحديث موضوعًا لحصرها، بل لحصر ما أهمله هذا الرجل المصلي وجهله في صلاته، فقد استدل به الكثير من الفقهاء على أنَّ ما ذكر فيه فهو واجب، وما لم یذکر فليس بواجب؛ فليس الحديث موضوعًا لبيان سنن الصلاة اتفاقًا . ١٥٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢١٣ - عنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِلّهِ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَةٍ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ بَدَيْهِمِنْ رُكْبَّهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلاَ قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةِ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَىُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَدَمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَفْعَدَتِهِ)) أَخْرِجَهُ الْبُخَارِيُّ(١) . * مفردات الحدیث: - أمكن يديه: يقال: مكنه من الشيء، وأمكنه منه: أقدره علیه، وأمکن یدیه من ركبتيه؛ أي: مكن اليد من الركبة في القبض عليها. - جعل يديه حذو منكبيه: ((حذّوَ)) بفتح الحاء وسكون الذال، يقال: حاذى الشيءُ الشيءَ محاذاة: صار بحذائه وإزائه؛ يعني: أنَّ المصلي يرفع يديه - عند تكبيرة الإحرام - حتى تحاذي منكبيه. - منكبيه: المنكب : - بفتح الميم وكسر الكاف ـ: هو مجتمع رأس العضد والکتف، مذکرًا. - هصر ظهره: بفتح الهاء فصادٌ مهملةٌ مفتوحة فراءٌ، أصل الهصر: أن يأخذ برأس العود ، فيثنيه إليه ويعطفه. قال الخطابي: ثنى ظهره في استواء من غير تقويس، وفي رواية البخاري على الراجح: ((حنى ظهره)) بالحاء المهملة (١) البخاري (٧٢٨). ١٥٧ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة والنون، والمعنى واحد. - فقار: بتقديم الفاء على القاف، وبفتح القاف المخففة، جمع ((فقيرة))، وهي عظام فقرات الظهر المستقيمة من عظام الصلب، من لدن الكاهل إلى العجب، والجمع: فقر وفقار، قال ثعلب: فقار الإنسان سبع عشرة. - رُكبتيه: تثنية ((ركبة))، جمعه ((ركب))، مثل: غرفة وغرف، والركبة: موصل ما بين أسفل أطراف الفخذ وأعالي الساق. - مفترش ذراعيه: افتراش الذراعين: هو إلقاؤهما على الأرض. - حنى: بالحاء المهملة والنون، هو بمعنى الرواية الأخرى: ((غير مقنع رأسه، ولا مصوِّبه)). قال شيخ الإسلام: الركوع في لغة العرب لا يكون إلاّ إذا سكن حين انحنائه، وأما مجرد الخفض فلا يسمى ركوعًا. - مقعدته: المقعدة: هي السافلة من الشخص. * ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب تكبيرة الإحرام بقول: ((الله أكبر))، ولا تنعقد الصلاة بدونها. ٢- استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام. قال في ((شرح الإقناع)): ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، ويسقط ندب رفع اليدين مع فراغ التكبير كله؛ لأنَّه سنة فات محلها . قال الحافظ: روى رفع اليدين في أول الصلاة خمسون صحابيًّا، منهم العشرة المبشرون بالجنة، وهو سنة عند الأئمة الأربعة. ٣- استحباب تمكين يديه من ركبتيه أثناء الركوع، وتفريج أصابعه، وأحاديث وضع الیدین علی الركبتين في الركوع - بلغت حد التواتر. ٤- استحباب هصر المصلي ظهره أثناء الركوع؛ ليستوي مع رأسه، فيكون الرأس بإزاء الظهر، فلا يرفعه ولا يخفضه. ٥- ثم يرفع رأسه، ويديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقول الإمام والمنفرد: ١٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ((سمع الله لمن حمده))، ويقول المأموم: ((ربَّنا ولك الحمد))، ويبقى مستويًا مطمئنًا، راجعًا كل فقار من فقرات الظهر إلى مكانه. ٦- ثم يسجد ويضع كفيه على الأرض، غير مفترش لذراعيه، موجهًا أصابع يديه إلى القبلة، غير قابض لهما . ٧- يضع قدميه على الأرض، مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة. ٨- إذا جلس في التشهد الأول فرش رجله اليسرى، وجلس عليها، ونصب اليمنى مستقبلاً بأصابعها القبلة. ٩ - إذا جلس في التَّشهد الأخير - للصلاة التي فيها تشهدان - جلس متورِّكًا، بأن يقدم رجله اليسرى ويخرجها من تحته، وينصب اليمنى، ويضع إليتيه على الأرض. ١٠ - قال الفقهاء: المرأة تفعل مثل ما يفعل الرجل في جميع ما تقدم، حتى رفع اليدين، للكن تضم نفسها في ركوع وسجود وغيرهما، فلا تتجافى، وتسدل رجليها في جانب يمينها في جلوسها، والتربع والسدل أفضل؛ لأنَّه أستر لها، قال في ((الإنصاف)): بلا نزاع. ١٥٩ كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ٢١٤ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ (( كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... إِلى قَوْلِهِ: مِنَ المُسْلِمِيْنَ اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لاَ إِلَه إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِي وَأَنَا عَبْدُكَ ... إِلى آخرِهِ)). رواهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوَايَةٍ لهُ: ((إنَّ ذُلكَ فِي صِلاَةِ اللَّيْلِ))(١) . * درجةُ الحديث: قول المؤلف: وفي رواية لمسلم: ((أنَّ ذلك في صلاة الليل)) قال عنه في (تحفة الأحوذي)»: هذا الحديث روي في مسلم من وجهين، ليس في واحد منهما أنَّ ذلك في صلاة الليل، ورواه الترمذي من ثلاثة أوجه، ليس في واحد منها أنَّ ذلك في صلاة الليل، ورواه أبوداود من وجهين لم يقع في واحد منهما أنَّ ذلك في صلاة الليل؛ فهذا وهمٍّ من المؤلف - رحمه الله تعالى - والله أعلم. وتمام دعاء الحديث: (( ... حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسْكِي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)). * مفردات الحديث: - وجَّهتُ وَجْهِي: أي: توجهت بالعبادة وأخلصتها للذي فطر السموات ... إلخ. - فاطر السموات والأرض: الفطر: الابتداء، وهو المراد هنا؛ أي: مبتدىء خلق السموات والأرض، ومخترعها على غير مثال سابق. (١) مسلم (٧٧١). ١٦٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام - حنيفًا: حال، ومعناه: مائل من الباطل إلى الدين الحق، وهو الإسلام. - نُسُكِي: النسك: العبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله، وعطفه على ((الصلاة)) من باب عطف العام على الخاص. - محيّايَ وَمَمَانِي: أي: أعمالي في حين حياتي، وعند موتي، فهو المالك لهما المختص بهما، ويجوز فيهما فتح الياء وإسكانها، ولكن فتح الأول وإسكان الثاني أكثر. - لَبَيَّكَ وسَعْديك: أي أسعد بأمرك، وأتبعه إسعادًا متكررًا، وأجيبك إجابة بعد إجابة، يا رب. - أَنَا بِكَ وَإِليك: أي: التجائي وانتهائي إليك، وتوفيقي بك. - تباركت: أي: ثبت الخير عندك وکثر. - وجهت وجهي : بإسكان الياء عند الأكثرين وفتحها، أي: قصدت بعبادتي. - لله: متعلق بالجميع؛ أي: كل ما ذكر كائنٌ لله تعالى، وذلك في الصلاة والنسك بالإخلاص لوجهه تعالى، وفي الحياة والموت، بمعنى أنَّه خالقهما ومدبرهما، لا تصرف لغيره فيهما . * ما يُؤحذ من الحديث: ١- استفتاح الصلاة فرضًا كانت أو نفلاً؛ سواء أكان ذكرًا أم دعاءً، يقال بعد تكبيرة الإحرام، وقبل التعوذ والقراءة، وهو في الركعة الأولى دون غيرها. ٢ - هو مندوب وليس بواجب؛ لحديث المسيء في صلاته المتقدم. ٣- وقد ورد له عدة ألفاظ، والأفضل أن يأتي كل مرَّة بلفظ منها؛ ليعمل بجميع النصوص الواردة فيه، وإن اقتصر على بعضها جاز. قال شيخ الإسلام: يستحب أن يأتي بالعبادات الواردة على وجوه متنوعة بكل نوع منها، فلا يجمع بينها، ولا يداوم على نوع منها. ٤ - قوله: ((قام إلى الصلاة)) يعني: إذا دخل فيها، قال هذا الذكر.