Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة
١٩٥ - وَعَنْ جَابِرَ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلى السَّماءِ فِي
الصَّلاَةِ، أَوْ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
ولَهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ.
صَلى الله
وستكم
يَقُولُ: ((لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طعامٍ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَانِ))(٢).
* مفردات الحديث:
- لينتهينَّ: من الانتهاء، و((اللام)) جواب قسم محذوف، والنون المشددة آخره
للتوکید، وهو خبر بمعنى الأمر.
- أولا ترجع: ((أو)) هنا للتخيير، الذي قصد به التهديد، وهو خبر في معنى
الأمر، والمعنى: ليكونن منهم الانتهاء عن رفع الأبصار، أو خطفها عند الرفع
من الله تعالى، فلا تعود إليهم أبصارهم.
- يدافعه: لفظ المدافعة إشارة إلى شدة الاحتياج لقضائهما، فكأنَّهما يدفعان
المصلي إلى قضائهما، والمصلي يدفعهما حتى يؤدي الصلاة.
- الأخبثان: هما البول والغائط، فمن احتبس بوله فهو حاقن، ومن احتبس
غائطه فهو حاقب، قال أهل اللغة: الحاقن: مدافع البول، والحاقب: مدافع
الغائط، والحازق: مدافع الريح، والحاقم: مدافع البول والغائط.
- والأخبثان: مثنى ((أخبث))؛ وهو الذي صار ذا خبث.
مسلم (٤٢٨).
(١)
مسلم (٥٦٠).
(٢)
١٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- الخشوع هو لب الصلاة وروحها، ويكون بالقلب والجوارح، والذي يرفع
بصره إلى السماء، ويجيل نظره ها هنا، وها هنا، لم يخشع قلبه ولا
جوارحه؛ ذلك أنَّ القلب بفكره يتبع النظر، ولذا رأى سعيد بن المسيب
رجلاً یعبث بلحيته وثيابه، فقال: ((لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه)).
٢ - النَّهي الأكيد، والوعيد الشديد على من رفع بصره إلى السماء في الصلاة؛
فقد روى الإمام أحمد (٢٠٩٩٧)، وأبوداود (٩٠٩)، والنسائي (١١٩٥)،
من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله وَ له: ((لا يزال الله مقبلاً على العبد في
صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه، انصرف عنه))
٣- النبي ◌َّ توعد من رفع بصره إلى السماء في الصلاة، بخطف بصره، ومع
ذلك يوجد كثير ممن يرفعون أبصارهم، ولم يُعرف أنَّ أحدًا رفع بصره إلى
السماء، ثم خطفت، فلم يرجع إليه نظره، وأصبح لا يبصر.
والجواب: أنَّ تخلف الوعيد - كرمًا ولطفًا - لا يعني أنَّه لن يقع الأمر.
الأمر الثاني: أنَّه قد لا يخطف حسًّا، ولكنه خطف معنى، وهذا أعظم،
فإنَّ الأول عقوبة في الدنيا، والثاني عقوبة في الدنيا والآخرة، فإنَّ الإنسان
إذا كان لا يستفيد من نظره فيما يعود عليه بإصلاح أمره، فقد خطفت فائدة
بصره، ولذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِ
﴾﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:
٤٦
الصُّدُورِ
١٧٩].
٤- هذا الوعيد يدل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة.
قال النووي: أجمع العلماء على تحريمه .
قلتُ: يريد إجماع جمهور العلماء؛ فإنَّ مذهب الإمام أحمد أنَّ رفع
البصر مكروه فقط، قال في ((الإنصاف)): وعليه الأصحاب.
١٠٣
كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة
٥ - رفع البصر مُنَافٍ لأَوب الصلاة ومقامها؛ فإنَّ المصلي يناجي الله تعالى، وهو
تجاهه في قِبلته، فرفع البصر وروغانه عمن يراه بقلبه، إساءة أدب، تدل
على أنّه لا يحس أنه يعبد إلاها يراه، وأقرب إليه من حبل الوريد.
٦ - قال فقهاؤنا: يكره تغميض عينيه؛ لأنَّه فعل اليهود، ولأنَّه مظنة النعاس، إلاَّ
إن احتاج إليه، فتزول کراهته.
قال ابن القيم: لم یکن من هدیه تغمیض عینیه، ثم قال :
الصواب: أن يقال: إن كان فتحهما لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن
كان يحول بينه وبين الخشوع، لما في قبلته من زخرف وتزويق، أو غيره مما
يشوش قلبه، فهناك لا يكره التغميض قطعًا، والقول باستحبابه في هذه
الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده، من القول بالكراهة.
٧- أما حديث عائشة فيدل على كراهة الصلاة في حال مدافعة الأخبثين، وهما:
البول والغائط، ويرى شيخ الإسلام: أنَّ الحاقن أو الحاقب أفضل له أن
يقضي حاجته، ولو لم يكن عنده ماء، ويصلي بالتيمم، ويقول: إنَّ الصَّلاة
بالتيمم وهو طهارة شرعية، أفضل من الصلاة بالماء، في حال تشوش
المصلي وانشغال باله.
٨- مثل مدافعة الأخبثين كل ما يشغل باله من ريح في جوفه، أو حر أو برد
شديدين، أو جوع أو عطش مفرط، أو غير ذلك مما يذهب عنه الخشوع
وحضور القلب؛ فإنَّ حضور القلب هو لب الصلاة، فإذا لم يوجد فهي
أفعال وحركات تجزىء صاحبها، ولكنها لم تُنِلْه مقام المؤمنين المفلحین،
الذین هم في صلاتهم خاشعون .
٩- في صلاة مدافع الأخبثين خلافٌ، ولكن الجمهور على صحتها، ويؤولون
ظاهر الحديث بأنَّه لا صلاة كاملة، أما الظاهرية فلا يرون صحة الصلاة عملاً
بظاهر الحديث، وقول الجمهور هو الصواب إن شاء الله .
١٠٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٠ - قال القاضي عياض: كل العلماء مجمعون على أنَّه إن بلغ به ما لا يعقل به
صلاته، ولا يضبط حدودها، فإنَّه لا يجوز له الدخول فيها، وأنه يقطع إن
أصابه ذلك فيها .
١١- قال ابن الملقن في ((شرح العمدة)): نلخص أن مدافعة الأخبثين أربعة
أحوال :
أحدها: أن يكون بحيث لا يعقل منهما الصلاة، فلا تحل له الصلاة، ولا
الدخول فيها إجماعًا .
ثانيها: أن یکره بحیث یفعلها مع ذهاب خشوعه بالكلية، فحكمه حكم من
صلَّى بغير خشوع، والمذهب أنَّ ذلك لا يبطل الصلاة.
ثالثها: بحيث يؤدي إلى الإخلال بركنٍ أو شرطٍ، فهذا يمنع عليه
الدخول، ويفسد صلاته باختلالهما.
رابعهما: بحيث يؤدي إلى الشك في شيء من الأركان، فحكمه حكم من
شكَّ في ذلك بغير هذا السبب، وهو البناء على اليقين.
١٠٥
كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة
١٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ:
((التَّنَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وزادَ: ((في الصَّلاَةِ))(١).
* مفردات الحديث:
- من الشيطان: لأنَّ التَّثاؤب ينشأ من امتلاء المعدة، وثقل البدن، وركود
الحواس، التي تسبب النوم والكسل.
- تثاءب: بوزن ((تقاتل))، قال في: ((المصباح)): تثاؤب عامي بالهمزة، أصابته
الثوباء، وهي حركة للفم ليست إرادية لرفع البخارات المحتقنة في عضلات
القلب، تكون هذه الحركة من کسل أو نوم.
- فلْيَكْظِم: بفتح ياء المضارعة وكسر الظاء، مجزوم بلام الأمر، والكَظْم: سد
الفم بطباق الشفتين، وكظم يكظم من باب ضرب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- التثاؤب: حركة للفم ليست إرادية، وإنَّما تأتي من هجوم كسل أو نوم،
وهذه الحرکة تسبب له فتح فمه .
٢ - ما دام أنَّ التثاؤب نتيجة الكسل والفتور، فإنَّ هذا من تسليط الشيطان،
الذي يثبط المسلم عن القيام بواجباته الدينية، ومكملاته الخُلُقِيَّة .
٣- منظر الفم مفتوحًا أثناء التثاؤب منظر كريه؛ لذا ندب للمتثائب أن يكظمه
بطباق أسنانه وشفتيه ما استطاع، فإن لم يستطع، فيضع على فمه ما يستره
عن نظر الحاضرين.
(١) مسلم (٢٩٩٤)، الترمذي (٣٧٠).
١٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وذلك لما روى مسلم (٢٩٩٥) من حديث أبي سعيد الخدري؛ أنَّ النَّبيَّ
وَاللّه قال: ((إذا تثاءب أحدكم، فليمسك بيده على فمه؛ فإنَّ الشَّيطان يدخل)).
٤- هذا من أدب المجالسة، ومن احترامك الحاضرين أن يكون الجليس على
أحسن حال، وأجمل مظهر.
٥- كما أنَّ إطباق الفم أثناء التثاؤب، فيه إغاظة ومكايدة للشيطان، الذي سلط
الكسل والعجز على المسلم؛ ليحرمه من النشاط في طاعة الله تعالى.
٦- أنَّ الله تبارك وتعالى يريد من المسلم القوة والنشاط في العبادة، فالمؤمن
القوي خير من المؤمن الضعيف، ولذا كانت الصلاة تباعد الأعضاء بعضها
عن بعض، في الركوع والسجود، وهذا يدل على الرغبة في النشاط
والقوة، أما الكسل والفتور فهي من صفات المنافقين، الذين يثقلون عند
العبادة .
١٠٧
كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة
* فائدة:
أهمل المؤلف رحمه الله ذكر النية، وهي من شروط الصلاة، وتتميمًا
للفائدة، فإنَّنا نلحق هذين الحديثين العظيمين اللذين هما من قواعد الإسلام
ومبانيه العظام:
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال:
سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكل امرىء ما
نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت
هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)) متفق عليه(١).
* مفردات الحدیث:
- إنما الأعمال بالنيات: كلمة ((إنَّما)) تفيد الحصر، فهو هنا قصر موصوف على
صفة، وهو إثبات حكم الأعمال بالنيات، فهو في قوة: ((ما الأعمال إلاَّ
بالنيات)) ، وينفي الحكم عمَّا عداه.
- النية: لغة: القصد، ووقع بالإفراد في أكثر الروايات، قال البيضاوي: النية
عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ، من جلب نفع، أو دفع
ضر. اهـ.
وشرعًا: العزم على فعل العبادات تقربًا إلى الله تعالى.
- فمن كانت هجرته: جملة شرطية .
- فهجرته إلى الله ورسوله: جواب الشرط، واتحد الشرط والجواب؛ لأنَّهما
على تقدير: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا، فهجرته إلى الله
ورسوله ثوابًا وأجرًا.
(١) البخاري (١)، مسلم (١٩٠٧).
١٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
النية نوعان :
أحدهما: يُقْصَد بها تمييز العادة عن العبادة، وتمييز العبادات بعضها عن
بعض، هذا النوع يتكلم عنه الفقهاء في كتب الأحكام الفرعية.
الثاني: قصد المعبود بالعبادة، وهذا هو سر العبادة وروحها، قال
تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ [البينة: ٥] وهذه النية أهم
الأمرين، ذلك أنَّ إخلاص النية للمعبود هو الأصل، فالعبادة التامة هي ما توفر
لها خمسة مقامات :
١ - نية العمل، فالعمل الذي يؤتى به ولَمْ يُنوَ، لیس بعبادة، وفاعله ليس متقربًا
إلى الله تعالى.
٢ - نية المعبود، بأن يكون القائم لم يقم بها إلاّ مخلصًا بها لوجه الله تعالى.
٣- أن يقوم مستحضرًا عن القيام بها امتثال أمر الله تعالى بها ورسوله.
٤ - أن يستحضر عند القيام بالعبادة، أنَّه يعبد الله تعالى بالإيقان بها .
٥- أن يستحضر وهو يفعلها الاقتداء برسول الله وَله.
فههذه العبادة الكاملة التامة، التي يحصل صاحبها على كامل ثوابها، أما
مجرَّد نية العمل، فهو يبرىء الذمة من الواجب، بدون الثواب الكبير.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- أنَّ مدار الأعمال على النيات، صحةً وفسادًا، وكمالاً ونقصًا، وطاعةً
ومعصیةً، فمن قصد بعمله الرياء فقد فسد عمله، ومن قصد بالجهاد - مثلاً -
إعلاء كلمة الله فقط، كَمُلَ ثوابه، ومن قصد ذلك والغنيمة معه، نقص
ثوابه، ومن قصد الغنيمة وحدها، لم يأثم، ولكنه لا يعطى أجر المجاهد،
فالحديث مسوق لبيان أنَّ كل عمل طاعةً كان في الصورة أو معصيةً، يختلف
باختلاف النیات.
٢- أنَّ النيّة شرط أساسي في العمل، وللكن الغلو في استحضارها، يفسد على
١٠٩)
كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة
المتعبد عبادته، فإنَّ مجرد قصد العمل يكون نية له، بدون تكلف
استحضارها وتحقيقها.
٣- أنَّ النيّة محلها القلب، واللفظ بها بدعة.
٤- وجوب الحذر من الرياء والسمعة والعمل لأجل الدنيا، ما دام أنَّ شيئًا من
ذلك يفسد العبادة.
٥- وجوب الاعتناء بأعمال القلوب، ومراقبتها.
٦ - أنَّ الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام من أفضل العبادات إذا قصد بها
وجه الله تعالى.
* فائدة:
ذكر ابن رجب أنَّ العمل لغير الله على أقسام:
فتارة يكون رياءً محضًا، لا يقصد به إلاَّ مراءاة المخلوقين، لتحصيل
غرض دنيوي، وهذا لا يكاد يصدر عن مؤمن، ولا شكّ في أنَّه يحبط العمل،
وأنَّ صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارةً يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فإنَّ
النصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وإن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية
الرياء ودفعه صاحبه، فإنَّ ذلك لا يضره بغير خلاف، وقد اختلف العلماء من
السلف في الاسترسال في الرياء الطارىء، هل يحبط العمل أو لا يضر فاعله،
ويجازى على أصل نيته؟ اهـ بتصرف.
١١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الفائدة الثانية:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قال رسول الله وَله: ((لا يقبل الله
صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) [رواه البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم
(٢٥٥)].
* مفردات الحديث:
- لا يقبل الله: بصيغة النفي، وهو أبلغ من النهي؛ لأنَّه يتضمن النهي، وزيادة
نفي حقيقة الشيء.
- أحدث: أي: حصل منه الحدث، وهو الخارج من أحد السبيلين، أو غيره من
نواقض الوضوء، وفي الأصل: الحدث: الإيذاء.
- الحدث: وصف حكمي يقوم بالبدن، يمنع وجوده من صحة العبادة المشروط
لها الطهارة.
* المعنى الإجمالي:
الشارع الحكيم أرشد من أراد الصلاة ألا يدخل فيها إلاَّ على حال حسنة
وهيئة جميلة؛ لأنَّها الصلة الوثيقة بين الرب وعبده، وهي الطريق إلى مناجاته،
لذا أمره بالوضوء والطهارة فيها، وأخبره أنَّها مردودة غير مقبولة بغير ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ صلاة المحدِث لا تقبل، حتى يتطهر من الحدثين: الأكبر، والأصغر.
٢ - أنَّ المراد بعدم القبول هنا: عدم صحة الصلاة، وعدم إجزائها.
٣- أنَّ الحدث ناقض للوضوء، ومبطل للصلاة إن كان فيها.
٤- الحديث يدل على أنَّ الطهارة شرط لصحة الصلاة.
١١١
كتاب الصلاة - باب المساجد
باب المساجد
مقدمة
المساجد: جمع مسجد، والمسجد لغة: بفتح الميم وكسر الجيم، اسم
مكان السجود .
قال الصقلي: ويقال مسید، بفتح الميم، حكاه غير واحد.
وأما شرعًا: فكل موضع في الأرض فإنَّه مسجد.
وهذا من خصائص هذه الأمة؛ لقوله {وَ له: ((جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا))
[رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)].
قال القرطبي: هذا ما خصَّ الله به نبيه، وكانت الأنبياء قبله إنَّما أبيحت
لهم الصلوات في مواضع مخصوصة، ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة،
لقرب العبد من ربه فیه، اشتق منه اسم مكان، فقيل: مسجد.
وللمساجد أحكام ذكرها الفقهاء في ((باب الاعتكاف))، وأفرد بعض
العلماء كتبًا مستقلة بأحكام المساجد، من أهمها: ((إعلام الساجد بأحكام
المساجد)) للزركشي الشافعي.
وكانت المساجد - زمن عز الإسلام وقوته - منارة العلم ومثابة العلماء،
فيها تزدحم الحلقات، وتلقى المحاضرات، وتعقد الندوات، وتسمع
المناظرات، والمساجلات، فكان المسجد هو الأساس في الإسلام، فقد كان
من رسالته :
أولاً: إنه مكان للعبادات وإقامة الشعائر، فكان المسلمون يلتقون فيه،
١١٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يجتمع قويهم بضعيفهم، وغنيهم بفقيرهم، وعالمهم بجاهلهم، فكان المحرومون
من هذه المواهب يتلقونها، ويأخذونها ممن منَّ الله عليهم بها، من إخوانهم
العلماء، والأقوياء، والأغنياء، والعقلاء.
ثانيًا: كان المسجد هو الجامعة العلمية التي تلقى فيها الدروس، وتعقد
فيها الحلقات، فتجد علماء الشريعة وعلماء اللغة، وعلماء الاجتماع، وتجد
الوعاظ والمرشدين والموجهين، فيخرج التلميذ من المسجد عالمًا تقيًّا زكيًّا،
حمل العلم الشرعي، وتحلَّى بالسلوك الإسلامي، فأخذ العلم، شريعة وحقيقة
وطريقة.
ثالثًا: كانت تعقد في المسجد رايات الجهاد، ويُعيَّن فيه القوَّاد، وتُجهّز
الجيوش، وتتلقى أخبار الفتوح والانتصارات، فتبلغ المسلمين من أعواد منابر
المساجد.
رابعًا: كان المسجد كل شيء في حياة المسلمين، ذلك أنَّ أساس حياتهم
كانت قائمة على الدين، وكانت أمورهم تسير وفق أحكام الإسلام، ولما فصلوا
الإسلام عن الحياة، وقصروه على العبادات، وأبعدوه عن مجال الحياة
والسياسة، ضعف أمر المسجد وهان شأنه، واستخفّ بمقامه، وصار لا يتمسك
به إلاَّ الطبقة المحرومة من الجاه والمال، و الثقافة العصرية، التي صار لها
الشأن الأكبر في الأوساط العلمية، فهانوا وضعفوا.
فانصراف المسلمين عن المسجد، وبُعدهم عنه، واستخفافهم بأمره،
وبعدهم عن القيام برسالته، والتخلي عن دوره - هو الذي حط من قدرهم، وهو
الذي قلل من شأنهم، وهو الذي فرَّقهم فأضعفهم، فإذا كانوا يريدون العزة،
وإذا كانوا يرجون السيادة، فليعيدوا إلى المسجد رسالته، وليهتموا بأمره، فلن
يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها، والله من وراء القصد، وهو
المستعان .
١١٣
كتاب الصلاة - باب المساجد
١٩٧ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((أَمَرَ رَسُولُ الله
بِنَاءِ المسَاحِدِ في الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيِّبَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيُّ، وصَحَّحَ إِرْسَالَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحيحٌ.
قال ابن عبدالهادي في ((المحرر)): إسناد بعضهم على شرط الصحيحين،
وصححه ابن حبان، وقال الساعاتي: سنده صحيح، إلاَّ أنَّ الترمذي رجَّح
إرساله.
* مفردات الحديث:
- الدور: بضم الدال ثم بعدها واو ثم راء، جمع ((دار))، وهي مؤنثة، يحتمل أنَّ
المراد بها البيوت، ويحتمل إرادة الأحياء، فيُبنى في كل حي مسجدٌ، والمعنى
الأخير أجود وأقرب.
- تطيب: يجعل فيها الطيب، وتطييبها يكون بالبخور ونحوه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الدور هنا تحتمل معنيين: إما أن يراد بها أحياء القبائل، فيستحب بناء
المساجد في الأحياء المسكونة؛ ليجتمع أهل الحي للصلوات فيها، ولا
شكّ في عِظم أجر ذلك؛ لما جاء في البخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣)، عن
عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((من بنى
مسجدًا، بنى الله له مثله في الجنة)).
(١) أحمد (٢٧٩/٦)، أبوداود (٤٥٥)، الترمذي (٥٩٤).
١١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ويحتمل أنَّ المراد بها: البيوت، فإنَّه يستحب تعيين مكان للصلوات
النوافل، أو الفرائض، ممن لا تجب عليهم في المسجد؛ لما جاء في
البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٢٦٣)، وغيرهما عن عتبان بن مالك أنَّه قال: ((یا
رسول الله، إنَّ البيوت تحول بيني وبين مسجد قومي، فأحب أن تأتيني
فتصلي في مكانٍ من بيتي أنَّخذه مسجدًا، فقال: سنفعل، فلما دخل قال: أيَّ
مكان تريد؟ فأشرتُ له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله رَّة، وصففنا
خلفه، فصلی بنا ركعتين)).
٣- استحباب تنظيف المساجد وتطييبها، قال تعالى: ﴿فِي ◌ُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾
[النور: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ ... ﴾ [الحج: ٢٦].
٤ - احترام شعائر الله تعالى ومواطن عبادته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ
اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّدٍ﴾ [الحج: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعََبِرَ اَللَّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (شَّ
[الحج].
٥- قال في ((شرح الإقناع)): ويسن أن يُصان المسجد عن رائحة كريهة، من بصل
وثوم وكراث ونحوها، وإن لم يكن فيه أحد؛ لقوله وَ له: ((إنَّ الملائكة تتأذى
مما يتأذى منه الناس)) [رواه ابن ماجه (٣٣٦٧)].
٦- استحباب صلوات النوافل في البيوت، حتى ممن تجب عليه الجماعة، جاء
في البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١)، عن زيد بن ثابت؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّه قال:
((أفضل صلاة المرء في بيته، إلاَّ المكتوبة)).
١١٥
كتاب الصلاة - باب المساجد
١٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
إنَّه : ((قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ؛ اتَّخِذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَزَادَ مُسْلِمٌ: ((وَالنَّصَارَىُ))(١).
ولَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: ((كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ
الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا))، وفِيهِ: ((أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ))(٢).
* مفردات الحديث:
- قاتل الله اليهود: لعنهم الله وأبعدهم من رحمته، وقد جاء في حديث عائشة
في البخاري (٤٣٥)، ومسلم (٥٢٩)؛ أنَّه ◌َّ قال: ((لعن الله اليهود
والنصارى؛ أنَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). قال ابن عباس: كل شيء في
القرآن ((قتل)) فهو لعن، وقال ابن عطية: قاتلهم الله: دعاء عليهم عام لأنواع
الشر، ومن قاتله الله فهو المغلوب.
- أولئكِ: بكسر الكاف، خطابٌ للأنثى.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الرواية الأولى قالها النبي وليد في سياق الموت؛ قالت عائشة: لما نزل
برسول الله وَلي قال: ((لعن الله اليهود والنصارى؛ النَّخذوا قبور أنبيائهم
مساجد» يحذر مما صنعوا.
٢ - الرواية الثانية: عن عائشة قالت: إنَّ أمّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله وَل
كنيسة رأتاها في الحبشة، فيها تصاوير، فقال: ((إنَّ أولئك إذا كان فيهم
(١) البخاري (٤٣٧)، مسلم (٥٣٠).
(٢) البخاري (٤٢٧)، مسلم (٥٢٨).
١١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الرجل الصالح، فمات، بنَوْا على قبره مسجدًا فيه تلك الصور، أولئك
شرار الخلق عندالله يوم القيامة)).
٣- في الحديث تحريم التصاوير في المساجد، لا سيما للرجال الصالحين،
فالفتنة فيهم أكبر وأعظم، وإذا كانت الصورة تماثيل مجسمة، كان الإثم
أكبر، والفتنة أعظم.
٤- في الحديث تحريم بناء المساجد على القبور، أو دفن الموتى في المساجد؛
للعلة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.
٥- في الحديث عدم صحة الصلاة في تلك المساجد التي فيها القبور، أو فيها
التماثيل؛ لمشابهة ذلك بعبادة الأصنام، وكما جاء النهي عن الصلاة في
المقابر .
٦- وفيه: أنَّ من بنى مسجدًا على قبر، أو دفن ميتًا في مسجد، ووضع الصور
والتماثيل في المسجد، ــ فهو من شرار الخلق؛ لما يحدث بسبب فعله من
الفتنة الكبيرة، وهي الشرك بالله تعالى.
٧- وفيه: أنَّ بناء المساجد على القبور، ونصب الصور في المسجد - هو عمل
اليهود والنصارى، وأنَّ من فعل هذا، فقد شابههم واستحق العذاب الذي
يستحقونه.
٨- قال شيخ الإسلام: العلة التي لأجلها نهى الشارع ويلثم عن اتخاذ المساجد
على القبور- هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم: إما في الشرك الأكبر، أو فيما
دونه من الشرك، فإنَّ الشرك بالرجل الذي يعتقد صلاحه، أقرب إلى النفوس
من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها،
ويخشعون، ويخضعون، ويعبدونها بقلوبهم، عبادة لا يفعلونها في بيوت
الله، ولا وقت السحر، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء،
ما لا يرجونه في المساجد؛ فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ◌َّ مادتها،
١١٧
كتاب الصلاة - باب المساجد
حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة
بصلاته .
وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور، تبركًا بالصلاة في تلك البقعة،
فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله
تعالى .
٩ - قال ابن القيم: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، جزم بما لا
يحتمل الشك أنَّ هذه المبالغة، واللعن والنهي، ليس لأجل نجاسة الأرض
من رفات الأموات، وإنما خشية من التدرج عندها إلى عبادتها، أو عبادة
أهلها، فإنَّه - لعمر الله - من هذا الباب دخل الشيطان على عُبَّاد يغوث
ويعوق ونسر، ودخل على عبَّاد الأصنام، منذ كانوا إلى يوم القيامة.
١٠ - قال الشيخ عبدالعزيز بن باز: وضع الزهور على قبر الجندي المجهول
بدعة، وغلو في الأحداث، وهو شبيه بعمل أولئك في صالحيهم من جهة
التعليم، واتخاذ شعار لهم، ويخشى منه أن يكون ذريعة - على مدى الأيام -
إلى بناء القباب عليهم، والتبرك بهم، واتخاذهم أولياء من دون الله.
١١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٩٩ - وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((بَعَثَ النَّبيُّ
وَ خَيْلاً، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ ... ))
الحدِيث، مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- برجل: جاء في الصحيحين وغيرهما: أنَّ الرجل: ثمامة بن أثال الحنفي، من
سادات بني حنيفة، أسلم بعد ذلك.
- خيلاً: قال القرطبي: الخيل مؤنثة، والمراد بالخيل: راكبوها من الفرسان،
وواحد الخيل: خائل، وقيل: لا واحد له من لفظه، وسميت خيلاً؛ لاختيالها
في المِشْيَة.
- بسارية من سواري المسجد: السارية مفرد، والجمع: سواري، مثل: جارية
وجواري، وهي الأسطوانة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ثمامة بن أثال من سادات بني حنيفة، أَسَرَتْهُ خيل المسلمين، فربطه النبي وَّلـ
في المسجد، فكان يمر من عنده النبيُّ وَّر فيقول: ((ما عندك يا ثمامة؟!))
ثلاثة أيام.
٢ - فيه: جواز ربط الأسير في المسجد، وإن كان كافرًا.
٣- فيه: دليلٌ على جواز دخول المشركين والكتابيين المسجد للحاجة؛ كأعمال
تتعلق بالمسجد هم أقدر من غيرهم عليها، ونحو ذلك، فقد كان الكفار
يدخلون عليه مسجده، ويطيلون الجلوس.
(١) البخاري (٤٣٧٢)، مسلم (١٧٦٤).
١١٩
كتاب الصلاة - باب المساجد
٤- قال الشيخ صديق حسن في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ ... ﴾ [التوبة: ٢٨]: عدم قربانهم الحرم متفرع عن نجاستهم، وإنما
نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن
يقربوا الحرم، راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، والمراد
بالمسجد الحرام: جميع الحرم .
خلاف العلماء:
اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد:
فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد، وقال الشافعي: الآية
عامَّةٌ في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول
غيره من المساجد.
أما مذهب الإمام أحمد: فإنَّه لا يحل لأي كافر دخول حرم مكة، أما
المساجد الأخر فليس له دخولها، ولو كانت مساجد الحل، إلاَّ لحاجة، كما لو
استؤجر، لعمارتها وإصلاحها .
قال الزركشي في ((إعلام الساجد)): يمكن الكافر من دخول المسجد
واللبث فيه، فإن الكفار كانوا يدخلون مسجده وَّر، وقد ترجم البخاري: ((باب
دخول المشرك المسجد))، وأدخل حديث الأعرابي السائل عن الإسلام،
وحديث اليهود الذين ذكروا أنَّ امرأة ورجلاً زنيا، وغير ذلك.
١٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : - ((أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ - مَرَّ بِحَسَانَ يُنْشِدُ فِي المَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ
أُنْشِدُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* مفردات الحديث:
- حسان: بتشديد السين، وهو ابن ثابت الأنصاري الخزرجي، شاعرُ رسول الله
- ينشد: أنشد الشعر إنشادًا، يعني: يسمع الناس في المسجد شيئًا من الشعر،
ویتغنى به .
- لحظ إليه: قال في ((المصباح)): لَحَظته بالعين، ولحظتُ إليه: نظرتُ إليه
بمؤخر العين، عن يمين ويسار، فاللُّحاظ - بالكسر - مؤخر العين مما يلي
الصدغ، والمراد: نظر إليه نظر إنكار وعتب.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- جاء في ((صحيح البخاري)) أنَّ حسان أنشد في المسجد، ما أجاب به
المشركين عن النبي وَ لّ فنظر إليه عمر - رضي الله عنه - كالمنکِر علیه،
فقال: (کنت أنشد فیه، وفيه من هو خير منك)).
٢ - جاء في الترمذي وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قال: ((نهى رسول الله وَّل عن تناشد الأشعار في المسجد))، وقال الترمذي:
حديث حسن.
٣- جمع العلماء بين الحديثين؛ بأنَّ المنهي عنه في المسجد وغيره، الأشعار
(١) البخاري (٣٢١٢)، مسلم (٢٤٨٥).