Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
- يُومىء: ماضيه («أومأ))، وأصله: ومأ، أي: يشير.
- المكتوبة: المفروضة، وهي الصلواتُ الخمس.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جوازُ صلاة النَّافلة على الرَّاحلة في السفر، ولو قصيرًا، ولو بلا عذر،
والرَّاحلة سواءٌ أكانت ناقة أو غيرها؛ فقد جاء في مسلم (٧٠٠) ((أنَّ النَّبِي وَّ
صلَّى على حماره)) .
قال البغوي: يجوزُ أداءُ النَّافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير
عند أكثر أهل العلم.
٢ - أنَّه لا يلزمُ المصلِّي على الرَّاحلة استقبالُ القبلة، بل يتوجَّه حيث جهةُ سيره.
٣- أنَّه لا يلزمُ الركوعُ والسجود، بل يكفي الإيماءُ برأسه؛ إشارةً إلى الركوع
وإلى السجود، ويكونُ السجود أخفَضَ من الركوع، كما في زيادة ابن
خزيمة: ((ولكنَّ يخفضُ السجدَتَيْن من الركعة)).
٤ - أنَّ هذا لا يجوزُ في الفريضة، بل يجبُ أن يصلُّيها مستقرًّا في الأرض.
٥- ظاهرُ حديث أنس أنَّه يجب عليه الاستقبال عند تكبيرة الإحرام، فإذا كبّر
للإحرام صلَّى متوجِّهَا جهة سيره، وتقدَّم ما هو الرَّاجحُ في الحديث الَّذي
قبل هذا.
٦ - هذا كله بناءً على شدَّة الاهتمام بالفريضة، ووجوب أدائها على أكمل وجه؛
بخلاف النَّافلة: فإنَّ فيها تيسيرًا وتسهيلاً .
٧- هذا التسهيلُ والتخفيف في النوافل ترغيبًا في الإكثار منها، وأنَّه لا يمنع من
الإكثار منها أيُّ عذر.
٨- المشهورُ من مذهب الحنابلة: أنَّ الصَّلاة المكتوبة لا تجوزُ على الرَّاحلة إلاَّ
بعذر؛ لما روى أحمد، والترمذي، عن يعلى بن أمية «أنَّ النَّبي ◌َّ انتهى إلى
مَضِيقٍ هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماءُ مِن فوقِهم، والبلة أسفل

٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
منهم، فَحَضَرَتِ الصلاة، فأمر المؤذِّنَ، فأذَّنَ وأقام، ثمَّ تقدَم رسولُ الله ◌َِله
على راحلته، فصلَّى بهم يومىء إيماءً، يجعَلُ السجودَ أخفَضَ من الركوع)).
وتصخُّ في سفينة، ولو مع القدرة على الخروج منها، إذا أتى بما يعتبر لها
من قيام، واستقبال قبلة، وغيرهما؛ لما روى الدَّارقطني والحاكم، عن ابن
عمر قال: ((سُئِلِ النَّبِيُّ ◌َلَّ كيف أُصلِّي في السفينة؟ قال: صَلِّ فيها قائمًا إلاَّ
أنْ تخَافَ الغَرَقَ)).
أخرجه الحاكم وصحَّحه ، ووافقه الذهبي، لكنَّه قال: وهو شاذِّ بمرَّة،
وأخرجه الدَّار قطني وضعَّفَه.
٩- مثل الباخرة السيّارة، قال الشيخ صِدِّيق حسن: وأمَّا العجلة النَّارية،
كالقطارات والسيَّارات والترامات ونحوها، فحُكْمُهَا عند الشَّافعيَّة حكمُ
السفينة، وحكمها عند الأحناف حكمُ الرَّاحلة.
وأمَّا الطائرة: فتصح مع الإتيان بما يعتبر لها، وإلاَّ لم تصح، إلاّ أنْ
يخشى أن يخرُجَ الوقتُ علیه وهو فيها، فیصلِّي حسب حاله.

=
٢٣
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
١٦٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلمه
قَالَ: ((الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّ المَقْبِرَةَ وَالحَمَّامَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ
عِلَّهُ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
أخرجه الشَّافعي (٢٠/٢)، وأحمد (١١٣٧٥)، وأبوداود (٤٩٢)،
والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥)، وابن خزيمة (٧/٢)، وابن حِبَّان
(٤٩٨/٤)، والحاكم (٣٨٠/١).
وقد اختُلِفَ في وصله وإرساله، فرواه حمّاد موصولاً، ورواه الثوري
مرسلاً، ورواية الثوريِّ أصحُ وأثبت، قال: الدَّارقطني: المحفوظُ المرسل،
ورجَّحه البيهقي، ونقل ابن حَجَرٍ في التلخيص عن صاحب ((الإمام)) قال:
حاصل ما عُلِّل به الإرسال، وإِذا كانَ الواصلُ له ثقةً، فهو مقبول.
قال المناوي في فيض القدير: قال الترمذي: فيه اضطرابٌ، وتبعه
عبدالحق، وضعَّفه جمع، وقال ابن حجر: حديث مضطرب.
وقال أيضًا: رجال ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع
ذلك بصحّته الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان، وقال ابن حجر
أيضًا في التلخيص : له شواهد.
وقال ابن تيمية: أسانيده جيدة، ومن تكلّم فيه ما استوفى طرقه.
وصحَّحه الألباني.
(١) الترمذي (٣١٧).

٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وأشار البخاري إلى صحّته في جزء القراءة، وهو الأقرب.
* مفردات الحديث:
- إلّ المقبرة. المستثنى هنا يجبُ فيه النصب، ولا يجوز غيره؛ ذلك أنَّ
المستثنى واقعٌ في كلامِ تامٌّ موجب.
والمقبرة: مثلّثة الباء، وهي موضعُ القبور.
- مسجد: بفتح الجيم وكسرها: الموضعُ الَّذِي يُسْجَدُ فيه، وهو مشتقٌّ من سَجَدَ
يَسْجُدُ سجودًا، أي: خضع وذلَّ، وكل موضع يتعبَّد فيه فهو مسجد.
- الحَمَّام: بفتح الحاء، وتشديد الميم، جمعه حَمَّامات، هو المغتسل، مذكَّر،
وقد يؤنث.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الأرضُ كلُّها مسجد، فأي بقعةٍ من الأرض حضَرَتِ المسلمَ فيها الصلاةُ
صلَّى فيها، وهذا ما يفيده أحاديث كثيرة، منها: حديث: ((أُعطيت خمسًا لم
يعطهنَّ أحدٌ من قبلي: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)).
٢- لا تصحُّ الصلاة في المقبرة التي هي مدفن الموتى؛ لما روى مسلم (٩٧٢)
أَنَّ النَّبيِ وَ ◌ّهِ قال: ((لا تصلُّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)).
قال ابن حزم: أحاديثُ النَّهي عن الصَّلاة في المقبرة متواترة، لا يسع أحدًا
تَركُهَا. وجزَمَ غيرُ واحدٍ من المحقّقين بأنَّ العلّة سَدُّ الذريعة عن عبادة أربابها.
قال ابن القيم: تعظيمُ القبور أعظمُ مكائد الشيطان، التي كاد بها أكثرَ
النَّاس، وما نجا منها إلاَّ مَنْ لم يُرِدِ الله له الفتنة.
قال الشيخ تقي الدِّين: عمومُ كلامهم يوجبُ منعَ الصَّلاة عند قبرٍ واحدٍ،
وهو الصوابُ، واستثني صلاة الجنازة بالمقبرة؛ لفعله وَّهِ، فخصَّ النَّهي
بذلك؛ لأنَّها دعاء للميت، لا تشمل ركوعًا ولا سجودًا، ولا خفضًا ولا رفعًا.

٢٥
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
٣- يستفاد من النَّهي عن الصلاة في المقبرة، النَّهيُ عن كلِّ مكانٍ فيه أشياء
يخشى أنَّ تعظيمَهَا يؤدِّي إلى عبادتها؛ كالصَّلاة عند التماثيل، والصور،
والكنائس.
٤- لا تصحُّ الصَّلاة في الحَمَّام، وهو الموضعُ الَّذي يُغْتَسَلُ فيه بالماء الحميم،
والعلَّةُ في المنع ما جاء مرفوعًا: ((الحَمَّام بيت الشيطان))، فهو من الأماكن
التي تكشف فيه العورات، ويوجدُ فيه الاختلاط؛ فصار من مواطن الشيطان
التي نادی إليها .
٥- يستفاد من النَّهْي عن الحَمَّام، النَّهْيُ عَمَّا شابهه من مواطن الشياطين؛
كمجالس اللهو المحرَّم منَ الأفلام الخليعة، والأغاني الماجنة، والألعاب
المحرَّمة، ومجالس المجون، ونحو ذلك، فكلُّها مواطن شياطين، تتنَّه
عنها طاعة الله وعبادته .
قال شيخ الإسلام: تكره الصَّلاة في كلِّ مكانٍ فيه تصاوير، وهو أحقُّ
بالكراهة من الصلاة في الحَمَّام؛ لأَنَّ كراهة الصَّلاة في الحمام: إمَّا لكونه
مظنَّة النَّجاسة، وإمّا لكونه بيت الشيطان، وهو الصحيح، وأمَّا محل الصور
فَمَظِنَّةُ الشرك.
وقال النووي: الصَّلاَةُ في مأوى الشيطان مكروهٌ بالاتفاق، وذلك مثل
مواضع الخمر، والحَانَةِ، ومواضع المُكُوس، ونحوها من المعاصي
الفاحشة، والكنائس، والبِيَعَ، والحشوَش، ونحو ذلك.

٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيّ ◌َّ نَّهَى
أَنْ يُصَلَّىُّ فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: المَزْبَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةٍ
الطَّرِيقِ، وَالحَمَّامِ، ومَعَاطِنِ الإِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيّتِ اللهِ تَعَالَىْ)) رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَه(٢)
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف.
رواه الترمذي، وابن ماجه (٧٤٦)، والطحاوي، والجمي (٣٢٩/٢) عن
زيد بن جبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر .
قال البيهقي : تفرَّد به زيد بن جبيرة، قال البخاري: منكر الحديث جدًّا.
وقال الترمذي: ليس بالقوي، قال ابن عبدالبر: أجمعوا على ضعفه، قال
الحافظ: متروك.
قال الحافظ في التلخيص الحبير: ((في سند ابن ماجة عبدالله بن عمر
العمري، وهو ضعيف)).
* مفردات الحديث:
- المَزْبَلَة: بفتح الميم والباء على الأصح، وهي مكان إلقاء الزبل، وهو
السرجين (كلمة أعجمية ومعناها السماد) والقمامة.
- المجزرة: بفتح الميم، المكان الّذي تجزر فيه المواشي، أي تذبح أو تنحر.
- المقبرة: مثلثة الباء، موضع القبور.
- قارعة الطريق: ما تقرعه الأقدام بالمرور، والمرادبه: الجادّة، والطريق الواسعة.
(١) الترمذي (٣٤٦).

٢٧
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
- الحمَّام: بفتح الحاء، وتشديد الميم، ثمَّ ألف، وآخرُهُ ميم: هو المكان المُعَدُّ
بمائه الحميم للاغتسالِ، جمعه حَمَّامَات .
- مَعَاطِن الإبلَ: بفتح الميم، وعين مهملة، وكسر الطاء المهملة، فنون،
واحدها عَطَن، بفتح العين والطاء، هي مَبَارِكُ الإبل عند الماء، وما تقيمُ فيه
وتأوي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديثُ فيه النَّهي عن الصَّلاة في سبعة مواطن، وعدَّدها.
٢ - الحديثُ ضعيفٌ لا تقومُ به حجّة على حكمٍ شرعي؛ لأنَّ فيه زيدَ بنَ جبيرة،
قال ابن عبدالبر: أجمعوا على ضعفه، وقال الحافظ: متروك.
٣- فبناءً عليه: فالمواطنُ السبعة بعضُهَا ثبت النَّهي عن الصَّلاة فيه من طرق
أخر، فهذه يكون منهيّ عنها، ومكتسب النَّهي والتحريم من غير هذا الدليل،
وأمَّا الَّتي لا يوجد لها دليلٌ غير هذا الحديث، فهي تبقى على أصل الإباحة
والطهارة؛ لعموم قوله بَّه: ((جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا)) [رواه
البخاري (٣٢٨)، ومسلم (٥٢١)].
٤- أمَّا أدلَّة المواطن المحرَّمة، فهي :
(أ) المقبرة والحمام: تقدَّم دليلُ المنع فيهما في الحديث الَّذي قبل هذا.
(ب) أعطانُ الإبل: لما روى أحمد (١٦٩٠٠)، والترمذي (٣٤٨)،
وغيرهما، أنَّ النَّبِيَِّه قال: ((لا تُصَلُّوا في أعطان الإبل)).
(ج) الحُشَّ: قال ابن عباس: ((لا يصلََّنَّ أحدكم في حُشرٌّ، ولا في
الحمام))، قال ابن حزم: لا نعلم لابن عبَّاسِ مخالفًا من الصحابة.
والحُشّ: هو مأوى الأرواح الخبيثة؛ ولذا يستحبُّ لداخله أنْ يستعيذ بالله
تعالى من الشيطان، فيقول: ((أعوذ بالله من الخبث، والخبائث)).
(د) المجزرة: هي موضعُ نجاسةٍ؛ لما يراقُ فيها من الدماء المسفوحة

٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
النجسة؛ ولذا تحرم فيها الصلاة.
(هـ) المزبلة: هي ملقى الكناسة، والقمامة، والفضلات، والسرجين؛
فتحرم فيها الصلاة .
(و) أمَّا قارعة الطريق: فهي الطريقُ العامَّة وأرصفتها، فالمشهورُ من
مذهبنا : منْعُ الصَّلاة فيها؛ لهذا الحديث، ولكثرة المرور فيها، وانشغال
القلب في المارِّین.
والرِّواية الأخرى: صحةُ الصلاة فيها، وهو مذهبُ جمهور العلماء،
ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي؛ فهي باقيةٌ على أصل
الجواز.
(ز) فوق الكعبة لهذا الحديث، وهو المشهور من المذهب.
والقولُ الثاني: جوازُ الصلاة عليها فرضًا أو نفلاً، وهو قول جمهور
العلم.
قال الموفَّق: الصحيحُ جوازُ الصَّلاة فيها؛ لعموم: ((جعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا)).
خلاف العلماء:
المشهور من مذهب الإمام أحمد وأتباعه: النَّهْيُ عن الصلاة في المواطن
السبعة، وهو من المفردات، ودليلُ الحنابلة حديثُ الباب، وهو غيرُ عمدة.
وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّها تصحُّ الصَّلاة فيها، إلاَّ المقبرةَ، ومعاطنَ
الإبل، والحُشَّ.
ودليل الجمهور على طهارتها، وجواز الصَّلاة فيها: عموم قوله ◌َّالآتى:
((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا))، واستثنى منه المقبرة، والحمَّام، ومعاطن
الإبل، بأحاديث صحيحة.
قال الموفَّق: الصحيحُ جوازُ الصَّلاة فيها، وهو قولُ أكثر أهل العلم.

٢٩
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
وأمَّا الحديث : فضعيف لا تقوم به حجَّة.
ذهب بعض العلماء: إلى أنَّ العلّة في النَّهي عن الصَّلاة في معاطن الإبل،
وعدم صحتها فيها، هي نجاسَتُهَا، وهي مبنيةٌ على القول بأنَّ جميعَ أرواثٍ
وأبوال الحيوان نجسة، سواءٌ منها الحلالُ المأكول، أو محَرَّمُ الأكل.
وهذا قولٌ ضعيفٌ، مخالفٌ للأدلة الصحيحة، فإنَّ ما يؤكل لحمه، طاهرُ
الفضلات، وقد أمر النَّبِيُّ بَّهِ العُرَنِيِّين أنْ يَشْرَبُوا أبوال الإبل، ولو كانت نجسةً
لم يُبِخْهَا، ولو أباحتها الضرورةُ لأمَرَ النَّبيُّ بالتحرُّز منها، وغَسْل نجاستها من
أفواههم وثيابهم وأوانيهم وغير ذلك، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وذهب بعضهم: إلى أنَّ العلَّة تعبُّدية، فلا نعقلُ حكمتها ولا سرَّها، وما
علينا إلاَّ أنْ نقولَ: سمعنا وأطعنا، والعلَّةُ والحكمةُ هي ما أَمَرَ الشرعُ أو نهى
عنه، وذلك كافٍ للمؤمن؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ
وَرَسُولُهُ، أَمْرًّا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ فالواجب: التسليمُ
والانقيادُ والإيمانُ الصَّادق بأنَّ الله تعالى لم يشرع شيئًا إلاَّ وله مصلحةٌ، ومنفعةٌ
وحکمة، قد تظهر وقد تخفى.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أنَّ العلّة في الصَّلاة في معاطن الإبل، هي
العلَّةُ بالأمر بالوضوء من لحومها، وذلك أنَّ الإبلَ لها قُرَنَاءُ من الشياطين، تأوي
معها إلى معاطنها، ولذا يعرف رعاة الإبل والّذين يسوسونها بالكبرياء والتعظُّم،
تأثرًا بمعاشرتها.
وبهذا: فالصَّلاة لا تصحُّ في الأمكنة التي تأوي إليها الشياطين، والله
أعلم.

٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٧١ - وَعَنْ أَبِي مَرْثَدِ الغَنَوِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُوْلَ اللهِّه يَقُولُ: ((لاَ تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلاَ تَجْلِسُوا عَلَيْهَا)) رَوَاهُ
1. (١)
مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- أبي مَرْثَد: بفتح الميم، وسكون الرَّاء، ثمَّ ثاء مثلَّثة، ثمّ دال.
- الغنوي: بفتح الغين المعجمة، نسبةً إلى قبيلة غَنِيٍّ بنِ أعصر، إحدى القبائل
العدنانية، اسمُهُ: كِنَازُ بن حُصَيْن، صحابيٌّ، حليف بني هاشم.
- القبور: جمع قبر، والمقبرة بضم الباء وفتحها: موضع القبور، والجمع
مقابر، وَقَبَرْتُ الميتَ: دفنته، وأقبرته: أمرتُ بدفنه، ومنه: ﴿ثُمَّ أَمَانَهُ
﴾ [عبس].
فَأَقْبَرَهُ
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - النهي عن الصلاة إلى القبور، بأن تكون المقبرةُ في جهة المُصَلِّى.
٢ - النَّهي يقتضي الفساد؛ فتكونُ الصَّلاة باطلةٌ.
٣- حكمة النَّهْي هو خشيةُ تعظيمها، الَّذي قد يؤُولُ إلى عبادةِ أصحابها .
قال ابن القيم: من أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها، أكثرُ ما أوحاه
قديمًا وحديثًا إلى حزبِهِ وأوليائِهِ من الفتنة في القبور، حتَّى آل الأمرُ فيها إلى
أنْ عُبِدَ أربابُهَا من دون الله، أو عُبِدَتْ قبورهم، وكان أوَّلُ هذا الدَّاءِ العظيمِ
في قوم نوح.
قال ابن حزم: أحاديثُ النَّهي عن الصَّلاة في المقبرة متواترةٌ، ولا يَسَعُ
(١) مسلم (٩٧٢).

٣١
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
أحدًا تركُهَا .
٤ - قال فقهاء الحنابلة: ولا يضر قبر وقبران؛ لأنَّها لا تسمَّى مقبرةً حتَّى يكون
فيها ثلاثة قبور فأكثر، ولأَنَّ العلَّة عند هؤلاء الفقهاء لم تعقل .
قال الشيخ تقي الدِّين: العلّة هي ما يُفْضِي إليه ذلك من الشرك، ثمَّ قال:
عمومُ كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجبُ مَنْعَ الصَّلاة عند قبر واحدٍ، وهو
الصواب.
٥- وبهذا فإنَّ الصَّلاة لا تصحُّ في مسجد فيه قبر، ولو كان واحدًا، أو كان القبر
في مؤخَّر المسجد ما دام أنَّه داخلٌ في المسجد.
٦ - النَّهْيُ عن الجلوس على القبور؛ لأَنَّ ذلك إهانةٌ لأصحابها؛ فقد جاء في
صحيح مسلم، عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيِ وَّه قال: ((لأَنْ يَجْلسَ أحدُكُمْ على
جمرةٍ، فتحرقَ ثيابه، فتخلُصَ إلى جلده، خيرٌ من أنْ يجلس على قبر))،
فيكون تحريمُ الوطء عليه أولَى؛ لما في ذلك من الاستخفاف بحق المسلم؛
لأَنَّ القبر بيته، وحرمتُهُ میتًا کحرمته حيًّا .
والنَّهج الصحيح: أنَّ المسلم لا يكون غاليًا ولا جافيًا؛ فلا تعظيم للقبر،
يجُرُّ إلى الفتنة، ولا استخفافَ بالقبورِ وأصحابها، تذهَبُ بحرمتهم، وخيرُ
الأمور الوسط، والله الموفِّق.

٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلّهِ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَىْ فِي نَعْلَيْهِ أَذَّى أَوْ
قَذَرًّا، فَلْيَمْسَحُهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ
خُزَيْمَةَ(١)
: درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
صِحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان (٥٦٠/٥)، والحاكم (٢٣٥/١)،
ووافقه الذهبي، وقال النووي في المجموع: حديث حسن رواه أبوداود بإسنادٍ
صحيح، واعتمد الألباني في إرواء الغليل تصحيحه، وكذلك في صحيح أبي
داود .
* مفردات الحديث:
- أذّى: الأذى يأتي بمعنى القَوْلِ المكروه؛ كقوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة:٣ ٢٦٤]، وقوله: ﴿وَدَعْ أَذَئُهُمْ
[الأحزاب: ٤٨].
ويأتي بمعنى القذر؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾
[البقرة: ٢٢٢]، والمراد هنا: القذر.
- قذر: مصدر قَذِرَ الشيءُ فهو قَذِرٌ، من باب تعب، وهوالوسخ.
- أذى، أو قذر: الشك من الرَّاوي.
(١) أبوداود (٦٥٠)، ابن خزيمة (٧٨٦).

٣٣
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديثُ على جواز الصَّلاة في النعلَيْن، إذا كانا طاهرَيْن، وأنَّ الصَّلاة
فيهما من السنَّة.
٢- منعُ الدخولِ بهما المسجد، إذا كان فيهما أذّى، أو قذرٌ، أو نجاسة.
٣- إذا أراد دخولَ المسجد بهما والصَّلاةَ فيهما، فيجبُ عليه النَظَرُ إليهما: فإن
رأى فيهما قذرًا، أو أذِّى، مسحَهُ بالأرض أو بغيرها، ثمَّ دَخَلَ بهما، وصلَّى
بهما إنْ شاء ذلك.
٤ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لو صلَّى جاهلاً، أو ناسيًّا أنَّ في بدنه
أو ثوبه، أو نعله نجاسةً، فإنَّ صلاته غير صحيحة، وعليه إعادتها .
والرواية الأُخرى عنه: أنَّ صلاته صحیحةٌ، ولا یعید.
اختار هذه الرِّواية الأخيرةَ الموفَّق ابن قدامة، والمجد، وشيخ الإسلام،
وابن القيم، وغيرهم؛ لأَنَّ النَّبيَّ نَّهِ صلَّى في نعليهِ، فلمَّا كان في أثناء
الصَّلاة خلعهما، بعد أنْ أخبره جبريلُ أنَّ فیهما نجاسةً، ثمّ بنی علی ما
مَضَى من صلاته، ولأَنَّ الصَّلاة بالنَّجاسة من باب فِعْلِ المحظور، وما كان
مِنْ فعل المحظور، فإنَّ الإنسانَ إذا فعله ناسيًا، أو جاهلاً، فلا شيء عليه؛
لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَالَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ بخلاف
ترك المأمور: فلا يُعْذَرُ بجهله، ولا نسيانه، فلابُدَّ من الإتیانِ به، فقد أمر
النبيُّ ◌َّ المسيءَ في صلاته أن يعيدها، حتَّى أتى بها على الوجه الصحيح.
٥- احترامُ المساجد، وتطهيرُهَا عن الأذى والقذر؛ لأَنَّها موضعُ عبادة، فيجب
أنْ تكون طاهرةً نظيفة؛ قال تعالى: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآيِينَ
[الحج: ٢٦].
٢٦
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ

٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلَّه: ((إِذَا وَطِىءَ أَحَدُكُمْ الأَذَىْ بِخُفَّيْهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ)) أَخْرَجَهُ
أَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
** درجة الحديث:
الحدیث ضعیف؛ لکن له طرقٌ یشد بعضها بعضًا، تجعله محتجًا به.
وقد أخرجه ابن السكن، والحاكم (٢٧١/١)، والبيهقي (٤٣٠/٢) من
حديث أبي هريرة، وسنده ضعيف، وفي الباب غير هذا، بأسانيدَ لا تخلو من
ضعف، إلاَّ أنَّه يشُدُّ بعضها بعضًا.
قال الشوكاني: وهذه الروايات يقوِّي بعضها بعضًا، فتنهضُ للاحتجاج
بها على طهارة النَّعل بدلكه في الأرض، رطبًا أو يابسًا.
* مفردات الحديث:
۔ وطیء: من باب سمع، ومعناه: داس .
- بِخُفَيهِ: تثنية خف، وهو ما يُلْبَسُ في الرِّجْل من جلدٍ رقيق.
- طهورهما: بفتح الطاء: الشيء الَّذي يتطهّر به.
- التراب: بضم التاء المثناة الفوقية ما نَعُمَ من أديم الأرض.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الأذى - هنا - النجاسةُ، كما تشمَلُ أيضًا ما يستقذرُ من غير النجاسة، ودلیل
إرادة النجاسة قولُهُ: ((فطهورهما التراب))، فالطهورُ لا يكون شرْعًا إلاّ من
نجاسة .
(١) أبوداود (٣٨٦)، ابن حبَّان (٢٥٠/٤).

٣٥
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
٢- أنَّ نجاسة الخف يكفي في تطهيرها مَسْحُهَا بالتراب وَدَلْكُهَا بِه، دون الماء.
٣- هذا راجعٌ لسماحة الشريعة ويسرها، فالخُفُّ كثيرًا ما يصاب بالأذى
والنجاسة، من أجل مباشرته الأرض، فلو لم يَكْفٍ في تطهيره إلاَّ الماء،
لَشَقَّ ذلك، ولأُدَّی أيضًا إلى إتلافه بالماء بتکژُّره علیه.
٤- المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يطهر شيء بغير الماء، فلا يطهر
الخُفُّ بمسحه في الأرض، ولا تطهيره بالتراب، ذلك أنَّ الماء تَعَيَّنَ لإزالة
النجاسات، فلا يقوم غيره مقامه.
والرِّواية الأخرى عن الإمام أحمد: يطهر الخفُّ بالدلك في الأرض؛
اختارها الموفَّق، والشَّارحُ، وتقي الدِّين، وجماعة.
قال في الفروع: وهي أظهر، وهذا هو الرَّاجح دليلاً وتعليلاً؛ فقد جاء
في سنن أبي داود (٣٨٥) من غير وجه؛ أنَّ النَّبِي رَّ قال: ((فليدلكهما
بالتراب؛ فإنَّ التراب لهما طهور)).
٥- قال شيخ الإسلام: لم يأمر النَّبِي ◌َّهِ أمرًا عامًا بأنْ تزال النجاسات بالماء،
وقد أذن بإزالتها بغير الماء في مواضع: الاستجمار، والنعلين، وذيل
المرأة.
وهذا القول هو الصواب.

٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٧٤ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛
إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، والتَّكْبِرُ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- لا يصلح: ((لا)): نافية؛ ولذا فالفعل المضارع بعدها مرفوع، ولام ((يصلُحُ))
تکون بالضم والفتح.
- التسبيح: مصدر سبَّح، والتسبيحُ بمعنى التنزيه والتقديس، ويكونُ بمعنی ذکر
الله تعالى، يُقال : فلان يسبِّح الله، أي: یذكُرُهُ بأسمائه.
ما يؤخذ من الحديث:
١ - سببُ الحديث أنَّ رجلاً عَطَسَ في الصَّلاة، فشمَّته معاويةٌ بن الحكم، وهو
في الصَّلاة، فأنكر المصلُّون من الصحابة، بما أفهَمَهُ ذلك، وبعد الصَّلاة
علّمه النَّبِيُّ وَّهِ، فقال: ((إنَّ هذه الصَّلاة لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام النَّاس
إنَّما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن)).
٢ - أنَّ مخاطبة النَّاس في الصَّلاة - ولو بالدعاء - عمدًا يُبْطِلُ الصَّلاة؛ ولذا قال
فقهاؤنا: وتبطُلُ الصَّلاة بـ((كاف الخطاب))، إلاَّ لله تعالى، ولرسوله محمد
٣- أنَّ مخاطبة النَّاس في الصَّلاة إعراضٌ عن مناجاة الله تعالى؛ فقد جاء في
البخاري (٤١٧) ومسلم (٥٥١) من حديث أنس وغيره؛ أنَّ النَّبِي ◌ِِّ قَالَ:
((إِذَا قام أحدكم في صلاته، فإنَّه يناجي ربًّ)).
(١) مسلم (٥٣٧).

٣٧
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
٤- يستحب للمصلِّي ويتأكَّد عليه حضورُ قلبه في الصَّلاة، فلا يلهيه عن معانيها
وأحوالها مُلْهٍ، بل يُفْرِغُ قلبه ويستجمعه، لاستحضار ما يقولُ فيها ويفعل؛
فقد جاء في البخاري (١١٩٩) ومسلم (٥٣٨) عن ابن مسعود قال: قال
رسول الله وَّهُ: ((إنَّ في الصلاةِ لَشُغْلاً)).
٥ - قد يُظَنُّ أن بين هذا الحديث، وبين حديث ((المسيء صلاته))، أنَّ بينهما
تعارضًا؛ ذلك أنَّ النَّبِي وَلهو أمر المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة - ثلاث
مرَّات - حتَّى أتى بها على الوجه الصحيح؛ أمَّا معاويةُ بن الحكم فلم يأمُرْهُ
بالإعادة، مع أنَّه تكلَّمَ في الصَّلاة عمدًا .
ووجه الجمع بين الحدیثَيْن من أحد وجوهٍ ثلاثةٍ :
أحدها: أنَّ المسيء في صلاته تَرَكَ ما هو واجبٌ في الصَّلاة، وأمَّا
معاوية: فقد فَعَلَ مَا نُهِيَ عنه فيها، وَتَرْكُ المأمور أعظَمُ من فعل المحظور؛
ولذا فإنَّ تارك المأمور لا يُعْذَرُ بجهلٍ ولا نسيان؛ بخلاف فاعل المنهيِّ عنه:
فهو معذور في حال الجهل والنسيان.
الثاني: أنَّ المسيء تَرَكَ ما تقَرَّرَ ثبوتُ أصله؛ بخلاف معاوية: فهو بانٍ
أصل إباحة الكلام في الصلاة، ويدل على ذلك حديث زيد بن أرقم الآتي.
الثالث: جاء في حديث معاوية قوله: ((إِنِّي حديثُ عهدٍ بجاهليةٍ))،
والشرائع لا تلزم المسلمَ إلاّ بعد بلوغها إِيَّاها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ((الشرائعُ لا تَلْزَمُ إلاَّ
بعد العِلْمِ بها، فلا يقضي ما لم يعلم وجوبها .
٦ - الصَّلاةَ أقيمتْ لذكر الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
﴾ [طه].
(١٤
لِذِكْرِىّ
فالمصلّي مشغولٌ فيها بذكر الله تعالى، ومتنقّلٌ من قراءة كتاب الله إلى
ذكر الله تعالى، بتسبيحه، وتعظيمه، وتمجيده، وتحميده، وتكبيره،

٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وتهليله، فكلُّ خفضٍ ورفع له تكبيرٌ، وكلُّ ركوع وسجودٍ وقيامٍ وقعودٍ له
ذكرٌ، فالمصلَّ مستغرقٌ فَيّ أذكار الله المنوَّعة، فَالموفَّقُ مَنْ راقب قلبه،
وأحضَرَهُ ليفهم هذه الأصول، ويتدبَّر تلك الأقوالَ والأحوال، والمحرومُ
من أذَّاها بقلبٍ غافلِ، وألفاظِ جوفاء، وحركاتٍ صُورية خالية من معانيها،
ومقاماتها العالية.
٧- حُسْنُ تعليم النَّبِيِّ وََّ، وحسنُ دعوته وإرشاده، فمعاويةُ بن الحكم لم يتكلّم
عالمًا، وإنَّما تكلّم جاهلاً؛ ولذا لم يعنِّه ولم يوبِّخه، وإنَّما علَّمه وأرشده
-بحكمةٍ ولين - إلى أنَّ الصَّلاة مناجاةٌ مع الله تعالى، فلا يصلح فيها شيءٌ من
كلام النَّاس؛ كما أرشد الأعرابي الَّذي بال في المسجد، وكما سكت عن
التائب المنيب الَّذي جامَعَ في نهار رمضان، فما زاد ◌َّه على أنْ أفتاه؛
فالقسوة والشدَّةُ والغِلْظةُ هي لمرتكب المحرَّم عمدًا، المُصِرِّ على فعله؛
فلكل مقام مقالٌ وحال.

٣٩
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
١٧٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: ((إِنْ كُنَّ
لَتَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبهُ
بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ
لِلَّهِ قَانِتِينَ
[البقرة]؛ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، ونُهِينَا عَنِ الكَلامِ» مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ، وَالََّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
* مفردات الحديث:
- إِنْ كُنَّاً لنتكلّم: ((إنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُهَا محذوف، و((الَّلام)) للتَّأكيد.
- يكلِّم أحدنا: جملة استئنافية كأنَّها جوابٌ عن قول القائل: كيف كنتم تتكلَّمون؟ .
- حافظوا: أي: واظبوا، وداوموا.
- الوسطى: الفضلى، بألف التأنيث المقصورة، أي: الصلاة الفضلى، وهي
صلاةُ العصر على الرَّاجح.
- قانتين: نُصِبَ على الحال من الضمير الَّذي في ((قوموا))، واشتقاقُهُ من
القنوت، والقنوتُ له معان كثيرةٌ، والمراد به هنا: السكوت.
- أُمرنا ونُهينا: مبنيَّان للمجهول، والآمرُ والنَّاهي هو النَّبِّ ◌َّر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - كان المسلمون أوَّلَ الأمر يتكلَّمون في الصَّلاة، يُكلُّم الرَّجلُ صاحبَهُ بالكلام
اليسير، الَّذي لا بد منه؛ فأنزل الله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى
[البقرة]، فأَمِرُوا بالسُّكوت ونُّهُوا عن الكلام، وهذا
وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ
(١) البخاري (١٢٠٠)، مسلم (٥٣٩).

٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صريحٌ في إباحة الكلام في أوَّلِ الإسلامِ، ثُمَّ نسخ بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْلِلَّهِ
والمراد به: السكوتُ في الصَّلاة.
قَانِتِينَ إِ
٢ - قال ابن كثير: هذا الأمر يستلزمُ تركَ الكلام في الصَّلاة لمنافاته إياها؛ فإنَّ
القنوتَ المأمورَ به هو السكوتُ، فالكلامُ ینافیه».
وهذا كما فهمه الصَّحابة، وعملوا بمقتضاه في زمن النَّبِي وَّ.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ مَنْ تكلَّم في الصَّلاة عامدًا لغير
مصلحتها، فإنَّ صلاته فاسدة.
قال شيخ الإسلام: هذا ممَّا اتفَقَ عليه المسلمون، والعامدُ هو من يَعْلَمُ
أنَّه في صلاة.
٣- الحديث يدُلُّ على عِظَم الصَّلاة وأهميَّتها، وأنَّ الدخولَ بها هو انصرافٌ
وانشغالٌ عن جميع ما في الحياة، وأنَّ المحافظةَ عليها بما يُكَمِّلُهَا في
أركانها وشروطها، وواجباتها ومستحباتها، هو المحافظةُ عليها، التي أشار
﴾ [المؤمنون].
إليها بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٤- قال النووي: في الحديث دليلٌ على تحريمٍ أنواع كلام الآدميين، وقد أجمع
العلماء على أنَّ المتكلُّم فيها عامدًا عالمًا بتحريمَه، وتكلّم لغیر مصلحتها ۔
تبْطُلُ صلاته.
٥- الآمر بالسكوت، والنّهي عن الكلام، هو النَّبِي وَّ؛ فالحديثُ له حكم الرفع.
٦- أنَّ الكلام مع تحريمه، فهو مفسدٌ للصلاة؛ لأَنَّ النَّهي يقتضي الفساد.
٧- أنَّ المعنى الَّذي حُرِّمَ من أجله الكلام، هو طَلَبُ الإقبالِ على الله في هذه
العبادة، والتَّلذّذِ بمناجاته؛ فليحرصِ المصلِّي على هذا المعنى السَّامِي.
خلاف العلماء:
أجمع العلماءُ على بطلانِ صلاة من تكلّم فيها عامدًا، لغير مصلحتها،
عالمًا بالتحريم.