Indexed OCR Text

Pages 1-20

توضِيُ الأحكامِ
بُلوُع المَرَامَ
تَأليف
رَاجِيْ عَفو رَبّه
عَبْدالشر بْن عَبد الرحمن البَسَّام
غفر الله له ولوالديه ولمسلمين
طبعة مصحَّة وَمُحقّقّة وَفيِهَا زِيَادَات ◌َامَّة
الجزء الثاني
مكتَبَة الأَدي
مَلّة المكرّمة

بسم الله الرحمن الرحيم
1 ..
L
1

٣
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
باب شروط الصلاة
مقدمة
الشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة، سمي شرطًا؛ لأنَّه علامة على
المشروط؛ قال تعالى عن علامات السَّاعة: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطِهَا﴾ أي: علاماتها.
واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العَدَمُ، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدمٌ
لذاته .
وشروط الصَّلاة: هي ما يتوقَّف عليها صحتها، إلاَّ بعذر.
وقد أجمع الأئمة على أن للصلاة شرائط، لا تصح إلاَّ بها، إن لم يكن
عذر، وهي التي تتقدّمها، وشروط الصلاة ليست منها، وإنَّما تجب لها قبلها،
إلّ النية: فالأفضل مقارنتها لتكبيرة الإحرام، وتستمر الشروط حتَّى نهاية
الصَّلاة، وبهذا فارقت الأركان، الَّتي تنتهي شيئًا فشيئًا.
وشروطُ الصَّلاة تسعة: الإسلام، والتمييز، والعقل، (وهي شروط
لوجود كل عبادة بدنية عدا الحج والعمرة، فيصحَّان من الصغير، ولو دون
التمييز)، والباقي من الشروط ستّة هي :
- الوقت: قال عمر - رضي الله عنه -: الصلاة لها وقت، لا يقبلها الله إلاَّ به.
- الطهارة من الحدث .
- الطهارة من النَّجاسة في البدن والثوب والبقعة.
- ستر العورة، وتختلف باختلاف المصلين.
- استقبال القبلة .
وستأتي مفصّلة إن شاء الله تعالى .
- النية .

٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٦٢ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَ﴿: (إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ، فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَأُ، وَلْيُعِدِ
الصَّلاَةَ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١).
درجة الحديث:
الحدیث حسنٌ.
قال الترمذي: ((الحديث حسن))؛ ويشهد له ما رواه مسلم (٣٦٢) عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكّلَ عليه
أَخَرَجَ منه أمْ لا؟ فلا يخرجنَّ من المسجد، حتَّى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا)).
وقد حسَّن الحديثَ الإمامُ الترمذي، وصحَّحه كلٌّ من ابن حبان، وابن
السكن.
* مفردات الحديث:
- علي بن طَلْق: بفتح فسكون، من بني حنيفة، صحابيٌّ .
- فسا: الفُسَاءُ بضم الفاء: خروج الرِّيح من الدبر بلا صوت.
- لِيُعِدِ الصَّلاَةَ: الَّلام لام الأمر، من الإعادة، وذلك باستئنافها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ خروج الرِّيح من الدبر ينقُضُ الوضوءَ، وتبطُلُ به الصلاة، وقد أجمع
العلماء على هذا.
٢ - على المُحْدِثِ أنْ ينصرف من صلاته، ويتوضَّأ ويعيد الصَّلاة؛ لبطلان صلاته
(١) أبوداود (٢٠٥)، الترمذي (١١٦٦)، النسائي في ((عشرة النساء)) (١٣٧)، أحمد (٨٦/١)،
ابن حبان (٢٢٣٧)، ولم يروه ابن ماجة.

٥
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
بالحدث .
٣- يحرُمُ على من أحدَثَ في الصلاة أنْ يستمرَّ فيها ويتمَّها، ولو صوريًّا؛ فكل
حدثٍ مَنَعَ ابتداء الصلاة، يمنع الاستمرار فيها؛ فإنَّ صلاته بلا وضوء
استهزاءٌ بالدِّين، وتلاعُبِّ بالشعائر الدينية.
٤- جميع الأحداث النَّاقضة للوضوء، حكمها كَحُكْم خروج الرِّيح، فیما ذُكِرَ
من الأحكام.
٥ - هذا الحديثُ معارَضٌ بما تقدَّم من حديث عائشة، من أنَّ مَنْ أصابه قيءٌ أو
رعافٌ أو مذيّ في صلاته، فإنَّه ينصرف ويتوضَّأ، ويبني على صلاته حيث
لم يتكلّم، ولا وجه للمعارضة، فحديثُ الباب أصحُ منه، أمَّا حديث عائشة
فمُتكلّم فيه.

٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((لاَ
يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ خَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ،
وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ(١).
** درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي.
قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم،
ووافقه الذهبي .
وصحَّحه ابن خزيمة، وأحمد شاكر، والألباني.
* مفردات الحدیث:
- حائض: يُقال: حاضت المرأة حيضًا، فهي حائض؛ لأنَّه وصفٌ خاصٌّ بها،
وجاء : حائضةٌ، وجمعها حائضاتٌ، وجمع الحائض: حُيَّص.
وقوله في الحديث: ((الحائض)) ليس المراد من هي حائض حالة التلبُّس
بالصَّلاَة، بل المراد: البالغة.
- بِخِمَار: جمعه خُمُر، وهو بكسر الخاء وفتح الميم، يُقال: خمَّر الشيء
غطّاه، فالتخمير التغطية؛ ومنه خمار المرأة، الَّذي تُغَطَّي به رأسها وعنقها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحائض لا تُصلّي ولا تصحُّ منها الصَّلاة حال حيضها، وإنَّما المراد بقوله:
(١) أحمد (١٥٠/٦)، أبوداود (٦٤١)، الترمذي (٣٧٧)، ابن ماجة (٦٥٥)، ابن خزيمة
(٧٧٥) .

كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
((الحائض)) يعني: المكلَّفة، التي بلغَتْ سنَّ الحيض.
٢- ليس المراد من الحديث البالغة بالحيض فقط، وإنَّما المرادُ البالغة بأية
علامة من علامات البلوغ، وهي: الحيضُ، أو نزولُ المنيِّ، أو نباتُ شعر
العانة، أو بلوغُ خمسة عشر عامًا، ولكنَّه عبَّر بما يخصُّ النساء، وهو
الحيض .
٣- أنَّ ابتداء الحيض للأُنثى من علامات بلوغها، ولو أنَّ سنَّها أقلُّ من خمسة
عشر عامًا .
٤- أنَّ الجارية إذا بلغَتْ، كلِّفت بالأحكام الشرعية كلِّها.
٥- أنَّهُ يجبُ على المرأة أنْ تَسْتُرَ في صلاتها - فيما تستُرُ من بدنها - رأسَها
وعنقها، بخمارٍ يُغطِّ ذلك كله.
٦ - أنَّ ستر العورة في الصلاة شرطٌ لصخَّتها، والعورةُ في الصَّلاة تختلفُ
باختلاف المصلِّين، من حيث الجِنسُ، ومن حيث السنّ، وسيأتي بيانه، إنْ
شاء الله تعالى .
٧ - مفهومُ الحديث أنَّ البنت التي دون البلوغْ تَصِحُّ صلاتها، ولو لم تغطُّ رأسها
بخمار، فعورتها أخفُّ من عورة البالغة.
٨- نفي قبول الصلاة ممَّن لم تخمِّر رأسَهَا في الصلاة، المرادُ به نفيُ حقيقة
الصلاة، فلا تجزئُء ولا تَصِحُّ، لا مجرَّدُ عدَم حُصُولِ الثواب.

٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٦٤ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَّ قَالَ لَهُ: ((إِنْ
كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَالْتَحِفْ بِهِ، يَعْنِي فِي الصَّلاَةِ)).
وَلِمُسْلِمٍ: ((فَخَالِفْ بَيِّنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّمًا فَاتَّزِرْ بِهِ)) مُتَّفَقٌ
.(١)
عَلَيْهِ(١).
وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((لاَ يُصَلِّي
أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَىْ عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ)(٢).
* مفردات الحديث:
- لا يصلِّي: نص ابن الأثير على إثبات الياء في روايات الصحيح، ورواه
الدَّار قطني بحذفها، على أنَّ كلمة ((لا)) ناهية، وأمَّا بقية الروايات، فهي فيه
نافية، لكن بمعنى الثَّهي.
- الثوب: مذكَّر، وجمعه أثوابٌ وثياب، وهو ما يلبسه النَّاسُ من كتان، وقطن،
وصوف، ونحوها.
واللباسُ الكاملُ يكون من قطعتَيْنِ :
إحداهما: الرداء، وهو ما ستر أعلى البدن.
والأخرى: الإزار، وهو ما ستَرَ أسفلَ البدن.
وليس الثوبُ ما يُفَصَّل ويُخاطُ على هيئة البدن، فهذا يسمَّى قميصًا.
- التحف به: يُقال: لَحَفَهُ يَلْحَفُهُ لَحْفًا: غطّاه باللحاف، واللِّحافُ: كل ثوبٍ
(١) البخاري (٣٦١)، مسلم (٣٠١٠).
(٢) البخاري (٣٥٩)، مسلم (٥١٦).

٩
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
يلتحفُ به، فيغطِّ به بدنه، وجمعه لُحُف.
- عاتقه: العاتق: هو ما بين المنكب والعنق، وهو موضعُ الرداء، ويذكَّر
ويؤنَّث، والجمع عواتق.
- فخالف بين طرفيه: أي: خالَفَ ما بين طرفي الثوب، والمخالفةُ بين طرفيه
تكون بإلقاء طرفه الأيمَنِ على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه
الأيمن، ليستُرَ بذلك صدره، ولكنْ وَسَطَ الثوبِ على ظهره ليستُرَ أعلى
البدن، هذا إذا كان الثوب واسعًا، أمّا إذا كان ضيقًا، فيأتزر به؛ ليستر عورة
الصلاة .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الثوب المرادُ به الإزارُ الَّذي يكسو أسفل جسم الإنسان، والرداءُ الَّذي یکسو
أعلاه، وليس المرادُ به القميص؛ فإنَّ القميص الَّذي فُصِّل وخُيِّط على هيئة
البدن، قائم مقام الثوبين؛ لأنَّه مغط لأعلى البدن وأسفله.
٢ - إنْ كان الثوبُ واسعًا، فعلى المصلِّي أنْ يلتحف به، فيغطّي به من المنكبين
إلى ما تحت الركبتين؛ لأَنَّه وجد سترة كاملة لما يجب، ويستحب أنْ يستره
في الصلاة.
٣- إنْ كان الثوبُ ضيِّقًا لا يكفي كلَّ البدن، فليستُرْ به العورة الواجبَ سترها،
وهي للرجل من السُّرَّة إلى الركبة، فيجعله إزارًا له، ولو كشف عن
المنكبين، وأعلى الجسم.
٤ - استحباب ستر أحد العاتقَيْنِ في الصلاة، لمن وجَدَ سترةً كافيةً له وللعورة،
فإن لم تَكْفِ إلَّ العورةَ فقط، قدَّم سترها على ستر العاتقين أو أحدهما؛
لأنَّها أهم.
٦- الحديثُ يدلُّ على أنَّ المسلم يتقي الله ما استطاع، فما يَقْدِرُ على القيام به
من الواجبات، يقوم به، وما عجَزَ عنه سَقَطَ عنه، والله غفورٌ رحيم.

١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦ - يدلُّ الحديث على القاعدة الشرعية: ((تقديم الأهم فالأهم))؛ فإنَّ التكاليف
إذا تزاحمَتْ، ولم يمكن القيامُ بها كلَّهَا، قُدِّم أهمها .
٧- قال شيخ الإسلام: الأفضلُ مع القميص السروالُ من غير حاجة إلى الإزار
والرِّداء، وقال القاضي: يستحبُّ لبس القميص، ولا يكره في ثوبٍ يستُرُ ما
يجب ستره؛ لما في الصحيحين لمَّا سُئِلَ وَّل عن الصلاة في الثوب الواحد
؟ قال: ((أوَ لكلّ منكم ثوبان)).
٨- قال النووي: لا خلافَ في جَوَازِ الصلاةِ في الثوبِ الواحد، وأجمعوا على
أنَّ الصَّلاة في الثوبين أفضل.
والله تعالى أمر بقدرٍ زائدٍ على ستر العورة في الصلاة، وهو أخذُ الزينةِ في
﴿﴿ يَبَنِىّءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ إيذانًا
قوله تعالى:
بأنَّ العبدَ ينبغي له أنْ يلبَسَ أزيَنَ ثيابه، وأجمَلَهَا في الصلاة، للوقوفِ بين
يدي ربِّه تبارك وتعالى.
خلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية سَتْرِ الرجلِ عاتقَهُ في الصلاة، واختلفوا في
الوجوب :
فذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: إلى وجوب ستر أحد
العاتقين، في الصلاة المفروضة، إذا كان قادرًا على ذلك.
قال في الإنصاف: الصحيحُ من المذهب أنَّ ستر أحد المَنْكِبَيْنِ شرطٌ في
صحَّةٍ صلاة الفرض، وعليه جماهير الأصحاب.
قال بعضهم: في ذلك كمالُ أَخْذِ الزينة، وَحُسْنِ الأدب، والحياءُ بين
يدي الله تعالی .
وذهب أكثر العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة : - إلى عدم الوجوب، وأنَّه لا
يجبُ إلاَّ ستر العورة، والعاتقان ليسا من العورة، أشبها بقية البدن.

١١
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
صَلى الله
وَسلم
استدلَّ الإمامُ أحمد بحديث أبي هريرة في الصحيحين؛ أنَّ النَّبيَّ
قال: ((لا يصلّي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتِقِهِ منه شيء)).
أمَّا الجمهور: فيحملون النَّهْيَ في الحديث على التنزيه، وبأنَّ النَّبِي وَه
صلَّى في ثوبٍ واحدٍ، كان أحد طرَفَيْهِ على بعض نسائه، وهي نائمةٌ، والله .
أعلم.
* تنبيه:
المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ الصَّلاة التي يجبُ فيها سترُ أحد
العاتقين هي الفريضةُ فقط، أمَّا النَّافلة فيجزىء سَتْرُ العورة، وَيُسَنُّ ستر العاتقين
أو أحدهما .
ووجه الفرق بين الصلاتين الفريضة والنَّفلة: أنَّ النَّافلة مبنية على
التخفيف؛ فإنَّه يسامح فيها بترك القيام، وترك استقبال القبلة في السفر إذا صلَّى
على الرَّاحلة، فصارتْ أحكامها أخفَّ من الفريضة.
والرِّواية الأُخرى عن الإِمام أحمد: أنَّ النَّفل كالفرض.
قال في الشرح الكبير: ظاهرُ كلام الإمام أحمد التسويةُ بينهما؛ لأنَّ ما
اشتُرِطَ للفرض اشترط للنَّفل، ولأَنَّ الخبر عاتٌ فيهما؛ وهذا ظاهر كلام شيخنا
رحمه الله .
وممَّن اختار ذلك شيخنا عبدالرحمن السعدي، فقال: الصحيحُ أنَّ ستر
المنكب يستوي فيه الفرضُ والنَّفل، وأنَّه سنَّةٌ فيهما؛ فهو من كمال السترة.

١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٦٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ((أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ
٠:٠٠
وَستا
أَتْصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا،
يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا)) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَخَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث ضعيف .
أخرجه أبوداود، والحاكم (٧١٩/٣) والبيهقي (٢٣٣/٢) بسندهم إلى أُمِّ
سَلَمَةٍ، وفيه أم محمد بنت زيد، وهي مجهولة، وفي الحديث علَّةٌ أُخرى، وهي
تفرُّد ابن دينار بروايته، وهو ضعيف مِنْ قبل حفظه.
وصحَّح وقفه المؤلّفُ في التلخيص الحبير، بينما رجَّح ابن الملقُّن
والشوكاني رفعه.
* مفردات الحديث:
- دِرْع: بكسر الدَّالِ المهملة، وسكون الرَّاء المهملة، ثمَّ عينٍ مهملة، والمراد
به هنا : قميص المرأة؛ فلذا جاء مطلقًا، فلو أُريد به درع الحرب، لقيَّده
بالحديد، كما في البخاري: ((أنَّ النَّبِي ◌َ رَهَنَ درعًا من حديد))، قال ابن
فارس: درع الحديد مؤنَّئة، ودرع المرأة: قميصُها، مذكَّر.
- سابغًا: بفتح السين المهملة، وكسر الباء الموحّدة، ثمَّ غين معجمة، أي:
واسعًا، ساترًا لظهور قدميها.
- إِزَار: الإزار : ثوبٌ يحيط بالنصف الأسفل من البدن، يذكَّر ويؤنَّث، يُقال:
ائتزر واتَّزر، أي: لبس الإزار.
(١) أبو داود (٦٤٠))

١٣
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
· ما يؤخذ من الحديث:
١ - الدرع: هو قميصُ المرأة، الَّذي يستُرُ جسمها من عاتقها، حتَّى يغطّي
قدمیھا .
٢ - أمّا الخمار فيغطِّ رأسها وعنقها.
٣- فإذا غطَّتِ المرأةُ بدرعها السَّابغِ قَدَمَيْهَا، وغطَّتْ بخمارها الضَّافي رأسها
وشعرها وعنقها، فقد سَتَرَتْ عَورتها في الصَّلاة، فتصلَّ، ولو لم يكن
عليها إزارٌ، أو سروالٌ تحت الدرع.
٤ - أنَّ قدمَي المرأةِ: مِنْ عورتها في الصلاة، فيجبُ سترهما، فإنْ بَدَيَا أو
أحدهما وهي قادرةٌ على سترهما، لم تَصِحَّ صلاتها، وسيأتي ذكر الخلاف
في ذلك.
٥ - وجهُ المرأة: ليس بعورة في الصَّلاة، فإذا لم يكنْ حولها رجال أجانب،
فلها کشفُهُ، وصلاتها صحيحة .
قال ابن عبدالبر: أجمعوا على أنَّ للمرأة أنْ تَكْشِفَ وجهها في الصَّلاة.
قال الشَّارح: لا نعلم فيه خلافًا .
وقال القاضي : هو إجماع.
والمراد: حيث يراها أجنبي.
وأمَّا كفَّاها: فجمهور العلماء أنَّهما ليسا بعورةٍ في الصَّلاة.
واختار المجد، والشيخ تقي الدِّين، وغيرهما: أنَّ قدميها ليسا بعورة،
وجزم به الموفَّق في العمدة، وصوَّبه في الإنصاف، وهو مذهب أبي حنيفة.
وما عدا ذلك: فهو عورةٌ إجماعًا .
هذا كله في الصلاة .
وأمَّا خارج الصلاة، فعورةٌ باعتبار النظر، كبقية بدنها .
٦ - المرأة لها نقابٌ، وبرقع ولثام، وهي كما يلي:

١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
(أ) النِّقاب: جمعه نُقُبُ، مثل كتاب وكُتُب، وهو خمارٌ يستُرُ وجه
المرأة، وتجعَلُ القناعَ على مارن الأنف، فيبدو منه محجر العينين.
(ب) البُرْقُع: بضم الباء، وسكون الرَّاء، جمعه براقع، وهو الخمارُ يستُمُ
الوجه، وفيه ثقبان بقدر العينين، فكأنَّ فتحته أضيقُ من النقاب.
(ج) اللثام: هو البرقع، إلاَّ أنَّه يكونُ على طرف الأنف، فهو أوسع فتحةً
من النِّقاب.
: فائدة:
تفصيل العورة في الصلاة، في المشهور من مذهب الإمام أحمد وغيره:
١ - عورةُ الرجلِ البالغ، وَمَنْ بَلَغَ عَشْرَ سنين، والبنت المراهقة: ما بين السرَّة
والركبة .
٢ - عورة الصبيِّ من السَّابعة إلى العاشرة الفرجان فقطْ.
٣- عورة المرأة البالغة الحرّة كلُّ بدنها عدا وجهها، فليس بعورةٍ في الصلاة؛
على الرَّاجحِ من أقوال العلماء.

١٥
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
١٦٦ - وَعَنْ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كُنَّا مَعَ
النَّبِيِّ ◌َّهِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَّتْ عَلَيْنَا القِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا طَلَعَتِ
الشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجْهُ
اللَّهِ﴾)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن .
وله شاهدٌ من حديث جابر عند الدَّراقطني (٢٧٢/١)، والحاكم
(٣٢٤/١)، والبيهقي (٢/ ١٠)، وقال الحاكم: هذا حديث يحتج برواته كلهم،
غير محمد بن سالم، فإنّي لا أعرفه بعدالةٍ ولا جرح، وتعقّبه الذهبي بقوله: هو
أبوسهل، واهٍ.
قال الألباني: وللحديث متابعةٌ أخرى فيها ضعف.
وبالجملة، فالحديثُ بطرِقِهِ الثلاثِ يرتقي إلى درجة الحسن، إن شاء الله.
* مفردات الحديث:
- الفاء: الفاء في ﴿فَأَيْنَمَا﴾ للاستئناف.
- أين: اسمُ شرطٍ جازمٌ، في محلِّ نصب ظرف مكان، متعلِّق بما بعده.
- ما : زائدة.
- تولُّوا: فعل الشرط، مجزومٌ بحذف النون، والواو فاعل.
- فثمَّ: الفاءُ رابطٌ لجواب الشرط. و((ثمّ): ظرفُ مكان، مبنيٌّ على الفتح، في
محل نصبٍ، متعلّقٌ بمحذوفٍ، خبرٌ مقدَّم.
(١) الترمذي (٣٤٥).

١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- أشكلت: أشكَلَ يُشْكِّلُ إشكالاً، أي: التَبَسَتْ علينا جهةُ القبلة، في تلك
الليلة المظلمة .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - إذا أشْكَلَتْ جهةُ القبلة على المسافر، وصلَّى، ثمَّ تبيَّنَ له خطؤه، فصلاته
صحيحة، سواءٌ علم بالخطأ في الوقت، أو بعده.
٢ - أنَّ استقبال القبلة شرطٌ من شرائط الصَّلاة، لا تصحُّ بدونه، سواءٌ أكانت
الصَّلاة فرضًا أو نفلاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ
وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٤].
٣- قال الشيخ تقي الدِّين: استقبالُ القبلة في الصلاة من العلم العامِّ عند كل
أحد، وأنَّه من شرائط صحَّة الصَّلاة.
قال ابن رشد: ما نُقِلَ بالتواتر، كاستقبال القبلة، وأنها الكعبة، لا يردُّه
إلاّ كافر.
٤ - قال العلماء: ومن قَرُبَ من الكعبة بأنْ أَمْكَنَهُ معاينتها، ففرضُهُ إصابةُ عينها،
وأمَّا من بَعُدَ عنها، ففرضُهُ استقبالُ جهتها .
قال في الإنصاف: البعد هنا هو بحيثُ لا يقدرُ على المعاينة، ولا على
من يخبرهِ بِعِلْمٍ، وليس المرادُ مسافةَ قصر ولا ما دونها .
٥ - تفسيرُ الآية الكريمة، قال ابن جرير: نزلتْ هذه الآية في قوم عَمِّيَتْ عليهم
القبلة، فصلَّوْا على أنحاء مختلفة؛ فقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلَّوْاْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١١٥].
٦ - علماء السلف أثبتوا لله تعالى جهة علوٍّ تليقُ بجلال الله وعظمته، ملاحظين في
ذلك انتفاءَ إحاطةِ شيء به سبحانه وتعالى؛ فهو جلَّ وعلا المحيطَ بكلِّ شيء.

١٧
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
١٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
بَّهِ: ((مَا بَيِّنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
: درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
أخرجه الترمذي، وابن ماجه، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح، وقد
قوَّه البخاري، ورجالُهُ كلُّهم ثقات.
مفردات الحديث:
- بين: كلمةُ تنصيف وتشريك، وهي ظرفٌ بمعنى وسط، فإنْ أُضيفَتْ إلى
ظرف الزمان، كانتْ ظرفَ زمان، كقولك: أتيتُكَ بين الظهر والعصر، وإذا
أُضيفَتْ إلى ظرفِ المكان، كانت ظرفَ مكان، تقول: داري بين دارك ودار
أخيك.
- القِبْلَة: بكسر القاف، وسكون الباء: هي الجهة، والمراد بها هنا: الكعبة
المُشَرَّفَةِ .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الجهات الرئيسةُ الأفقيّة أربعٌ: الشِّمَالُ، ويقابله الجنوب، والشَّرْقُ، ويقابله
الغرب، فما بين الشرق إلى الغرب (١٨٠) درجة، فهذه المسافة كلُّهَا قبلةٌ
لمن لم يشاهد الكعبة، وكذلك قَدْرُهَا من غير جهتها .
٢ - الحديثُ دليلٌ على أنَّ الواجب على من لم يشاهد الكعبةَ استقبالُ الجهة، لا
العين؛ فالحديثُ يدلُّ على أنَّ ما بين الجهتين قبلَةٌ، وأنَّ الجهة كافيةٌ في
(١) الترمذي (٣٤٤)، ابن ماجة (١٠١١).

١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الاستقبال.
٣- أمَّا مشاهدُ الكعبة، فقال العلماء في حكمه: وفرضُ مَنْ عايَنَ الكعبةَ إصابةٌ
عينها، بحيثُ لا يخرُجُ شيءٌ منه عن الكعبة، قال في الإنصاف: بلا نزاع،
وذلك كمَنْ في المسجد الحرام، أو كان خارجَهُ، وينظَرُ إليها .
٤- قال ابن القيِّم: الصوابُ: أنَّه مع كثرة البعد يكثُرُ المحاذي للعين؛ فإنَّ
الدائرة إذا عظمت اتسعَتْ جدًّا؛ فإنَّ التقوُّس لا يظهر في جوانب محيطها،
إلاَّ خفيفًا، فيكون الخط الطويل متقوِّسًا نحو نظره، وهذا لا يظهر للحس.
٥- ما ذكره الإمام ابن القيم مبنيٌّ على نظرية هندسية هي: ((محيط الدائرة
يتناسب تناسبًا طرديًّا، مع نصف القطر)) يعني: أنَّه كلَّما بعدت المسافة عن
الكعبة، زاد عدد المصلّين القاصدين نفس جهة القبلة ((الكعبة)).
٦ - استقبالُ القبلة شرطٌ لصحة الصلاة؛ فقد قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١١٥]، لكن
الاستقبال يسقط بأمورٍ، منها :
أوَّلاً: العجز: إذا عَجَزَ عن استقبال القبلة لمرضٍ أو ربطٍ، فيسقط عنه،
ويصلِّي حيث توجَّه؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]،
ومثل المريضِ والمربوطِ مَنْ كان في الطائرة، ولا يجدُ مكانًا يصلِّي فيه إلاّ
كرسيّه المتَّجه إلى غير القبلة، صلَّی حیث اتجاهه.
ثانيًا: الخائف: فإذا قاتَلَ العدوَّ أو هرَبَ منه أو من سيل أو غير ذلك،
ووجهتُهُ إلى غيرِ القبلة، صلَّى حسب ما توجه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ
فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، والخائف سواءٌ أكان راجلاً أو راكبًا،
سیتوجّه حیث مأمنه.
ثالثًا: النَّافلة في السفر: فإذا كان الإنسان سائرًا راجلاً أو راكبًا، فإنَّه
يصلِّي حيث توجّه؛ لحديث عامر بن ربيعة قال: ((رأيت النَِّي وَله يصلِّي على

١٩
كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة
راحلته حيث توجَّهَتْ به، ولم يصنعه في المكتوبة)) [رواه البخاري (١٠٩٣)
ومسلم (٧٠١)].
والمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه يلزمه الاستقبالُ عند تكبيرة
الإحرام بالدَّابّة أو بنفسه؛ لحديثَ أنس الَّذي في أبي داود.
والرِّواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنَّه لا يلزمه الاستقبالُ حتَّى عند
تكبيرة الإحرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك؛ لإطلاقِ الأحاديث
الصحيحة، أمَّا حديث أنس: فيحمل على الاستحباب.
قال ابن القيم: حديث أنس فيه نظر، فكلُّ من وصفوا صلاته بَّال على
راحلته، أطلقوا أنَّه كان يصلِّي عليها قِبَل أيِّ جهة توجّهت به، ولم يستثنوا
من ذلك تكبيرة الإحرام، ولا غيرها.
رابعًا: مذهبُ الإمام أحمد: جوازُ الصلاة على الرَّاحلة في السفر، ولو
قصيرًا، قال في المنتهى وشرحه: ((وتجوز الصَّلاةُ على الراحلة إلى غير
القبلة في النَّافلة، وفي السفر ولو كان قصيرًا، نصَّ عليه)).

٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٦٨ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِوَلَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ)) متَّفْقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ البُخَارِيُّ: ((يُومِىُ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي المَكْتُوبِ))(١).
وَلْأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَديثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((وَكَانَ إِذَا سَافَرَ
فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ القِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ
رِكَابِهِ)) وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ(٢).
: درجة الحديث:
حديث أنس حسن، فقد حسَّنه ابن حجر، والنووي في المجموع،
وصحَّحه ابن السكن وابن الملقِّن.
* مفردات الحديث:
- راحلته: يُقال: رَحَلَ يرحَلُ رحيلاً، من باب نفع، بمعنى: شَخُص وسار،
والرَّاحلة من الإبل: ما يرحل، سواء كانت ذكرًا أو أنثى، تسمى الرَّاحلة
والرحول، والهاء فيه للمبالغة لا التأنيث، جمعها رواحل.
- حيث: ظرف مكان، وهي مبنيةٌ على الضم، وهي مُلاَزِمَةٌ للإضافة إلى جملة،
اسمية كانت أو فعلية، والفعلية أكثر.
- حيث توجّهت به: أي: إلى أي جهة وجَّهت الدَّابة، صلَّى إلى القبلة أو
غيرها.
(١) البخاري (١٠٩٣، ١٠٩٧)، مسلم (٧٠١).
(٢) أبوداود (١٢٢٥).