Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
١٤٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((صَلَّيْتُ
مَعَ النَّبِّ ◌َّهِ العِيْدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ)) رَوَاهُ
مُسْلِمُ(١) وَنَحْوُهُ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -
وَغَيْرِهِ(٢).
* مفردات الحديث:
- سَمُرة: بفتح السين، وضم الميم، ابن جُنْدُب، وجابرٌ: صحابيُّ جليلٌ حليفٌ
للأنصار.
- غير مرَّة ولا مرَّتين: التحديد بالمرَّة والمرَّتين غير مرادٍ: وإنَّما المراد أنَّ ذلك
کثیر .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- أنَّ صلاة العيد، سواء الفطر أو الأضحى، لا يشرَعُ لها أذانٌ ولا إقامة، وهو
كالإجماع بين العلماء.
٢- قال ابن القيِّم في الهدي: ((كانَ وَّ إذا انتهى إلى المصلّى في صلاة العيد،
صلَّى من غير أذانٍ ولا إقامةٍ، ولا قولِ: ((الصلاة جامعة))، فالسنَّةُ أَنْ لا يُفْعَلَ
شيء من ذلك)).
٣- الحكمةُ في عدم الأذان للعيدَيْن - والله أعلم - أنَّ دخولَ وقتهما يشتهرُ بثبوتٍ
دخولهما، وأنَّ وقتهما محدَّدٌ ومعلوم.
والأذانُ الغرضُ منه الإعلامُ بدخول الوقت، وهنا النَّاسُ ليسوا بحاجةٍ
(١) مسلم (٨٨٧).
(٢) البخاري (٩٦٠)، مسلم (٨٨٦).

٥٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
إلى الإعلام بدخول الوقت، وليسوا في حالِ غفلةٍ عن الصلاةِ ووقتها .
٤ - الأذانُ والإقامةُ لا يشرعان لغير الصلوات الخَمْس المكتوبة، فلا يشرعان لا
النافلة، ولا جنازة، ولا عيد، ولا استسقاء، ولا كسوف.
قال النووي: لا يشرعان لغير المكتوباتِ الخمس، وبه قال جمهور
العلماء من السلف والخلف.

٥٢٣
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
١٤٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - في الحَدِيْثِ الطَّوِيْلِ
فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلاَةِ: ((ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ فَصَلَّى الشَّبِيُّ ◌َ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ
كُلَّ يَوْمٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
﴿َّ أَتَى المُزْدَلِفَةَ
ولهُ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ
فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وإِقَامَتَیْنِ))(٢).
وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((جَمَعَ النَّبِيُّ ◌َّهُ بَيِّنَ
المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدةٍ»، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: ((لِكُلِّ صَلاَةٍ))، وفي
روايةٍ لَهُ: ((وَلَمْ يُنَدِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا))(٣).
* مفردات الحديث:
- في نومهم عن الصلاة: هي صلاةُ الفجر، حين رجوعهم من غزوة خيبر.
- المزدلفة: هي إحدى مشاعر الحج، وهي واقعةٌ بين وادي محسِّر ومأزمي
عرفة، فوادي محسِّر غربها، والمأزمان شرقها، سمِّيت مزدلفة؛ لازدلاف
الحجاج بها من عرفات إلى منى، وهي مبيت الحجاج ليلة عيد النحر.
وسيأتي بيانها في الحج، إن شاء الله تعالى.
- ولم يناد: النِّداء - هنا - يراد به: الأذان الشرعي.
(١) مسلم (٦٨١).
(٢) مسلم (٨٩١/٢).
(٣) مسلم (١٢٨٨)، أبوداود (١٩٢٨).

٥٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة بنَوْم، ومثلها المنسيَّة، فيؤذّن لها
ويُقام؛ لأنَّها ليست قضاء، وإنَّما هي أداءٌ؛ لَحديث: ((من نام عن صلاةً أو
نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها، لا كفَّارة لها إلاَّ ذلك)) [رواه البخاري (٥٩٧)،
ومسلم (٦٨٤)]، ولمسلم (٦٨٤) من حديث أبي هريرة، عن النَّبِي ◌ِّ
قال: ((من نسيَ صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإنَّ الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
لِذِكْرِىّ !
.((*
٢ - في حديث جابرٍ دليلٌ على أنَّ الصلاتَيْن المجموعتَيْن في وقتٍ واحدٍ لهما
أذانٌ واحدٌ وإقامتان، لكلِّ صلاةٍ إقامةٌ، هذا هو الرَّاجحُ من الروايات،
وسيأتي الخلاف.
٣- فيه دليلٌ على أنَّ صلاة الليل إذا قُضِيَتْ في النَّهار أنْ يجهر فيها بالقراءة؛ فإنَّ
القضاء يحكي الأداء في أغلبٍ صوره، ولقوله في الحديث: ((فصلَّى النَّبِي
﴿ٍَّ﴿ كما كان يصنع كلَّ يومٍ)) .
ومثله صلاةُ النهار تصلَّی بالليل، کما تصلَّی بالنهار.
٤- وفيه دليلٌ على أنَّ النائم عن الصلاة معذورٌ، مالم يتخذ النومَ عادةً له، يفوّت
عليه الصلاة في وقتها.
٥ - وفيه دليلٌ على أنَّ الصلاة المقضيّة، تشرعُ لها الجماعة؛ كالمؤدّة.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الأذانِ والإقامةِ لصلاتي المغرب والعشاء،
المجموعتَيْنِ ليلة المزدلفة:
فذهب الحنفية: إلى أنَّهما تصلَّيان بأذانٍ واحدٍ، وإقامةٍ واحدة.
وذهب بعضهم، ومنهم سفيان الثوري: إلى أنَّهما تصليان بإقامةٍ واحدة
بدون أذان.

٥٢٥
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
وذهب بعضهم، ومنهم مالك: إلى أنَّهما تصليان بأذانين، وإقامتين.
وذهب بعضهم، ومنهم إسحاق بن راهويه: إلى أنَّهما تصلِّیان بإقامتين،
بدون أذان .
وذهب بعضهم، ومنهم الشافعي وأحمد: إلى أنَّهما تصلَیان بأذانٍ واحدٍ،
وإقامتین .
وسبب الاختلاف: تعدُّد الروايات، وبما أنَّه خلافٌ على واقعة واحدة،
فإنَّ ابن القيِّم وأمثاله من المحقّقين حكموا على متون هذه الروايات
بالاضطراب، وصحَّحوا رواية جابر الَّذي تتبّع حجَّة النَّبِي وَلَّ من أوَّلها إلى
آخرها، ورواية جابر هو أنَّه ◌َّهِ صلَّهما بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، وهذا هو مذهب
الإمامين الشَّافعي وأحمد، رحمهما الله تعالى.
واختلفوا في حكم الجمع إذا وصَلَ مزدلفة قبل دخول العشاء:
فالمشهورُ من مذهب الإمام أحمد: أنَّه يصلِّي كلَّ صلاةٍ في وقتها؛ لأَنَّ
عذره في الجمع زال.
وذهب بعضهم: إلى أنَّه يؤخّر المغرب حتَّى يدخُلَ وقت العشاء؛ ليجمع
بينهما، تحقيقًا للجمع المشروع في هذه الليلة.
وذهب بعضهم: إلى أنَّهَ يصلِّيهما جمعًا متى وصل، سواءٌ في وقت
المغرب أو بعد دخول وقت العشاء، وهذا هو الأرجحُ؛ لأنَّه حصَلَ الجمعُ
المراد، وحصَلَ به الصلاةُ من حين الوصول.

٥٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالاَ: قَالَ
رَسُوْلُ اللهِوَلَّهِ: ((إِنَّ بِلاَلاَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ
أُمِّ مَكْتُوْمٍ، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَىْ لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ،
أَصْبَحْتَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِهِ إِذْراجٌ(١).
* مفردات الحديث:
- فكلوا واشربوا: أي: السحور، إنْ أردتم الصيام.
- ينادي: أي: يؤذَّن، كما في رواية الطحاوي، ومعناهما واحد، فالأذان: هو
النِّداء؛ قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾
[الجمعة: ٩].
قال في المصباح: النِّداء، بكسر النون أكثر من ضمِّها، وبالمد فيهما
أكثر من القصر.
- بليل: الباء للظرفية، أي: في ليل، والمرادُ به قبيل الفجر؛ حيثُ بيَّته رواية
البخاري: ((لم يكنْ بينهما إلاَّ أنْ یَرْقَى هذا، وینزل هذا)).
- أصبحت أصبحت: أي: دخلْتَ في وقت الصباح؛ فقد جاء في رواية
البيهقي: ((ولم يكن يؤذِّن حتَّى ينظر النَّاس إلى بزوغ الفجر)).
واختلف في اسم ابن أمِّ مكتوم، والأكثر: أنَّه عَمرو، وهو قرشيٍّ عامريٌّ،
وأُّه من بني مخزوم، وهو من المهاجرين الأوَّلين، وهو الّذي نزل في قصَّته
أوَّل سورة عبس .
(١) البخاري (٦١٧)، مسلم (١٠٩٢).

٥٢٧
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جواز اتخاذ مُؤَذِّنَيْنِ لمسجدٍ واحدٍ، ويستحبُّ تعاقبهما في الأذان.
٢ - مشروعية أنْ يؤذُّن كل واحدٍ منهما في وقتٍ خاصٍّ معلوم؛ ليعلم وقت أذان
هذا من أذان الآخر .
٣- استحبابُ أنْ يكونَ الأذانُ على مكانٍ عالٍ؛ لقوله في بعض ألفاظ الحديث:
«فما كان بينهما إلاّ أنْ يصعد هذا، وينزل هذا)).
٤ - جوازٌ أذان الأعمَى، إذا وُجِدَ مَنْ يُخْبِره بدخول وقت الأذان.
٥ - جوازُ الأذانِ لصلاة الصبح قبل وقتها، فأصحابنا الحنابلةُ أجازوه من بعد
نصف الليل، ولكن رواية البخاري (١٩١٩) لهذا الحديثِ لا تُثْبِتُ ذلك؛
فإنَّ نص الرِّواية: ((ولم يكنْ بينهما إلاَّ أنْ يرقى هذا، وينزل هذا)).
وعند الطحاوي بلفظ: ((إلاَّ أنْ يصعد هذا، وينزل هذا)).
وللعلماء في دخول وقت الأذان للصبح من الليل ستَّة أقوال، والأفضل:
الاقتصار على الوارد أو قربه بقليل؛ فيكون في السحر قبيل طلوع الفجر،
وعليه يدل الحديث، واختاره من الشَّافعية البغوي، ومال إليه من الحنابلة
الموفَّق ابن قدامة .
٦ - جوازُ الأكل والشرب لمريدِ الصيام حتَّى يتبيَّن الصبح؛ فإنَّ أذان بلال الَّذي
يتقدَّم الصبح بقليل، لم يكن أذانهَ مُحَرِّمًا للطعام على الصائم؛ قال تعالى:
وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:
١٨٧].
٧- وفيه دليلٌ على أنَّ مريد الصوم لو أكلَ ظانًا بقاءَ الليل، ثمَّ تبيَّن أنَّه أكلَ بعد
طلوع الفجر: لا قضاءَ عليه، وَلا إِثْمَ عليه؛ لأنَّه مأذونٌ له، وما ترتّب على
المأذون جائزٌ .
٨- إذا كان للمسجدِ الواحدِ مؤذِّنان، وأذَّنا للصبح، فالواجبُ أنْ يكون أذان

٥٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الأخير منهما مع طلوع الفجر؛ حتَّى يكون في أذانه الإعلامُ بالكفِّ عن
المفطِّرات لمريد الصيام، والإعلام بدخولِ وقت الصلاة.
٩ - الحديثُ فيه إدراج، وهو من قوله: ((وكان رجلاً ... إلخ)) قيل: من كلام ابن
عمر، وقيل: من كلام الزهري.
١٠ - قوله: ((إنَّ بلالاً يؤذِّن بليل)» يقتضي أنَّ هذه كانتْ طريقتَهُ وعادتَهُ دائمًا .
١١ - الأذان للصبح قبل الوقت مناسب؛ ذلك لأنَّ النَّاس في حالة نوم، ولو لم
يؤذَّن إلاّ بعد أن يطلع الفجر، لَمَا تمكَّنوا من الاجتماع في المسجد
للصلاة، إلاّ بعد فوات أوَّلِ الوقت، فَشُرِعَ الأذانُ ليلاً لهذه الغاية.
١٢ - فيه دليلٌ على صحّة العمل بِخَبَرِ الواحد.

٥٢٩
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
١٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ((أَنَّ بِلاَلاً أَذَّنَ قَبْلَ
الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيْنَادِيَ: أَلاَ إِنَّ العَبْدَ نَامَ)) رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيفٌٌ، وله روايتان:
إحداهما: الَّتي ساقها المؤلِّف من أنَّ الَّذي أذَّن قبل الفجر هو بلال،
مؤذِّنُ رسول الله وَلّهِ. رواه أبوداود، والترمذي، وابن المديني، وقد ضعفوها.
الثانية: أنَّ الَّذي بادَرَ بالأذان هو مسروح، مؤذِّن عمر، ورجَّحَهَا أبوداود؛
وهو الصواب.
* مفردات الحديث:
- ألاَ: يؤتَى بها لاستفتاح الكلام، ويُراد بها - في مثل هذا - تنبيهُ السَّامع إلى ما
يُلْقَى إلیه من الكلام، كما هو المراد هنا.
- إنَّ العبد نام: أي: غَفَلَ عن الوقت بسبب النعاس، والمقصودُ: إعلام النَّاس
بالخطأ، وبلال - رضي الله عنه - أصله مولى لأبي بكر الصديق وأعتقه، فكان
عمر بن الخطاب يقول: أبوبكر سَيِّدُنا، وأعتق سَيِّدَنا، يعني: بلالاً.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدلُّ الحديثُ على أنَّ الأذان لصلاة الصبح لا يصحُّ إلاّ بعد طلوع الفجر،
وأنَّ المؤذِّن إِذَا أخطأ فأذَّن قبل الصبح، عليه أنْ يعود فينبِّه النَّاس إلى خطئه؛
(١) أبوداود (٥٣٢).

٥٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وهكذا وقع لبلال لمَّا أذَّن قبل الصبح.
٢- هذا الحديثُ هو دليلُ الحنفية في أنَّ الأذانَ لا يصحُّ إلاّ بعد دخول الوقت،
ومن ذلك صلاةُ الصبح؛ فلا يؤذَّن لها قبل وقتها بطلوع الفجر.
٣- جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة - أجازوا الأذانَ لصلاةِ الصبح قبل
طلوع الفجر، وَحَمَلُوا هذا الحديثَ على أنَّه وَقَعَ قبل أنْ يشرع الأذان الأوَّل
لصلاة الصبح.
٤- إذا لم يمكنْ حملُ هذا الحديث على أحد المحامل الوجيهة، فإنَّه لا يقاوم
الأحاديثَ الصحيحةَ التي تجيزُ الأذانَ لصلاةِ الصبح من الليل، ومنها:
( أ): ما جاء في البخاري (٦٢١) ومسلم (١٠٩٣) من حديث ابن
مسعود؛ أنَّ النَّبِي ◌ِّ قال: ((لا يمنعنَّ أحدَكُمْ أذانُ بلال من سحوره؛ فإنَّه
يؤذِّن بلیل)).
(ب): ما في البخاري (٦٢٣) ومسلم (١٠٩٢) من حديث عائشة - رضي
الله عنها - أنَّ النَّبِيِ نَّ قال: ((إنَّ بلالاً يؤذِّن بليل، فكُلُوا واشربوا حتَّى يؤذِّن
ابن أُمّ مكتوم».
وحديث الباب إنْ صحَّ، فهو موقوفٌ على عمر بن الخطاب، فهو الَّذي
وقع له ذلك مع مؤذِّنه، وأنَّ حمَّادًا انفرد به.
قال ذلك حفَّاظ الحديث وأئمة المسلمين؛ أمثال أحمد بن حنبل،
والبخاري، والترمذي، وأبي حاتم، والذهلي، وغيرهم.
قال البيهقي: الأذان للصبح بالليل ثابت عند أهل العلم بالحديث،
والأحاديثُ الصحاحُ أولَى بالقبول من هذا الحديث.

٥٣١)
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
١٥٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُوْلُ اللهِ وَسِهِ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ: فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُوْلُ المُؤَذِّنُ))
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَّةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِثْلُهُ(٢).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي فَضْلِ القَوْلِ كَمَا يَقُوْلُ
المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً سِوَى الحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُوْلُ: ((لاَحَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)(٣).
* مفردات الحديث:
٠
- الحيعلتين: تثنية حَيْعَلَة، وهي كلمةٌ منحوتة من ((حي على الصلاة)) و((حي
على الفلاح)) ونَحْتُ الكلمة: أخذها وتركيبها من كلمتَيْن أو كلمات، كما
يُقال: بَسْمَلَ من ((باسم الله))، وَحَمْدَلَ من ((الحمدلله))، وهكذا.
- مثل ما يقول المؤذِّن: ((مثل)) منصوبٌ على أنَّه صفة لمصدرٍ محذوف، أي:
قولوا قولاً مِثْلَ ما يقول المؤذِّن، وكلمة ((ما)) موصولة، والمِثْلُ هو النظير.
- حول: الحول: القدرة على التصرُّف، والمعنى: لا تحوّل عن معصية الله إلى
طاعته إلاَّ به.
- قوَّة: أي: طاقة.
- لا حول ولا قوَّة إلاّ بالله: يجوز في إعرابها خمسة أوجه، أفضلها فتحهما بلا
(١) البخاري (٦١١)، مسلم (٣٨٣).
(٢) البخاري (٦١٢).
مسلم (٣٨٥).
(٣)

٥٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
تنوين، ومعناها: لا حركة ولا استطاعة إلاَّ بمشيئة الله، وهذا المعنى هو
المناسبُ في هذا المقام، وتسمَّى ((الحوقلة))؛ فالحاء والواو من الحول،
والقاف من القوّة، والَّلام من اسم الله .
ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ إجابة المؤذِّن بمثل ما يقولُ في جُمَل الأذان، سوى الحيعلتين.
٢ - الإجابة في الحيعلتين تكونُ بـ((لا حول ولا قوَّة إلاّ بالله)).
٣- الإجابةُ بهذه الطريقة في غاية الحسن والمناسبة؛ فألفاظُ الأذان بالذكر تكون
من السامع والمجيبُ بالذكر مثلُ المؤذِّن، وأمَّا في النِّداء إلى حضور الصلاة
بـ((حي على الصلاة، وحي على الفلاح))، فالمناسبُ التبرِّى من الحول
والقوّة على ذلك، والاستعانةُ بالله تعالى على المهمَّة التي يدعو إليها المؤذِّن
وینادي لها .
٤ - حديثُ أبي سعيد أن القول مثلُ قول المؤذِّن في جميع جُمَل الأذان،
وحديثُ عمر أنَّ السَّامع يقول عند ((حي على الصلاة، وحي على الفلاح)):
((لا حول ولا قوّة إلاّ بالله)):
فمَنْ ذهَبَ مذهبَ الترجيح، أخذ بعموم حديث أبي سعيد؛ لأَنَّه أصح.
ومن ذهب مذهب الجمع، حَمَلَ العامّ على الخاص، وعمل بالحدیثین،
وهو الاقتصارُ على الحيعلة، وهو مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم المالكية
والحنابلة، وهذا هو الأولى؛ عملاً بنصوص السنة كلِّها.
٥- فضل الله تعالى ورحمته على عباده، فالأذان عبادةٌ جليلةٌ، ولن يدركها
ويدرك فضلها كلُّ أحد، فعوِّض من لم يؤذِّن بالإجابة؛ ليحصُلَ على أجر
الإجابة، وسيأتي بيانها، إن شاء الله تعالى.
٦- قوله: ((كلمةً كلمةً)) فيه استحبابُ المتابعة، فيقولُ المجيبُ الجملةَ بعد
المؤذِّن لا معه؛ فقد روى النسائي في الكبرى (١٤/٦) عن أمِّ سلمة: ((أنَّه
٠٫٠٠

٥٣٣
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
مَل* كان يقول كما يقول المؤذِّن حین یسکت)).
٧- قال العلماء: لو لم يجاوبه حتَّى فرَغَ من الأذان، استُحِبَّ له التدارُكُ إنْ لم
يَطُلِ الفصلُ، فإنْ طال، فإنَّها سنَّة فاتَ محلُّهَا .
٨- جمهورُ العلماء على أنَّ إجابةَ المؤذِّن سنَّةٌ مستحبة، وليست بواجبة؛ لما
روى مسلم (٣٨٢) أَنَّ النَّبِي ◌ِّهِ سمع مؤذِّنَا، فلمَّا كَبَّر، قال: ((على
الفطرة»، فلمَّا تشهَّد، قال: ((خرجت من النَّار))؛ فلو كانت واجبة، لقال مثل
ما يقول .
وذهب فريقٌ من الحنفية والظاهرية: إلى أنَّها واجبة، وفريقٌ آخر من
الحنفية: لا يرون الوجوب بل الاستحباب؛ كقول الجمهور، وهو الرَّاجح
من القولين، والله أعلم.
٩ - أمَّا إجابةُ المقیم بمثل ما يقول، فقد جاء فيه ما روى أبوداود (٥٢٨) عن
بعض أصحاب النَّبِي وَلّ؛ أنَّ بلالاً أخذ في الإقامة، فلمّا قال: قد قامت
الصلاة، قال النَّبِي بَله: (أقامها الله وأدامها))، وقال في سائر ألفاظ الإقامة
كنحو حديثٍ عمر في الأذان؛ ولكنَّه ضعيف.
١٠ - لا تكره متابعة المؤذِّن في حالٍ من الأحوال، ولا وَقْتٍ من الأوقات، إلاَّ
في حالٍ نَهَى الشرعُ عن الذكر فيها .

٥٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٥٣ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((يَا
رَسُوْلَ اللهِ! اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدٍ بِأَضْعَفِهِمْ،
وَأَنَّخِذْ مُؤَذِّنَا لاَ يَأْخُذُ عَلَىْ أَذَانِهِ أَجْرًا)) أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ
وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
أخرجه الخمسة، وحسَّنَه الترمذي، وصحَّحه الحاكم وابن خزيمة .
قال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه مسلم في
صحيحه من طريق أخرى، دون قوله: ((واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا)).
ولكن رواه بهذه الزيادة أبو عوانة في صحيحه، ولهذه الزيادة طريق ثالثة
صحّحها الترمذي.
* مفردات الحديث:
- اقتد بأضعفهم: أي: لاَحِظْ أضعفَهم في تخفيف الصلاة.
- أجرًا: يعني: أجرة دنيوية على أذانه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قَدِمَ عَلَى النَّبِيِ نَّهِ في المدينة وَفْدُ ثَقيف، قادمين من الطَّائف سنةً تسع من
الهجرة، فضرَبَ لهم النَّبِي ◌ََّ في قبَّةً في ناحية المسجد؛ ليسمعوا القرآن،
وكان معهم عثمان بن أبي العاص الثقفي - وهو أصغرهم سنًّا - فكان في تلك
(١) أحمد (٢١/٤)، أبوداود (٥٣١)، الترمذي (٢٠٩)، النسائي (٢٣/٢)، ابن ماجة (٧١٤)،
الحاكم (١٩٩/١).

٥٣٥
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
الفترة يلازم النَّبِي وَله ويستقرئه القرآن، فحفظ شيئًا كثيرًا من القرآن، فكان
أعلمَهُمْ بكتابِ الله وبسنَّة رسول الله وَّةٍ، فلمَّا رأى النَّبيُّ وَلّل حرصه على
الخير وصلاحه، جعله أميرًا عليهم وعلى الطائف .
٢ - طلب من النَّبِي وَّ أنْ يكونَ إمامًا لقومه في الصلاة، فجعله إمامًا، فقال:
((أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم)) .
٣- هذا الطلبُ ليس مِنْ طلبِ الولاية المذموم، الَّذي يرادُ به الاستعلاءُ على
النَّاس، وطَلَبُ الجاهِ والمنصب، وإنَّما طلب هذه الولاية ليحصُلَ له أجرها
وثوابها؛ فبهذا يكون الطلبُ وجيهًا محمودًا.
٤- إذا كَانَ الإنسانُ يعلَمُ من نفسه الكفاءةَ والقُدْرَةَ على العمل، وأنَّ غيره لا
يقومُ مقامه ولا يَسُدُّ مكانه، فيتعيَّن عليه الطلب؛ لكونه فَرْضَ عين عليه،
ومن ذلك طَلَبُ يوسف - عليه السلام - الولايةَ بقوله: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ
[یوسف]؛ فإنَّه رأی اقتصاد مصر متردیًا، ورأى
اُلْأَرْضِّ إِنِّي حَفِيظُ عَلِيمٌ
٥٥
في نفسه قوَّةً وقدرةً على إصلاحه وحفظه، فطلبه لهذه الغاية الشريفة .
٥- يستحبُّ للإمام مراعاةُ حال الضعفاء والمسنِّين والعجزة؛ فلا يشقُّ عليهم
بطولِ الصلاة، وطولِ الانتظار لها، وإنَّما يراعي حال الضَّعَفَة والعاجزين.
٦ - اختيار المؤذِّن الأمين، الَّذي يؤذِّن لوجه الله تعالى وطَلَبٍ ثوابه، لا الرَّجل
الَّذي لا يؤذِّن إلاَّ لأجل عرضٍ من الدنيا، فهذه عبادةٌ جليلةٌ لا يفرّط في
ثوابها لأجل الدنيا، أمَّا إذا أخذ الجُعَالةَ والرِّزْقَ من بيت المال، أو من
الأوقاف الخيرية على العمل الديني، فلا بأس؛ لأنَّ مَنْ أراد القيام به لا
يتمكَّن من ذلك إلاَّ بهذا المرتَب؛ ليقومَ بنفقة نفسه، ونفقةٍ مَنْ يعول، وهذا
هو مذهب جمهور العلماء.

٥٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٥٤ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
لَنَا الَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ... ))
الحَدِيْثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١).
* مفردات الحديث:
- حضرت الصلاة: يعني: دخل وقتها.
- فليؤذِّن: الَّلام لام الأمر، والفعل بعدها مجزوم بها.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوبُ الأذان، وأنَّه من الفروضِ الواجبة على المسلمين؛ فهو من شعائر
الدِّين الظاهرة، التي يُقَاتَلُ مَنْ تركها.
فقد روى البخاري عن أنسٍ قَالَ: ((كان رسولُ الله ◌َ﴿ إذا غزا بنا قومًا، لم
يكن يُغِيْرُ بنا حتَّى يصبح، وينظر، فإذا سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإنْ لم يسمع
أذانًا أغار عليهم))، فالأذان شعار الإسلام.
٢ - أنَّ الأذانَ فرضُ كفاية، إذا قام به مَنْ يكفي، سقط عن الباقين، وإلاّ أثموا
جميعًا، وهذه قاعدةُ فروض الكفايات كلِّها.
٣- إطلاقُ الحديث بأذان أحد الحاضرين مقيّدٌ بالنصوص الأُخر، من بيان
الصفاتِ المطلوبة في المؤذِّن، منها :
(أ) قوله وَّله لعبد الله بن زيد: ((ألقه إلى بلال؛ فإنَّه أندى منك صوتًا))
[رواه أبوداود (٤٩٩)].
(١) البخاري (٦٢٨)، مسلم (٦٧٤)، أحمد (٤٣٦/٣)، أبوداود (٥٨٩)، الترمذي (٢٠٥)،
النسائي (٩/٢)، ابن ماجة (٩٧٩).

٥٣٧
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
(ب) وقوله وَ له: ((وانَّخِذْ مؤذّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا)) [رواه أبوداود
(٥٣١)، والترمذي (١٥٥)].
(ج) وقوله وَله: ((المؤذِّنُ مؤتَمَنٌ)) [رواه أبوداود (٥١٧)، والنسائي
(٢٠٧)].
(د) ((أَنَّ النَّبِ نَ ◌ّ سَمِعَ أذانَ أبي محذورة، فأعجبهُ صوتُهُ فعلَّمه الأذان)»
[رواه ابن خزيمة (٣٧٧)].
وهكذا من ذكر الصفات التي تُطْلَبُ في المؤذِّن.
٤- اشتراطُ الإسلام في المؤذِّن، فلا يصحُّ من كافر؛ لقوله: ((وليؤذّن لكم
أحدكم)).
٥ - أنَّ الأذان لا يصحُّ إلاَّ إذا حضرتِ الصلاة بدخول وقتها، وتقدَّم استثناء صلاة
الصبح بالأحاديث الصحيحة.
٦ - وجوبُ رفع الصوت في الأذان؛ لأنَّ المقصود إعلام النَّاس بدخول الوقت.

٥٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٥٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلِ قَالَ
لِبِلاَلٍ: ((إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ
وَإِقَامَتِكَ مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ ... )) الحَدِيْثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَضَعَّفَهُ(١)
* درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ.
قال الترمذي: لا نعرفه إلاّ من حدیث عبدالمنعم، وهو إسناد مجهول،
كما ضعَّفه البيهقي (٤٢٨/١) وابن عدي، وله شاهد من حديث أبي هريرة،
وأخرجه أبوالشيخ من حديث سليمان، ومن حديث أَبَيّ بن كعب عند عبدالله
ابن الإمام أحمد، وكلها واهية .
لكن رُوِيَ هذا المعنَىُّ من كلام عمر وابنه عبدالله - رضي الله عنهما - كما
في مصنف ابن أبي شيبة .
وقال الصنعاني: إلاَّ أنَّه يقوِّي رواياتٍ هذا الحديث المعنى الَّذي شُرِعَ له
الأذان.
* مفردات الحديث:
- ترسَّل: أي: تمهَّل، ورتِّل ألفاظَ الأذان، ولا تسردها.
- احْدُر: بالحاء والدَّال المهملتين، والدَّال المضمومة، فراء، والحَدْرُ:
الإسراع في الإقامة.
- فرغ: فَرَغَ يَفْرُغُ - من باب قعد - فراغًا، يقال: فَرَغَ من الشيء: أتمَّه، والمراد
(١) الترمذي (١٩٥).

٥٣٩
كتاب الصلاة - باب الأذان والإقامة
هنا : انتهى من أكله.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحبابُ الترسُّل، والتمهُّل، والترتيل في أداء الأذان؛ ليسمع البعيد.
٢- أمَّا الإقامة فالأفضلُ الحدر بها وإرسالُهَا مسرعًا بها؛ لأنَّها لإعلام الحاضرين
بإقامة الصَّلاة، فلا يحتاجون ما يحتاجُ إلیه البعيد.
٣- الأذانُ هو إعلامُ النَّاس بدخول الصَّلاة، ودعوتُهُمْ إلى الحضور؛ فالأفضلُ
أنْ يُجْعَلَ بين الأذانِ وإقامةِ الصلاةِ وقْتٌ يستعدُّون فيه للحضور، ويَفْرُغون
من أعمالهم، التي بدأ الأذان وهم قائمون بها، من أكلٍ ولبسٍ وطهارةٍ
ونحوها؛ لقوله وَله: ((اجعل بين أذانك وإِقامتك مقدار ما يَفْرُغُ الآكل من
أکله)) .
٤ - كما أنَّ المستحبَّ أنْ لا يطيل الانتظار ما بين الأذان وقبل الصلاة، فيشق على
الحاضرين.
٥- في البخاري (٦٠٣) ومسلم (٣٧٨): ((أُمِرَ بلالٌ أنْ يشفع الأذان، ويوتر
الإقامة، إلاّ قد قامت الصلاة)).
قال الترمذي: هو قول أكثر العلماء.
وشَفْعُ الأذان، وإيتار الإقامة: هو المتواتر في الجملة، والحكمةُ في
تكرير الأذان وإفراد الإقامة: أنَّ الأذان لإعلام الغائبين، فاحتيج إلى
التكرير؛ بخلاف الإقامة: فإنَّها لإعلام الحاضرين؛ فلا حاجة إلى تكرير
ألفاظها .

٥٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٥٦ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ:
((لاَ يُؤَذِّنُ إِلَّ مُتَوَضِىءٌ)) وَضَعَّفَهُ أيضًا (١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف.
ضُعَّفَ هذا الحديثُ بالانقطاع بين الزهري وأبي هريرة؛ كما أنَّ الراوي
عن الزهري ضعيف، ورواه الترمذي، عن يونس، عن الزهري، عنه موقوفًا،
وقال: هذا أصح.
* مفردات الحديث:
- إلَّ متوضِّىء: يتعيَّن في ((متوضِّىء)) الرَّفع على أنَّه بَدَلٌ من المستثنى منه، وهو
فاعل مقدَّر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ظاهرُ الحديثِ اشتراطُ الطهارة للأذان، لكنْ حمله الجمهور على الاستحباب،
دون الوجوب.
٢ - الحكمة في مشروعية الطهارة للأذان أمران:
الأوَّل: لاتصاله بالصلاة؛ فإنَّ تمام الحديث عن ابن عبَّاس - رضي الله
عنهما - أنَّ النَّبِيِ نَّهِ قال: ((إنَّ الأذان متصلٌ بالصَّلاة؛ فلا يؤذِّن أحدكم إلاّ
وهو طاهر)) من باب الاستعداد لها بشرطها.
الثَّانِي: أنَّ الأذان عبادةٌ ينبغي الإتيان بها على طهارة، لا سيَّما العبادة
المتعلّقة بالصَّلاة.
(١) الترمذي (٢٠٠).