Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الطهارة - باب الحيض ٢ - ولا يصح أنْ تطوف؛ لحديث: ((الطوافُ بالبيت صلاة)). ٣- مَنْعُها من قراءة القرآن؛ لحديث ابن عمر: ((ولا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن)). ٤- لا تمسُّ المصحف؛ لحديث عمرو بن حزم: ((ولا يَمَسّ المصحفَ إلاَّ طاهر)) . * فائدة (٢): بيان قول من جوَّز قراة القرآن ومسّه للحائض للتعلُّم والتعليم: ذهب المالكية في الصحيح عندهم: إلى جواز مَسِّ المصحف للحائض، وقراءَتِهَا للقرآن في حال التعلُّم والتعليم، ولهم في ذلك أدلَّة، وفي هذا القول تيسيرٌ على المتعلُّمات والمعلِّمات في مدارس تحفيظ القرآن، وحتَّى لا يُنْسَى القرآن الكريم ممَّن حفظته منهنَّ، وخاصَّةً أيَّام النِّفاس، ومن يطول حيضها، وهذا هو مذهبُ البخاريِّ، والطبري، وابن المنذر، وداود، والشعبي، ومذهب الشَّافعي القديم، ورواية عن أحمد، وقد أخذ بهذا القول كثيرٌ من علماء العصر . ٤٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا جَثْنَا سَرَفَ حِضْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوْفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)) مُنَّفَقٌ عَلَيْهِ، في حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ (١). * مفردات الحديث: - سَرِف: بفتحِ السين المهملة، ثمَّ راء مهملة مكسورة، ثمَّ فاء موحّدة: اسمٌ لا ينصرف للعَلَمِيَّة والتأنيث. وهو وادٍ يبعد عن حد الحرم من جهة التنعيم بنحو عشر كيلومترات، وعن مكَّة المسجد الحرام بثمانية عشر كيلومتر، يمر به طريق مكة - المدينة، فهو بين مكَّة وبين واد الجموم (مر الظهران)، وهو ما يعرف الآن بالنَّوَّارية. - حِضْتُ: بكسر الحاء؛ لأَنَّه إِذَا أُسند الماضي الأجوف الثلاثي المجرَّد إلى ضمير الرفع، وكان يائيًّا، كُسِرَ أوله، نحو قول المرأة: حِضْتُ، والنساء حِضْنَ؛ ذلك أنَّ أصله حَيَضْتُ - بالتحريك - قلبت الياء ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألفُ لالتقاء الساكنين، فصار حَضْتُ - بالفتح - ثُمَّ أُبدلت الفتحة كسرة؛ لتدل على الياء المحذوفة. - غير ألاَّ تطوفي: بنصب ((غير))، و((ألاَ)) بالتشديد أصله ((أنْ لا)). - غير: بمعنى سِوَى، إلاَّ أنَّها تختلف عنها ببعض الأمور، وهي اسمٌ ملازم للإضافة، وتنقطع عنها إنْ فُهِمَ معناها، ولا تتعرَّف بالإضافة؛ لشدة إبهامها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كانت عائشة مُخْرِمةً بالعمرة متمتِّعة بها إلى الحج، وذلك في حجة الوداع، (١) البخاري (٣٠٥)، مسلم (١٢١١). ٤٦٣ كتاب الطهارة - باب الحيض فأصابها الحيض بِسَرِف، وادٍ يبعد عن المسجد الحرام بثمانية عشر كيلومتر طريق المدينة - مكة. ٢ - فأدخلَتْ حجَّها على عمرتها، وصارتْ قارنةً؛ لأنَّها لم تتمكَّن من طواف العمرة والتحلُّل منها؛ من أجل حيضتها. ٣- جوازُ إتيان الحائض بجميع شعائر الحج، من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، لو سبق أنْ طَافَتْ قبل الحيض، وصحةُ ذلك منها، حيث لا يشترطُ لها الطهارة، وهو إجماعٌ. ٤- تحريمُ الطواف على الحائض، وعدم صحَّته منها. ٥- احترامُ البيت وتعظيمُهُ، وأنْ لا يأتيه المسلم إلاَّ على أحسَنِ هيئة، وأتمِّ يَبَنِىِّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وكانت طهارة ؛ العرب - حتَّى في جاهليّتها - تعظّمه ولا تطوف به في ثيابها التي عصت الله فيها، وإنَّما يستعيرون ثيابَ قريشٍ يطوفون بها، فإِذا لم يجدوا، طافوا عراة. ٤٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ككل الله ١٢٦ - وَعَنْ مُعَاذٍ بِنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّه سَأَلَ النَّبيَّ وَسَلم مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ خَائِضٌ؟ فَقَالَ: ((مَا فَوْقَ الإِزَارِ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَضَعَّفَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. رواه أبوداود وضعَّفه، وقال: ليس بالقوي، وعلَّته جهالة حال سعيد الأغطش، قال الحافظ: فإنَّا لا نعرف أحدًا وثَّقه. وأيضًا فعبدالرحمن بن عائذ راويه عن معاذ، قال أبوحاتم: روايته عن عليٍّ مرسلة، فإذا كان كذلك، فعن معاذ أشد أرسالاً . وله شاهدٌ من حدیث حكيم عند أبي داود والترمذي. * مفردات الحديث: - وهي حائض: جملة حالية. - حائض: لم يقل: حائضة؛ لعدم الالتباس بين صفة المذكَّر والمؤنَّث. - ما فوق الإزار: الإزار ثوبٌ يحيط بالنصف الأسفل من البدن، یذگَّر ويؤنث، وما فوقَ مَعْقِدِ الإزار هو النصفُ الأعلى من البدن. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جوازُ مباشرة الحائض بما فوق الإزار. ٢ - النَّهي عن جماعها؛ فهو محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (١) أبوداود (٢١٣). ٤٦٥ كتاب الطهارة - باب الحيض ٣- أمر الحائض بالاتزار أو لُبْسِ السروال عند إرادة مباشرتها. ٤- الحديثُ يدلُّ على تحريم مباشرة المرأة فيما بين السرَّة والركبة؛ لأنَّ هذا هو مكان الإزار المنهيّ عن قربه، ولكن الحديث معارَضٌ بالآية الكريمة: ﴿ فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وبالحديث الصحيح، وهو قوله ◌ٍَّ: ((اصنعوا كل شيء إلاَّ النِّكاح)) [رواه مسلم (٣٠٢)]؛ فالرَّاجح: جواز مباشرة المرأة بكلِّ بدنها، عدا الفرج. ٤٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٢٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُا - قَالَتْ: ((كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَفْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَِّيِّ بَلَّهِ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِيْنَ يَوْمًا)) رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ، والَّلِفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ◌َلِ بِقَضَاءِ صَلاَةِ النَّفَاسِ))، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحديث مختلفٌ فيه، والرَّاجح أنَّه حسنٌ لغيره؛ فضعَّفه جماعةٌ، منهم الترمذي، وابن القطان، وابن حزم؛ وذلك لأنَّ فيه مَسَّةَ الأزدية، ولا يُعرف حالها، وردّ تضعيفه النووي، وقال: له شاهدٌ عند ابن ماجه من حديث أنس، وفيه سلام ضعيف، وللحاكم من حديث عثمان بن أبي العاص، ضعَّفه الدَّار قطني، والحسن لم يسمع من عثمان؛ فهذه الأحاديث يعضد بعضها بعضًا، وقد صحَّحه الحاكم وأقرَّه الذهبي، وحسَّنه الخطابي، وقال: أثنى عليه البخاري. * مفردات الحديث: ١ - النفاس: قال ابن فارس: النون والفاء والسين: أصلٌ واحد يدل على خروج النسيم؛ من ريح أو غيرها، ومنه: نفَّس الله کربته. والنِّفاس: ولادة المرأة. قال النووي: المشهور في اللغة: أنَّ (نَفِسْتُ)) بفتح النون وكسر الفاء، معناه: حِضْتُ، وأمَّا الولادة فيقال: نُفِست بضم النون وكسر الفاء. قال في شرح الإقناع: دم النفاس: هو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله. (١) أحمد (٢٦٠٢١)، أبو داود (٣١١)، الترمذي (١٣٩)، ابن ماجة (٦٤٨)، الحاكم (٢٨٢/١). ٤٦٧ كتاب الطهارة - باب الحيض وقال الطبيب محمد البار: دم النفاس يعرَّف بالطب: بأنَّه الدم الَّذي يخرُجُ بعد الولادة، ويستمرُّ لمدَّة ثلاثة إلى أربعة أسابيع، وقد تطول إلى أربعين يومًا، ويكون في الأيَّام الأربعة الأولى قانيًا، غليظًا، ومحتويًا على دم مجمَّد، ثمَّ يخف تدريجيًّا بعد ذلك، ثمَّ يصير بنيَّ اللون مختلطًا بمادَّة مخاطية، وأخيرا تظهر ((القَصَّة البيضاء)). وقد تتوقّف الإفرازات الدموية، ثمَّ يعود الدم إلى الظهور، ويعتبر ذلك نتيجة لوجود بقايا - ولو بسيطة - من المشيمة في الرحم. - نقعد: يقال: قعد يقعد قعودًا، أي: تمسّك وكف عن العبادة التي تشترط لها الطهارة كالصلاة . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النفاس: دٌّ يرخيه الرَّحِمُ مع الولادة. ٢- النفساءُ أحكامها هي أحكامُ الحائض، فيما يجبُ ويحرُمُ ويُكْرَهُ ويُباح. ٣- تجلسُ النفساء أربعين يومًا تكفُّ نفسها عمَّا يفعله الطاهرات؛ فتترك الصلاة ونحوها، وذلك من حین وضعها ما تبيَّن فيه خلق إنسان. قال الترمذي: أجمع أهل العلم على أنَّ النفساء تَدَعُ الصلاة أربعين يومًا، إلاّ أنْ ترى الطهر قبل، فتغتسلُ وتصلِّي. وقال ابن رشد وغيره: ابتداءُ النفاس مِنْ خروج بعض الولد. قال الشيخ تقي الدِّين: لا حدَّ لأقل النفاس، ولا حدَّ لأكثره ولو زاد على السبعين وانقطع، والأربعون منتهى الغالب. ٤ - النفساء كالحائض لا تُؤْمَرُ بقضاء الصلاة التي لم تصلُّها أيام نفاسها، وإنَّما تقضي الصومَ الواجب. * نبذة علمية فقهية عن النفاس: قال الأطباء: النفاسُ هو الفترة التي تلي الولادة، والتي تؤدِّي إلى عودة ٤٦٨ - توضيح الأحكام من بلوغ المرام الرحم، وجهازِ المرأةِ التناسليِّ إلى حالتِهِ الطبيعيّة قبل الولادة، وتحتاج هذه العودة إلى مدَّة تتراوَحُ بين ستّة وثمانية أسابيع، ليعود الرحمُ إلى حجمه الطبيعي. يخرج دمُ النفاس من الرحم بعد الولادة ويستمُّ فترة قد تصلُ إلى أربعين يومًا، والغالب أنَّ المدَّة هي (٢٤) يومًا، وقد يتوقف الدم لفترةٍ ثمَّ يعود إلى الظهور، ويعتبر ذلك نتيجة لوجود بقايا - ولو بسيطة - من المشيمة في الرحم، أو أنَّ الرحم انقلب إلى الخلف بدلاً من وضعه الطبيعي إلى الأمام. والفقهاء يعرفون النفاس: بأنَّه الدم الذي يرخيه الرحم مع الولادة، فاهتمامهم بهذا الدم الَّذي أفرزَتْهُ الرحم، بينما الأطبّاء يركِّزون على حالة الرحم وعودته إلى حالته الطبيعية، فكلا الأمرين مرتبطٌ بالآخر، فالطب إلى النَّاحية الصحية لجهاز المرأة التناسلي، وللرحم على وجه الخصوص، بينما الفقه يهتم بالدم الَّذي يمنعُ الصلاةَ والصيامَ ومَسَّ المصحف ونحوها. وأمَّا أحكامه الشرعية فنورد منها فقرات: يثبتُ النفاسُ بوضع ما تبيَّن فيه خلق إنسان، ولا حدَّ لأقل النفاس، ولا لأكثره؛ فما دام الدم موجودًا فهو نفاس، فإذا انقطع فهو طُهْرٌ. والنفاس كالحيض فيما يحرِّم؛ كالصلاة، والصوم، والوطء في الفرج، وفيما يوجب؛ كالغسل، وكفارة الوطء، وفيما يُسْقِط؛ كقضاء الصلاة، وفيما يُحِلّ؛ كاستمتاع بما دون الفرج، وفيما يجب قضاؤه؛ كالصيام الواجب. انتهى كتاب الطهارة ٤٦٩ كتاب الصلاة كتاب الصلاة مقدّمة الصلاة لغةً: الدعاء بخير؛ فهو الشَّائع في كلام العرب قبل ورود الشرع؛ قال تعالى: ﴿ وَصَلّ عَلَيَّهِمْ﴾ أي: ادعُ لهم واستَغْفِرْ لهم. وشرعًا: أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسلیم، سمِّيت صلاةً؛ لاشتمالها على المعنى اللغوي، وهو الدعاء بالخير . قال في الإنصاف: هذا هو الصحيحُ الَّذي عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأهل العربية . وفرضت ليلة المعراج قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمَّت أربعًا صلاة الحضر، إلاَّ المغرب؛ فإنَّها وتر النَّهار، وإلاّ الصبح؛ فإنَّها تطول فيها القراءة، فهاتان الصلاتان بقيتا على ما فرضتا عليه. وللصلوات على سائر الشرائع الواجبة مِيْزَاتٌ كبيرة، منها ما يلي: ١ - أنَّها فرضت في السماء، بينما غيرها فرض في الأرض. ٢- فرضت من الله تعالى لرسوله وَل# بلا واسطة، بينما غيرها بواسطة المَلَك. ٣- فرضت خمسين صلاة، ثمَّ حصل التخفيف في عددها إلى خمس، وبقي ثواب الخمسین في الخمس. ٤٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤ - هي الركن الثاني من أركان الإسلام. ٥ - هي الغاية في العبودية والتذلُّل، والقُرب من الله تعالى. ٦ - تجب على كلِّ مكلّفٍ، بينما غيرها من الشرائع قد لا تجبُ على البعض؛ لعدم استطاعته. وثبوتها جاء في الكتاب والسنَّةِ وإجماع المسلمين؛ فهي ممَّا علم وجوبه من الدِّين بالضرورة؛ فجاحدها كافر . وتاركها تهاونًا وكسلاً اختلف العلماء في كفره. قال شيخ الإسلام: إنَّ كثيرًا من النَّاس لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلّون أحيانًا ويدعونها أحيانًا؛ فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكامُ الإسلام الظاهرةُ في المواريث ونحوها من الأحكام؛ فإنَّ هذه الأحكام إذا جرت على المنافق الخالص كعبدالله بن أُبَيِّ، فَلأَن تجري على هؤلاء أولى وأحرى. والصلواتُ الخمس: أكبرُ أركانِ الإسلام بعد الشهادتَيْن، وأفضلُ الأعمال بعدهما؛ لكونها وضعت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها، ولجمعها ما تفرّق من العبودية، وتضمُّنها أقسامها وأنواعها، فهي تكبيرُ الله وتحميدُهُ تعالى، والثناءُ عليه وتهليلُهُ وحمده، وتنزيهُهُ وتقديسه، وتلاوةُ كتابه، والصلاةُ والسلام على رسوله محمَّد ◌َّ وعلى آله، ودعاءٌ للحاضرين وجميع عباد الله الصَّالحين، وهي قيامٌ وركوعٌ وسجودٌ وجلوس، وخفضٌ ورفعٍ، فكلُّ عضوٍ في البدن، وكلُّ مَفْصِلٍ فيه، له من هذه العبادة حظُّه، ورأسُ ذلك كلُّه القلبُ الحاضر. فرضها الله تعالى على عباده؛ ليذكِّرهم بحقه، وليستعينوا بها على تخفيف ما يَلْقَوْنَهُ من مَشَاقٌ هذه الحياة الدنيا. والمجتمع الإنساني بحاجةٍ إلى قُوَّةٍ إيمان ترفع نفسية أفراده على وجه الاستمرار إلى المُثُل العليا؛ لئلا ترتبط الأفراد بالحاجات الماديّة، والمصالح ٤٧١ كتاب الصلاة الشخصيّة، ممَّا يؤدي إلى الفساد في الأرض. إنَّ الإنسان إذا لم تتصلْ روحه بخالقها، ظَهَرَتْ فيه مظاهر الاكتئاب؛ فالصلاة طمأنينةٌ في القلب عند المصائب، وراحةٌ للضمير عند النوائب؛ قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وهي زاجرةٌ عن المنكرات؛ قال تعالى: ﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ اُلْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَّرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ومكفِّرة للسيئات؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اَلْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فالصلاةُ رأسُ القُرُبات، وغُرَّةُ الطاعات؛ لما فيها من تحقيقِ المناجاة، ورِفْعَةِ الدرجات. ٤٧٢ اسـ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب المواقيت ١٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبيَّ صَلى الله وسلم قَالَ: ((وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُوْلِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ العَصْرِ، وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاَةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاَةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفٍ الَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوْعِ الفَجْرِ، مَالَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١)، وَلَهُ مِنْ حَدِيْثِ بُرَيْدَةَ في العَصْرِ: ((وَالشَّمْسُ بَيِّضَاءُ نَقِيَّةٌ)(٢)، وَمِنْ حَدِيْثِ أَبِي مُؤْسَى: ((والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ)) (٣). * مفردات الحديث: - زالت الشَّمس: يُقال: زَالَ عَنْ مَوضعه، يزول زوالاً، لازمٌ ويتعدَّى بالهمزة، ومعناه: مالت الشمسُ عن وَسَطِ السماء إلى جانب الغروب. - تصفرّ الشمس: تكون صفراء عند قربها من الغروب، والصفرةُ لون دم الحمرة. (١) مسلم (٦١٢). (٢) مسلم (٦١٣). (٣) مسلم (٦١٤). ٤٧٣ كتاب الصلاة - باب المواقيت - الشَّفَق: المراد به هنا الأحمر، الَّذي هو بقيَّةُ شعاع الشمس الغاربة. - نصف الليل الأوسط: هو نصفُ الليل؛ وبهذا يكون قد ذهب الثلث الأوَّل، ونصف الثلث الأوسط؛ فإنَّ الأوسط صفة للنصف، والمراد به الأوَّل، وإنَّما عبّر عنه بالأوسط؛ لأنَّ الليل إذا قسم نصفين ينتهي النصف الأوّل إلى وسط اللیل. - والشمسُ نقيّة: بيضاءُ صافيةٌ لم يخالطْهَا شيءٌ من الصفرة، والجملة اسمية وقعتْ موقعَ الحال. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه بيانُ الأوقاتِ التي عيَّنها الله تعالى، لأداء الصلواتِ الخمس المكتوبة. ٢- أنَّ الصلوات الخمس لا تصح إلاّ في هذه الأوقات المحدَّدة؛ لقوله تعالى: [النساء: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ إِنَّ الصَّلَوَّةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا ١٠٣]، ولما رواه أحمد (٣٠٧١) عن ابن عباس أنَّ النَّبِي وَّ قال: ((الوقت ما بين هذين))، ولما روى البخاري (٥٥٣) عن بريدة أنَّ النَّبِي وَ لِ قَال: ((من فاتته صلاة العصر، حبط عمله)). قال شيخ الإسلام: الوقت لا يُمْكِنُ تلافيه، فإذا فات، لم يمكنْ فعلُ الصلاة فيه . وقد اختلف العلماء هل إذا أخّرها عن وقتها عمدًا بدون عذر، يقضيها أم لا؟ سیأتي بیان ذلك، إن شاء الله. ٣- أنَّ وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس، إلى أنْ يصير ظل كل شيءٍ طوله، بعد الظل الَّذي زالت عليه الشمس، ثمَّ يدخل وقت العصر من غير فصلٍ بينهما ولا مشترك . ٤ - أنَّ وقت صلاة العصر من انتهاء وقت الظهر، ويمتدُّ الوقت المختار ما دامت الشمسُ بيضاءَ نقيةً، فإذا اصفرَّتْ، دخل وقت الضرورة إلى الغروب. ٤٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥- أنَّ وقت صلاة المغرب مِنْ سقوط كلِّ قرص الشمس غائبة، إلى أنْ يغيب الشفق الأحمر، ثمَّ يدخلُ وقت العشاء، بدون فاصلٍ بينهما ولا مشترك. ٦- أنَّ وقت صلاة العشاء من غيبة الشفق الأحمر إلى نصف الليل، وجمهور العلماء على أنَّه وقتها المختار، وأمَّا وَقْتُ الأداء: فهو ممتدٌّ إلى طلوع الفجر الثاني، وقال بعضهم: إنَّ وقتها ينتهي إلى نصف الليل، وهو أقوى من حيث الدليلُ. ٧- أنَّ وقت صلاة الصبح مِنْ طلوع الفجر الثاني، حتَّى تطلع الشمس. قرار هيئة كبار العلماء: جاء في القرار الصَّادر برقم (٦١) في ١٣٩٨/٤/١٢ هـ: من هيئة كبار العلماء ما خلاصته : ١ - من كان يقيم في بلادٍ يتمايزُ فيها الليل من النَّهار، بطلوع فجر وغروبِ شمس، إلاّ أنَّ نهارها يطول جدًّا في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أنْ يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَقِمٍ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨ [الإسراء]. ٢- ومن كان يقيمُ في بلادٍ لا تغيبُ عنها الشمس صيفًا ولا تطلَعُ فيها شتاءً، أو في بلادٍ يستمر نهارها إلى ستّة أشهر، ويستمر ليلها إلى ستّة أشهر مثلاً، وجب عليهم أنْ يصلوا الصلوات الخمس في كلِّ أربع وعشرين ساعة، وأنْ يَقْدُروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدین في ذلك على أقرب بلادٍ إلیھم، تتمايز فيه الصلواتُ المفروضة بعضُهَا عن بعض؛ لما ثبت أنَّ النَّبِي نَّهِ حدَّث أصحابه عن المسيح الدجّال، فقالوا: ما لُبْتُهُ في الأرض؟ قال: ((أربعون يومًا، یوم کسنة، ویوم کشهر، ویوم کجمعة، وسائر أيامه كأيامكم))، فقيل: يارسول الله: اليوم الّذي كسنة أیکفینا فيه صلاة يوم؟ قال: ((لا، اقدروا له)). ٤٧٥ كتاب الصلاة - باب المواقيت فتجب على المسلمين في البلاد المذكورة أنْ يحدِّدوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلادٍ إليهم يتمايِزُ فيها الليل من النَّهار، وتعرف فيها أوقاتُ الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية، في كلِّ أربع وعشرين ساعة. هيئة كبار العلماء * خلاف العلماء: اختلف العلماء في نهاية الوقت المختار للعصر : فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشَّافعي وأحمد: وجمهور العلماء: إلى أنَّه ينتهي بمصير الظِّل مثليه، بعد فيء الزوال. ودليلهم ما رواه أحمد (٣٠٧١) وأبوداود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩)، ((أنَّ جبريل أمَّ النَّي وَّهِ فصلَّى به العصر - في المرّة الثانية - حين صار ظل كل شيءٍ مثليه، ثمَّ قال الصلاة ما بين هذين الوقتين)) قال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت . والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنَّ وقت صلاة العصر يمتد إلى اصفرار الشمس، صحّحه في الشرح الكبير، واختاره المجد، والشيخ تقي الدِّين؛ لما روى مسلم (٦١٢) عن عبد الله بن عمرو: ((ووقت صلاة العصر مالم تصفر الشمس))، وهو متأخِّر، والعمل بالمتأخّر متعيِّن. قال شيخ الإسلام: وهو الصحيحُ، وعليه تدلُّ الأحاديث الصحيحة. واختلف العلماء في نهاية الوقت المختار لصلاة العشاء: فذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: أنَّه ينتهي بثلث الليل الأوَّل؛ وهو الجديد من مذهب الإمام الشَّافعي؛ لما في الصحيح عن عائشة قالت: ((كانوا يصلون العتمة فيما بين أنْ يغيب الشفق إلى ثلث الليل)). ٤٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى امتداد الوقت المختار إلى نصف الليل، وهو أحد القولين في مذهب الشَّافعي، والرواية الأخرى في مذهب أحمد. قال في المغني: وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأبي ثور، وأصحاب الرَّأي، وأحد قولي الشَّافعي؛ لما روي عن أنس: ((أنَّ النَّبِي ◌ِّهِ أَخَّر صلاة العشاء إلى نصف الليل)) [رواه البخاري (٥٧٢)]. قال في الإنصاف: جزم به الموفَّق في العمدة، واختارها القاضي، وابن عقيل، والمجد، وابن عبدالقوي. قال في الفروع: وهي أظهر. قال الشيخ ابن سعدي: وهو الصحيح. قال شيخ الإسلام: لو قيل: إلى النصف تارة، وإلى الثلث تارةً أخرى، لکان وجیهًا . قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: وقت الاختيار إلى ثلث الليل، ورواية أخرى إلى نصفه، وكلاهما جاء به أحاديث ثابتة. والليل الشرعي المعتبر من غياب الشمس، إلى طلوع الفجر الثاني. وذهب جماهير أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم: إلى أنَّه بعد وقت الاختيار للعشاء، يدخل وقت الضرورة، ويمتد حتَّى طلوع الفجر . ويحرُمُ إيقاعُ الصلاة فيه عند بعضهم، ومنهم الحنابلة، إلاَّ أنَّها أداءٌ ليست قضاءً؛ ودليلهم حديث أبي قتادة في مسلم؛ فإنَّه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأُخرى، إلاَّ صلاة الفجر، فقد خصَّها الإجماع. ٤٧٧ كتاب الصلاة - باب المواقيت ١٢٩ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَىْ المَدِيْنَةِ، والشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ العِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَةَ الغَدَاةِ حِيْنَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيْسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّقِّيْنَ إِلَى الِمِائَةِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ: ((وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، إِذَا رَآهُم اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يُّصَلِيهَا بِغَلَسٍ))(٢). وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثٍ أَبِي مُوسَى: ((فَأَقَامَ الفَجْرَ حِيْنَ انْشَقَّ الفَجْرُ، والنَّاسُ لاَ يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا))(٣) . * مفردات الحديث: - رَحْلَهُ: بفتح الرَّاء المهملة، وسكون الحاء المهملة، بعدها لامٌ ثمَّ هاءٌ، والرَّحْلُ: مسكن الإنسان، وما يستصحبه من الأثاث عند رحيله أو سفره. - في أقصى المدينة: حال من ((رحل))، وليس ظرفًا للفعل، ومعناه: أبعد بيتٍ في المدينة. (١) البخاري (٥٤٧)، مسلم (٦٤٧). (٢) البخاري (٥٦٠)، مسلم (٦٤٦). مسلم (٦١٤). (٣) ٤٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - والشمس حيّة: بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء المثنَّة، ثمَّ تاء، أي: بيضاء نقية قوية الأثر، حرارةً وإنارةً ولونًا، والواو للحال، والجملة الاسمية في موضع الحال من فاعل ((يرجع))، فحياةُ الشمس عبارةٌ عن بقاء جرمها لم يتغيّر، وبقاء لونها لم يتغير، وإنَّما يدخلها التغيير بدنو المغيب. - ينفتل: بالفاء، والتاء المثنَّة الفوقية مكسورة، أي: يلتفت إلى من خلفه وینصرف إليهم. - جليسه: الجليس على وزن فعيل بمعنى المجالس، وأراد به الَّذي إلى جنبه. - بِغَلَس: بفتحتين، الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلَطَ بضوء الصبح. - أبطؤوا: أبطأ الرَّجلُ إبطاءً، أي: تأخّر مجيئه، وبَطُؤ من باب قرب، فهو بطيء على وزن فعيل. - انشق الفجر: انشقَّ الشيء: انفرج، قال في النهاية: شق الفجر وانشق: إذا طلع، کأنّه موضع طلوعه . - الغداة: ويُقال: الغُدْوة بضم الغين، هي البكرة، وقد حدَّها بعضهم بأنَّها: ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس. - لاَ يَكَاد: كَادَ من أفعال المقاربة التي تَدُلُّ على قرب وقوع الشيء، قال في المصباح: كدت أفعل كذا، معناه: قاربت الفعلَ ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلْتُ بعد إبطاء؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ معناه: ذبحوها بعد إبطاء. * ما يُؤْخَذ من الحديث: ١ - استحبابُ تعجيل صلاة العصر في أوَّل وقتها؛ فإنَّ الصحابة يصلُّونها مع النَّبِي ◌َِّ ثمَّ يذهبون إلى رحالهم في أقصى المدينة، والشمسُ حيَّةٌ مرتفعةٌ بيضاءُ نقيةٌ، لم تدخلْهَا صفرة المساء. ٢ - استحبابُ تأخير صلاة العشاء حتَّى يذهَبَ عامَّة الليل، وهذا التَّأخير مقيَّد بما ٤٧٩ كتاب الصلاة - باب المواقيت إذا لم يجتمع أصحابها لها . ٣- تقديم صلاة العشاء في أوَّل وقتها إذا رأى أصحابَهُ قد اجتمعوا للصلاة، وذلك مراعاةً لراحتهم، وعدم المشقّة عليهم في الانتظار في وقت راحتهم. ٤ - يكونُ التَّأخير مستحبًّا في حقِّ جماعة في مكانٍ واحد، وفي حقِّ النساء في بیوتھنَّ. ٥- كراهة النوم قبلها؛ لئلا يستغرق النَّائم في النوم حتَّى تفوته، أو يفوته وقتها المختار. ٦- كراهة الحديث بعدها؛ لئلا يتأخّر عن النوم، فيشق عليه قيام الليل، أو القيام لصلاة الصبح، وهذا في حَقِّ من ليس عنده عذر، من ضيف أو دراسة علم أو عَمَلٍ فيه مصلحة للمسلمین . ٧- استحباب تعجيل صلاة الصبح، وذلك بأن يدخل فيها بغلس، حيث لا يزال ظلام الليل قد خالطه قليل من ضوء الصبح؛ فإنَّه مع تطويل القراءة ينصرف من الصلاة، والنَّاس يعرف بعضهم بعضًا. ٨- قال ابن دقيق العيد: صلاة الجماعة أفضلُ من الصلاةِ في أوَّل الوقت. ٩ - استحباب تطويل القراءة في صلاة الصبح؛ فهو المراد من قوله تعالى: [الإسراء]، وهنا قدِّرت في ٢٧٨ ﴿ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا الستين آية، ومائة آية . ١٠ - استحباب مراعاة حالة المأمومين، بعدم التأخّر عليهم في أداء الصلاة، وطول الانتظار، ومن حيث تخفيفُ الصلاة بدون إخلال بما يكمِّلها من الواجبات والمستحبات، والميزانُ في ذلك إرشادُهُ وَّ﴾ معاذ بن جبل. ١١ - حالة المساجد زمن النبوّة، من عدم الإضاءة، وبساطة المبنى، ولكنَّها منوَّرة بالإيمان والصلاة والعبادة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]. ٤٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣٠ - وَعَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيْج - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كُنََّ نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِوَلَه فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - ليبصر: بضم الياء من الإبصار، والَّلام فيه التَّأكید. - مواقع: جمع موقع، وهو موضع الوقوع. - نبله: بفتح النون، وسكون الباء الموحَّدة التحتية: هي السهام العربية، وهي مؤنثة، جمعه نبال وأنبال، لا واحد لها من لفظها. ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحبابُ تعجيل صلاة المغرب في أوَّل وقتها، بحيث ينصرفُ منها والضوء باق، واستحبابُ التعجيل باتفاقِ الأئمَّة؛ قاله الشيخ تقي الدِّين. ٢ - المراد بالغروب هو غروبُ قرص الشمس جميعه، بحيث لا يرى منه شيء، ونُقِلَ الإجماع على ذلك؛ لما في البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦٣٦) من حديث سلمة بن الأكوع: ((أَنَّ النَّي وَلَّ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب)). ٣- يمتد وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة والشَّافعي وأحمد. قال النووي: هذا هو الصوابُ الَّذي لا يجوز غيره؛ وذلك لما روى مسلم (٦١٢) وغيره عن ابن عمرو قال: قال رسول الله وَ له: ((وقت المغرب (١) البخاري (٥٥٩)، مسلم (٦٣٧).