Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١) كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٩١ - وَعَنْ عِيْسَىُ بْنِ يَزْدَادَ - أو ازْدَادَ - عَنْ أَبِيْهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رسُوْلُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيْفٍ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف. رواه ابن ماجه، وأحمد (١٨٥٧٤)، وأبوداود في المراسيل، والبيهقي (١١٣/١)، وأبونعيم في المعرفة، والعقيلي في الضعفاء (٣٨١/٣)، كلَّهم من روایة عیسی بن یزداد، عن أبيه . قال ابن معين: لا يُعْرَفُ عيسى ولا أبوه. وقال أبو حاتم: حديثُهُ مرسل، ولا صحبةً له. وقال النوويُّ في شرح المهذَّب: اتفقوا على أنَّه ضعيف. وقال ابن القيِّم في إغاثة اللهفان: راجعْتُ شيخنا - يعني ابن تيمية - في السلت والنتر، فلم يره، وقال: لم يَصِحَّ الحديث. * مفردات الحديث: - فيلنتر ذكره: نَتَرَ ذكره بالمثنَّاة: جذبَهُ أو قذفه بشدَّة، قال في القاموس: استنتر مِنْ بوله: اجتذبه، واستخرج بقيَّته من الذكر عند الاستنجاء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نتر الذكر هو جَذْبُهُ؛ ليقذفَ بقيَّةَ البول بشدّة. ٢ - الحديثُ على استحبابِ النتر ثلاث مرَّات بعد البول. (١) ابن ماجة (٣٢٦). ٣٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- الحكمة في ذلك هو إخراجُ بقيّة البول من الذَّكر إلى الخارج زيادةً في الإنقاء، وتخلُّصًا من بقيّة البول. ٤ - استحبابُ النتر والسلت هو المشهورُ من مذهب الإمام أحمد، والّذي مشى عليه أصحابُهُ في مصنّفاتهم . قال في الإنصاف: نصَّ على ذلك، وقال به الأصحاب. ٥- قال شيخ الإسلام: سلت الذَّكر ونتره بدعةٌ، والبولُ یخْرُجُ بطبعه . وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيحُ أنَّه لا يستحبُّ المسح والنتر؛ لعدم ثبوت ذلك، ولأنَّه يُحْدِثُ الوسواس. قال النووي: ينبغي أنْ لا يُتَابِعَ الأوهام؛ فإنَّه يؤدِّي إلى تمكين الوسوسة في القلب. ٣٦٣ كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ فَقَالَ: ((إِنَّ اللّهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: إِنَّا نُتْبِعُ الحِجَارَةَ المَاءَ)) رَوَاهُ البَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيْفٍ(١)، وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ، وصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِدُوْنِ ذِكْرِ الحِجَارَةِ(٢). ** درجة الحديث: الحديث صحيحٌ بدون ذكر الحجارة، ضعيفٌ معها. قال في التلخيص: حديث قباء: (( ... وكانوا يجمعون بين الماء والحجارة))، رواه البزَّار في مسنده، وقال لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلاَّ محمد بن عبدالعزيز، ومحمد بن عبدالعزيز ضعَّفه أبوحاتم؛ ولذا قال النووي في شرح المهذَّب: المعروفُ من طرق الحديث أنَّهم كانوا يستنجون بالماء، وقال في الخلاصة: وأمَّا ما اشتهر في كتب التفسير والفقه مِنْ جمعهم بين الأحجار والماء، فلا يُعْرَفُ، والمحفوظُ الاقتصار على الماء. وضعَّفه أبو حاتم، والنووي، وابن القيم، وابن حجر، وقال المحب الطبري: لا أصل له، ومرادهم الجمع بين الماء والحجارة، وأمَّا الاقتصار على الماء، فقال الشيخ الألباني: الصحيح أنَّ الآية نزلت في استعمال الماء فقط؛ كما في الحديث الذي رواه أبوداود عن أبي هريرة مرفوعًا. وبالاقتصار على الماءِ صحَّحه ابن خُزَيْمَةَ، وأخرجه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه؛ فصحَّ الحديث بشواهده. (١) البزار (٢٢٧ كشف الأستار). (٢) أبوداود (٤٤)، الترمذي (٣١٠٠). .' ٣٦٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام * مفردات الحديث: - قباء: بضم القاف، وفتح الباء الموحّدة التحتية المخفَّفة. قال البكري: من العرب من يُذَكِّرُهُ وَيَصْرِفه، ومنهم من يؤنِّته ولا يصرفه. قال النووي: الذي عليه المحقُّقون: أنَّه ممدود مذكَّر مصروف. وقباء: حيٌّ في المدينة معروف، كان يسكنه بطنٌ من الأنصار يُقال لهم: بنو عمرو بن عوف، في هذا الحي المسجد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيْءٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]. - نتبع الحجارةَ الماءَ: ينزِّهون أدبارهم بالحجارة من الغائط، ثم يغسلونها بالماء؛ ليحصل كمال الإنقاء. - أثنى عليكم: قال في المصباح: الثناء بالفتح والمد، يقال: أثنيْتُ عليه خيرًا وبخير، وأثنيْتُ عليه شرًّا وبشرٍّ؛ نص عليه جماعةٌ منهم صاحب المُحْكَم. وقال بعضهم: لا يستعمل الثَّناء إلاّ بالحسن، وفيه نظر؛ ففي البخاري (١٣٠١) ومسلم (٩٤٩): ((أَنَّ الصحابة مرُّوا بجنازةٍ، فأثنوا عليها خيرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: وَجَبَتْ، ثم مرَّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: وجبت، فسُئِلَ عن قوله: وجبت، فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار))، ولأنَّ الثناء مجرَّد الوصف. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أثنى الله تعالى على أهل قباء - إحدى قبائل الخزرج، وهم بنو عمرو بن عوف - بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ [التوبة]؛ فسألهم النَّبيُّ وَّ عن سبب هذا الثَّناء؟ فقالوا: إنَّا نتبع الحجارة الماء عند الاستنجاء. ٢ - في هذا دليلٌ على إزالة النَّجاسة من السبيل بتخفيفها بالحجارة، ثمَّ إتباعها الماء، هو أكمَلُ التطهُّر؛ حيث لم يبق بعد هذا أثر النَّجاسة. كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٣٦٥ ٣- أحوال الاستنجاء ثلاث : (أ) أكملها استعمالُ الحجارة، ثمَّ إتباعُهَا بالماء حتَّى الإنقاء. (ب) يليها الاقتصارُ على الماء فقط . (ج) آخرها رتبةً وفضلاً الاقتصارُ على الحجارة؛ لأنَّ الماء أبلغ في الإِنْقَاء وإزالة النَّجاسة . ٣٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الغسل وحكم الجُنُب مقدمة الغُسْلُ: بضم الغين: اسم مصدر للاغتسال، يعني الفعل. وشرعًا: استعمالُ الماء في جميع البدن على وجهٍ مخصوص، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنَّة والإجماع : قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]. والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ، ومنها: ((إذا جلَسَ بين شعبها الأربَعَ، ثمَّ جهدها؛ فقد وَجَبَ الغسل)) [رواه البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)]. وأجمع العلماء على أنَّ الجنابة تَخُلُّ جميعَ البدن، وأنَّه يجبُ الغسلُ منها. وسُمِّيَ جُنُبًا؛ لأَنَّهُ يجتنب بعض العبادات وأمكنتها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النِّساء: ٤٣]، وأجمع الأئمة على أنَّه يَحْرُمُ على الجنب المُكْثُ في المسجد، ورخَّص أحمدُ للمتوضّىء في المكث في المسجد والنَّوم؛ لفعل الصحابة. حكمةُ الاغتسال من الجنابة: ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُ واْ﴾ [المائدة: ٦]. وروى الإمام أحمد، وأبوداود، عن أبي رافع؛ أَنَّ النَّبِي وَلِّ طاف ذاتَ يومٍ على نسائه يغتسلُ عند هذه وعند هذه، قال:" فقلت: يارسول الله، ألا تجعله غسلاً واحدًا؟ قال: ((هذا أزكى وأطيب وأطهر)). ٣٦٧ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب وقد ظهرت الآن هذه الحكمةُ النبوية، وهذا الإعجاز العلمي، قال الجرجاوي: إنَّ الشَّارِعَ الحكيمَ فرَضَ الاغتسال بعد خروج المنيِّ، ولم يفرضه بعد خروج البولِ، مع أنَّهما من مكانٍ واحدٍ وعضوٍ واحد؛ ذلك أنَّ البول عبارة عن فضلة المأكول والمشروب، وأمَّا المنيُّ فهو عبارةٌ عن مادَّةٍ مكوَّةٍ من جميع أجزاء البدن؛ ولذا نرى الجسم يتأثَّر بخروجه، ولا يتأثّر بخروج البول؛ ولذا نرى الإنسان بعد الجماع تضعُفُ قوّة بدنه، فالغسلُ بالماء يُعِيدُ إلى البدن هذه القوَّة المفقودة بخروج المنيِّ؛ كما أنَّ خروج هذه القوَّة من الجِسْمِ تسبِّب الكسل، والاغتسالُ يعيد إلى الجِسْمِ نشاطه . وقد صرَّح الأطبّاء أنَّ الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، وأنَّه أنفع شيء له في تنشيط دورة الدم في الجسم؛ ليعود إليه نشاطه وقوته، وأنَّ ترك الاغتسال يسبّب له أضرارًا كبيرة. فالطَّهارة عمليةٌ نافعةٌ جدًّا للرَّجُلِ والمرأة على السَّواء، إذا فقد بالعملية الجنسية النَّشاط والحيوية، فإنَّ الاغتسالَ يعيدُ إلى الجسم ذلك النَّشاطَ، وتلك الحيوية، ولله في شَرْعِهِ حِكَمٌ وأسرار. 4 ٣٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٣ - عَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهَِّهِ: ((المَاءُ مِنَ المَاءِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ(١). * مفردات الحديث: - الماء من الماء: مبتدأ وخبر، فالماءُ الأوَّل: ماءُ الاغتسال، والثَّاني: المنيُّ النَّزلُ دفقًا بلذةٍ، وقد سمَّاه اللهُ مَاءً؛ فقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِن ◌َّآءِ دَافِقٍ [الطارق]، وبين اللفظين جناس تام لاتفاق حروفهما في الهيئة والنّوع والعدد والتَّرْتِيْب. - مِن: للتَّعْليل، وفي بعض الطرق: ((إنَّما المَاء من الماء)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديثُ يدلُّ على أنَّ وجوب الاغتسال من الجنابة لا يكون إلاّ من إنزال الماء الذي هو المنيُّ، وأنَّه إنْ لم ينزلْ، فلا غُسْلَ عليه من الجنابة. ٢- الحديث يدلُّ على أنَّ هذا الحكم بمفهوم الحصر المستفاد من تعريف المسند إليه، وهو الماء الأوَّل، كما ترَرَدَ في الصحيح محصورًا بأداة ((إِنَّما)) بقوله: ((إنَّما الماء من الماء))؛ فهذا الحصر يفيد أنَّه لا غُسْلَ إلاَّ من الإنزال. ٣- الاغتسال هو إفاضة الماء على عموم الجسم، وأجمعوا على مشروعيّة الدلك، إلاَّ أنَّهم اختلفوا هل يجب أو لا يَجِبُ؟ والصَّحيحُ الذي عليه الجمهور: أَنَّه لا يجب؛ لأنَّ الدلك ليس مِنْ مسمَّى الاغتسال. ٤- مفهومُ الحديث معارَضٌ بنطوقِ حديثٍ أبي هريرة الذي بعده، وليس له محملٌ يوجَّه إليه؛ ولذا قال جمهور العلماء: إنَّه منسوخٌ به . (١) مسلم (٣٤٣). ٣٦٩ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ٥ - الحكمةُ في الغسل من الجنابة - والله أعلم - أنَّ البدن بعد الجماع يصابُ بالخمولِ والكسل والضَّعف، والاغتسالُ يعيد إليه نشاطَهُ وحيويَّته وقوَّته، والله لطيفٌ بعباده. وقد قال ◌َله عن الوضوء بعد الجماع: ((فإنَّه أنشطُ للعود)) [رواه ابن خزيمة (١١٠/١)، وابن حبَّان (١٢/٤)، والحاكم (٣٣٣/٢)]، فتعميم الغسل بالماء أشدُّ نشاطًا وقوَّة. : ٣٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَاله: ((إِذَا جَلَسَ بَيِّنَ شُعَبَهَا الأَرْبَعَ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: ((وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ))(١). ** مفردات الحديث: - إذا جلس: ((إذا)) شرطية، فعلها: جلس. - شُعَبها الأربع: بضم الشين المعجمة، قال ابن الأثير: والشُّعَبُ: النواحي، واختلفوا في المراد بالشعب الأربع، والرَّاجح: أنَّ المراد بها يَدَا المرأة ورجلاها، وهو كنايةٌ عن الجماع. - جهدها: يُقال: جَهَدَ في الأمر يَجْهَدُ جهدًا، من باب نَفَعَ، والجهد: الطاقة والمشقّة، وفيه لغتان: ضم الجيم وفتحها، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغيرهم، وقيل: المضموم الطاقة، والمفتوح المشقّة، والمراد هنا: بلوغ الرَّجل طاقته بحر كته . - فقد: ((الفاء)) رابطةٌ للجواب، و((جلس ثمَّ جهد)»: جملتان هما الشرط، ((قد)) حرف توكيد، وإذا دخلت على الماضي، أفادت تحقيق معناه؛ كما في هذا الحديث . - الغُسْل: ((أل)) هنا للعهد الذهني، وهو ما يكون مصحوبًا معهودًا ذهنًا، فينصرف إليه الفكر بمجرَّد النطقِ به، مثل ((حَضَرَ الأمينُ)) . والغُسْل: بضم الغين، المراد: به الفعل. (١) البخاري (٢٩١)، مسلم (٣٤٨). ٣٧١ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الشُّعَبُ الأربع هنا: يدا المرأة ورجلاها، وجلوسُ الرجل بينها أثناءَ الجماع هي أليقُ صفةٍ من صفات الجماع، مع جواز غيرها، ما دام الإيلاجُ في مكانَ الحرث، وهو القُبُّل. ٢ - أنَّ نَفْسَ الإيلاج بتغييب الحَشَفَة مُوجِبٌ للغسل، وإنْ لم يَحْصُلْ إنزال. ٣- المراد بالجهد هنا الكَلُّ بحركته، الذي يكونُ مع الإيلاج، ويفسِّره روايةٌ أبي داود (٢١٦): ((وألزَقَ الختانَ بالختان، ثمَّ جهدها)). ٤- أنَّ منطوقَ الحدیث ناسخٌ لمفهوم حديث أبي سعيد السّابق، ودليلُ النسخ ما رواه الإمام أحمد (١١٦/٥) عن أبي بن كعب قال: ((كانوا يقولون: إنَّ الماءَ من الماءِ، رخصةٌ، كان رسول الله ◌ِّله رخّص بها في أوَّل الإسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعده))، صحَّحه ابن خُزيمة وابن حبَّان، وقال الإسماعيلي: إنَّه صحيح على شرط البخاري، وهو صريح بالنسخ، ويؤيِّد هذا الحديث الآية الكريمة: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًّا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]. قال الشَّافعي: الجنابة تُطْلَقُ بالحقيقة على الجماع ولو لم يحصُلْ إنزال. أمَّا منطوقُ حديث أبي سعيد: فليس منسوخًا بَحَديث أبي هريرة؛ فإنَّ الإنزال يوجب الغسل. ٥- قوله: ((فقد وجب الغسل)) فيه دلالةٌ على أنَّه ليس على الفَوْرِ؛ وهو إجماع العلماء. ٣٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٥ - وَعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ - قَالَتْ: ((يَارَسُوْلَ اللهِ! إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَىُ المَرْأَةِ الغُسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ إِذَا رَأَتِ المَاءَ ... )) الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). : مفردات الحديث: - احتلمت: من الخُلْم، بضم الحاء المهملة وسكون الَّلام، وهو عبارةٌ عمَّا يراه ويتخيَّله النَّائمُ في نومه من الأشياء، والمرادُ هنا: إذا رأتِ المرأةُ في نومها مثلَ ما يرى الرجلُ مِنْ صورة الجماع وتمثيله. - رأت الماء: يعني: إذا خرج منها المني إثر الرؤيا المناميّة؛ كما جاء في رواية ابن ماجه (٦٠٢): ((لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ، حتَّى تُنْزِلَ كما يُنْزِلُ الرَّجُلُ)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ المرأة تحتلم في المنام كما يحتلم الرجل، فتتخيّل العمليّة الجنسيّة في منامها كما يتخيّل الرجل، فرُبَّمَا حَصَلَ منها إنزال. ٢- هذا التخيُّل المناميُّ لا يَدُلُّ على نقصٍ في الدِّين، ما دام أنَّه يَلُمُّ بِفُضْلَيَاتٍ النِّساء، والنَّبِيُّ ◌َّهِ يسمعه منهنَّ، ولم ينصحهنَّ بمجاهدتِهِ وأسبابه، فهذا أمرٌ طبيعي، لمن عنده قوَّةٌ غريزيّة كبتها العقلُ الظَّاهر، فإذا غابتْ مراقبة هذا العقل، تنبَّه العقلُ الباطن؛ ليُشْبِعَ هذه الغزيزة الطبيعية. ٣- أنَّ المرأة إذا احتلمتْ ورأت الماء، فعليها الغسل. (١) البخاري (٢٨٢)، مسلم (٣١٣). ٣٧٣ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ٤- أنَّ المرأة تنزلُ كما ينزل الرَّجل، فالجنينُ يولد من نطفتي الرَّجُلِ والمرأة، وهي نطفةُ الأمشاج التي قال الله تعالى عنها: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ﴾ [الإنسان: ٢]، ومن نطفتها يكونُ شبه الولد بها . ٥ - إثباتُ صفة الحياءِ لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا يليقُ بجلاله. ٦- أنَّ الحياءَ لا ينبغي أنْ يمنع من تعلّم العلم، حتَّى في المسائل التي عادةً يُسْتحيا منها؛ فقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: ((نِعْمَ النِّساءُ نساءُ الأنصار، لم يمنعْهُنَّ الحياءُ من التفقُّه في الدِّين)). ٧- أنَّ من الأدبِ وحسنِ المخاطبة أنْ يُقَدِّمَ أمام الكلام الذي يُسْتحيا منه مقدمةً تناسبُ المقام تمهيداً للكلام، وليَخِفَّ وقعه، ولئلا يُنَّسَبَ صاحبه إلى الجفاء. ٨- مشروعيةُ سؤال الإنسان ما يحتاجُ إليه في أمور الدِّين. ٩ - الاحتلام المجرَّد عن الإنزال لا يوجبُ الغسل؛ لقوله بَّهِ: ((إذا رأت الماء)). ١٠ - الذي يجد بعد استيقاظه من النوم بللاً في ثوبِهِ أو بدنه، مِنْ ذكرٍ أو أنثى، لا يخلو من ثلاث حالات : الأولى: أنْ يتحقَّق أنَّه منيٌّ، فيغتسل، ولو لم يذكر احتلامًا. الثانية: أنْ يتحقَّق أنَّه مَذْيٌّ، فهو نجاسةٌ لا غير، يجب عليه غسلها، وليس عليه غسل، وإنما يَغْسِلُ ذكره وأنثييه. الثالثة: أنْ يكونَ جاهلاً بكونه منًّا أو مَذْيًا، ففي هذه الحال: إنْ سبق نومَهُ ملاعبةٌ أوفكرٌ أو انتشارٌ ونحو ذلك، فالغالب: أنَّه مَذْي؛ فیجب عليه غسل ما أصاب بدنه أو ثوبه منه، ولا يجب عليه غسل. وإنْ لم يسبق نومَهُ خروجُ المذي، فهنا يجبُ عليه الغسل، ويجبُ عليه غَسْلُ ما أصاب بدنه أو ثوبه احتياطًا. ٣٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قالَ رَسُوْلُ اللهِ إَِلَه فِي المَرْأَةِ تَرَىْ فِي مَنَامِهَا ما يَرَى الرَّجُلُ؟ قَالَ: تَغْتَسِلُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ مُسْلِمٌ: «فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُوْنُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟!))(١). مفردات الحديث: * - نعم: حرف جواب، يؤتَى به للدلالة على جملة الجواب المحذوفة، فإذا قيل: أتذهَبُ؟ فقلت: نعم، فالمعنَى: نعم أذهَبُ؛ فالجوابُ في الحديث تقديره: نَعَمْ على المرأةِ غُسْلٌ إذا احتلمَتْ. - الشبه: بفتحتين، جمعه أشباه، وهو المثلُ والمشابهة . قال في المصباح: أشبه الرجلُ أباه: إذا شاركه في صفة من صفاته. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - فيه ما في الحديث الذي قبله مِنْ إمكانٍ حُلْمٍ المرأة في المنام كالرجل، وأنَّها إذا احتلَمَتْ وأنزلت، وجَبَ عليها الغسلُ من الجنابة. ٢ - وفيه أنَّ شبه الولد (ذكرا أو أنثى) بأمِّه يكونُ مِنْ سبب مائها، الذي يلتقي بماء الرجل أثناء العمليّة الجنسيّة، فأي الماءين غلَبَ كان له الشبه؛ كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري، عن أنس؛ أنَّ النَّبِي وَّه قال: ((أمَّا الشبه في الولد، فإنَّ الرجل إذا غَشِيَ المَرأةَ فَسَبِقَهَا ماؤه، كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها، کان الشبه لها)). ٣- قانونُ الوراثة عند الأطباء هو انتقالُ العواملِ التي تسبِّب في تشابه الذرية (١) البخاري (٦١٢١)، مسلم (٣١٣). ٣٧٥ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب بالأب والأم، بواسطة عمليّة التناسُلِ في الحيوان، واكتُشِفَتْ أخيرًا الصِّبْغِيَّاتُ باعتبارها أساسًا ماديًّا بانتقال الصفات الوراثية، فیرث کُّ فردٍ من أبويه عند إخصاب البويضة بالخليّةِ الذَّكَرية، وليس هذا فحسبُ، بل إنَّ تأثير الوراثة ضِمْنَ الجِينَاتِ يمتدُّ عبر القرون ليتصلَ بالآباء والأجداد. فالعلمُ الحديثُ كشَفَ أن ضمن ((الجِينَاتِ)) تكمُنُ أسرار، يظهرها الله تعالى متى شاء، ومِنْ ضِمْنٍ تلك الأسرار: الصفاتُ والسيماتُ والملامحُ التي تعطي الإنسان صفته وشكله، واستعدادَهُ لكثيرٍ من الأخلاق والصفاتِ البدنية والنفسية، وهذا الاكتشافُ الجديد أظهَرَ معجزةً علميَّةً نبويَّة في الحديث الشريف، وهو قوله وَله: ((عسى أنْ يكونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ)) [رواه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠)]. ٤- قال الدكتور محمد علي البار: هذه كلمةٌ موجزةٌ عن قانون الوراثة التي تنتقلُ بموجبها الصفاتُ الخَلْقِيَّة من الأبوين إلى المولود. وخلاصةُ الكلام: أنَّ الصفاتِ الوراثيةَ إمَّا أنْ تكونَ ((سائدة))، أو ((متنخِّية)): فإذا كانتْ سائدة، فإنَّ وجودها في أحد الأبوَيْن يكفي لظهورها في نصف الذرية. وإنْ كانت متنحية، فإنها لا تظهر في الذرية إلاَّ إذا كانتْ هذه الصفةُ موجودةً في الأبوين كليهما، دون أنْ تظهر عليهما، فتظهَرُ على ربع الذرية، ويكونُ الربع الثاني خاليًا تمامًا من هذه الصفات. وبما أنَّ الصفاتِ الوراثيةَ محمولةٌ على ما يسمَّى ((الصِّبغِيات))، وبما أنَّ هذه الصبغيات تكونُ على هيئة أزواج في الخلايا الجسدية للأب أو للأم، فإنَّها تتعرَّض للانقسام الاختزاليٌّ في المبيض، لتكون البيضة في الخصية لیکوَّن الحيوان المنوي. ٣٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ١٨ ويمثِّل موضوعَ الوراثة قولُهُ تعالى: ﴿مِنْ أَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [عبس]. فالتقديرُ يكونُ في النطفة؛ فإنَّ الصفاتِ الوراثيةَ كلَّها ١٩ فَقَدَّرَمُ تحملها النطفة المذكّرة من الآباء والأجداد، وتَحْمِلها النطفة المؤنَّثة ((البويضة)) من جهة الأمُّ مِنْ آبائها وأجدادها. فقوله وَّه: ((فعسى أنْ يكونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ)) تقريرٌ لكيفيّةِ وراثةِ الصفات الوراثية ((المتنخِّية))، التي لا تكونُ ظاهرةً في الأبوين، ويكونان حامِلَيْنِ لها، فتظهر في بعض الأولاد، والله أعلم. ٣٧٧) كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهُ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعِ: مِنَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجُمُعَةِ، وَمِنَ الحِجَامَةِ، وَمِنْ غَسْلِ المَيِّتِ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ(١). * درجة الحديث: الحديث ضعيف، ومنهم من قوَّاه. رواه الحاكم (٢٦٧/١) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ونقل ابن عبدالهادي في المحرَّر عن الإمام البخاري أنَّه قال: رواة هذا الحديث كلُّهم ثقات، وتركه مسلم فلم يخرِّجه، ولا أراه تركه إلاَّ لطعن بعض الحفّاظ فيه، في حين نقَلَ المنذريُّ في تهذيب سنن أبي داود، عن الإمام البخاري؛ أنَّ حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك، ونقل عن أبي داود أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، وأنّه منسوخِ. وعلّة ضعفه: أنَّ في سنده مصعَبَ بنَ شيبة، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال أحمد: رَوَى أحاديث مناكير، وقال أبوحاتم: لا يحمدونه، وليس بالقوي، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال الدَّارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ، وقال ابن عدي: تكلّموا في حفظه. ووثَّقه كلٌّ من يحيى بن معين، والعجلي، ولكن الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل. والحديث الذي معنا صحَّحه ابن خزيمة، وضعَّفه كلٌّ من البخاري، والشَّافعي، وأبوداود، وابن المنذر، والخطابي. والغُسْلُ من الجنابة، وللجمعة، ومِنْ غسل الميت: ثبت بأحاديث أخر. (١) أبوداود (٣٤٨)، ابن خزيمة (١٢٦/١). ٣٧٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * مفردات الحديث: - أربع: لفظ العدد يؤنَّث مع المذكَّر، فيُقال: أربعةُ رجالٍ، ويذكَّر مع المؤنث فيُقال: أربعُ نساء، وذلك من الثلاثة إلى التسعة، وكذلك العشرة، إنْ لم تُرَكَّب. - الحِجَامة: بكسر الحاء: حِرْفَةُ الحَجَّام، وهي: امتصاصُ الدم بالمِحْجَم. - غَسْل الميت: بفتح الغين: تغسيله بعد وفاته، وغاسل الميت: هو من يباشر تقليبه وَدَلْكَهُ ولو بحائل، لا مَنْ يَصُبُّ الماء ونحوه. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديثُ على مشروعيَّة الاغتسال من هذه الأمور الأربعة الآتية: ( أ) الجنابة: والاغتسالُ منها واجبٌ إجماعًا، ونصوصُ ذلك في القرآن الكريم، وصحيح السنّة؛ كما تقدم بعضه. (ب) غسل يوم الجمعة: مستحبّ عند جمهور العلماء، وأوجبه بعضهم، وسيأتي ذكر خلافه، إنْ شاء الله، وسند من يرى الوجوبَ قولُهُ بَّهِ: ((غُسْلُ يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلم)) [رواه البخاري (٢٦٦٥) ومسلم (٨٤٦)]. (ج) الغسل من الحجامة: سُنَّةٌ وليس بواجبٍ لهذا الحديث، الذي لیس فيه إلاَّ فعله عليه السلام، وقيل: مباحٌ، ودليل الإباحة حديث أنس: ((أنَّ النَّبِي ◌َّ﴿ احتجم وصلَّى ولم يتوضأ)؛ والحديث ليس بالقوي. (د) الغسل من تغسيل الميت: لحديث أبي هريرة أنَّ النَّبِي وَّ قال: ((من غسّل ميتًا فليغتسلْ)) [رواه أحمد (٩٥٥٣) والترمذي (٩٩١)]، وهو ضعيف؛ فقد قال الإمام أحمد وابن المديني: لا يصح في هذا الباب شيءٌ، وقال الذهبي: لا أعلم فيه حديثًا، وحديثُ الباب ضعيفٌ، كما تقدَّم في بيان درجة الحديث. ٢- في الحديث دليلٌ على القاعدة الأصولية: (إنَّ دليل المقارنة ليس صحيحًا) فإنَّ الحديث جمع بين ما هو واجبٌ إجماعًا، وهو الغسل من الجنابة، وما ليس بواجبٍ إجماعًا، وهو الغسل من الحجامة؛ فهذا التفريق في نصٌّ واحد دليلُ ضَعْفٍ دلالة المقارنة . ٣٧٩ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ عِنْدَمَا أَسْلَمَ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ يَغْتَسِلَ)) رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . ** درجة الحديث: الحديث صحيحٌ؛ فقد رواه البيهقي (٦٦/٩) من طريق عبدالرزاق، وسنده صحيح من رجال الشيخين، وأصله فيهما، وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة (١٢٥/١). * مفردات الحديث: - ثمامة: بضم الثاء المثلثة، وفتح الميم المخففة. - ابن أثال: بضم الهمزة، هو الحنفيُّ من سادات بني حَنِيفَةَ في اليمامة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ من موجبات الغسل إسلامَ الكافر، ولو مرتدًا. ٢ - ظاهرُ الحديث وجوبُ الغسل، سواءٌ وجد منه في كفره ما يوجب الغسل، أو لا . ٣- قال الفقهاء: الحكمةُ في وجوب الغسل عليه: أنَّ الكافر لا يَسْلَمُ غالبًا من جنابة، فأقيمتِ المَظِنَّةُ مُقَامَ الحقيقة؛ كالنوم. ٤ - قال الفقهاء: ولا يلزم الذي أسلم غسلٌ آخر، بسبب حدث وجد منه في حال كفره، بل يكفيه غسلُ الإسلام. ٥- قال الفقهاء: يستحبُّ للكافر إذا أسلَمَ أنْ يَخْلِقَ شعره، ويغسل ثيابه أو (١) البخاري (٢٤٢٢)، مسلم (١٧٦٤)، عبدالرزاق (٣١٨/١٠). ٣٨٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام يبدلها بغيرها؛ لما روى أبوداود (٣٥٦)، والبيهقي (٣٢٣/٨)، عن عُثَيْم بن كثير بن كليب الحضرمي، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّه أسلم، فقال له النَّبي ◌َّ: ((ألق عنك شَعْرَ الكفرِ)) قال النووي: إسناده ليس بالقوي؛ لأنَّ عُثَيْمًا ليس بمشهور، ولم يوثَّق، لكنَّ أبا داود رواه ولم يضعِّفه، وقد قال: إنَّه إذا ذكر حديثًا ولم يضعِّفه، فهو عنده صالح؛ فهذا الحديثُ عنده حسن. * خلاف العلماء: ذهب الإمامان مالك وأحمد: إلى وجوب الغُسْل عند الإسلام من الكفر، سواءٌ حصَلَ منه حال كفره ما يوجبُ الغُسْلَ، أو لا، وهو مذهب أبي ثور، وابن المنذر؛ مستدلِين بحديث الباب، وبما رواه أحمد والترمذي ((أنَّ قيس بن عاصم لما أسلم أمره النَّبِي وَّهِ أَنْ يغتسل))؛ قال الشيخ الألباني: إسناده صحيح، والأمر يقتضي الوجوب. وذهب الإمام الشَّافعي: إلى أنَّه لا يجب عليه الغسل، إلاَّ أنْ يكون وجد منه حال کفره ما یوجب الغسل . وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنَّه لا يجب عليه الغسلُ بحال. ودليلُ هؤلاء: أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وأنَّ الجمَّ الغفير أسلموا فلو أمر كلَّ من أسلم بالغسل، لنقل نقلاً متواترًا، أمَّا حديث قيس بن عاصم: فيحمل على الاستحباب، قال الخطابي: وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم. * تحقيق الخلاف: قول الإمام الشافعي بأنَّ مَنْ وُجِدَ منه حالَ كفره ما يوجبُ الغسلَ وجَبَ عليه الغسلُ عند إسلامه، ومَنْ لا، فلا يجبُ عليه: قولٌ لا يؤيِّده دليل؛ لأنَّه لم ينقلْ أنَّ النَّبيَّ وَّه كان يستفسرُ ممَّن دخل الإسلام عن ذلك، ولو كان واجبًا، لسألهم، ولو سألهم، لنُقِل نقلاً متواترًا؛ لكثرة من يُسْلِمُ بمحضر الصحابة. يبقى علينا القولُ بوجوبِهِ مطلقًا، أو استحبابِهِ مطلقًا؛ فقصّة ثُمَامةَ بن أُثَالٍ