Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١) كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٨٢ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّ : ((لاَ يَمَسَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ وَهُوَ يَبُوْلُ، وَلاَ يَتَمَسَحْ مِنَ الخَلاَءِ بِيَمِيْنِهِ، وَلاَ يَتَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالَّلَفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * مفردات الحديث: - لا يمَسَنَّ: ((لا)) ناهية، والفعلُ مبنيٌّ على الفتح في محل جزم؛ لاتصاله بنون التوكيد، تقول: مَسِسْتُ الشيء، أي: أَفَضْتُ إليه بيدي من غير حائل. - ولا يتمسَّح: من باب التفقُّل الذي يشار به إلى التكلَّف، والمراد: الاستنجاء بيمينه، وأعم مِنْ أنْ يكونَ في القبل أو الدبر. - الخلاء: ممدودٌ، يطلق على الفضاء، والمرادُ به هنا: موضع الخارج من السبيل . - ولا يتنفّس في الإناء: من باب التفقُّل، يُقال: تنفّس يتنفس تنقُسًا. والتنفُس: إدخالُ النَّفَسِ إلى رئتيه وإخراجُهُ منهما، فتدخل الرِّيحُ وتخرُجُ من أنف الحيِّ ذي الرئة، والمراد هنا: التنفس في الإناء أثناء الشرب، والفعل (یتنفس)) مجزوم. وتروى الأفعال الثلاثة بالرفع على أنَّ ((لا)) للنَّفي دون النَّهي. * مايؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن مَسِّ الذَّكَرِ باليمنَى حال البول. ٢ - النَّهي عن مسِّ المرأة فرجَهَا باليمنَى حال البول. ٣- النَّهي عن الاستجمارِ باليمنَى، ومثله الاستنجاء بها . (١) البخاري (١٥٤)، مسلم (٢٦٧). ٣٤٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤ - وجوبُ اجتناب الأشياء النجسة، فإذا اضطرّ إلى مباشرتها، فليكن باليسار. ٥- بیانُ شرفِ الید الیمنی وفضلِها على اليد اليسرى. ٦- أنْ تُعَدَّ اليمنى للأشياء المستطابة؛ لما في الصحيحين: ((کان یعجبه التیمن في تنعله وطهوره وفي شأنه كله)). ٧- النَّهي عن التنفُس في الإنَاءِ حيث يكرهه مَنْ بعده، ولئلا يسقُطَ فيه شيءٌ من فضلات فمه أو أنفه، وربما عاد الضرر على الشَّارب أيضًا. ٨- العناية بالنَّظافة لا سيَّما في المأكولات والمشروبات التي يحصُلُ من تلوّثُها ضررٌ في الصحة. ٩ - سموُّ الشريعة الإسلامية حيثُ أمرَتْ بكلِّ نافع، ونهت عن كلِّ ضارٍّ؛ فهذا الحديثُ جمَعَ الأدبَ والتوجيه الرشيد في إدخال ما ينفع البدن ويغذيه، وفي حالِ إخراج فضلاته النجسة. خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل النهي الواردُ في الحديث للتحريمِ أو للتنزيه؟ : ذهب الظاهرية: إلى التحريم؛ أخذًا بظاهر الحديث. وذهب الجمهور: إلى أنَّه للكراهة، وأنَّ النَّهي إرشادٌ وتوجيهٌ، وهذا هو الرَّاجح؛ فإنَّ الشريعة الإسلامية فيها أوامرُ ونواهٍ في مسائلها وجزئياتها، والعلماء - تبعًا لهذه الأوامر والنَّواهي - مختلفون بين مَنْ يفهم منها الوجوبَ أو التحريم، وبين مَنْ يفهم منها الاستحباب أو الكراهة. وأحسَنُ مسلكِ في فهمها: هو أنْ نربط تلك المسائل الفردية بالقواعد الشرعية العامَّة، ومِنْ تلك القواعد: أنَّ الشريعة جاءتْ لإقرار المصالح ودفع المضار، سواءٌ أكانت تلك المصالح خالصةً أو راجحة، كما جاءت نواهيهاً ناهيةً عن كلِّ مفسدةٍ، سواءٌ أكانت خالصةً أو راجحة. فإذا طبَّقنا القواعد العامَّة تطبيقًا صحيحًا، كانت الأحكام واضحةً جليّة، ٣٤٣) كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة وقَبِلَتْهَا النفس بطمأنينة وارتياح؛ لأنَّ مَآَخِذَهَا واضحةٌ ظاهرة. وإذا طبَّقنا هذه النواهي على هذه القاعدة، وجَدْنا أنها ليسَتْ ممَّا يقتضي التحريمَ، وإنما هي أدبٌ وسلوكٌ وإرشادٌ مستحسن. وإذا طبّقنا هذه القاعدة على تلك النَّواهي، وجدناها نواهِي لا يقتضي تركها مفسدةً كبيرة، أو لا يمكنُ التحرُّزُ منها إلاَّ بهذا الأسلوب؛ فصارت عند جمهور العلماء مِنْ باب الآدابِ والتوجيهِ والإرشاد، وتركُهَا من الكراهة التنزيهية . ٣٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨٣ - وَعَنْ سَلْمَانَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((لَقَدْ نَهَانَا رَسُوْلُ اللهِ وَّه أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِيْنِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيْعٍ أَوْ عَظْمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - لقد: ((الَّلام)) للابتداء، وهي و((قد)) جاءتا لتوكيد الخبر. - القِبْلَة: بكسر القاف، وسكون الباء الموحدة: هي الكعبة المشرّفة. - أحجار: كسارة الصخور الصُّلْبة، واحده حَجَرٌ، وجمعه أحجارٌ وحِجَارة. - رجيع: الرجيع: بفتح الرَّاء، وكسر الجيم، بعدها ياء، وبعد الياء عين مهملة: هو روث ذي الحافر، وفي الحُكْم يشمله وغيره، وسيأتي إِنْ شَاءَ الله تعالى. - عظم: جمعه عِظَامٌ وَأَعْظُم، هو قَصَبُ الحيوان الذي عليه اللحم. قال الأطباء: العظم عُضْوٌ صُلْبٌ تبلغ صلابته إلی انّه لا يثنى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهي عن استقبال القبلة أثناء البول أو الغائط؛ لأنَّها قبلة الصلاة وغيرها من العبادات، وهي أشرف الجهات، وظاهر الحديث: أنَّه لا فرق في الاستقبال بين الفضاء وبين البنيان، وسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله؛ كما أنَّ النَّهي متوجّهٌ إلى الاستدبار؛ لما في الصحيحين، من حديث أبي أيوبٍ؛ أنَّ النَّبِي وَله قَال: ((إِذَا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبروها) - كما سيأتي في الحديث الذي بعده إن شاء الله تعالى - فلا تكون القبلة (١) مسلم (٢٦٢). ٣٤٥ كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة مُتَّجَهًا للنَّجاسات؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اَللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهٍ،﴾ [الحج: ٣٠]. ٢ - تعظيم الكعبة المشرّفة بتجنُّب كلِّ ما يَمَسُّ قدسيتها، ومقامها من المعاصي حولها؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نَّذِقَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥ [الحج] . ٣- تقديسُهَا بالطَّاعاتِ؛ كالحجِّ والاعتمار، والطواف، والصلاة، وسائر العبادات والقربات؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى [آل عمران]. لِلْعَلَمِينَ ﴾ ٤ - تعظيمُ البيت العتيقِ يشمَلُ حَرَمَهُ ممَّا أدخلَتْهُ الحدود التي تفصل الحَرَمَ من الحل، ويشمل المشاعر المقدسة من مقام إبراهيم وزمزم والصفا والمروة والمسعى وعرفات ومزدلفة ومنى والجمرات، فكلها من شعائر الله تعالى. ٥- على قاعدة أنَّ العبادات توقيفية، لا يُشْرَعُ منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله، فإِنَّها لا تدخُلُ هذه المشاعر في الحكم مع الكعبة المشرّفة بالنَّهي عن استقبالها واستدبارها بالبول والغائط، وإنَّما توافقها في أصل التعظيم. ٦ - النَّهْيُ عن الاستنجاء، أو الاستجمار باليد اليمنى؛ تكريمًا لها، فيكون الاستنجاء باليد اليسرى، ما لم يكن فيها خاتمٌ فیه ذِکرُ اسم الله، فيجعله في باطن يده اليمنى. ٧- النَّهْيُ عن الاستجمار بأقلَّ من ثلاثة أحجار، ويقيّد هذا النَّهي بما إذا لم يرد إتباع الحجارة الماء، أمَّا إذا أراد إتباعها، فلا بأس من الاقتصار على أقلّ من ثلاثة؛ لأنَّ القصد هُنا هو تخفيف النَّجاسة عن المكان فقطْ، لا التطهُّرُ الكامل . ٨- ذِكْرُ الأحجار بناء على الأغلب في أعمال المستجمرين، وإِلاَّ فالقصدُ التطهُّر بالحجارة، أو ما قام مقامها في الإنقاء؛ مِنَ الأخشاب، أو الخرق، أو الورق ٣٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام المنشف، ونحو ذلك؛ لأنَّ الغرض التطهير، لا نوعٌ بعينه . ٩- ليس المراد بالأحجار عددها، وإنَّما المراد بذلك المسحات. قال في الروض وحاشيته: ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر، إنْ لم يحصُلِ الإنقاءُ بثلاث، ولو كانتِ الثلاثُ بحجرِ ذي شعب أجزت إنْ أنقت؛ لحديث جابر: «فليمسح ثلاث مرّات)»، فبيَّن أنَّ الغرض عدد المسحات لا الأحجار، ولأنَّ يحصُلُ بالشعب الثلاث ما يحصُلُ بالأحجار الثلاثة من كلِّ وجهٍ، فلا فرق. ١٠ - والإنقاءُ بالحجر أنْ لا يبقى أَثَرٌ يزيله إلاَّ بالماء، قال الشيخ تقي الدِّين: علامة الإنقاء أنْ لا يبقى في المحلِّ شيءٌ يزيله الحجر. ١١ - النَّهْيُ عن الاستجمار بالرجيع؛ لأنَّه إمَّا نجس، وإِمَّا لأَّه عَلَفُ داوبٌّ الجنِّ. ١٢ - النَّهي عن الاستجمار بالعظم؛ لأنَّه إمَّا نجس، وإمَّا لأنَّه طعام الجِنِّ أنفسهم. ١٣ - لعلَّ قائلاً يقول: إنَّنَا لا نرى الجنَّ ولا دوابَهم، ولا نتصوَّر وجود لحم ينبت على العظم؛ ليكون طعامًا لهم، ولا نتصوَّر كيف يكون الروث علفًا لدوابهم: والجوابُ: أنَّ مثل هذه الأمور من الأحكام السمعيّة التوقيفية يجبُ الإيمان بها، متى صحَّتْ أخبارها، ولو لم ندرك كيفيتَها؛ فنحن لم نؤتَ من العلم إلاَّ قليلاً، وهُناك عالمٌ غيبيٌّ لم نطلع عليه ولا على أحواله، والإيمان به من الإيمان بالغيب الذي مدح الله تعالى أهله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ [البقرة: ٣]. ١٤ - قال الفقهاء: والإنقاء بالماء: الصَّبُّ مع الدَّلك، حتَّى يعود المحل كما كان قبل خروج الخارجِ، ويسترخي قليلاً. ٣٤٧ كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٨٤ - وَلِلسَّبْعَةِ عَنْ أَبِي أَيُّوْبَ الأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوْهَا بِغَائِطٍ وَلاَ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوْا أَوْ غَرِّبُوا))(١). * مفردات الحديث: - لا تستقبلوا: ((لا)) ناهية، والفعل بعدها مجزومٌ بها. - شرِّقوا أو غرِّبُوا: من التشريق أو التغريب، أي: اجعلوا وجوهكم قِبَلَ المشرق أو قِبَلَ المغرب، حال قضاء الحاجة، وهو خطابٌ لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك، ممَّن إذا شرَّقوا أو غرَّبُوا لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - النَّهيُ عن استقبال أو استدبار القبلة، أثناء البول أو الغائط. ٢ - الأمرُ بالتشريق أو التغريب حتَّى ينحرف عن استقبال القبلة واستدبارها. ٣- الأصلُ: أنَّ أمر الشَّارع ونهيه عامَّان لجميع الأمَّة، ولكن قد یکونان خاصَّین لبعض الأمَّة؛ فإنَّ قوله وَ له: ((ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا)) أمرٌ بالنسبة لأهل المدينة المنوَّرة، ومَنْ هم في سَمْتهم ممَّن إذا شرَّق أو غرَّب، لا يستقبل القبلة. ٤ - الحكمة في هذا هو تعظيمُ الكعبة المشرَّفة، وتقدّم الكلام عليه . ٥- حسنُ تعليمِ النَّبِيِّ وَّةِ؛ فإنَّه لمَّا بين الجهة المحرَّمة في الاستقبال والاستدبار، عَلَّمَهُم مخرجًا مباحًا، فلم يَسُدَّ عليهم الباب ويتركهم، ولكنَّه أرشدهم إلى الطريق المباحة، وله ◌َّل﴿ه في مثل هذا قضايا كثيرة، مثلُ إرشادِهِ جابي التمر من خيبر: (بع الجمع بالدراهم، ثمَّ اشتر بالدَّراهم جنيباً)). (١) البخاري (١٤٤)، مسلم (٢٦٤)، أحمد (٢٣٠٤٧)، أبوداود (٩)، الترمذي (٨)، النسائي (٢١)، ابن ماجة (٣١٨). ٣٤٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦ - هذا المنهج الحكيم في الفتوى هو الذي يتعيَّن على المفتين أنْ يسلكوه؛ فإنَّ وَصْدَ الباب أمامَ المستفتي بالتحريم، والسكوت عن مسألة النَّاس، وهم في حاجةٍ إليها، ويوجد في الشريعة طريقٌ مباحٌ بدلاً عنها يمكنُ سلوكُهَا: ممَّا يسبِّب للنَّاسِ الحَرَجَ والضيق في شريعةٍ وسَّعها الله عليهم، أو يسبِّبُ الإقدامَ على الحرام. خلاف العلماء: جاء في البخاري (١٤٥) ومسلم (٢٦٦) عن ابن عمر قال: ((رقيت يومًا على بيت حفصة، فرأيتُ النَّبِيَّ وَيهِ يقضي حاجته مستقبلاً الشَّام، مستدبرًا الكعبة))، ومن أجل هذا الحديث اختلف العلماء: . فذهب ابن حزم: إلى تحريم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة مطلقًا، في الفضاء والبنيان، ويروى هذا القول عن أبي أيوب ومجاهد والنخعي والثوري والشيخ تقي الدِّين وابن القيم. واحتجوا بحديث أبي أيوب؛ فإنَّ القول لا يعارض الفعل في حديث ابن عمر؛ فإنَّ الفعل يحكى ويحتمل الخصوصية أو النسيان أو العذر، وأمَّا القول: فهو محكّمٌ لا تتطرّق إليه احتمالات. وذهب إلى جواز الاستدبار مطلقًا: عروة بن الزبير وربيعة وداود؛ محتجِین بحديث ابن عمر الذي في الصحيحين، فقد خصَّص الاستدبار من حديث أبي أيوب، أمَّا الاستقبال: فیبقی داخلاً في عموم حديث أبي أيوب من عدم الجواز. وذهب إلى التَّفصيل، وهو جوازه في البناء، وتحريمه في الفضاء الأئمة: مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق، وهو مرويٍّ عن ابن عمر، والشَّعبي. وقالوا: إنَّ الأدلَّة تجتمع في هذا القولُ، ويحصل إعمالها كلها . قال الصنعاني: وهذا القول ليس ببعيد؛ لإبقاء أحاديث النَّهْي على بابها، وأحاديثٍ الإباحة كذلك. قلت: وهذا هو الرَّاجحُ من الأقوال الثلاثة، وبالله التوفيق. ٣٤٩) كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ النَّبِىَّ قَالَ: ((مَنْ أَتَى الْغَائِطَ، فَلْيَسْتَتِرْ)) رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ(١). * درجة الحديث: إسناده حسن عن أبي هريرة، أمَّا عن عائشة فوهمٌ. روى الحديثَ أصحابُ السنن عن أبي هريرة، ورواه أيضًا ابن حبَّان (٤/ ٢٥٧)، والحاكم (٢٦٠/١)، والبيهقي (٩٤/١)، قال المحدِّثون: ومداره على أبي سعيد الحمصي الحبراني، قيل: إنَّه صحابي، ولكن لا يصح، والرَّاوي عنه حصين الحبراني، وهو مجهول، قال أبو زرعة: شيخٌ صدوق، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وذكر الدَّار قطني الاختلاف فيه في العلل. ونقل الشيخ السَّاعاتي في الفتح الرَّباني (٢٦٢/١) ما يثبت أنَّ أبا سعيد الخير هو من الصحابة، ونقل عن الحافظ ابن حجر في الفتح بأنَّ إسناد هذا الحدیث حسن. كما صحَّحه ابن حبَّان والحاكم والنووي وابن الملقِّن. * مفردات الحديث: - من: شرطية، وفعل الشرط ((أتى)). - فليستتر: جواب الشرط، و((الفاء)) جيء بها للرَّبط؛ لأنَّ الجواب فعلٌ طلبيٌّ، وهو من المواضع الاثنيْ عشَرَ التي يجب أنْ يُرْبَطَ فيها جوابُ الشرط بالفاء. والاستتار: أنْ يجعل بينه وبين النَّاس سترة تمنع رؤية عورته. (١) أبوداود (٣٥). - ٣٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١- الأمر بالاستتار حال قضاء الحاجة، سواءٌ للغائط أو البول. ٢ - وجوب الاستتار وتحريم كشف العورة في هذه الحال وفي غيرها، إلاَّ ما استثني للحاجة . ٣- أمَّا ستر بقيّة الجسم أثناء قضاء الحاجة عن أنظار النَّاس، فإنَّه من الآداب الكريمة، والأخلاق الفاضلة، فلا ينبغي أنْ يقضي حاجته أمام النَّاس، ولو لم يَرَوْا عورته؛ فقد كان ◌َّ يبتعد عن النَّاس؛ كما في حديث المغيرة المتقدِّم برقم (٧٩). ٣٥١) كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - ((أَنَّ الشَّبِيَّ وَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ، قَالَ: ◌ُفْرَانَكَ)) أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ و(١) وَالحَاكِمُ(١). درجة الحديث: الحدیث صحیح. أخرجه الخمسة، وصحَّحه أبوحاتمِ الرَّازي، والحاكم، وابن خزيمة (٤٨/١)، وابن حبَّان (٢٩١/٤)، وابن الجارود (٢٣/٢)، والنووي والذَّهبي. * مفردات الحديث: - الغائط: قال القرطبي: أصل الغائط: ما انخفض من الأرض، وكانت العرب تقصد هذا الصنفَ من المواضع لقضاء حاجتها؛ تستُّرًا عن أعين النَّاس، ثمَّ سُمِّيَ الحدثُ الخارج من الإنسان غائطًا للمقاربة؛ فهو اسمٌ عرفيٍّ لا لُغويٌّ. - غفرانك: هو مصدر كالشُّكْران، وأصلُ الغَفْرِ في اللغة الستر مع الوقاية، ومنه اشتُقَّ الِمِغْفَرُ في الحرب، الذي يستر الرَّأْس ويَقِيهِ من السلاح، ومن أسماء الله الحسنى: الغفورُ، أي السَّاتر، ونصب هنا على أنَّه مفعول لفعل محذوف، أي أسألك غفرانك، فهو سؤال العبد ربَّه سَتْرَ ذنوبِهِ وعيوبِهِ، وعفوَهُ عنها. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب قول: ((غفرانك)) بعد قضاء حاجته وخروجه من المكان الذي قضى فيه حاجته، ودلالته على الاستحباب؛ لأنَّه لم يأت من الأدلة إلاَّ مجرَّد (١) أحمد (٢٤٦٩٤)، أبوداود (٣٠)، الترمذي (٧)، النسائي في الكبرى (٢٤/٦)، ابن ماجة (٣٠٠)، علَّل ابن أبي حاتم (٤٣/١)، الحاكم (٥٨/١). ٣٥٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام قوله بنفسه ے، ولم یکن بیانا لمجمل يأخذ حكمه. ٢- معنى ((غفرانك)) أي: أسألك غفرانك من الذنوب والأوزار؛ فهو منصوب بفعلٍ محذوفٍ. ٣- مناسبة هذا الدُّعاء: أنَّ الإنسان لما خفَّ جسمه بعد قضاء الحاجة، وارتاح من الأذى الماديِّ الذي كان يثقله، ذَكَرَ ذنوبَهُ التي تثقل قلبه وتغم نفسه ويخشى عواقبها، سأل الله تعالى أنَّه - كما مَنَّ عليه بالعافية من خروج هذا الأذى - أنْ يَمُنَّ عليه، فيخفّفَ عنه أوزاره وذنوبه؛ ليخف ماديًّا ومعنويًّا. ٤- نظير هذا: ما جاء من الذِّكْرِ بعد الوضوء بقول: أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله ... إلخ؛ فإنَّ المتوضىء لما طهر ظاهره، سأل الله أنْ يطهِّر باطنه بهذه الشهادة. ٥ - وردتْ أدعيةٌ أُخرى مرفوعة، ولكن كل أسانيدها ضعيفة. قال أبوحاتم: أصح ما في الباب حديث عائشة. ٣٥٣ كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٨٧ - وَعَنِ ابنِ مَسْعُوْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((أَتَى النَّبِيُّ ◌َل مِنَ الغَائِطِ، فَأَمَرَّنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَىُ الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: ((إِنَّهَا رِكْسٌ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ أَحْمَدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ: ((اثْنِي بِغَيْرِهِ))(١). * مفردات الحديث: - روثة: هي بفتح الرَّاء، وسكون الواو، جمعها رَوْثٌ وأرواث، وهي فضلةُ الدَّابة ذات الحافر، وأكثرها الحمير، ويؤيد ذلك رواية ابن خزيمة: ((كانت روثة حمار)). - رِكْس: بكسر الرَّاء، وسكون الكاف، بعدها سين مهملة، جمعه أركاس، والمعنى: رجس. قال العيني: الرِّجْس والرِّكْس قيل: القذر، وقيل: إنَّ الرِّكْس هو الرِّجْس، وقيل غير ذلك. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الروثة هي فضلة الحمار ونحوه مِنْ ذوات الحافر، وقد جاء في زيادة ابن خزيمة: ((إنَّها كانت روثة الحمار))؛ فيكون ابن مسعود أتاه بروثة حمار، فألقى الروثة ولم يستعملها، وقَبِل الحجرين، وأمره أنْ يأتيه بغير الروثة بدلاً عنها . ٢ - ظاهر الحديث أنَّ النَّبِي وَ لَّه يريدُ الاقتصار في الاستنجاء على الحجارة؛ ذلك أنَّه طلب ثلاثة أحجار؛ إذ أنَّها أدنى حد للحجارة المطهّرة وحدها؛ كما تقدَّم (١) البخاري (١٥٦)، أحمد (٤٢٨٧)، الدَّار قطني (٥٥/١). ٣٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام في حديث سلمان: ((أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجار))، ولو أراد أنْ يُتْبعَ الحجارة الماء، لَمَا عيَّن الثلاثة، ولما طلب حجرًا ثالثًا بدل الروثة التي ردَّها. والذي يريد أن يتبع الحجارة الماء، يكتفي بما تيسّر حصوله لتخفيف النَّجاسة، والتقليل من مباشرتها، وإِلاَّ فالماءُ وحده كافٍ؛ كما في ((حديث أهل قباء)) الآتي إن شاء الله. ٣- الحديث يدل على أنَّه يحرُمُ الاستنجاء بالروثة؛ لأنَّها رِجْسٌ نجس، وتقدَّم أنَّ الروثة هي فضلة ذوات الحافر، والمستعمل من هذه الفصيلة الحيوانية هو الحمار النجس. ٤ - قال الفقهاء: الأفضلُ قطعُ الاستجمار على وتر، والحدیثُ یدُُُّ علی ذلك؛ فإنَّه طَلَبَ ثلاثة أحجار، ولمَّا ردَّ الروثة، طلب بدلها، ولعلَّ هذا مراعاةً للإنقاء والإيتار، فالإنقاء لا بدَّ منه، وأمَّا الإيتار فمستحب. ٥- تقدَّم في حديث سلمان: أنَّ المراد هو المسحات الثلاث، ولو بحجر واحد ذي ثلاث شُعُب. ٦ - فيه دليلٌ على حُسْنِ تعليم النَّبِيِّ بَّه؛ فإنَّه لمَّا ردَّ الروثة، أعلم ابن مسعود بسبب ذلك، ولم يردَّها ويطلب غيرها، ويسكت. ٣٥٥ كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ (وَلَه نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمِ أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ)) رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ وَصَخَّحَهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. فالبخاري أخرج في صحيحه قريبًا منه، وقال المجد في المنتقى: رواه الدَّارقطني، وقال بعد إخراجه: إسناده صحيح؛ وكذا قال ابن دقيق العيد في الإلمام، وقال الحافظ : سنده حسن. والنَّهي في الباب ((نهى أنْ يستنجى ... إلخ)) جاء عن الزبير رواه الطبراني بسندٍ ضعيف، وعن جابر رواه مسلم، وعن سهل بن حنيف رواه أحمد وإسناده واهٍ، وعن سلمان رواه مسلم، وعن ابن مسعود رواه البخاري. مفردات الحديث: - أنْ يُسْتَنْجَى: الاستنجاء إزالة النَّجْو، وهو الغائطُ، وتقدَّم معنى الغائط. - بعظم: هو العظمُ المعروف، وهو قَصَبٌ يَنْبُتُ عليه اللحم. - رَؤْث: جمع روثة، فضلة الدَّابة ذات الحافر، وأكثرها الحمير. - إنَّهما لا يطهِّران: تعليل للنَّهي عن الاستنجاء بهما. * ما يؤخذ من الحديث: ١- النَّهي عن الاستنجاء بالعظم، وأنَّه لا يطهر. ٢- الحكمة في ذلك: ما جاء في البخاري أنَّ أبا هريرة قال: يا رسول الله! مابال (١) الدَّارقطني (٥٦/١). ٣٥٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام العظم؟ فقال: ((هي طعام إخوانكم من الجنِّ)). ٣- النَّهي عن الاستنجاء بالرَّوْث، وأنَّها لا تطهِّر. ٤ - الحكمة في ذلك: ما جاء في الحديث السّابق: ((إنَّها رِكْسٌ)) أي: نجس. ٥- في الحديث دلالة على أنَّ الاستنجاء بالأحجار يطهِّر، ولا يلزم بعدها الماء؛ لأَنَّه علَّل بأنَّ العظم والرَّوث لا يطهِّران؛ فدلَّ على أنَّ الأحجار تطهِّر. ٦ - إذا كان الاستنجاء بالعظم لا يجوز لكونه طعام الجنِّ، فإنَّ تحريم طعام الإنس من باب أولى بالتحريم. ٧- كلُّ ما يقوم مقام الحجارة مِنَ الأعواد، والأخشاب، والخرق، والأوراق المنشِّفة، وغيرها ممَّا لم يُمْنَع الاستجمار به، تحصل به الطهارة. خلاف العلماء: المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ الاستجمار بالحجارة ليس مطهّرًا للمحل، وإنَّما هو مبيحٌ للصَّلاة ونحوها؛ وبناءً عليه: فإنَّ أثر الاستجمار نجس، وإنَّما يُعْفىُ عن يسيره. قال في الإنصاف: وعليه جماهيرُ الأصحاب. والرِّواية الأُخرى: أنَّه مطهِّرٌ؛ اختاره جماعة. والحديثُ الذي معنا يدلُّ على طهارة المحلِّ بعد الاستجمار؛ لقوله وَله: ((لا يطهران)) يعني: العظم والروث؛ فدلَّ على أنَّ الحجارة وحدها تطهِّر. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيحُ: أنَّ الاستجمار مطهِّر للمحل بعد الإتيان بما يعتبر شرعًا؛ للنَّص الصحيح أنَّه مطهّر. والاستجمار الذي تحصُّلُ به الطهارة هو الإنقاءُ بالحجارة ونحوها، بحيث لا يبقى من النَّجاسة إلاَّ أَثَرٌ لا يزيله إلاَّ الماء. ٣٥٧) كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِّهِ: (اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ)) رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ. وَلِلْحَاكِمِ: ((أَكْثَرُّ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ البَوْلِ))، وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ (١). * درجة الحديث: الحديث صحيح . وله شاهدٌ في الصحيحين، في تعذيب أحد صاحبي القبرَيْن بسبب عدم تنزّهه من البول، وأَمَّا زيادة الحاكم، فقال المصنِّف: صحيحُ الإسناد، وصحَّحه الدَّار قطني، والنووي، والشوكاني. * مفردات الحديث: - استنزهوا من البول: يُقال: نَزُهَ يَنْزُهُ نَزها: باعد نفسه ونخَّاها عن القبيح، فالمعنى: اطلبوا النَّزاهة بابتعادِكُمْ عن البول، فالنَّزاهة: هي البعد عمَّا يستكره. - عامَّة عذاب القبر منه: مؤنَّثُ عامِّ، أي: أكثر عذاب القبر سَبَبُّهُ عدمُ التنُّه من البول؛ كما جاء في رواية الحاكم: ((أكثر عذاب القبر من البول)). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحرص على التنُّه والابتعاد من البول بأنْ لا يصيبه في بدنه ولا ثوبه. ٢- الأفضلُ المبادرةُ بغَسْله، والطَّهارةُ منه بعد إصابته؛ لئلاّ تصاحبه النَّجاسة، أمَّا وجوبُ إزالتها: فيكون عند الصلاة. ٣- أنَّ البول نجس، فإذا أصاب بدئًا أو ثوبًا أو بقعةً، نجَّسها؛ فلا تصح بذلك (١) الدَّارقطني (١٢٨/١)، الحاكم (٢٩٣/١). ٣٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الصلاة؛ لأنَّ الطهارة من النَّجاسة أحد شروطها . ٤ - أنَّ أكثر عذاب القبر من عدم التحرُّز من البول؛ كما جاء في الصحيحين أنَّ النَّبِيِ وَُّ مرَّ بقبرين فقال: ((إنَّهما يعذَّبان وما يعذَّبان بكبير، أمَّا أحدهما: فكان لا يستبرىء من البول، وأمَّا الآخر: فكان يمشي بالنَّميمة)). ٥ - إثبات عذاب القبر، وأنَّه حقٌّ؛ ففي البخاري (١٣٧٢)، ومسلم (٥٨٦) عن عائشة قالت: سألتُ النَّبيَّ عن عذاب القبر؟ قال: ((نعم، عذاب القبر حق)). ومذهبُ أهل السنّة: أنَّ عذاب القبر على الرُّوح والبدن. قال شيخ الإسلام: العذابُ والنَّعيمُ على النَّفْسِ والبدن جميعًا، باتفاق أهل السُّنَّةِ والجماعة. ٦ - إثباتُ الجزاء في الآخرة، فأوَّلُ مراحل الآخرة هي القبورُ، فالقبر: إمَّا روضةٌ من رياض الجنَّة، أو حفرةٌ من حُفَرِ النَّار. ٧- قال شيخ الإسلام: الصحيحُ جوازُ ملامسة النَّجاسة للحاجة إذا طهَّر بدنه وثيابه عند الصلاة، ولا يكره ذلك في أصحِّ الرِّوايتين، وهو قول أكثر الفقهاء. ٨- قال الشيخ: قوله عليه الصلاة والسَّلام: ((فإنَّه لا يتنزَّه من بوله)) الاستبراء لا يكونُ إلَّ مِنْ بَوْلِ نفسه، الذي يصيبه غالبًا في فَخِذَيْهِ وساقيه، وربّما استهان بإنقائه، ولم يُحكِم الاستنجاء منه. ٣٥٩ كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٩٠ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((عَلَّمَنَ وَلِّهِ في الخَلَاءِ أَنْ نَفْعُدَ عَلَى الْيُسْرَىْ وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى)) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيْفٍ(١). · درجة الحديث: الحدیث ضعيف. قال الإمام النووي - رحمه الله - في المجموع (٨٩/٢): الحديث ضعيف لا يحتجُّ به، لكن يبقى المعنى، ويُسْتأنس بالحديث. قال في التلخيص: رواه الطبراني، والبيهقي، من طريق رجل من بني مدلج عن أبيه، وفي إسناده من لا يُعْرَف، قال الحازمي: لا نعلم في الباب غيره، وادَّعى ابن الرفعة أنَّ في الباب عن أنس، فلينظر. اهـ. * مفردات الحديث: - الخلاء: بفتح الخاء والمد، أصله: المكان الخالي، فَسُمِّيَ به المكانُ المُعَدُّ لقضاء الحاجة، لخلوِّه من النَّاس، أو لِخَلْوة الإنسان به. - نقْعُد: يُقال: قَعَدَ يَقْعُدُ قعودًا، من باب نصر، والقعود: الجلوس، إلاَّ أنَّ القعود فیه لبث. - ننصب: نَصَبَ يَنْصِبُ نَصْبًا، من باب ضرب، أي: رفع، والمراد: أنْ يرفع رجله اليمنى حال قضاء الحاجة. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحبابُ نصبِ الرجل اليمنى، والتحامُلِ على الرِّجل اليسرى، وذلك أثناء (١) البيهقي (٩٦/١). ٣٦٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام قضاء الحاجة . ٢ - قال العلماء: إنَّ هذه الكيفية تسهّل خروج الخارج. ٣- أنَّ الشريعة المحمدية جاءتْ بکلِّ ما فيه صلاح، ونهت عن کلِّ ما فيه ضرر، وأنَّها لم تترك شيئًا من أمور العبادة إلاَّ بيَّنته، حتَّى في هذه الحال، وجَّهتهم إلی ما فیه راحتهم وصِخّتهم. ٤- قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: إنَّ أحسن طريقة فسيولوجية لقضاء الحاجة لإخراج الفضلاتِ: الجلوسُ على الأرض، والاتكاء على الرِّجْلِ اليسرى؛ وذلكَ أنَّ شكل المستقيم - وهو آخر الأمعاء الغليظة، وفيه تنخزن الفضلات - على شكل (٤)، فإنْ اتكأ على اليسرى؛ صار مستقيمًا، وسهُل نزولُ الغائط، كما أنَّ خَلْفَ المستقيم مِعَى غليظًا يدعى ((القولون السيني))؛ لأنَّه على شكل (س)، وكذلك يستقيم وضعه عند الاتكاء على الرّجل الیُسْرَى، وذلك كله من أسباب سهولة خروج الفضلات. ٥- لا شكَّ أنَّ هذا من الإعجاز العلمي في السنَّة المطهّرة، وأنَّ هذه التَّعاليم الحكيمةَ الرَّشیدةَ من حكيمٍ علیم.