Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٩ - وجوب غسل اليدين مع المرفقين .
١٠ - وجوب مسح الرَّأس؛ قال شيخ الإسلام: اتفق الأئمة على أنَّ السنَّة مسح
جميع الرأس؛ كما ثبت بالأحاديث الصحيحة.
١١- المسح مبني على التخفيف فلا يشرع تكريره، وإنَّما يقتصر فيه على مرَّة
واحدة، يُقْبِلُ الماسح بيديه ثمَّ يُدْبر؛ ليعم المسح جميع الرَّأس.
١٢ - الأذنان من مسمَّى الرأس؛ ولذا فإنَّ المشروع أنْ يُمْسَحَا بماءِ الرَّأس، ولا
يُؤْخَذ لهما ماء جديد غير ماء الرَّأس.
١٣- في الحديث التصريح بوجوب غسل الرجلين، والرد على من قال بمسحهما.
١٤ - فيه وجوب ترتيب غسل الأعضاء والموالاة بينها.
١٥ - ماجاء في هذا الحديث هو وضوء النَّبي ◌َّ الكامل.
١٦ - ينبغي للمتوضىء ولكلِّ قائمٍ بعبادةٍ من العبادات، أنْ يستحضر عند فعلها
ثلاثة أمور :
(أ) طاعة الله؛ لِتَعْظُمَ العبادة في قلبه .
(ب) التقرُّب إلى الله؛ ليصل إلى درجة المراقبة، فيحسن عبادته.
(ج) الاقتداء بالنَّبِي وَِّ؛ ليحصل على تحقيق المتابعة.
١٧ - الحديث اشتمل على الواجبات والمستحبات، والذي ينبغي للمسلم أنْ
يمتثل أمر الشرع، من دون نظر إلى أنَّ هذا واجب أو مستحب، وإنَّما يفعله
امتثالاً لشرع الله تعالى، واقتداءً بنبيّه وَّةِ، وطلبًا للأجر، ولا يأتي البحث
عن الحُكْمٍ إلاّ عند تركه، لينظر هل ترك واجبًا أو مستحبًّا؛ وهذا في حقِّ
المتعبد .
أمَّا البحث العلمي ومعرفة الأحكام، فيعرف هذا وهذا.
١٨- فيه التعليم بالقول والفعل، وهذا ما يُسمَّى في التربية: بوسائل الإيضاح،
وهذا التعليم عن طريق السمع والبصر.

٢٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١٩ - لم يصرِّح في هذا الحديث بالمضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو بأكثر،
وقد يؤخذ منه الأول؛ لأنَّه ذكر تكرار غسل الوجه والكفين، وأطلق أخذ
الماء للمضمضة والاستنشاق، وحديث عبدالله بن زيد يدل على أنهما من
غرفة واحدة .
٢١ - الاستنثار يكون باليد اليسرى، وليس في الحديث ما يقتضي أنَّه بالیمین.
٢٢ - جواز الاستعانة بإحضار الطَّهُور.
٢٣- المضمضة أصلها يشعر بالتحريك؛ فيدل على تحريك الماء في الفم.
خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة وسفيان وغيرهم: إلى عدم وجوب المضمضة
والاستنشاق، وأنَّهما مستحبان فقط .
ودليلهم: ما جاء في الحديث: ((عشر من الفطرة ... )) [رواه مسلم
(٢٦١)]، ومنها الاستنشاق، والسنَّة غير الواجب. وهذا الاستدلال ضعيفٌ
جدًّا؛ فإنَّ السنَّة في الحديث هي الطريقة، لا أنَّها العمل الذي يُثاب فاعله ولا
يعاقب تاركه؛ فإنَّ هذا الاصطلاح أصوليُّ متأخِّرٌ.
كما استدلُّوا بآية المائدة، وهو استدلال فيه نظر؛ لأنَّ الفم والأنف من
مسمَّی الوجه.
وذهب الإمام أحمد: إلى وجوب المضمضة والاستنشاق؛ وهو مذهب
ابن أبي ليلى، وإسحاق، وغيرهما.
استدل الموجبون بأدلَّةٍ منها :
أوَّلاً: استمرار النَّبي ◌َّة على إتيانه بهما، وعدم إخلاله بذلك؛ ممَّا يدل على
الوجوب، فلو كانا مستحبين، لتركهما ولو مرَّة لبيان الجواز، والفعل
المقترن بالأمر دليل الوجوب، وقد أمر الله بهما بقوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ﴾ فهما من الوجه داخلان في حدوده.

٢٠٣
كتاب الطهارة - باب الوضوء
ثانيًا: حديث عائشة أنَّ النَّبِي وَلّهِ قال: ((المضمضة والاستنشاق من الوضوء
الذي لابدّ منه))؛ رواه أبوبكر في ((الشَّافي)).
ثالثًا: ما أخرجه مسلم (٢٣٧) عن أبي هريرة أنَّ النَّبِي وَّ قال: ((إذا توضأ
أحدكم، فليستنشق بمنخریه من الماءِ، ثمَّ لیستنثر)).
رابعًا: ما أخرجه أبوداود والدَّار قطني عن لَقِيطِ بن صبرة أنَّ النَّبِيِ وَّهِ قال: ((إذا
توضأت، فمضمض)).
خامسًا: الأمر بغسل الوجه بقوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أمرٌ بغسلهما؛
فإنَّ الفم والأنف من الوجه؛ لأنَّهما عضوان ظاهران داخلان في
مسمّاه، كما تقدَّم.
فالأرجح صحّة المذهب الأخير؛ لقوّة أدلته، وعدم ما يعارضها .

٢٠٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣١- وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ
قَالَ: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ،
◌ِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ، بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّه أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ(١).
: درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
فقد أخرجه الثلاثة بإسنادٍ صحيح، وقال الترمذي: إنَّه أصح شيءٍ في
الباب.
قال في المحرَّر: رواته صادقون مخرَّج لهم في الصحيح.
وأخرجه أبو داود من ست طرق.
وروي عن سلمة بن الأكوع، وعبدالله بن أبي أوفى، وأنس مثله، أي:
مثل حديث علي.
قال الحافظ: وإسناده صالح.
* مفردات الحديث:
- مسح: يتعدَّى بنفسه؛ فالباء زائدة مؤكِّدةٌ أنَّ المسح إنَّما هو لعموم الرَّأس.
قال النحاة: والإلصاق لا يفارق الباء في جميع معانيها فتكون ـــ هنا - لهذا
المعنى .
(١) أبوداود (١١٥)، الترمذي (٣٢)، النسائي (٩٢).

٢٠٥
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدِ بنِ عَاصِمٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - في
صِفَةِ الوُضُوءِ قَالَ: ((وَمَسَحَ رَسُوْلُ اللهِهِ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَذْبَ))
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظِ لَهُمَا: ((بَدَأَ بِمُقَدَّم رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَىْ قَفَاهُ، ثُمَّ
رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ)) (١).
* مفردات الحديث:
- فأقبل بيديه وأدبر: فسَّر الإقبال باليدين والإدبار في الرواية الأخرى، بأنَّه بدأ
من مقدم رأسه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه.
- بدأ: بدأتُ الشيءَ: ابتدأتُ به، وبدأتُ الشيءَ: فعلته ابتداءً، أما ((بدا)) بلا
همزة في آخره، فمعناه: ظهر .
ـ ومقدم الرَّأْس: ابتداؤه من منابت شعر الرّأس المعتاد غالبًا .
- القفا: مقصور، وقد يمد، وهو مذكَّر، جمعه: أَقْفٍ وأقفية، وهو مؤخّر
العنق، والمراد هنا: أعلى مؤخّر العنق.
(١) البخاري (١٨٥)، مسلم (٢٣٥).

٢٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٣- وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - فِي صِفَةٍ
الوُضُوْءِ قَالَ: ((ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبََّحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ،
وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ
ابْنُ خُزَيْمَةَ(١).
* درجة الحديث:
الحديث حسنٌ. رواه أبو داود بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه،
قال المنذري في تهذيب السنن: أخرجه النسائي (١٤٠) وابن ماجه (٤٢٢).
وعمرو بن شعيب تَرَكَ الاحتجاجَ به جماعةٌ من الأئمة، قال ابن عدي:
أحاديثه عن أبيه عن جدِّه عن النَّبي ◌َّاجتَنْبَهَا النَّاس، ولم يُدْخِلوها في الصحاح.
وقال أبوالحسن بن القطّان: عمرو بن شعيب عندنا واهٍ. وقد وثّقه
بعضهم؛ قال العجلي: ثقة، وقال ابن معين وأحمد: رُبَّما احتججنا به، وقال
البخاري: رأيت أحمد والحميدي وإسحاق يحتجون بحديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جدِّه.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث صحيح على طريقة من يُصَحِّحون
حدیث عمرو بن شعيب؛ لأنَّ إسناده صحيح.
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: عمرو بن شعيب ضعَّفه ناسٌ مطلقًا،
ووثّقه الجمهور، وضعَّف بعضهم روايته عن أبيه عن جدِّه.
وقال في التلخيص: جاء من طرق صحيحة، وقال ابن القيم: احتج بها
الأئمة الأربعة .
(١) أبوداود (١٣٥)، النسائي (١٤٠).

٢٠٧
كتاب الطهارة - باب الوضوء
قال محرِّره عفا الله عنه: والحديثُ له شواهدُ كثيرة، منها حديث
المقدام بن معديكرب عند أحمد (١٦٧٣٧) وأبي داود (١٢١)، وحديث الربيِّع
بنت معوِّذ عند أبي داود (١٢٩)، وحديث ابن عبّاس عند النسائي (١٠١)،
وصححه الترمذي (٣٦)، وبهذا فَمَسْحُ ظاهر الأذنين وباطنهما بإبهاميه اعتضد
بهذه الشواهد الجیاد، والحمد لله .
* مفردات الحديث:
- إصبعيه: تثنية إصبع، الإصبع مؤنثة، وكذلك سائر أسماء الأصابع، مثل
الخنصر، وفي الإصبع عشر لغات: إحداها بكسر الهمزة وفتح الباء؛ قال في
المصباح: وهي التي ارتضاها الفصحاء.
والإصبع أحد أطراف الكف أو القدم، جمعه أصابع، والمراد هنا أطراف
الكف، والمراد الأنملة، فهو مجاز من إطلاق الكلِّ على الجزء؛ كقوله
تعالى: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ◌َاذَانِهِم﴾ أي: أنامل أصابعهم.
- السباحتين: تثنية سباحة، هي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سُمِّيَتْ
بذلك؛ لأنَّه يُشارَ بها عند تسبيح الله تعالى، والمراد الأنملة منها.
- ظاهر أُذُنَيْه: أي: أعلاهما، والجزء الظاهر منهما.
- أذنيه: تثنية أذن، عضو السمع في الإنسان والحيوان مؤنثة، والجمع آذان.
- إِبْهَامَيْهِ: تثنية الإبهام، تُذَكَّر وتُؤْنَّث، جمعه بُهُم وأباهيم، والإبهام هي
الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد والرّجل، وهي ذات أنملتين، وهي
أنفع الأصابع، وأقربها إلى الرسغ.
* مَا يُؤْخذ من الأحاديث الثلاثة:
١ - حديث عليٍّ - رضي الله عنه - يدل على أنَّ مسح الرأس مرَّة واحدة، وأنَّ
المسح لا يُكَرَّر، كما يكرر الغسل؛ لأنَّ المسح أخف من الغسل، مخففٌ
في كيفيته وفي كميته، ولعلَّ الحكمة الرَّبَّانيّة في التخفيف في الرأس، من

٢٠٨)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
كونه يمسح مسحًا ولا يغسل، وأن مسحه مرَّة واحدة فلا يكرر، هو التيسير
على الأمة؛ فإنَّ الرَّأس موطن الشعر، فصَبُّ الماء عليه وتكريره، رُبَّما سبَّب
أذيَّةً ومرضًا، فخفَّف الله تعالى عن عباده.
٢ - حديث عبدالله بن زيد - رضي الله عنه - يدل على صفة المسح، وهو أنْ يبدأ
بمقدَّم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه، ثمَّ يردّهما إلى المكان الذي بدأ منه،
وتكون هذه الرواية مفسِّرة للرواية التي قبلها، من أنَّه ((أقبل بيديه وأدبر))؛
فإنَّ معنى أقبل بيديه، أي: بدأ بهما من قِبَل الرَّأس، وأدبر أي: عاد بهما من
دبره، والإقبال والإدبار باليدين يُعْتَبَرُ مسحةً واحدة لا مسحتين؛ لأنَّ شعر
مقدَّم الرأس متجه إلى الوجه، ومؤخر الرَّأس متجه إلى القفا، فإذا بدأ
بالمقدَّم مسح ظهور الشعر المقدَّم، وأصول الشعر المؤشّر، وإذا أدبر بهما
مسح ظهور الشعر المؤخَّر، وأصول الشعر المقدَّم؛ فالحكمة في الإقبال
والإدبار مسح وجهي الشعر، قال بعضهم: هذا المسح يقيم النائم، وينيم
القائم؛ فحصل مسحة واحدة لا مسحتان، وليست هذه الصفة واجبة، فعلى
أي صفة مسح أجزا.
٣- قال ابن القيم في زاد المعاد: الصحيح أنَّه لم يكرر ◌ّ مسح رأسه، بل كان
إذا كرَّر غسل الأعضاء، أفرد مسح الرَّأس، ولم يصح عنه خلافه ألبتة.
٤ - وقال: كَان ◌َلّ يمسح رأسه كله، ولم يصح عنه في حديثٍ واحد، أنَّه اقتصر
على مسح بعض رأسه ألبتة.
٥- قال العلماء: من لا شعر له أو حلق رأسه، فلا يستحب له الرد؛ لأنَّه لا فائدة فيه،
وكذلك لا يستحب لمن له شعرٌ كثير مضفور، ويكون خرج مخرج الغالب.
٦ - حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - يدل على مسح الأذنين مع
الرَّأس، وصفة مسحهما: أنْ يدخل أصبعيه السَّاحتين في صماخي أذنيه،
ويمسح بإبهامیه ظاهر أذنيه.

٢٠٩
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٧- أنَّ مسح الأذنين منصوصٌ عليه في الآية الكريمة: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾
ذلك أنَّ الأُذنين داخلتان في مسمَّى الرأس شرعًا ولغةً وعرفًا، فالأمر بمسح
الرَّأس في الآية أمرٌ بمسحهما؛ ولذا فالسنَّة أنْ تمسحا بماء الرَّأس، لا بماء
جدید لهما .
٨- الحكمة في تخصيص الأذنين بالمسح، هو كمال طهارتهما من ظاهرهما
وباطنهما، ويستخرج منهما الذنوب التي اكتسبتها، كما تخرج الذنوب من
سائر أعضاء الوضوء؛ فإنَّ الأذنين أداتا حاسَّة السمع، فيطهَّران طهارةً حسيّة
بمسحهما بالماء، وطهارة معنوية من الذنوب.
٩- لمسلم (٢٣٥) عن عبدالله بن زيد في صفة وضوئه وَالير: ((ومسح رأسه بماء
غير فضل يديه)) وهذا هو المحفوظ، وأمَّا رواية البيهقي: ((أنَّ عبدالله بن زید
رأى النَّبِي زَّ يأخذ لأُذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه)) فهي شاذة،
وحديث: ((الأُذنان من الرأس)) [رواه أبوداود (١٣٤) والترمذي (٣٧)]
وأقوال الصحابة أنَّه ◌َّهِ: ((مسح رأسه وأذنيه مرَّة واحدة)) دليلٌ على أنَّه - عليه
الصلاة والسلام - کان یمسح رأسه وأذنيه بماءٍ واحد.
١٠ - حد الرأس من منابت شعر الرأس المعتاد ممَّا يلي الجبهة، إلى مفصل
الرأس من الرقبة، ومن الأذن إلى الأذن، ولا يمسح ما نزل من شعر الرأس
أسفل من ذلك؛ لأنَّه قد تجاوز مكان الرأس من الإنسان.
١١ - ظهر الأذن هو مايلي الرأس، أمَّا الغضاريف فهي من باطن الأذن.
* خلاف العلماء:
اتفق الأئمة على أنَّ مسح الرأس من فروض الوضوء، وعلى أنَّ المشروع
مسحه جمیعه، واختلفوا في وجوب مسحه کله :
فذهب أبو حنيفة والشافعي: إلى جواز مسح بعضه؛ لأنَّ يَّ توضأ ومسح
على ناصيته .

٢١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وذهب الإمام مالك والإمام أحمد: إلى وجوب مسحه کله؛ كما ثبت
ذلك من فعله ولي في الأحاديث الصحيحة والحسنة.
قال شيخ الإسلام: لم يُنْقَل عن أحدٍ أنَّه ◌َ له اقتصر على مسح بعض الرأس.
وقال ابن القيم: لم يصح عنه حديث واحد أنَّه اقتصر على مسح بعض
الرأس ألبتة، وقال تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾، والباء لا تدل على مسح
البعض؛ لأنَّها للإلصاق، ومن ظنَّ أنَّها للتبعيض، فقد أخطأ على أئمة اللغة.
* تنبيه:
ورد في كيفية مسح الرَّاس عدّة روايات منها :
١ - حديث عليٍّ: «مسح برأسه مرَّةً واحدة)) [رواه أبوداود (١١٥) والترمذي (٣٢)].
٢ - حديث عبدالله بن زيد: ((فأقبل بيديه وأدبر)) [رواه مسلم (٢٣٥)].
٣- الرواية الأخرى: ((بدأ بمقدِّم رأسه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردهما إلى
المكان الذي بدأ منه)».
٤- حديث الربيِّع بنت مُعَوِّد: ((مسح برأسه فبدأ بمؤخر رأسه ثمَّ بمقدمه)) [رواه
أبو داود (١٢٩)].
ويوجد أيضًا بعض الروايات الأخر التي من أجلها قال الصنعاني: ويحمل
اختلاف لفظ الأحاديث على تعدد الحالات.
قلت: تعدُّد الروايات يدل على جواز المسح على أي كيفية جاءت، وإنَّما
مدار الوجوب هو تعميم الرأس بالمسح، واختيار أصح الرويات وأفضلها،
لتكون الغالبة في الوضوء.
قال ابن القيم: لم يثبت أنَّه أخذ لأذنيه ماءً جديدًا.
قال الحافظ: المحفوظ أنَّه مسح رأسه بماء غیر فضل یدیه، والأذنان من
الرأس؛ كما ورد في الحديث.
واختار الشيخ: أنَّ الأذنين يمسحان بماء الرأس؛ وهو مذهب الجمهور.

٢١١
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَلّ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَمِهِ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ
يَبِيْتُ عَلَى خَيْثُومِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- فليستنثر: ((اللَّم)) لامُ الأمر.
- استيقظ: انتبه من نومه من غير أنْ يُنَّه.
- منامه: أي: نومه؛ ومنه قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَبُنَىَّ إِّ أَرَىْ فِ اٌلْمَنَّامِ أَنِّ
أَذْبَحُكَ﴾؛ كما يطلق على اسم الزمان المصوغ من الفعل؛ ليدل على زمان
الحدث.
- الشيطان: قَالَ أهل اللغة: في الشيطان قولان:
أحدهما: أنَّه من ((شطن)): إذا بَعُدَ عن الحق؛ فتكون النون أصلية.
والقول الثاني: أنَّ الياء أصلية والنون زائدة عكس الأوَّل، وهو من شاط
يشيط : إذا هلك.
والشيطان: من مخلوقات الله شرِّيرٌ مفسد، واحد الشياطين، وهم عالم
غيبي، الله أعلم بكيفية خلقهم، وهم من ذريّة إبليس، وقد جعل الله لهم قدرة
على التكيف والتشكل؛ لحكمةٍ أرادها جلَّ وعلا.
۔ یبیت: يُقال: بات يبيت بيتوتة، أي: أدركه اللیل وقضاه، نام أو لم ينم.
- خيشومه: بفتح الخاء وسكون الياء وضم الشين، هو أعلى الأنف من داخله.
(١) البخاري (٣٢٩٥)، مسلم (٢٣٨).

٢١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
* ما يؤخذ من الحديث:
١- بعض الروايات قيدت هذا الاستنثار عند الوضوء؛ فيكون هو المنصوص
عليه مع الوضوء، وبعض الرويات أطلقته ولم تقيده، فالأولى الاستنثار
ثلاثًا، إنْ لم يصادف بعد الاستيقاظ من نوم الليل وضوء؛ فإنَّ فيه شَبَهًا قويًّا
بغسل اليدين بعد الاستيقاظ من البيتوتة .
٢ - يدل الحديث على مشروعية الاستنثار؛ لأنَّه ورد بصيغة الإرشاد، والاستنثار
يلزم منه الاستنشاق .
٣- تقييده بنوم الليل، أخذًا من لفظ ((يبيت))؛ فإنَّ البيتوتة لا تكون إلاَّ من نوم
الليل، ولأنَّه مظنَّة الطول والاستغراق.
٤ - علَّل ذلك بأنَّ الشيطان يبيت على خيشومه.
قال القاضي عياض: يحتمل أنْ يكون على حقيقته؛ فإنَّ الأنف أحد منافذ
الجسم، وليس شيء من منافذه ليس عليه غلق، سوى الأنف والأذنين،
وجاء الأمر بالكظم عند التثاؤب من أجل دخول الشيطان حينئذٍ في الفم.
٥- الاحتراس من الشيطان؛ فإنَّه يريد الولوج إلى ابن آدم مع كلِّ طريق، وهو
يجري منه مجرى الدم، ويحاول إضلاله وإفساد عباداته، فابن آدم ملاحَقٌ
ومحاصَر منه، والمعصوم من عصمه الله تعالى، واستعان بالله عليه،
واستعاذ بالله من شرِّه.
٦- مثل هذه الأحكام السمعية إذا صحّت، فالواجب على المؤمن التصديق بها
والتسليم، ولو لم يدرك كيفيتها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا
٨٥
٧- يرى شيخ الإسلام ابن تيمية: أنَّ غسل يدي المستيقظ من نوم الليل،
والاستنثار بعد النوم: أنَّ ذلك من ملامسة الشيطان، فقد علَّل الغسل بأنَّ
أحدكم لا يدري أين باتت يده، وهنا علَّل الاستنثار بأنَّ الشيطان بات على

٢١٣
كتاب الطهارة - باب الوضوء
خيشومه؛ فعلم أنَّ ذلك هو سبب الغسل والاستنثار.
٨- اسْتَدَلَّ بهذا الحديث من يرى غسل النجاسة ثلاث مرَّات، وهي إحدى
الروايات الثلاث عن الإمام أحمد، ولكن مادام أنَّنا لم نتحقَّق موجب
الاستئثار ثلاثًا، وأنَّ ذلك خاصٌّ بنوم الليل دون النَّهار، فإنَّ الاستدلال بهذا
الحديث، وبحديث غسل اليدين ثلاثًا من نوم الليل - ليس بواضح، مع
وجود أدلَّة كثيرة صحيحة، دالَّةٍ على الاكتفاء بغسلة واحدة، تذهب بعين
النجاسة، عدا نجاسة الكلب.

٢١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ:
(إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا
ثَلاَثًا؛ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَأَتَتْ يَدُهُ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ . (١)
* مفردات الحديث:
- إِذَا اسْتَيْقَظَ: تَنَبَّه من نومه، والاستيقاظ بمعنى التيقظ، وهو لازم.
((إذا)) شرطية غير جازمة، جوابها: ((فلا يغمس يده)).
- لا يغمس: يُقال: غَمَسَ يَغْمِس غمسًا من باب ضرب، أي: لا يدخل يده في الماء.
- يده: يراد باليد: الكف، وتقدم أنَّها الرَّاحة والأصابع، وَحَدُّها: من أطراف
الأصابع إلى مفصلها من الذراع.
- فلا يغمس يده: الغمس أن يغيب اليد في الماء الذي في الإناء، و((لا)) ناهية،
و((يغمس)) مجزوم بها، وجاء في بعض روايات البخاري: ((فلا يغمسنَّ)) بنون
التوكيد الثقيلة.
- فإنَّه لا يدري: إيماء إلى أنَّ الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأنَّ
الشارع إذا ذكر حكمًا وعقَّبه بعلَّة؛ دلَّ على ثبوت الحكم لأجلها .
- أين: ظرف مكان مبني على الفتح ومحله النصب، ولعلَّ المكان المسؤول عنه
جزء من جسد النَّائم، أو ملامسة الشيطان ليده.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب غسل اليدين بعد القيام من نوم الليل، ثلاث مرَّات، فلا تكفي
الغسلة ولا الغسلتان، واليد عند الإطلاق: يراد بها الكف فقط، فلا يدخل
فيها الذراع؛ وهذا هو مذهب الإمام أحمد، والجمهور: على أنَّه مستحب.
(١) البخاري (١٦٢)، مسلم (٢٣٧).

٢١٥
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٢ - قيدناه بنوم الليل؛ لقوله: ((فإنَّه لا يدري أين باتت يده))، والبيتوتة: اسم لنوم
الليل، وسيأتي مذهب الجمهور: أنَّها تغسل من عموم النوم، ليلاً أو نهارًا ..
٣- النَّهي عن إدخالهما الإناء قبل غسلهما ثلاثًا، لكن لو غسل يدًا واحدة ولم
یغسل الأُخرى، فله إدخالها وحدها؛ فلكلِّ ید حكمها.
وذكر الإناء دليلٌ على أنَّ النَّهي مخصوص بالأداة، دون البِرَكِ والحياض.
٤- أخذ أصحابنا من هذا الحديث أنَّ الماء المغموس فيه يد القائم من نوم الليل
سلبت الطهورية منه، وأنّه أصبح طاهرًا غير مطهِّر، ولكن هذا قول مرجوح،
والصحيح: أنَّه باقٍ على طهوريته لما تقدَّم، من أنَّ الماء لا ينجس، إلاَّ إذا
تغيَّرت صفة من صفاته بالنجاسة.
٥- قال الخطابي: فيه أنَّ الأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى.
قال النووي: ما لم يخرج عن حدِّ الاحتياط، إلى حدِّ الوسوسة.
٦- فيه استحباب الكناية عمَّا يستحيا منه، إذا حصل الإفهام بها .
٧- يجب على السَّامع لِسُنَّةِ رسول الله وَّهِ أنْ يتلقَّها بالقبول، وإذا لم يفهم
المعنى، فَلْيَرُدَّ هذا إلى قصور في العقل البشري؛ وإلاّ فأحكام الله تعالى
مبنيّةٌ على المصالح؛ والله تعالى يقول: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
،
٨٥
أَمَّا الخواطر الرديئة، فليدفعها عن نفسه؛ فإِنَّها من إلقاء الشيطان ووسوسته.
* خلاف العلماء:
ذهب الشافعي والجمهور: إلى أنَّ كلَّ نومٍ من ليلٍ أو نهار، يشرع بعده
غسل الیدین؛ لعموم قوله: (من نومه))؛ فإنّه مفرد مضاف، وهو یعم کل نوم،
وأمَّا قوله: ((أين باتت يده)) فهو قيدٌ أغلبيٌّ، ومتى كان القيد أغلبيًّا، فهو عند
الأصوليين لا مفهوم له؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَبِيِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم
مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ فهنا قيدان: أحدهما: ﴿الَّتِ دَخَلْتُم
بِهِنَّ﴾؛ فهذا قيد مقصود، ولذا جاء مفهومه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ

٢١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. القيد الثاني: قوله تعالى:
﴿ الَّتِى فِىِ حُجُورِ كُمْ﴾؛ فهذا قيدٌ أغلبيٍّ والقيد الأغلبي لا مفهوم له، ولذا لم
يأتِ له مفهوم في الآية الكريمة. ومثل هذا القيد في حديث الباب، بقوله:
((باتت يده))؛ فإنَّه قيدٌ أغلبيٍّ، فلا يقتضي التخصيص، ولا مفهوم له، وإذا فليس
نوم الليل شرطًا في غسل اليد ثلاثًا من النوم.
وأمَّا المشهور من مذهب الإمام أحمد: فإنَّه لا أثر لنوم النَّهار، وإنَّما
وجوب الغسل خاص بنوم الليل؛ لقوّة: «فإنَّ أحدکم لا يدري أین باتت یده».
واختلف العلماء في الحكمة من غسل اليدين ثلاثًا، بعد الاستيقاظ من النوم:
فذهب بعضهم: إلى أنَّها من الأمور التي طويت عنَّا حكمتها، فلم نعلمها،
مع اعتقادنا أنَّ أحكام الله تعالى مبنيّة على المصالح والمنافع، وأنَّ قول النَّبي
وَله : ((لا يدري أين باتت يده)) يشير إلى هذا الخفاء في العلّة.
وبعضهم قال: لها علَّة مدركة محسوسة، والإنسان يده معه حال نومه،
وإنَّما فيه إشارة إلى أنَّ يد النّائم تجول في بدنه بدون إحساس، وأنَّها قد تلامس
أمكنة من بدنه، لم يتم تطهيرها بالماء؛ فَتَعْلَقُ بها النجاسة.
أمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فيقول: إنَّ مشروعية غسل
اليدين، هو ملامسة الشيطان لهما؛ ويدل على ذلك التعليل: ((فإنَّ أحدكم لا
يدري أين باتت))، ومثله جاء في الحديث الذي قبله: ((فَإِنَّ الشيطان يبيت على
خيشومه)) [رواه البخاري (٣٢٩٥) ومسلم (٢٣٨)].
وهذا تعليل مرضيٍّ مقبول؛ ولعلَّ المصنّف لم يقرن الحديثين هنا، إلاَّ
إشارة إلى تقارب المعنى بينهما، والله أعلم.
واختلف العلماء - أيضًا - هل لهذا الأمر معنّى، أم أنَّه تعبدي؟:
والرَّاجح من قولي العلماء: أنَّه معقول؛ ويدل عليه قوله: ((فإنَّه لا يدري
أين باتت يده)). وممَّن يرى أنَّ الأمر فيها تعبدي: المالكية والحنابلة.

٢١٧
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٣٦ - وَعَنْ لَقِيْطِ بن صَبِرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ
اللهِوَّهُ: (أَشْبِغ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيِّنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الأَسِتْشَاقِ،
إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةً.
وَلأَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا تَوَضَّأْتَ، فَمَضْمِضْ))(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
قال المصنّف: صحَّحه ابن خزيمة، وقال في التلخيص: أخرجه الشَّافعي
وابنُ الجارود وابنُ خزيمة وابنُ حبَّان والحاكم والبيهقي وأصحاب السنن
الأربعة مطوَّلاً ومختصرًا، وصحَّحه الترمذي والنغوي وابن القطَّان.
وفي الباب حديث ابن عبّاس: ((استنثروا مرّتين بالغتين أو ثلاثًا)) رواه
أبوداود، وابن ماجه، وابن الجارود، والحاكم، وصححه ابن القطان.
* مفردات الحديث:
- أسبغ: من الإسباغ، وهو الاتساع والإتمام، و(أسبغْ)) و((خلُّل)) و((بَالِغْ))- كلها
أفعال أمر، وفعل الأمر ما دلَّ على طلب وقوع الفعل من الفاعل المخاطب،
والأصل أنَّه مبنيٌّ على السكون، فأسبغ الوضوء: وفِّ كلِّ عضوٍ حقه في
الغسل؛ فهو الإتمام واستكمال الأعضاء.
قال في القاموس : أسبغ الوضوء: أبلغه مواضعه.
- خلِّل: تخليل الأصابع: التفريج بينها، وإسالة الماء بينها، والمراد أصابع
(١) أبوداود (١٤٢، ١٤٤)، الترمذي (٧٨٨)، النسائي (٨٧)، ابن ماجه (٤٤٨)، ابن خزيمة
(١٥٠).

٢١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
اليدين والرجلين؛ لحديث ابن عبّاس: ((إذا توضأت، فخلَّل أصابع يديك
ورجلیك)» [رواه أحمد (١٥٩٤٥) والترمذي (٢٨)].
- بالغ: ابذل الجهد واستقص، بإيصال الماء إلى أقصى الأنف.
- صائمًا: الصيام شرعًا: هو إمساك بنيّةٍ عن مفسدات الصوم، من طلوع الفجر
الثاني إلى غروب الشمس، من المسلم العاقل غير الحائض والنفساء،
وسيأتي إِنْ شاءَ الله.
((إلاَّ أنْ تكون صائمًا)): هذا الاستثناء لا يعود إلاَّ على المبالغة في الاستنشاق،
وأمَّا إسباغ الوضوء وتخليل الأصابع، فلا يعود عليهما؛ لأنَّ الصيام لا يتأثّر
إلاَّ من الاستنشاق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الإسباغ مشترك بين الواجب وبين المستحب، فيستعمل للوجوب فيما لا يتم
الوضوء إلاَّ به، ومستحب فيما عدا ذلك.
٢- استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين عند غسلهما، وتخليلهما: جعل
الماء يتخلَّل بينهما، والصَّارف عن الوجوب دقَّةُ الماء، ووصولُهُ إلى ما بينها
بدون تخليل، وبهذا يحصل القدر الواجب؛ فيبقى الاستحباب على
الاحتياط في ذلك.
٣- استحباب المبالغة في الاستنشاق عند الوضوء، إلاَّ مع الصيام، فيكره؛
خشية وصول الماء إلى الجوف، والصَّارف له عن الوجوب: أنَّه لو كان
واجبًا، لما منعه الصيام، ولوجب التحرز عن نزول الماء في الجوف مع
المبالغة، وهو أمرٌ ممكن.
ويلحق به استحباب المبالغة في المضمضة لغير صائم؛ لأنَّهما في معنى
الاستنشاق؛ كما نصَّ على ذلك الفقهاء.
٤- وجوب المضمضة عند الوضوء، وتقدَّم الخلاف في ذلك، وهو الرَّاجح من

٢١٩
كتاب الطهارة - باب الوضوء
قول العلماء في ذلك.
٥- قوله: ((إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صائِمًا)): الاستثناء عائد على الاستنشاق؛ لأنَّه لا أثر له
في الإسباغ والتخليل؛ وإلاّ؛ فالأصل أنَّ الاستثناء يعود على جميع ما تقدمه
من الجمل، إلاَّ أنْ يدلَّ دليلٌ يخصه ببعضها، كهذا الحديث.
٦- قوله: ((أسبغ الوضوء ... إلخ)) وجه الأمر لواحد، إلاَّ أنَّه أمرٌ لجميع الأمَّة،
وهكذا الأوامر والنَّواهي الشرعية؛ لأنَّ الأحكام لا تتعلَّق بالأشخاص، وإنَّما
تتعلَّق بالمعاني، والعلل التي أوجبتها، هذا مالم يكن هناك دليلٌ يدل على
تخصیص شخصٍ بعينه؛ کقصَّة أبي بردة وأضحیته.

٢٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((إِنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ
يُخَلِّلُ لِحْيَةُ في الوُضُوءِ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَخَحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ(١).
** درجة الحديث:
الحديث ضعيف، وله شواهد عن عددٍ كبيرٍ من الصحابة، لا تخلو من
مقالٍ، ولكنَّه يَتَقَوَّى بها .
قَالَ الحافظ في التلخيص : رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم
والدَّارقطني وابن حبَّان عن عثمان، وأورد له الحاكم شواهد: عن أنسٍ وعائشة
وعليٍّ وعمَّارٍ.
قلت: وفيه أيضًا عن أم سلمة وأبي أيوب وأبي أمامة وغيرهم، وعدَّدهم
الحافظ في التلخيص، وذكر طرقهم وأسانيدهم.
وذكره الكتاني والسيوطي في الأحاديث المتواترة، فقد روي عن ثمانية
عشر صحابيًّا، وقد ضعَّف أحاديث التخليل بعض المحدِّثين، وتكلَّموا في
أسانيدها؛ كالعقيلي، وابن حزم، والزيلعي.
قال الإمام أحمد وأبوحاتم: ليس في تخليل اللحية شيءٌ صحيحٌ.
* مفردات الحديث:
- لحيته: اللحية: شعر العارضَيْن والذَّقَنِ، جمعه: لحِى، بكسر اللام وضمها.
* ما يؤخذ من اللحية:
١- مشروعية تخليل اللحية في الوضوء، وهو تفريقها وإسالة الماء فيما بينها؛
ليدخل ماء الوضوء خلال الشعر، ويصل إلى البشرة.
(١) الترمذي (٤٣٠)، ابن خزيمة (٨٦/١).