Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها ٩ - قال ابن الملقُّن في شرح العمدة: استدل جماعةٌ بهذا الحديث - حديث عائشة - على طهارة رطوبة فرج المرأة، وهو الأصح عندنا - الشافعية .-. وقال في المغني: في رطوبة فرج المرأة روايتان: إحداهما: نجاسته؛ لأنَّه بللٌ في الفرج لا يُخْلَقُ منها الولد؛ لذا أشبه المذي. الثانية: طهارته لأننا لو حكمنا بنجاسته، لحكمنا بنجاسة منیها. وقال في الإنصاف: وفي رطوبة فرج المرأة روايتان؛ إحداهما: طاهر؛ وهذا هو الصحيح من المذهب. * فائدة: قال الزركشي: الخارج من الإنسان ثلاثة أقسام: أحدها: طاهر بلا نزاع: وهو الدمع، والريق، والمخاط، والبصاق، والعرق. الثاني: نجس بلا نزاع: وهو الغائط، والبول، والودي، والمذي، والدم. الثالث: مختلف فيه: وهو المني، وسبب الاختلاف هو تردده في مجرى البول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المني طاهر، وكون عائشة تارةً تغسله من ثوب رسول الله وَ*، وتارةً تفركه لا يقتضي تنجيسه، فإنَّ الثوب يغسل من المخاط والوسخ. وهذا قول غير واحدٍ من الصحابة. وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، رحمه الله تعالی. ١٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * خلاف العلماء: ذهب الحنفية والمالكية: إلى أنَّ المني نجس؛ واستدلوا على ذلك بأمور: أوَّلاً: أحاديث غسله من ثوب رسول الله وَّة، والغسل لا يكون إلاّ من نجاسة . ثانيًا: أنَّه يخرج من مجرى البول، فيتعيَّن غسله بالماء؛ كغيره من النجاسات. ثالثًا: قياسه على غيره من فضلات البدن المستقذرة من البول والغائط؛ لأنَّها كلها متحللةٌ من الغذاء. رابعًا: لا مانع أنْ يكون أصل الإنسان وهو المنيُّ نجسًا؛ إذ مَنْ مَنَع ذلك يقول بنجاسة العلقة؛ لأنَّها دم، وهو نجس، وهي أصلٌ للإنسان أيضًا. خامسًا: ليس في أحاديث فرك المني دليلٌ على طهارته، فقد يجوز أنْ یکون الفرك هو المطهّر للثوب، والمني في نفسه نجس؛ کما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى، فطهورهما التراب، فكان ذلك التراب يجزىء من غسلهما، وليس في ذلك دليلٌ على طهارة الأذى في نفسه . وأيضًا: لو كان المني طاهرًا، فلماذا أمر وَّ بفركه، فلو كان طاهرًا، لجازت الصلاة به دون فركه. انتهى ملخصًا من شرح معاني الآثار للطحاوي. وذهب الإمام الشافعي وأحمد: إلى أنَّه طاهر ليس بنجس، وقالوا: إنَّه لا يزيد وساخة على المخاط والبصاق؛ واستدلوا على ذلك بأمور: أوّلاً: أحاديث فركه من ثوب رسول الله وَله، وحتّه من دون غسل، وهذا أكبر دلیل علی طهارته، ولو کان نجسًا، لم يكف فيه ذلك. ثانيًا: أنَّ هذا أصل خلق الإنسان الطاهر الذي كرَّمه الله، فكيف يكون أصله النجاسة؟! وأمَّا غسله بعض الأحيان من ثوبه ◌َ ل﴿، فلا يدل على النجاسة، وإنَّما لأجل النظافة، كما تزال البصقة والمخاط. ١٨٣ كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها ثالثًا: عدم مبادرة النَّبِي وَّ إلى إزالته وتركه حتَّى ييبس، دليل على طهارته؛ ذلك أنَّ المعروف من هدي النَّبِي وَّ المبادرةُ في إزالة النجاسة، كما أمر الصحابة بغسل بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكما بادر بغسل ثوبه من بول الغلام الذي بال في حجره، وغير ذلك من الجزئيات. والرَّاجح: ما ذهب إليه الشَّافعي وأحمد، رحمهما الله تعالى. ١٨٤) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ : (( يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلام)) أَخْرَجَهُ أَبُوداودَ والنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح، وقد رجَّح البخاري صحته، وكذا الدَّارقطني؛ وقال البيهقي: الأحاديث المسندة في الفرق بين الغلام والجارية إذا ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، قَوِيَتْ. والحديث رواه أبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، من حديث أبي السمح. وجاء في مسند الإمام أحمد (٥٦٤) عن عليٍّ مرفوعًا: مثل حديث أبي السمح قال فيه: ((بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل))، وإسناده على شرط مسلم. وقد أعلَّ بعضهم حديث علي بالوقف وبالإرسال، وليس بشيءٍ، وله شواهد صحيحة. قال الكتاني: هي أحايث متواترة جاءت عن خمسة عشر من الصحابة؛ ومنها ما جاء في البخاري (٢٢٣) ومسلم (٢٨٧) وغيرهما، من حديث أمِّ قيس بنت محصن؛ أنَّها أتت بابنٍ لها صغير لم يأكل الطعام، إلى رسول الله وَ ه فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنضحه ولم يغسله. * مفردات الحديث: - أبوالسمح: بفتح السين المهملة، وسكون الميم، وفي آخره حاء، قال الرَّازي: (١) أبوداود (٣٧٦)، النسائي (٣٠٤)، الحاكم (٢٧١/١). ١٨٥ كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها اسمه إياد، وذكره ابن الأثير، وهو خادم النَّبِي ◌َّ . - من بول الجارية: ((من)) للتعليل، أي: لأجل إصابته الثوب أو البدن، والأصح أنْ تكون سببية. - البول: بفتح الباء، وسكون الواو: سائلٌ تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه إلى الخارج، جمعه أبوال. - الجارية: الفتيّة من النساء، والمراد هنا: الطفلة من النِّساء. - يُرَش: مبني للمجهول، الرش هو النضح، وهما دون الصب؛ ولذا جاء في بعض الروايات: ((ولم یغسله)). - الغلام: بضم الغين، وفتح اللام وتخفيفها، هو من الولادة حتَّى البلوغ، وبعد البلوغ إنْ سمي به، فهو مجاز باعتبار ماكان، والمراد به هُنا، ما في زمن الرضاع حيث قيد بما جاء في الترمذي (٦٠٦) قال ◌َّيقول: ((بول الغلام الرضيع ينضح)). * ما يُؤخذ من الحديث: ١ - يؤخذ من الحديث: أنَّ الأصل في أحكام الغلام والجارية سواء؛ فتفريق السنة بينهما في البول دليل على أنَّ ما عداهما باقٍ على الأصل. ٢ - بول البنت نجس كغيره من النجاسات، ولو كانت في سن الرضاع. ٣- فيغسل منه الثوب وغيره إذا أصابه؛ كما يغسل من سائر النجاسات. ٤- بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة: نجس؛ ولكن نجاسته أخفُّ نجاسةً من بول البنت. ٥- يكفي في تطهير ما أصابه بولُ الغلام الذي لم يأكل لشهوة: رشُّه بالماء فقط، دون غسله. ٦ - فيه أنَّه لا يقتصر في تطهير بول الغلام على إمرار اليد، وإنَّما المقصود إزالة العين. ٧- بحث العلماء في السِّر الذي من أجله حصل التفريق بين بول الغلام وبين بول الجارية: فقال بعضهم: إنَّ الغلام عادةً يكون أَرغَبَ عند أهله من ١٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الجارية؛ فيكثر حمله وتكثر إصابة حامله ببوله، فمن باب التيسير خفف في غسل نجاسة بوله؛ فيكون من باب القاعدة الكبرى: ((المشقة تجلب التيسير)). وقال بعضهم: إن بول الغلام يخرج من ثقب ضيق، من قضيب ممتد، فيخرج بقوة وشدة دفع، فينتشر بوله وتكثر الإصابة منه، فاقتضت الحكمة التخفيف من الحكم في تطهير نجاسته؛ أما الجارية: فيخرج بولها من ثقب فيه سعة وبدون قضيب، فيستقر في مكان واحد؛ فيثبت على أصل نجاسة البول. وقال بعضهم: إنَّ الغلام فيه حرارة طبيعية زائدة على حرارة الجارية، وهو معلوم، وهذه الحرارة تخفّف فضلات الطعام، فإذا صادف أنَّ الطعام خفيف أيضًا، وهو اللبن -: حصل من مجموع الأمرين خفَّة النجاسة، بخلاف الجارية، فليس لديها هذه الحرارة الملطِّفة، فتبقى على الأصل. هذه من الحِكَم التي تلمّسها العلماء للفرق بين بول الغلام وبين بول الجارية، فإنْ صحَّتْ، فهي حِكَمٌ معقولة، لأنَّها فروق واضحة، وإنْ لم تصح فالحكمة هي حُكْمُ الله تعالى؛ فإنَّنا نعلم يقينًا أنَّ شرع الله هو الحكمة؛ فإنَّ الشرع لا يفرِّقُ بين شيئين متماثلين في الظاهر، إلاَّ والحكمة تقتضي التفريق، ولا يجمع بينهما إلاَّ والحكمة تقتضي الجمع؛ لأنَّ أحكام الله لا تكون إلاَّ وفق المصلحة؛ ولكن قَدْ تظهر وقد لا تظهر. أمَّا قَيْءُ الغلام والجارية، ففيهما قولان لأهل العلم: فمن جعل حكمه حكم البول من الغلام والجارية، ألحقه به من باب الأولى؛ لأنَّ القيء أخف نجاسةً من البول؛ وهذا مذهب الحنابلة . وأمَّا من لم يلحقه، فقال: إنَّ الأصل أنَّهما سواء في الأحكام إلاَّ ما أخرجه النص، والنص لم يخرج القيء، فيبقى على أصله، وهو الاشتراك في حكم النجاسة بينهما . ١٨٧ كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها ٢٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ قَالَ في دَمِ الخَيْضِ يُصِيْبُ الثَّوبَ: ((تَحْتُهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - دم الحيض: سيأتي بيانه، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. - تَخْتُّه: بفتح المثناة، وضم الحاء المهملة، وتشديد المثناة الفوقية، من حَتَّ الشيءَ عن الثوب وغيره یَحُثُّهُ حَثًّا: فركه وقشره حتَّى أزال عينه. - تَقْرُصُه: بفتح المثنَّة الفوقية، وسكون القاف، وضم الرَّاء والصاد المهملتين، من باب نصر: تدلك الدم بأطراف أصابعها بالماء؛ ليتحلَّلَ بذلك ويخرُجَ ما شربه الثوب منه؛ قال في جمع الغرائب: هو أبلغ في إذهاب الأثر عن الثوب. - تنضحه: بفتح الضاد المعجمة، من باب فتح يفتح: ترشه بالماء. - ثُمَّ: تأتي للترتيب، فلا يسبق ما بعدها ما قبلها، فترتَّب إزالة النجاسة اليابسة هذا الترتيب . قال ابن بطَّال: والحت والقرص ممَّا يتصوَّر في اليابس، ولا تأثير لذلك في الرطب. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نجاسة دم الحيض، وأنَّه لا يُعْفَى عن يسيره؛ فتجب إزالته من الثوب والبدن وغيرهما ممَّا يجب تطهيره؛ لأنَّ النَّبِي وَلّ أمر بغسله؛ كما هي سُنَّته في إزالة النَّجاسات. (١) البخاري (٢٢٧)، مسلم (٢٩١). ١٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢- أنَّ إزالةَ النجاسة مِنَ الثوبِ والبدنِ والبُقْعَةِ شرطٌ مِنْ شروطِ الصلاة؛ فلا تَصِحُّ الصلاة مع وجودها والقدرة على إزالتها؛ وذلك للأمر بغسل دم الحيض قبل الإتيان بالصلاة. ٣- وجوب حتُّ یابسہ لیزول جرمه، ثمَّ دلکه بالماء، ثمّ غسله بعد ذلك لتزول بقيّة نجاسته، فيراعى فيه هذا الترتيب الذي هو الأمثل في إزالة النجاسة اليابسة؛ لأنَّه لو عكس لانتشرت النَّجاسة، فأصابت ما لم تصبه من قبل. ٤- جواز الصلاة في الثوب الذي حاضت به المرأة؛ فإنَّه بعد حتِّ ما أصابه، ثمَّ إتباعه بالماء، صار الثوب طاهرًا. أمَّا بدن المرأة الحائض وعرقها ونحوه: فطاهر؛ فإنَّها لم تُؤْمَرْ بِغَسْلٍ ثوب حيضها، إلاَّ ما أصابه من بُقَع دم الحيض، وما عداه باقٍ على أصل الطهارة. ٥ - قوله: ((ثمَّ تُصَلِّي فيه)) دليلٌ عَلَىَ أنَّ النجاسة اليابسة لا تزول ويطهر محلها إلاَّ بهذه العمليات الثلاث، وأنَّها إنْ لم تفعل ذلك، فثوبها لم يطهر، وصلاتها لم تصح. أمَّا الدم - وما تولد عنه من قيح وصديد - الخارج من بقية البدن : فجمهور العلماء - وحُكِيَ إجماعًا - أنَّه نجس، لكن يُعْفى عن يسيره، وبهذا خالف دم الحيض والاستحاضة؛ فلا يُعْفَى عن شيءٍ منهما. ٦ - الحديث دليل على أنَّ الواجب هو إزالة النجاسة فقط، وأنَّه لا يشترط عددٌ معيَّنٌ من الغسلات، فلو زالت بغسلةٍ واحدةٍ، طَهُرَ المحل. وهذا هو القول الرَّاجح من أقوال أهل العلم، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. ٧- استدل به بعضُ العلماء - ومنهم أصحابنا - على أنَّه لابُدَّ في غسل النجاسات من الماء؛ فلا يكفي غيره؛ مِنْ حَتٍّ أو قرصٍ أو دَلْكِ، أو شمسٍ أو ریح، وقالوا: إنَّ الماءَ هو المتعيِّن؛ لإزالة النجاسة دون غيره، ولو كانت قويةَ ١٨٩ كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها الإزالة والتطهير؛ فإن الماء هو المتعين؛ لأنَّه جاء منصوصًا عليه في هذا الحديث؛ وهو الأصل في التطهير، لوصفه بذلك في الكتاب والسنَّة. أمَّا شيخ الإسلام: فيرى أنَّ التطهير قد يكون بغير الماء، وأمَّا تعينه وعدم إجزاء غيره، فيحتاج إلى دليل، ولم يَرِدْ دليلٌ يقضي بحصر التطهير بالماء، ومجرَّدُ الأمر به لا يستلزمُ الأمرَ به مطلقًا؛ فقد أَذِنَ رسولُ الله وَّه بالإزالة بغير الماء في مواضَع منها الاستجمارُ، ومنها قولُهُ في ذيل المرأة: ((يطهره ما بعده)) [رواه الترمذي (١٤٣)]، وقوله في النعلين: «ثمَّ لیدلكهما بالتراب؛ فإنَّ التراب لهما طهور)) [رواه أبو داود (٣٨٦)]. وهذا القول هو الصوابُ والله أعلم. ١٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنْ لَمْ يَذْهَب الدَّمُ؟ قَالَ: ((يَكْفِيْكِ المَاءُ، وَلاَ يَضُرُّكِ أَثَرُهُ)) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَنَدُهُ ضَعِيْفٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. ضعَّفه ابن حجر؛ لأنَّ فيه ابن لهيعة، وقد اختلط بعد احتراق كتبه، وَلمَّا ذكر الحافظ في التلخيص هذا الحديث برواية أبي داود، قال: ورواه الطبراني في الكبير (٦١٥) من حديث خولة بنت حكيم، وإسناده أضعف من الأَوَّل، وله شاهدٌ مرسل. أمَّا الشيخ ناصر الدِّين الألباني، فقال: صحيح رواه أبوداود (٣٦٥)، والبيهقي (٤٠٨/٢)، وأحمد (٨٥٤٩)، بإسنادٍ صحيح عنه، وهو - وإنْ كان فيه ابن لهيعة - فإنَّه قد رواه عنه جماعةٌ منهم عبدالله بن وهب، وحديثه عنه صحيح، كما قال غير واحدٍ من الحفّاظ. اهـ. قلت: وله طريق أخرى ذكرها ابن حجر في الإصابة، أخرجها ابن منده من طريق ابن حفص، عن علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن خولة بنت يسار. * مفردات الحديث: - لا يضرك: يُقال: ضرَّه: إذا أُلحق به مكروهًا أو أذى، والضر النقص، والمراد هنا: ولا ينقص من طهارة ثوبك. (١) لم يخرجه الترمذي، وإنما أخرجه أبوداود (٣٦٥). وانظر: تلخيص الحبير (٣٦/١). ١٩١ كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها - فإنْ لم يذهب: أي: أثره بعد حتِّه وقرصه ونضحه. - أثره: الأثر: العلامة، وبقيّة الشيء، وهو هنا: بقيّة لون الدم بعد الحَتِّ والقرص والغسل. * ما يُؤخذ من الحديث: ١ - وجوب غسل دم الحيض من ثوب المرأة وبدنها . ٢- یکون غسله بالماء. ٣- أن الثَّوبَ ونحوه إذا غسل من دم الحيض، ثمَّ بقي أثر لونه في الثوب أو البدن، أنَّه لا يضر في كمال التطهر، ولا يضر في صحة الصلاة ونحوها. ٤- سماحة هذه الشريعة ويسرها؛ فالمسلم يتقي الله قدر استطاعته، و با زاد عن ذلك، فهو معفوٌّ عنه. ٥- أنَّ بدن الحائض وعرقها طاهران؛ فإنَّها لم تؤمر بغسل شيءٍ إلاَّ ما أصابه الدم، وأمَّا البدن وبقيّة الثوب، فهو باقٍ على طهارته الأصلية. أما غُسْلُهَا من الحيض، فليس من أجل نجاستها، وإنما من أجل أن عـ بما حدثًا أكبر، وهو لا يوصف بأنه نجاسة، وإنما هو وصف يقوم بالبدن ويرتفع بالغُسْلِ، ولو كان نجاسة، لم يُغْسَلْ إلاّ مكان الحيض، وَلَمَا جَازَ مباشرة الحائض وقربها، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة. ٦- المقصود بالطهارة والابتعاد عن النجاسات، هو أنْ يكون المصلِّي على أكمل هيئة، وأحسن زينة؛ حين مناجاة ربِّه تبارك وتعالى. ١٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الوضوع مقدمة الوضوء لغةً: بضم الواو: مصدر هو الفعل، مأخوذٌ من الوضاءة، وهي النظافة والحُسْن؛ وأمَّا بالفتح: فالماء الذي يُتوضأ به. قال النووي: بالضم: إذا أريد الفعل الذي هو المصدر، وبالفتح: إذا أُريد الماء. وشرعًا: استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة، على صفةٍ مخصوصة في الشرع، بأن يأتي بها مرتَّبة متوالية. وهو ثابتٌ بالكتاب والسنَّة والإجماع: فالكتاب: آية المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ﴾ الآية. والأحاديث فيه قولاً وفعلاً وتقريرًا كثيرة. وأجمع العلماء: على أنَّ الطهارة من الحدث شرطٌ لصحّة الصلاة. ما يعرف من حكمة الوضوء: جوهر الصلاة وروحها هو أنْ يتصوَّر العبد أنَّه أمام الله تعالى، ولكي يتهيأ ذهنه لذلك، ويتخلَّص من شواغل الحياة، فُرِضَ الوضوءُ قبل القيام بالعبادة؛ لكون الوضوء آله هادئة لتنبيه ذهنه المستَغْرِقِ في أعمال الحياة إلى أداء الصلاة. فإنَّ المستغرق بفكره في أعمال تجارته أو صناعته ونحوهما، لو قيل له: قم للعبادة، لوجد صعوبة في تأديتها، وهنا كانت حكمة الوضوء؛ لأنَّه يساعد على ترك التفكير الأوَّل، ويعطيه الوقت الكافي ليبدأ في تفكيرٍ عميقٍ من نوع آخر. وبالجملة: فللنَّفْسِ انتقالٌ واقعيٌّ، وتنبيه من خصلة إلى خصّلة، هو ١٩٣ كتاب الطهارة - باب الوضوء العمدة في المعالجات النفسية، وإنَّما يحصل هذا التنبيه بمراكز في صميم طبائعهم وجذور نفوسهم. وتقتصر الطهارة الصغرى على غسل الأطراف التي جرت العادة بانكشافها وخروجِهَا من اللباس، فتسرع إليها الأوساخ، كما جرت العادة بنظافتها عند الأعمال النظيفة، وعند الدخول على الكبراء، وتقابُلِ النَّاس بعضهم ببعض. كما أنَّ غسل هذه الأعضاء الأربعة فيه تنبيه للنَّفْس من النوم والكسل. قال شيخ الإسلام: جاءت السنَّة باجتناب الخبائث الجسمانية والتطهُّر منها، وكذلك جاءت باجتناب الخبائث الروحانية والتطهُّر منها؛ فقد قال ◌َله: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاثًا؛ فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه))، وقال ◌َّ: ((إذا قام أحدكم من نوم الليل، فلا يغمس يده حتَّى يغسلها ثلاثًا؛ فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده))؛ فعلّل الأمر بالاستنشاق بمبيت الشيطان على خيشومه؛ فعلم أنَّ ذلك سبب الطهارة من غير النجاسة الظاهرة. والوضوء من أهم شروط الصلاة؛ لما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إنَّ الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضأ))، ولما روى مسلم: ((الوضوء شطر الإيمان))، ونزلت فريضته من السماء في قوله تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية . واختلف العلماء هل فرض في مكّة أو في المدينة؟ والمحققون: على أنَّه فرض بالمدينة؛ لعدم النص النَّاهض على خلافه. قال شيخ الإسلام: الوضوء من خصائص هذه الأمَّة؛ كما جاءت به الأحاديث الصحيحة: ((إِنَّهم يُبْعَثُون يوم القِيَامَةِ غُرًّا محجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوضوء))، وأنَّ النَّبِي وَلَّهِ يعرف أمته بهذه السيماء؛ فدلَّ على أنَّه لا يشاركهم فيها غيرهم. وأمَّا ما رواه ابن ماجه: ((أنَّ جبريل علَّم النَّبي ◌َّ الوضوء)) زاد عليه أحمد وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي))، فضعيفٌ لا يحتج به. : ١٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لِأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ)) أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيْقًا(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. هذا الحديث رواه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢)، من حديث أبي هريرة؛ لكن بلفظ: ((مع كلِّ صلاة)). قال ابن منده: إسناده مجمع على صحته، وفي معناه عدَّة أحاديث عن عدَّة من الصحابة: عن علي، وزيد بن خالد، وأم حبيبة، وعبدالله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر، وأنس، وأبي أيوب، وابن عبّاس، وعائشة. قال ابن الملقن في البدر المنير: قد ذكر في السواك زيادة عن مائة حديث. وأمَّا رواية: ((مع كلِّ وضوء)) فقد أخرجها مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن حميد، عن أبي هريرة، وأخرجها عنه: أحمد، والنسائي، وسندها صحيح. قال ابن عبدالهادي في المحرَّر: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: (لولا أنْ أَشق على أُمَّتي، لأمرتهم بالسواك مع كلِّ وضوء)»، رواته كلهم أئمة أثبات. * مفردات الحديث: - لولا: حرف شرط وابتداء، وهي كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، (١) مالك (١٤٨)، أحمد (٧٣٦٤)، النسائي (١٩٧/٢)، ابن خزيمة (٧٤٨). ١٩٥ كتاب الطهارة - باب الوضوء والمعنى هنا لولا مخافةُ أنْ أشق على أُمَّتي، لأمرتهم أمر إيجاب، وهي مركّبة من ((لو)) الدَّالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، و((لا)) النَّافية؛ فدلَّ الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقّة، ولا بُدَّ لها من جواب مذكور، أو مقدَّر إذا دلَّ علیه دلیل، ولا تكثر اللاّم في جوابها. - أنْ: مصدرية، هي وما دخلت عليه في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: لولا مخافة المشقّة على أمَّتي، ويجوز أنْ يكون مرفوعًا بفعلٍ محذوف، والتقدير: لولا خيفت المشقّة. - أشقّ: الشِّقُّ، بكسر الشين: الجهد والمشقّة، ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ ٧ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسَِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ! - لأمرتهم: جواب لولا . - بالسواك: بكسر السِّين، وفتح الواو، بعدها ألف، فكاف، أي: باستعمال السواك؛ لأنَّ السِّواك آلة، وسيأتي بيانه في موضعه، إِنْ شاء الله تعالى. * ما يُؤخذ من الحديث: ١ - تأكد استحباب السواك مع كلِّ وضوءٍ، وأنَّ ثوابه قريبٌ من ثواب الواجبات. ٢ - أنَّ السّواك عند الوضوء وعند غيره من العبادات ليس بواجب؛ فقد منعه وَل من إيجابه على أُمَّته مخافة مشقتهم. ٣- أنَّ الذي منع الأمر بوجوبه هو خشية عدم القيام به، ممَّا يترتَّب عليه الإثمُ بتر که. ٤- هذا الحديث الشريف من أدلَّة القاعدة الكبرى: ((المشقّة تجلب التيسير))؛ فخشية المشقّة سبب عدم فرضيته. ٥ - كثير من العبادات الفاضلة يترك النَّبِي وَّهِ فعلها مع أمته، أو أَمْرَهُمْ بها، خشيةً فرضها عليها؛ وذلك مثل صلاة الليل في رمضان جماعة، والسواك، وتأخير صلاة العشاء إلى وقتها الفاضل؛ كل ذلك شفقةً على أمته ورحمةً ١٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام بهم وخوفًا عليهم، وهذا من خُلُقِهِ الكريم الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . ١٢٨ ٦- سعة هذه الشريعة وسماحتها، ومسايرتها للحالة البشرية الضعيفة؛ قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجَ﴾ . ٧- هذا الحديث العظيم دليلٌ على القاعدة الشرعية، وهي: ((درء المفاسد مقدّمٌ على جلب المصالح))؛ فمفسدة الوقوع بالإثم من ترك الواجب، مَنَعَتْ من مصلحة وجوب السِّواك عند كل وضوء. ٨- قال ابن دقيق العيد: السر أنا مأمورون في كلِّ حالةٍ من أحوال التقرُّب إلى الله عزَّ وجل، أن نكون في حالة كمال النظافة؛ لإظهار شرف العبادة. وقيل: إن ذلك الأمر يتعلق بالمَلَكِ، فإنه يتأذى بالرائحة الكريهة . قال الصنعاني: ولا يبعد أن السر مجموع الأمرين المذكورين؛ لما روى البخاري (٨٥٤)، ومسلم (٥٦٤) من حديث جابر مرفوعًا: ((من أكل الثوم أو البصل أو الكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) . ٩ - فحوى الحديث يدل على تعيين وقت السواك في الوضوء، وعند المضمضة. ١٠ - المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا يجزىء في السِّواك إلاَّ استعمال العود، والرَّاجح: أنَّه يُجزىء بغيره من أصبع وخرقة وغيرهما؛ ولذا قال الموفق والنووي: يجزىء بأي شيءٍ يزيل التغير. ١١ - يدل الحديث على قاعدة أصولية، وهي: أن الأمر المطلق يفيد الوجوب، ووجهه: أنَّه لو كان الأمر يفيد الاستحباب، لما امتنع وّ من أمرهم بالسواك؛ ولكن ما يقتضيه الأمر، وما يفهمه الصحابة والعلماء من الأمرِ المجرَّدِ عن قرينة صارفة، هو الوجوب، وهو الذي منعه من أمرهم بالسواك. ١٩٧ كتاب الطهارة - باب الوضوء ١٢ - إذا تعارضت الأدلة الشرعية بين الوجوب والاستحباب، أو بين التحريم والكراهة، وليس هناك أصلٌ يُبنى عليه - فإنَّ طبيعة الشريعة السمحة ومنهجها بالتخفيف على العباد، وورود النصوص العامَّة فيها، تجعل الأخذ بأيسر القولَيْنِ وأبعدهما عن التحريم والوجوب أقرَبَ وأرجَحَ؛ فقد جاء في الصحيحين: ((أنَّه ◌َِِّ ماخُيِّر بين أمرين إلاَّ اختار أيسرهما)). خلاف العلماء: عموم الحديث يفيد استحباب السِّواك كُلَّ وقت للصائم وغيره، أوَّل النَّهار وآخره، ولا يوجد دليلٌ يخصِّص هذا العموم بالفطر، إلاَّ قوله وَالآتى: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك)) [رواه البخاري (٥٩٢٧) ومسلم (١١٥١)]، وهذا ليس فيه صريح الدلالة، فإنَّ الخلوف ينشأ من خلو المعدة من الطعام، وليس من الفم. وأمَّا حديث: ((إذا صمتم، فاستاكوا في الغداة، ولا تستاكوا بالعشي)) فضعيف، وهو معارَضٌ بالأحاديث التي منها ما رواه أحمد (١٥٢٥) والترمذي (٧٢١) وحسّنه، وعلّقه البخاري، من حديث كعب بن مالك، قال: ((رأيت رسول الله ◌َ﴿ مالا أحصي يتسوَّك وهو صائم))، ولم يقیده بوقتٍ دون آخر . وممَّن قال باستحباب السِّواك مطلقًا: الإمامان أبو حنيفة ومالك، واختاره الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، قال في الفروع: وهو أظهر. أمَّامن كرهه للصائم بعد الزوال: فهما الإمامان الشَّافعي وأحمد وأتباعهما وإسحاق، استدلالاً بحديث: ((إذا صمتم فاستاكوا في الغداة، ولا تستاكوا في المساء»، ولكنَّه حديثٌ ضعيف كما تقدَّم. واستدلوا بحديثٍ صحيح وهو: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))، ولكن لا دلالة فيه؛ لأنَّ السواك لا يزيل الخلوف؛ لأنَّ مصدره المعدة، وليس مصدره الفم. / ١٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ: ((أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى المِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَىُ مِثْلَ ذُلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَىُ الكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذُلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * مفردات الحديث: - دعا: بمعنى: طلب الوَضُوء. - وضوء: بفتح الواو: اسمٌ للماء الذي يُوضَّأ به، وأمَّا بالضم: فاسمٌ للفعل. - كفيه: تثنية كف، والكف هي الرَّاحة مع الأصابع، مؤنث، جمعه كفوف وَأَكُفُّ، وحدُّها: مفصل الذراع، سُمِّت كَفًّا؛ لأنَّ الإنسان يكف بها عن نفسه. - تمضمض: المضمضة: أنْ يجعل الماء في فمه، وكمالها أنْ يديره في فمه، ثمّ یمجه أو یبلعه. - وجهه: جمع الوجه: وجوه، وهو ما تحصُلُ به المواجهةُ، وهي المقابلة. وحدُّه: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى منتهى اللَّحْيَيْنِ طولاً، ومن الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عرضًا، يؤخذ حده الشرعي من معناه اللغوي، حيث لم يجر له حَدٌّ في الشرع. - استنشق: يُقال: استنشق الماء يستنشقه استنشاقًا: أدخل الماء في أنفه وجذبه (١) البخاري (١٩٣٤)، مسلم (٢٢٦). ١٩٩ كتاب الطهارة - باب الوضوء لينزل ما فيه؛ فالاستنشاق: جذب الماء إلى داخل الأنف. - استنثر: يُقال: نَثَرَ الشيء يَنْثُرُهُ نثرًا: رماه متفرِّقًا، ومنه إخراج مافي الأنف من مخاط وغيره بالماء؛ فالاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق. قال ابن قتيبة وغيره: الاستنشاق والاستنثار واحد، وقال الكرماني: إنَّ هذا الحديث دليلٌ على قول من قالوا: إنَّ الاستئثار هو غير الاستنشاق، وهو الصواب؛ فالاستنشاق هو إدخال الماء داخل الأنف، والاستنثار: إخراج الماء منه. - إِلى: قال النحاة: ((إلى)) تأتي لانتهاء الغاية الزمانية والمكانية؛ فالزمانية مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلَّ﴾، والمكانية مثل قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا﴾، وهي هنا للغاية المكانية. أمَّا ما بعد ((إلى)): فيجوز أنْ يكون جُزْءٌ منه، أو كله، داخلاً فيما قبلها، وجائز أنْ يكون غَيْرَ داخل، ويعرف دخول ذلك أو عدم دخوله بالقرينة، فإنْ لم يكن هناك قرينة تدل على دخوله أو خروجه: فإنْ كان من جنس ماقبلها، جاز أنْ يدخل وأنْ لا يدخل، وإِلاَّ فالغالب أنَّه لا يدخل. وهي هنا داخلٌ ما بعدها فيما قبلها؛ لدلالة الأحاديث التي يأتي تفصيلها في فقه الحديث، إن شاء الله. - المِرْفَق: بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس، لغتان، هو موصل الذراع في العضد، جمعه: مرافق، وهما مرفقان، سُمِّيَ مرفقًا؛ لأنَّه يرتفق به في الاتكاء ونحوه، ويجوز فيه: فتح الميم والفاء؛ على أنْ يكون مصدرًا . - إلى الكعبين: تثنية كعب: هما العظمان الناتئان عند ملتقى السَّاق بالقدم، لحديث النعمان بن بشير في صفة الصلاة: ((فرأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه)) [رواه أحمد (١٧٩٦٢) والبيهقي (٧٦/١)]. - مسح برأسه: مسح يتعدَّى بنفسه؛ فالباء - هنا - زائدة مؤكِّدة أنَّ المسح هو لعموم الرأس، وليس لبعضه. ٢٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال بعضهم: إنَّ الباء هنا للتبعيض. وقال ابن جني: أهل اللغة لا يعرفون أنَّ الباء تأتي للتبعيض، وإِنَّما يُورِدُ هذا المعنى الفقهاء قال النحاة: والإلصاق لا يفارق الباء في جميع معانيها؛ فتكون هنا مفيدة لهذا المعنى، لیکون المسح ظاهرًا فيها . * ما يؤخذ من الحديث: ١- هذا الحديث جعله المؤلِّف - رحمه الله تعالى - أصلاً في بيان صفة وضوء النَّبِي وَّر، وجعل ما بعده من الأحاديث والروايات مكمِّلات له. ٢- ينبغي لمن يريد عبادة من العبادات - ومنها الوضوء والطهارة - أنْ يستعد لها بأدواتها؛ لئلا يحتاج إلى ذلك أثناء أدائها . ٣- استحباب غسل اليدين ثلاثًا، قبل إدخالهما في ماء الوضوء عند الوضوء، وهو سنة بالإجماع؛ والدليل على أنَّ غسلهما سنة فقط: هو أنَّه لم يأت ذكر غسلهما في الآية، وفعل النَّبِي وَّ المجرَّد لا يدل على الوجوب، وإنَّما يدل على الاستحباب؛ وهذه قاعدة أصولية. ٤- استحباب التيمُّن في تناول ماء الوضوء، لغسل الأعضاء؛ فتكون اليد اليمنى هي المتناولة له. ٥- وجوب المضمضة والاستنشاق؛ فإنَّهما داخلان في مسمَّى الوجه، المنصوص على غسله في آية المائدة. ٦- لم يقيد المضمضة والاستنشاق بثلاث، ولكن مادمنا علمنا أنَّ الفم والأنف من مسمَّى الوجه، فيكفي في استحباب التثليث فيهما ما جاء في الوجه. ٧- استحباب الاستنثار بعد الاستنشاق؛ قال العلماء: ويجوز بلعه. ٨- استحباب التثليث في غسل الوجه، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل اليدين، والرجلين؛ فكل هذه الأعضاء يستحب التثليث فيها.