Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب الطهارة - باب المياه ١٠ - وَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ رَسُوْلُ اللهَِّةِ، فَلَمَّا قَضَىْ بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّنَّهِ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيْقَ عَلَيْهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - في المسجد: يعني مسجد النبيِ وَّل، والمسجد لغةً: مَفْعِل ـ بالكسر -: اسم مكان السجود، وبالفتح: مصدر ميمي، قال الصفتي: ويقال: مَسْيِدٌ، حكاه غير واحد. - أعرابي: بفتح الهمزة: بدوي؛ نسبة إلى الأعراب سكّان البادية، وقد جاءت النسبة فيه إلى الجمع دون الواحد؛ لأنَّه لا واحد له من لفظه، فهو ممَّا يفرق بین جمعه وبین مفر ده بیاء النسب . - الطائفة: القطعة من الشيء، أي: ناحية المسجد. قال ابن فارس: الطاء والواو والفاء أصلٌ صحيحٌ يدل على دوران الشيء، ثمَّ يتوسّعون فيقولون: أخذت طائفة من الثوب، أي قطعةً منه، وهذا على معنى المجاز. - فزجره النّاس: يقال: زَجَرَهُ يَزْجُرُهُ زجرًا من باب قتل، فالزجر المنع؛ فالنَّاس أرادوا منعه من البول في المسجد. - بوله: البول: هو السائل الذي تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه، وقد تقدَّم. - بِذَنُوبٍ من ماء: بفتح الذَّال المعجمة: الدلو الملّنة ماء، ولا تسمَّى ذنوبًا إلاّ (١) البخاري (٢١٩)، مسلم (٢٨٥). ١٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام إذا كان فيها ماءٌ. - قضى بوله: ((قضى)) له عدَّة معانٍ جاءت كلها في القرآن الكريم، ومنها معنى ((فرغ))؛ كقوله تعالى: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْئَفْتِيَانِ ﴾ وكذلك هنا، أي: ٤١ فرغ من بوله. - فأهريق عليه: أصله: ((فأريق عليه)) ثمّ أُبْدِلَتِ الهمزة هاء، فصار ((فَهُرِيقَ))، ثمَّ زيدت همزة فصار ((فأهريق))، وهو بسكون الهاء مبنيٌّ للمجهول، وقد تقدَّم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ البول نجس، ويجب تطهير المحل الذي أصابه من بدنٍ أو ثوبٍ أو إناءٍ أو أرضٍ أو غير ذلك. ٢ - تطهّر الأرض من البول بغمرها بالماء، ولا يشترط نقل التراب من المكان قبل الغسل ولا بعده، ومثل البول بقية النجاسات بشرط عدم وجود شيء من أجزاء النجاسة ذات الجرم. ٣- احترام المساجد وتطهيرها، وإبعاد الأقذار والأنجاس عنها؛ فقد جاء في رواية الجماعة إلاَّ البخاري: قال له: ((إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول والقذر، وإنَّما هي لذكر الله وقراءة القرآن)). ٤- سماحة خلق النبي ◌َّ فقد أرشد الأعرابيَّ برفقٍ ولينٍ بعد ما بال، ممَّا جعله يخصه بالدعاء فيقول: ((اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا»؛ كما جاء في صحيح البخاري (٦٠١٠). ٥ - بُعْدُ نظره وَّهِ، ومعرفتُهُ طبائعَ النَّاس، وحُسْنُ سيرته معهم، حتى أخذ حبه وَّر بمجامع قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ! ٤ ٦- عند تزاحم المفاسد يرتكب أخفها؛ فقد تركه ټ﴾ حتَّى أكمل بوله؛ لأجل ما يترتب من الأضرار على قطع بوله من تلويثه بدنه وثيابه وانتشار بوله في مواضع أُخَرَ من المسجد، وما يحدث من ضرر في بدنه، خاصَّة المسالك البولية. ١٤٣ كتاب الطهارة - باب المياه ٧- أنَّ البعد عن النَّاس والمدن يسبِّب الجفاء والجهل. ٨- الرفق بتعليم الجاهل وعدم التعنيف عليه . ٩- أنَّ ما يترتب على الأحكام الشرعية من إثم أو عقوبةٍ في الحياة، إنَّما يكون في حق العالِمٍ بالحكم، أمَّا الجاهل: فلا ملامة عليه، ولكن يُعَلِّم ليلتزم. ١٠ - في الحديث حثٌّ على المبادرة إلى إنكار المنكر عند القدرة على ذلك؛ فإنَّ النبي ◌َّه لم ينه الصحابة عنه، وإنَّما نهاهم عن العنف على الأعرابي. ١٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَنٍ وَدَمَانٍ، فَأَمَّا المَيْتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوْتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ والطِّحَالُ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وابنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيح موقوفًا . وأمَّا المرفوع ففيه ضعفٌ؛ لأنَّه من رواية عبدالرحمن وأخويه أبناء زید بن أسلم، عن أبيهم، عن ابن عمر، وقد ضعفهم ابن معين . قال أبو زرعة وأبو حاتم: إنَّه موقوف، وصححه موقوفًا كل من الدَّار قطني (٤/ ٢٧١) والحاكم، والبيهقي (٢٥٤/١)، وابن القيم. وقال ابن حجر: هي في حكم المرفوع؛ لأنَّ قول الصحابي: ((أُحِلَّ لنا كذا)) و((حُرِّم علينا كذا))، مثل قوله: ((أمرنا بكذا)) و((نهينا عن كذا))، فيحصل الاستدلال بهذه الرِّواية؛ لأنَّها في معنى المرفوع. * مفردات الحديث: - ميتتان: مفردها ميتة بالتخفيف، وأمَّا بالتشديد: فهي التي لم يلحقها ذكاة ممَّا مات حتف أنفه، أَو ذُكِّيَ ذكاة غير شرعية. وقال ابن دقيق : الميتة بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد في موارد الاستعمال. - دمان: مفرده دم، وهو غير الدم السَّائل الذي يتدفق من القلب إلى جميع أعضاء الجسم عن طريق الشرايين، ويعود إلى القلب بواسطة الأوردة، ولونه أصفر لولا وجود الكريات الحمراء فيه، فهو نجس محرَّم، وإنَّما المراد به هنا (١) أحمد (٥٦٩٠)، ابن ماجه (٣٢٢٠). ١٤٥ كتاب الطهارة - باب المیاه نفس الكبد والطحال. - أمَّا: حرف تفصيل متضمن معنى الشرط، جعله سيبويه بمعنى: ((مهما يك من شيء))، ويجب اقتران جوابه بالفاء. - الكبد: مؤنثة، وقد تُذَكَّر: عضو في الجانب الأيمن من البطن تحت الحجاب الحاجز، له وظائف عدَّة أظهرها إفراز الصفراء، وهو مخزن هام للدَّم يتزوده من طريقي الشريان والوريد البابيِّ، ويغادر الدم الكبد إلى الوريد الأجوف بنسب منظّمة، بحكمة الله تعالى وقدرته، فهذا الدم الموجود في الكبد مستثنی من الدم المحرّم، فهو حلال طاهر. - الطحال: بزنة كتاب، جمعه: طُخُلٌ وأطحلة، هو عضوٌ يقع بين المعدة والحجاب الحاجز في يسار البطن، وظيفته تكوين الدم، وإتلاف القديم من کریَّاته. فهذان الدمان طاهران مباحان، وسيأتي بحثه في فقه الحديث، إن شاء الله تعالی . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريم الدم المسفوح؛ أخذًا من إباحة الدمين المذكورين في الحديث؛ فاستثناء حل بعض الشيء دليلٌ على حرمة الباقي، وله أدلَّةٌ أخرى معروفة. ٢ - تحريم الميتة، وهي ما ماتت حتف أنفها، أو ذكيت تذكية غير مشروعة. ٣- أنَّ الكبد والطّحال حلالان وطاهران. ٤ - أنَّ ميتة الجراد والحوت طاهرة وحلال. ومعنى ميتة الجراد: هو أن يموت بغير صنع آدمي في إماتته، وإنَّما يموت حتف أنفه بأي سببٍ من أسباب الموت، من بردٍ أو غرقٍ أو غير ذلك، فإنْ مات بصنع آدمي، فهو ما جاءت النصوص بحله، وأجمعت عليه الأمة. أمّا ما مات بشيء من المبيدات السامة، فهذا يحرم؛ لما فيه من السم القاتل المحرَّم، وكذلك ميتة الحوت: هو أن توجد ميتة؛ إما بسبب جزر ١٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام المياه عنه، أو نضوب الأنهار، أو بسب قذف الأمواج له، أو أصابته آفة سماوية . والقصد: أنه إذا وجدت ميتة بأي وسيلة من وسائل الموت، فهي حلالٌ طاهرةٌ . أمّا ما مات بسبب مايسمَّى بتلوث البحار بمواد سامّة أو نفايات قاتلة، فهذا يحرم لا لذاته، وإنَّما لما تسمَّم به من مَوَادَّ مضرةٍ أو قاتلة. ٥- الحديث دليل على أنَّ السمك والجراد إذا ماتا في ماءٍ، فإنَّه لا يَنْجُسُ قليلاً كان الماء أو كثيرًا، ولو تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فإنَّه لم يتغير بنجاسة، وإنَّما تغير بشيءٍ طاهرٍ، وهذا وجه سياق الحديث في باب المياه. ١٤٧ كتاب الطهارة - باب المياه ١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:( إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابٍ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَد جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً)) أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُودَاوُدَ، -وَزَادَ: ((وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ))(١) * درجة الحديث: زیادة أبي داود جاءت بإسنادٍ حسن. * مفردات الحديث: - الذباب: بضم الذال المعجمة، اسمٌ يطلق على كثيرٍ من الحشرات المجنّحة، ومنها الذبابة المنزلية ذات الأجنحة الشفافة صاحبة الأرجل المغطّاة بالشعر، التي تنتهي بوسائل ماصَّة، تمكِّنها من حمل الجراثيم والقاذورات التي تهبط عليها. قال ابن بطال: سُمي ذبابًا؛ لأنَّه كلَّما ذُبَّ لاستقذاره، آب. - الشراب: ماشرب من أي نوع من السوائل، جمعه أشربة . - فليغمسه: في الشراب، ثمَّ لينزعه منه، يقال: انغمس في الماء: إذا غاب کله فيه. - ثمَّ لينزعه: أي: ليجذبه ويقلعه من إناء الشراب. - جناحيه: الجناح: هو ما يطير به الطائر ونحوه، وهما جناحان، جمعه أجنحة وأجنُحُ. - الداء: هو المرض ظاهرًا أو باطنًا، يقولون: داءَ الرجلَ داءٌ، أي: نزل به داءٌ، جمعه أدواء، والمراد هنا: وجود سبب الدَّاء في أحد جناحي الذبابة. - شفاء: البرءمن المرض، والمرادهنا: وجود سبب الشفاء في أحد جناحي الذباب. (١) البخاري (٥٧٨٢)، أبوداود (٣٨٤٤). : ١٤٨= توضيح الأحكام من بلوغ المرام * مايؤخذ من الحديث: ١ - طهارة الذباب في حال حياته ومماته، وأنّه لا ینجس ما وقع فيه من سائل أو جامد . ٢ - استحباب غمسه كله فيما وقع فيه من سائل، ثمَّ نزعه وإخراجه، والانتفاع بما وقع فيه فهو باقٍ علی طهارته ومالیته. وإنْ كان ما وقع فيه جامدًا، ألقاه وما حوله؛ لعدم سريان مضرته في بقية أجزاء الجامد. ٣- أنَّ في أحد جناحي الذباب داءً، وفي الجناح الآخر شفاء، فإذا وقع في الشراب، رفع الجناحَ الذي فيه الشفاء، وغمس في الشراب الجناحَ الذي فيه الداء؛ ليحافظ على السّلاح الذي أودعه الله بجناحه من العطب، فيبقى ذخيرة له في حياته عند حاجته إليه، فكان من حكمة الله تعالى أنْ أمر أنْ يغمس جناحه الذي فيه الشفاء حتى يُقابَلَ داؤُهُ بدوائه، فيكون مضادًّا له وتزول مضرته. أمَّا إراقته: ففيها إضاعة مال وإفساد، والشرع ليس لعصرٍ من العصور أو شعب من الشعوب؛ فقد يكون لهذا الشراب قيمته الكبيرة في زمنٍ من الأزمنة، ومكان من الأمكنة، وشعب من الشعوب. ٤- في الحديث إعجاز علمي؛ فقد جاء العلم الحديث بمبتكرات واكتشافات؛ فأثبتت وجود حقيقة علمية في وجود داء ضار في أحد جناحي الذباب، بينما أثبت وجود دواء مضاد له في الجناح الآخر، ولله في شرعه أسرار !!. ٥ - قاس العلماء على طهارة الذباب كل ما ليس له نَفْسٌ سائلةٌ من الحشرات، فحكموا بطهارتها، وأنَّها لا تنجس ما سقطت فيه من أطعمة أو أشربة، قليلة كانت تلك الأطعمة أو الأشربة أو كثيرة؛ ذلك أنَّ سبب التنجُّس هو الدم المحتقن في الحیوان بعد موته، وهذا السبب غير موجود فیما ليس له دم سائل؛ كالنحلة، والزنبور، والبعوضة، وأمثال ذلك. ١٤٩ كتاب الطهارة - باب المياه بحثْ فيه ردّ لمطاعن الزنادقة في هذا الحديث: طعن بعض الزنادقة في هذا الحديث، بل تعدَّاه الطعن إلى الطعن في أبي هريرة - رضي الله عنه - ومن هؤلاء ((محمود أبو ريّة)) في كتابه الذي أسماه ((أضواء على السنَّةَ المحمدية))، وردَّ عليه الشيخ العلاّمة: عبدالرحمن بن يحيى المعلِّمي في كتابه ((الأنوار الكاشفة))، وقال: وقع إليَّ كتاب جمعه أبو رية، فطالعته وتدبرته، فوجدته جمعًا وترتيبًا وتكميلاً للمطاعن في السنة النبويَّة، والجواب عن الطعن في هذا الحديث نلخّصها في الفقرات التالية: أولاً: الحديث الذي معنا من الأحاديث التي انتقاها واختارها الإمام البخاري لصحتها ووضعها في صحيحه، وحسبك بهذا الإمام الجليل وبكتابه الذي أجمعَتِ الأمَّةُ على قبوله فتلقته بالقبول والرضا، والاعتمادِ والعملِ بما فيه. ثانيًا: حديث الذباب لم ينفرد بروايته أبو هريرة، وإنَّما رواه أيضًا أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك؛ كما جاء ذلك في مسند الإمام أحمد (٢٤/٣). ثالثًا: من هو الذي يتطاول حتَّى ينال من طرف صحابي من أصحاب رسول الله وَله حتَّى يصل إلى أحفظهم لأحاديث رسوله، وأكثرهم لها نقلاً، الذي دعا له النبي ◌َّه بالحفظ وبطء النسيان، والذي فرَّغ نفسه لحفظ الحديث؛ فلا زراعةَ تشغله، ولا تجارةَ تلهيه، وإنَّما ليله ونهاره يتابع ما يلفظ به النبي ◌ٍَّ من الحكمة، ثمَّ يَسْهَرُ عليها ليله لحفظها، ويثبتها في قلبه. رابعًا: قال الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلِّمي: علماء الطبيعة يعترفون بأنَّهم لم يحيطوا بكلِّ شيءٍ علمًا، ولا يزالون يكتشفون الشيء بعد الشيء، فبأي إيمان ينفي أبورية وأضرابُهُ أنْ يكون الله تعالى أطلع رسوله وَّ على أمرٍ لم يصل إليه علم الطبيعة بعد، هذا وخالق الطبيعة ومدبِّرها هو واضعُ الشريعة. خامسًا: أثبت الأطباء الحديثون أنَّ في أحد جناحي الذباب داءً، وفي الآخر شفاءً، ﴾ [النساء]. ٨٧ وبهذا- والحمدلله -وضح الحقُّ؛ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ حَدِيثًا ١٥٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٣ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيِْيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَله : ((مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيْمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، واللَّفْظُ لَهُ(١) . * درجة الحديث: الحدیث حسن. فقد روي من أربع طرق عن أربعة من الصحابة، عن أبي سعيد، وأبي واقدٍ الليثي، وابن عمر، وتميم الدَّاري ، وحديث أبي واقد هذا رواه أيضًا أحمد (٢١٣٩٦) والحاكم (١٣٧/٤) وصححه. قال الشوكاني: رواه الحاكم عن أبي سعيد مرفوعًا، قال الدَّارقطني: والمرسل أصح. وأمَّا حديث ابن عمر: فأخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه عاصم بن عمر وهو ضعيف. وأمَّا حديث تميم: فقد رواه ابن ماجه والطبراني، وإسناده ضعيف. * مفردات الحديث: - ما قطع: ((ما)) موصولة، والفعل بعدها مبني للمجهول. - البهيمة: كل ذات أربع قوائم، من دواب البر والبحر ما عدا السباع، جمعها بهائم. - وهي حية: الواو للحال، أي: والحال أنَّ هذه البهيمة في حال الحياة. - ميْت: بإسكان الياء؛ لأنَّه قد لحقها الموت حقيقة. (١) الترمذي (١٤٨٠)، أبوداود (٢٨٥٨). ٠٠٠ ١٥١ كتاب الطهارة - باب المياه ما يؤخذ من الحديث: ١ - إنَّ ما أُبِينَ من بهيمة في حال حياتها، فهو كَمَيْتِها طهارةً أو نجاسة، حلّ أو حرمة، فإن قطع من بهيمة الأنعام ونحوها مع بقاء حياتها، فهو نجس حرام الأكل، أمَّا لو أَبِينَ من سمكة وبقيت حية، فما أبين فهو طاهرٌ مباح. ٢- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا متفق عليه بين العلماء. ٣- ما يستثنى من ذلك: فأرة المسك التي تقطع وتُبَانُ من غزال المسك، وهي باقية حية، فهي طاهرة بالسنَّة والإجماع؛ لأنَّ ما أُبين منها بمنزلة البيض والولد والشعر ونحوها. ويستثنى من ذلك أيضًا: ((الطريدة))، وهو الصيد يقع بين القوم ولا يقدرون على ذكاته، فيقطع هذا منه بسيفه قطعة، ويقطع الآخر قطعة حتَّى يؤتى عليه فيموت. ومثله الناذُّ من الإبل ونحوها إذا توخَّشَتْ ولم يُقْدَرْ على تذكيتها؛ فقد كان الصحابة يفعلون هذا في مغازيهم؛ فقد جاء في البخاري من حديث رافع ابن خديج قال: كُنَّا مع النبي وَّر في ذي الحليفة، فَنَدَّ بعير، فطلبه الصحابة فأعياهم، فأهوى إليه رجلٌ بسهم فحبسه الله تعالى، فقال ◌َله: ((إنَّ لهذه البهائم أوابد کأوابد الوحش، فما ندّ عليكم، فاصنعوا به هكذا)». * فائدة: قال في حياة الحيوان والموسوعة العربية ما خلاصته : غزال المسك: لونه أسود، له نابان أبيضان بارزان، تفرز غدة منه في سرته دمًا، في أوقاتٍ معلومة من السنة فيمرض منه، فإذا تكامل، سقط جلده الذي هو وعاؤه، فيكون منه أحسن العطور؛ وقد قال المتنبي يمدح سيف الدولة : فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَم الْغَزَالِ فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ١٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب الانية مقدمة الآنية: جمع إناء على أفعلة؛ مثل كساء وأكسية. أصله: (أأنية) بهمزتين، قُلِبَت الثانية ألفًا. وجمع الآنية: أوانٍ، وهي الأوعية لغةً وعرفًا. ومناسبة ذكرها هنا: أنَّه لمَّا كانت الطهارة بالماء، وهو سَيَّال لابد له من وعاء، ناسب بيان أحكام الآنية بعده. والأواني تكون من الحديد والنحاس والصُّفْر والخزف والخشب والجلود، ومن أي شيءٍ صلح لجعله إناء، ولو كان ثمينًا؛ كالجواهر والزمرد. والأصل في الأواني: الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . فهذا أصلٌ كبيرٌ يفيد أنَّ ما في هذه الحياة من العادات والمعاملات والصنائع والمخترعات، وما يجري استعماله من الملابس والفرش والأواني وغير ذلك، الأصلُ فيها الإباحةُ المطلقةُ، وَمَنْ حرَّم شيئًا منها لم يحرِّمه الله، فهو مبتدع. فهنا الأواني لا يحرمُ منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله، وهي أواني الذهب والفضة؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ١٥٣ كتاب الطهارة - باب الآنية ١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ رسُولُ اللهِ بَّهُ: ((لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا فإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). * مفردات الحديث: - لا تشربوا ولا تأكلوا: ((لا)) ناهية في الفعلين فجزمتهما، والنَّهي عند الأصوليين: قولٌ يتضمن طلب الكف بصيغة مخصوصة، هي المضارع المقرون بـ((لا)) النَّاهية. ۔ الذهب: عنصر فلزي أصفر اللون، جمعه أذهاب وذهوب، وهو جوهرٌ نفیس يستخدم لِسَكِّ النُّقود. - الفضة: عنصر أبيض قابل للسحب والطرق والصقل، من أكثر المواد توصيلاً للحرارة والكهرباء، وهو من الجواهر النفيسة التي تستخدم لسكِّ النقود؛ كما تستعمل أملاحها في التصوير، جمعه فضض وفِضاض. - صحافهما: بكسر الصاد: جمع صَحْفَة، وهي: إناء من آنية الطعام. - فإنَّها لهم في الدنيا: ليس هذا تعليلاً، وإنَّما بيان الواقع منهم. مايؤخذ من الحديث: * ١ - النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وصحافهما. ٢- النَّهي يقتضي التحريم والمنع . ٣- أنَّ الحكم عامٌ في حقِّ الرِّجال والنِّساء. ٤- النَّهي عن استعمالهما في الأكل والشرب يعم استعمالهما لأي منفعة، إلاَّ ما أذن فيه، ممّا سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ٥- إذا كان استعمالهما حرامًا - وهو مظنَّة الحاجة والابتذال - فاتخاذهما أواني (١) البخاري (٥٤٢٦)، مسلم (٢٠٦٧). ١٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام زينة وتحفًا مثله في التحريم وأولى. ٦- ليس في الحديث إباحة استعمال أواني الذهب والفضة للكفَّار في الدنيا، وإنَّما المقصود بيان حالهم وما هم عليه؛ وإلاَّ فإنهم مخاطَبون ومعذَّبون على أصول الشريعة وفروعها، وعلى أوامرها ونواهيها . أمَّا المسلمون المتقون الله تعالى في اجتنابها: فإنَّهم يتمتعون باستعمالها في الآخرة؛ جزاءً لهم على تركها في الدنيا، ابتغاء ثواب الله تعالى. ٧- النَّهي والتحريم عن استعمال أواني الذهب والفضَّة واتخاذها عاٌ، سواءٌ كانت ذهبًا خالصًا أو فضَّةً خالصة، أو مموَّهًا أو مضبَّبًا بهما، أو غير ذلك من أنواع التجميل والتَّحلية؛ فالنَّهي والتحريم عامَّان. قال النووي: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيهما، وجميع أنواع الاستعمال في معنى الأكل والشرب بالإجماع. ٨- قوله: ((فإنَّها لهم في الدنيا)» معناه: أنَّه من استعملها، فقد شابههم في استحلالهم إيَّاها، ومن تشبّه بقومٍ، فهو منهم، وأعظم ما يكون التشبه في الاعتقاد والتحليل والتحريم. ٩- الأصل في الأمر بمخالفة المشركين هو الوجوب، ما لم يَدُلَّ دليل على جواز ترك المخالفة: فمثلاً ما جاء في البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩) من حديث ابن عمر؛ أنَّ النبيِ وَّ قال: ((خالفوا المشركين وقِّروا الَّلحى))، لا نعلم وجود دليل صارف عن وجوب إعفاء اللحية، فيبقى الإعفاء واجبًا، وحلقها محرّم؛ لأنَّ فيها تشبُّها بالمشرکین. أمّا النوع الثاني: فقد روى أبو داود (٦٥٢) بإسنادٍ صحیح من حدیث شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله وَله: ((خالفوا اليهود؛ فإنَّهم لا يُصلُّون في نعالهم ولا خفافهم)»؛ فقد جاء في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((رأيت رسول الله وَله يصلي حافيًا ومنتعلاً)). ١٥٥ كتاب الطهارة - باب الآنية ١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَله: ((الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) . * مفردات الحديث: - يُجرجر: بضم المثناة التحتية، وجيم مفتوحة، فراء، فجيم مكسورة، والجرجرة: صوت جرع الإنسان للماء، وجرجر فلان الماء: جرعه جرعًا متواترًا له صوت؛ شبه نزول العذاب في بطن الشارب في إناء الفضة بهذا الصوت المخيف. - نار: بالرفع والنصب، فمن رفع جعل الفعل للّار، أي: تنصب نار جهنّم في جوفه، ومن نصب جعل الفعل للشَّارب، أي: يصب الشارب نار جهنّم، والنصب أجود. - جهنّم: من الجهومة وهي الغلظة، وجهنَّم: عَلَمٌ على طبقة من طبقات النَّار، وسُمِّيت جهنَّمَ؛ لِبُعْدِ فَعْرِهَا. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريم الشرب في إناء الفضة، ومثله الذهب وأولى، والنصوص الشرعية كثيرًا ما تذكر شيئًا وتترك مثله وما هو أولى منه، من باب الاكتفاء؛ كقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] يعني: والبرد؛ فإنَّه أولى. ٢- الوعيد الشديد على الشَّارب في إناء الفضة ومثله الذهب؛ فإنَّ عذابه غليظ شديد؛ فإنَّه بارتكاب هذه المعصية سَيُسْمَعُ لوقوع عذاب جهنّم في جوفه صوتٌ مرعب منكر. (١) البخاري (٥٦٣٤)، مسلم (٢٠٦٥). ١٥٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣- في الحديث إثبات الجزاء في الآخرة، وإثبات عذاب النَّار يوم القيامة؛ وهو أمرٌ واجب الاعتقاد معلومٌ من الدِّين بالضرورة. ٤ - وفيه أنَّ الجزاء يكون موافقًا للعمل؛ فهذا الذي أتبع نفسه هواها، وتمثَّع بالشرب بإناء الفضة، سيتجرَّع عذاب جهنّم، مع تلك المواضع من بدنه التي تمتعت واستلذت بالمعصية في الدُّنيا؛ وهكذا فالجزاء من جنس العمل. * خلاف العلماء: ختلف العلماء في العلّة التي من أجلها حرِّم استعمال الذهب والفضّة: فقال بعضهم: هي الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء. ١ وقال بعضهم: هو هدفٌ تربويٌّ أخلاقيٌّ؛ فإنَّ الإسلام يصون المسلم عن الانحلال والترف المُفْسِدَیْنِ. وقال بعضهم: العلّة هي كونهما نقدين؛ فالذهب والفضة هما الرصيد العالمي للنَّقْد، الذي تقوم به الأشياء، وتحصل به المطالب والضرورات والحاجات؛ فاتخاذهما واستعمالهما أواني أو تحفًا ونحو ذلك، هو شَلٌّ للحركة التجارية، وتعطيلٌ لقيم الحاجات والضرورات، بدون وجود مصلحة راجحة. وقال ابن القيم: العلّة في استعمالهما هي ما يكسب القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية، منافاةً ظاهرة. ولهذا علَّل وَلَّ بأنَّها للكفَّار في الدنيا؛ إذ ليس لهم نصيبٌ من العبودية التي ينالون بها الآخرة. والله تعالى أعلم، فله في شرعه أسرارٌ وحِكَمٌ، ولا مانع أنَّ كلَّ هذه العلل مقصودة !! . ١٥٧ كتاب الطهارة - باب الآنية ١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَهُ: ((إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَعِنْدَ الأَرْبَعَةِ: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ))(١) . * مفردات الحديث: - إذا: شرطية غير جازمة، و((دبغ)) فعل الشرط، و((الفاء)) رابطة بين فعل الشرط وجوابه وهو ((طهر))، و ((قد)) للتحقيق. ـ دُبغَ: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ويدبغ الجلد بمادَّة خاصَّة؛ ليلين وليزول ما به من رطوبة ونتن. - الإهاب: بزنة كتاب: هو جلد الحيوان قبل أنْ يُدْبَغ، وجمعه: أُهُبٌّ بضم الهاء وسكونها . - طهر: بضم الهاء وفتحها، أي: صار طاهرًا. - أيُّما: ((أي)) اسم جازم يجزم فعلين، الأوَّل فعل الشرط، وهو هنا ((دُبغ))، والثاني جوابه وجزاؤه، وهو هنا ((طهر))، و((ما)): زائدة، و((أيما)): من صيغ العموم . (١) مسلم (٣٦٦)، أبوداود (٤١٢٣)، الترمذي (٧٢٨)، النسائي (٤٢٥٢)، ابن ماجه (٣٦٠٩). ١٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِلّهِ: ((دِبَاغُ جُلُودِ المَيْنَةِ طُهُوْرُهَا)) صَخَحَهُ ابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال الحافظ في التلخيص: أخرجه أحمد (٢٤٦٨٨)، وأبو داود (٤١٢٥)، والنسائي (١٧٣/٧)، والبيهقي (١٧/١) وابن حبَّان (٢٩١/٢) من حديث الجون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق، وإسناده صحيح، وفي الباب عن ابن عبَّاس مرفوعًا بلفظ: ((دِبَاغ الإِهَابِ طُهُوره)) رواه الدَّار قطني، وأصله في مسلم. وقد أخرجه بسند صحيح عن عائشة كلٌّ من النسائي (٤٢٤٤) والطحاوي (٤٧٠/١) وابن حبان (١٠٥/٤)، وذكر كل من الكتاني والمناوي أنَّه حديثٌ متواتر، وأنَّه جاء عن أربعة عشر من الصحابة، وساق الدَّار قطني أسانيده بألفاظٍ مختلفة، ثمَّ قال: أسانيدها صحاح. وقد صحَّحه الإمام النووي. * مفردات الحديث: - المُحَبِّقِّ: بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، ثمَّ باء مكسورة مشدّدة، آخره قاف، هذلي من قبيلة هذیل . - جلود: جمع جلد، والجلد: غشاء الجسم. - الميتة: بالتخفيف: الحيوان الذي مات حتف أنفه، أو مات على هيئة غير مشروعة . (١) ابن حبان (٢٩١/٢). ١٥٩ كتاب الطهارة - باب الآنية ١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: (لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا! فَقَالُوا: إِنَّها مَيْئَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَظُ)) أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ(١). * درجة الحديث: الحدیث حسن بشواهده. قال الحافظ في التلخيص: رواه مالك (٤٩٨/٢)، وأبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٤٢٤٨)، وابن حبَّان (٢٩١/٢)، والدَّار قطني (٤٥/١)، من حديث العالية بنت سُبيع، عن ميمونة، وصححه ابن السكن، والحاكم، ولكن في إسناده عبدالله بن مالك بن حذافة، وأمه العالية، وفيهما جهالة، وأخرجه الدَّار قطني من طريق يحيى بن أيوب، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيدالله ابن عبدالله عن ابن عبّاس، ولكن الحديث حسن بشواهده. * مفردات الحديث: - شاة: الواحدة من الضأن والمعز، يُقَال للذكر والأُنْثَى، والجمع شاء وشياه. - القَرَظ: بفتحتين، حب شجر السلم، وشجره من شجر العضاه ذو سوق، أمثال شجر الجوز، وهي من الفصيلة القرنية، يدبغ بحبه الأديم، وكان الدباغ معروفًا بالقرظ عند العرب. * ما يؤخَذ من الأحاديث الثلاثة: ١ - حديث ابن عبّاس عمومه يدل على أنَّ أي إهاب دُبغ فقد طهر، من حيوان طاهر في الحياة أو غير طاهر. (١) أبوداود (٤١٢٦)، النسائي (٤٢٤٨). ١٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٢ - حديث سلمة بن المحبق يدل على أنَّ الدباغ يطهر جلود الميتة. ٣- حديث ميمونة يدل على أنَّ الدباغ يطهر جلد الشاة الميتة، ومثل الشاة غيرها من الحيوانات الحلال أكلها . ٤- ما دام أنَّ الجلد قد طهر بعد الدبغ، فإنَّه يجوز استعماله في اليابسات والمائعات، ويجوز لبسه وافتراشه وغير ذلك من الاستعمالات. كما أنَّه ذو قيمة مالية، فيجوز التصرف فيه بأنواع التصرفات من بيعٍ وغيره. ٥- يجوز الدباغ بكل شيءٍ ينشف فضلات الجلد، ويطيبه ويزيل عنه النتن والفساد، سواءٌ كان من القرظ، أو قشور الزُّمَّان، أو غيرهما من المنقيات الطاهرات. خلاف العلماء: اختلف العلماء في طهارة جلد الميتة بعد الدبغ، إذا كانت الميتة طاهرة في الحياة: فذهب الإمام أحمد - في المشهور من مذهبه -: إلى أنَّ جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولو كان الحيوان طاهرًا في الحياة، وإنَّما يجوز استعماله في اليابسات، وهو المروي عن عمر، وابنه، وعمران بن حصین، وعائشة، رضي الله عنهم. والدليل على ذلك: مارواه أحمد والأربعة عن عبدالله بن عُكَيْم الجهني؛ أنَّ النبي وَ له كتب إلى قبيلة جهينة: ((رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي، فلا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصب))؛ قال الإمام أحمد: إسناده جيد. وهذا الحديث ناسخٌ لما قبله من الأحاديث التي جاءت بطهارته. وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه يطهر من الجلود ما كان حيوانه طاهرًا في حال الحياة، ولو كان ميتة. قال في المغني : روي ذلك عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وعطاء، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والليث، والثوري،