Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
المقدمة
التشريع، والدليل على ذلك ظاهرٌ من وضع الشريعة.
إذ قد مرَّ أنَّها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب
من المكلف أن يجري على ذلك في أعماله، وأن لا يقصد خلاف ما قصده الشارع.
ولأنَّ المكلف خُلِقَ لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد
في وضع الشريعة، وهذا محصول العبادة؛ فينال بذلك الجزاء في الدنيا
والآخرة.
وأيضًا: فإن قصد الشارع المحافظة على الضروريات ومارجع إليها من
الحاجيات والتحسينيَّات، وهو علة ما كلف به العبد، فلا بد أن يكون مطلوبًا
بالقصد إلى ذلك، وإلاّ لم يكن عاملاً على المحافظة؛ لأنَّ الأعمال بالنيات.
من قصد من العمل غير ما قصده الشارع بطل عمله وأهدر ثوابه:
كل من ابتغى في تكليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة،
وكل من ناقضها، فعمله في المناقضة باطل؛ فإنَّ المشروعات إنما وضعت
لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت، لم تكن في تلك الأفعال التي
خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة.
أما من ابتغى في الشريعة ما لم توضع له، فهو مناقض لها.
والدليل عليه من أوجه:
أحدها: أنَّ الأفعال والتروك متماثلة عقلاً بالنسبة إلى ما يقصد بها؛ إذ لا
تحسين للعقل ولا تقبيح، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة
وتعيين الآخر للمفسدة، فقد بيَّن الوَجْهَ الذي منه تحصُلُ المصلحة؛ فأمر به أو
أذن فيه، وبيَّن الوجه الذي تحصل به المفسدة فنهى عنه رحمة بالعباد، فإذا
قصد المكلّف عین ما قصده الشارع، فقد قصد وجه المصلحة على أتم وجهه؛
فهو جدير بأن تحصل له، وإن قصد غير ما قصده الشارع، وذلك إنما يكون فى
الغالب لتوهُّم أن المصلحة فيما قصد؛ لأنَّ العاقل لا يقصد وجه المفسدة

١٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
كفاحًا -: فقد جعل ما قصَدَ الشارعُ مهمَل الاعتبار، وما أهملَ الشارعُ مقصودًا
معتبرًا وذلك مضادة للشريعة ظاهرة .
الثاني: أنَّ حاصل هذا القصد يرجع إلى ما رآه الشارع حسنًا، فهو عند
هذا القاصد ليس بحسن، وما لم يره الشارع حسنًا، فهو عنده حسن؛ وهذه
مضادّة أيضًا.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى﴾ [النساء، الآية: ١١٥]؛ قال عمر بن عبدالعزيز: سنَّ
رسول الله وَّليه وولاة الأمر من بعده سننًا؛ من أخذ بها فهو مهتد، ومن خالفها
اتّبع غير سبيل المؤمنين.
الرابع: الآخذ بالمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخِذٌ
في غير مشروع حقيقة؛ لأنَّ الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض، فإذا أخذ
بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم، لم يأت بذلك المشروع أصلاً، وإذا لم
يأت به، ناقضٍ الشارعَ في ذلك الأخذ من حيث صار كالفاعلِ لغير ما أمر به
والتاركِ لما أَمَرَ به.
قصد المكلف العمل أقسام:
التكاليف إذا علم قصد المصلحة فيها، فللمكلّف في الدخول تحتها
ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقصد بها ما فهم من مقصد الشارع في شرعها؛ فهذا لا
إشكال في موافقته، ولكن ينبغي أن لا يخليه من قصد التعبد، فكم من فهم
المصلحة فلم يلو على غيرها من قصد التعبد، فهي غفلة تفوّت خيرات كثيرة،
بخلاف ما إذا لم يهمل التعبد .
الثاني: أن يقصد بها ما عسى أن يقصده الشارع مما اطّلع عليه أو لم
يطّلع عليه، كأن ينوي من هذا العمل ما قصده الشارع من شرعه، وهذا أكمل

١٠٣)
المقدمـة
من الأول، إلاَّ أنَّه ربَّما فاته النظر إلى التعبد والقصد إليه في التعبد.
الثالث: أن يقصد مجرد الامتثال، فَهِمَ قصد المصلحة أو لم يفهم،
فهذا أكمل وأسلم :
أما كونه أكمل: فإنه نصب نفسه عبدًا ممتثلاً ملبيًا؛ إذْ لم يعتبر إلاّ مجرد
الأمر.
وأما كونه أسلم: فلأنَّ العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبودية، فإن
عرض له قصد غير الله، رده قصد التعبد، بخلاف ما إذا عمل على جلب
المصالح، فإنه عد نفسه هنالك واسطةً بين العباد ومصالحهم، وإذا رأى نفسه
واسطة، فربّما دخله شيء من اعتقاد المشاركة.
وأيضًا: فإنَّ حظه ـــ هنا ـ محمود، والعمل على الحظ طريق إلى دخول
الدواخل، والعمل على إسقاطها طريق إلى البراءة منها .
ليس لأحد أن يسقط حق الله في نفسه أو ماله أو عمله:
كل ما كان من حقوق الله، فلا خيرة فيها للمكلّف، ولا يملك إسقاطها؛
وذلك كالطهارة والصلاة والزكاة ... إلخ ..
وما يتعلق بذلك من الكفارات والمعاملات، والأكل والملبس، وغير
ذلك من العبادات والعادات التي ثبت أنَّ فيها حقًّا لله تعالى، وكذلك الجنايات
كلها على هذا الوزان جميعها لا يسقط حق الله فيها ألبتة، فلو طمع أحد أن
يسقط الطهارة، بقي مطلوبًا بها حتى يقوم بها، ولو استحلَّ أكل ما حرَّمه
الشارع، أو استحلال نكاح بلا ولي، أو استحلال الربا، أو بيعًا فاسدًا، أو
إسقاط حد الزنى، أو الحرابة ونحوها، لم يصح شيء منه.
وإذا كان الحكم دائرًا بين حق الله وحق العبد، لم يصح للعبد إسقاط حقِّه
إذا أدى إلى إسقاط حق الله؛ وذلك مثل أنَّ حق العبد ثابت له في حياة العبد
وكمال جسمه وعقله وبقاء ماله في يده، فإذا أسقط ذلك بأن سلط يد الغير عليه

١٠٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فقد خالف الشرع؛ إذ ليس لأحد أن يقتل نفسه، ولا أن يفوّت عضوًا من أعضائه
ولا مالاً من ماله؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء، الآية: ٢٩]، وقال:
﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة، الآية: ١٨٨].
سكوت النبي 18 عن الزيادة على المشروع مع الداعية إلى الزيادة نهي
عن الزيادة:
السكوت عن شرعية الحكم على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه؛ لأنَّه لا داعية له تقتضيه، ولا مُوجِبَ يقدِّر
لأجله؛ كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله وَّر، فإنَّها لم تكن موجودة ثم
سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى
النظر فيها، وإجرائها على ما تقرّر في كُلِّيَّاتها، وما أحدثه السلف الصالح راجعٌ
إلى هذا القسم؛ من جمع المصحف، وتدوين العلم، وتضمين الصناع، وما
أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر زمن النبي ◌ُّه، ولم تكن من نوازل زمانه، ولا
عرض للعمل بها مُوجِبٌ يقتضيها .
فهذا القسم جاريةٌ فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال، والقصد
الشرعي فيها معروف.
الثاني: أن یسکت عنه، وموجبه المقتضي له قائم، فلم یقرر فيه حكم
عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمن .
فههذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا
ينقص؛ لأنَّه لما كان هذا المعنىُ المُوجِبُ لشرع الحكم العملي موجودًا، ثم
لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحًا في أنَّ الزائد على ما كان هناك
بدعةٌ زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع؛ إذ فهم من قصده الوقوف عندما حد
- هنالك - لا الزيادة عليه ولا النقصان منه.
وذلك مثل سجود الشكر عند من لم یثبت ذلك عندہ کمالك - رحمه الله -

١٠٥
المقدمة
فالبدع هي فِعْل ما سكَتَ الشارع عن فعله، أو تَرْكُ ما أَذِنَ في فعله.
فالأول كسجود الشكر عند مالك، والدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار
الصلوات، والاجتماع للدعاء بعد العصر يوم عرفة في غير عرفة.
والثاني: كالصيامِ مع ترك الكلام، ومجاهدة النفس بترك مأكولات
معينة .
فالبدع إنما أحدثت لمصالحَ يدَّعيها أهلها، ويزعمون أنَّها غيرُ مخالفة
لقصد الشارع، ولا لوضع الأعمال.
وإلى هنا تمَّ ما اخترته وما لخّصته من كتاب - الموافقات - للإمام
الشاطبي، وقد جرى اختياره في عدة مجالس، آخرها ليلة السبت الموافق
(١٤١٠/٥/٢٨هـ).
والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمَّد وعلى آله
وصحبه أجمعين.
و کتبه
عبدالله بن عبدالرحمن بن صالح البسام
مكة المكرمة

١٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهدیه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.
أمابعد: فقد ذكرنا - في ((المقدمة الأولى)) من مقدمات هذا الشرح - بيانَ
أهمية ((بلوغ المرام))، وعظم قدره، وجليل فائدته، والميزات الطيبة التي انفرد
بها عن الكتب المصنفة في بابه؛ مما دعا العلماء إلى العناية به، والإقبالِ علیه،
والاستفادةِ منه، واختيارِهِ على غيره في حلقات الدروس، وقاعات المعاهد
والجامعات، حتى صار هو العمدة في الاستظهار والاستنباط والاستفادة،
فتعدَّدت طباعته، وكثر تداوله، وكما قيل: ((المورد العذب كثير الزحام)).
كما ذكرت في تلك ((المقدمة)) صِلَتي بهذا الكتاب، وطول صحبتِي إِيَّاه،
فإنَّها ألفة قديمة، وعلاقة وثيقة، وصلة عريقة، تطلب مني الوفاء لماضيه،
وخدمة قارئيه، والقيام بحق مؤلفه، وذلك بشرح يقرِّب معانيه، ويكشف عن
مطاويه، ويستخرج درره ويجلو أصدافه ويبرز محاسنه، فحدَّثْتُ نفسي بأني
- بعد أن توفَّرَتِ المصادر، وَكَثُرَتِ المراجع، وتيسَرت الأمور - أستطيعُ أن
أقدِّم لطلاب العلم شرحًا يلائم أذواقهم، ويشاكل مناهجهم، ويناسب ما يُلقى
عليهم من دروس مادة الحديث، وزاد في إقدامي على شرح هذا الكتاب أمران:
أحدهما: ما لمسته من إقبال على شرحي على ((العمدة)) المسمى ((تيسير
العلام))، واختياره لتدريس مادة الحديث في كثير من دور العلم، وحلقات
الدروس في المساجد، وإعجاب الكثير في جمعه وترتيبه وتنسيقه وتبويبه.
الثاني: أنَّ الشروح المتداولة لـ((بلوغ المرام)) غير مرتَّبة ولا منسَّقة،

١٠٧
المقدمة
وطريقة تأليفها تخالف النهج الذي تسير عليه المعاهد والجامعات الآن.
فأقدمت على تأليف هذا الشرح الذي أرجو أن يكون مناسبًا لوقته،
ملائمًا لقرَّائه، كافيًا في بابه، وافيًا في مقصوده، وما في هذا الكتاب من فوائد
وأحكام، فهي قسمان:
أحدهما: ما استخرجته من خزين الحافظة ثمرة دراسات سابقة صاغتها
الملکة حتى صار من إعدادها.
الثاني: نقولٌ من تلك المراجع؛ إما بنصِّها، وإما باختصار لا يخل
بمعناها؛ فإني لا أحذف من الكلام إلاَّ استطرادات خارجة عن الموضوع، أو
زيادات عن الخلاصة المختارة.
وبعد: فقد حَلَّيْتُ هذا الشرح بأمورٍ تزيدُ في حسنه، وترغَّبُ في قراءته،
وأوجزها بما يأتي :
أولا : فَصَّلْتُ مواضيعَ الكتاب ونسقتها، ليأخذ كلُّ طالب علم بغيته ومراده؛
ففيه الكلام عن درجة الحديث، وتفسير غريبه، وبيان أحكامه، وتفصيل
الخلاف في مسائله، فکل موضوع من هذه المواضیع له فصله الخاص به وحده.
ثانيًا: أنني لم أنتصر لأي إمام، ولم أتعصَّب لأي مذهب، وإنما وجَّهت
قصدي إلى ما يرجِّحه الدليل من أقوال العلماء، رحمهم الله تعالى.
ثالثًا: أنني ألحقت به ما يناسبه من القرارات التي صدرت من المجامع
الفقهية، وهي: مجمَّع الفقه الإسلامي - التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي،
ومقره جدة، والمجمّع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومقره
مكة المكرمة، ومجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية،
ومجمَّع البحوث الإسلامية بالقاهرة.
وهذه القرارات قسمان:
إما مسائل قديمة بحثها علماء المجلس؛ فقيمة القرار منها دراسته من

١٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أحد هذه المجامع، أو منها كلها، وإعطاء المسلمين فيه رأيًا جماعيًّا من نخبة
ممتازة من علماء المسلمين .
وإما مسائل مستجدة اقتضاها العصر الحاضر؛ فدرسها أحد هذه المجامع
الكبيرة، وخرج منها برأي شرعي جماعي، طبقت عليه النصوص الشرعية، مما
أبان عن عظمة هذه الشريعة وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
رابعًا: أنني حرصتُ على تتبع الحقائق العلمية التي توصَّل إليها العلم في
هذه الأزمنة، التي تطوَّرَتْ فيها العلوم الطبيعية والعلوم الكونية؛ مما له صلة
في نصوص هذا الكتاب ومسائله؛ لأبرز بقدر علمي واستطاعتي ما تحمله هذه
النصوص الكريمة من إعجاز علمي باهر، طابَقَ بكلِّ وضوحٍ وجلاء ما في تلك
الحقائق العلمية الجديدة؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿سَيِّرِيهِمْءَايَتِنَا فِى الَّفَاقِ وَفِىّ
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقٌ﴾ [فصلت، الآية: ٥٣]، وقوله جلَّ وعلا: ﴿ وَلَنْعَلَمُنَّ
﴾ [ص، الآية: ٨٨]، فبظهور هذا التطابق بين النصوص الكريمة
نَامُ بَعْدَحینِ
وما أودعه الله في هذا الكون من حقائق، يُعْلَمُ أنَّه كله جاء من لدن حكيم
خبير، فيزداد الذين آمنوا إيمانًا، وتقوم الحجة الظاهرة القوية على المعاندين.
خامسًا: أنَّ هذا الشرح بالرغم من حرصي على تقريبه لطالب العلم
المبتدي، إلاَّ أنَّي توسّعْتُ فيه اتساعًا، فبحثتُ جميعَ جوانب الحديث روايةً
ودراية، فقد تكلّمْتُ على درجة الحديث من حيثُ القبولُ والرَّدُّ، وذلك في
الأحاديث التي ليست في الصحيحَيْنِ أو أحدهما، ثم شرحتُ مفرداتِ الحديث
وغريبَ لفظه لغةً ونحوًا وصرفًا، واصطلاحًا، وتعريفًا عمليًّا، ثم إني استنبطتُ
الأحكام والآدابَ بطريقةٍ موسّعة، وَعُنِيتُ عنايةً تامَّةً بِعِلَلِ الأحكام وأسرارها؛
لأظهر محاسن الإسلام وأحكامه أمام القاريء لا سيَّما الناشئة منهم؛ ليزيد
تعلقهم بدینهم، فيأخذوه عن قناعة ويقين.
سادسًا: تتميمًا لفائدة هذا الشرح، فإني ألحقتُ ــ غالبًا - في كل حديث

١٠٩
المقدمة
ما يشابه أحكامه ويناسبها من الفوائد مما يعد أحكامًا زائدةً عما يفهم من
الحديث أو من الباب؛ لذا فإني جعلتها بعنوان مميِّز لها حينما أقول: ((فائدة)» أو
«فوائد» .
اصطلاحات خاصة في هذا الشرح:
- إذا قلتُ: ((الشيخ)) فمرادي: شيخ الإسلام أحمد بن تيمية.
- وإذا قلتُ: ((قال ابن عبدالهادي)) فمن كتابه المحرَّر.
- وإذا قلتُ: ((في التلخيص)) فمرادي التخليص الحبير؛ للحافظ ابن حجر.
- وإذا قلتُ: ((قال الصنعاني)) فهو من سبل السلام.
- وإذا قلتُ: ((قال الشوكاني)) فأعني من نيل الأوطار.
- و ((قال صديق حسن)) يعني: من الروضة الندية.
- وإذا قلتُ: ((قال الألباني)) فهو من إرواء الغليل، وقليل من حاشيته على
المشكاة .
- ومرادي بـ((الروض)) الروض المربع، ومرادي بـ((الحاشية)) حاشية الروض؛
للشيخ عبدالرحمن بن قاسم.
- قد يتكرر شرح اللفظة الواحدة من الحديث أو أكثر من مرة؛ وقصدي إراحة
القاريء بإعادة شرحها عن الإحالة إلى مكانها .
وبعد :
فإنني مغتبط أشدَّ الاغتباط بهذه الصحوة الإسلامية المباركة، وهذا الوعي
الديني الذي جُلَّ أمره صار في الشباب والشابات، فأسأل الله تعالى أن يبارك
فيه، وأن يؤيِّده ويقوِّيه، وأن يقيه شر الآفات، ومكايد الأشرار، وتدبير الأعداء.
والذي أنصح إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي به: أن يحرصوا على جمع
الكلمة، وتوحيد الصف وَلَمِّ الشمل، ولا يكون ذلك إلاَّ بتناسي الخلافات
الفرعية في المسائل الاجتهادية.

١١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فلا يكن بحثهم لها مصدر عداوة وبغضاء، وإنما يكون بحث استفادة
ووصول إلى الحق: فإن وصلوا إلى إجماع بينهم عليها، فذاك، وإلاَّ عَمِلَ كلُّ
منهم بما أوصله إليه اجتهاده بلا عداوة ولا بغضاء، ولا تهاجر ولا تقاطع؛ فقد
سبقهم إلى الخلاف فيها علماء أجلاء، فلم يحدث بحثهم فيها ونقاشهم مسائلها
عداوةً ولا بغضاء، وإنما كل منهم يعمل على شاكلته، وما رأى أنّه الحق.
فليحذر أولادنا الأعزّاء من التفرّق والاختلاف؛ فإنَّه سبب الفرقة وإضاعة
الجهد؛ ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال، الآية: ٤٦]، ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران، الآية: ١٠٣].
بارك الله في أعمالهم، وسدّد أقوالهم، ونجَّح مساعيهم، وجعلهم هداة
مهتدين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
نبینا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف

١١١
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الحافظ ابن حجر لكتابه بلوغ المرام
الحمدلله على نعمه الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا، والصلاة والسلام،
على نبيه ورسوله محمَّد وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سیرًا حثيثًا،
وعلى أتباعهم الذين وَرِثُوا علمهم و((العلماء ورثة الأنبياء)) أكرم بهم وارثًا
وموروثًا.
أما بعد: فهذا مختصَرٌ يشتمل على أصول الأدلَّةِ الحديثِيَّة، للأحكام
الشرعيَّة، حرَّرته تحريرًا بالغًا؛ ليصيرَ من يحفظه بين أقرانه نابغًا، ويستعينَ بهَ
الطالبُ المبتدي، ولا يستغنيَ عنه الراغبُ المنتهي، وقد بَيَّنْتُ عَقِبَ كُلِّ حديث
مَنْ أخرجَهُ من الأئمّة، لإرادة نُصْحِ الأمَّة.
فالمرادُ بالسبعة: أحمدُ، وَالبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبوداود، وابن ماجَهْ،
والترمذيُّ، والنَّسائيّ.
وبالستة: مَنْ عدا أحمد، وبالخمسة: مَنْ عدا البخاريَّ ومسلمًا، وقد
أقولُ: الأربعة وأحمد، وبالأربعة: مَنْ عدا الثلاثةَ الأُوَل، وبالثلاثةِ: من عداهم
وعدا الأخير، وبالمثَّفق عليه: البخاريُّ ومسلم، وقد لا أذكر معهما غيرهما،
وما عدا ذلك فهو مبيَّن، وسمَّيته: ((بُوغَ المرام، من أدلة الأحكام)).
والله أسأل أن لا يجعَلَ ما عِلِمْنَا علينا وبالاً، وأن يرزقنا العمَلَ بما يُرْضِيهِ
سبحانه وتعالى.

١١٣
كتاب الطهارة - باب المیاه
كتاب الطهارة
باب المياه
الكتاب: لغة: مدار مادة - كتب - على الجمع، فسمِّي كتابًا؛ لجمعه
الحروف والكلمات والجمل، وهو هنا بمعنى المكتوب.
واصطلاحًا: ما خُطَّ على القرطاس لإبلاغ الغير، أو ما خُطَّ لحفظه عن
النسيان، واستعمل العلماء الكتاب فيما يجمع شيئًا من الأبواب والفصول.
الطهارة:
- لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسيّة والمعنوية.
وشرعًا: ارتفاعُ الحَدَثِ بالماءِ أو الترابِ الطهورَيْنِ المُباحَيْنِ، وزوال
النجاسة .
فالطهارة - باتفاق المسلمين -: هي زوالُ الوصف القائم بالبدن.
وحكم هذا الوصف: المنعُ من الصلاة ونحوها، ووجهُ التعبير في جانب
الحَدَثِ بالارتفاع؛ لأنَّه أمر معنوي، ووجه التعبير بالإزالة في النجاسة؛ لأنَّه
جرم حسي، والإزالة لا تكون إلاّ في الأجرام.
الباب: لغة: المدخل إلى الشيء.
واصطلاحًا: اسم لجملة متناسبة من العلم تحته فصول ومسائل غالبًا .
المياه: جمع ماء، وهو المائع المعروف، ويترگّب کیمیائیًّا من غاز الأيدروجين
وغاز الأوكسيجين، ومصادره مياه الأمطار والينابيع والعيون والبحيرات والأنهار.

١١٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
مقدمة
مناسبة البدء بالطهارة هو أنَّ الأحاديث الثابتة عن النبي وَّ في بيان شعائر
الإسلام بُدِئَتْ بالصَّلاة، ثم بالزكاة، ثم بالصوم، ثم بالحج، وكما جاء في
الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٠٠٩) وأبوداود (٦١) والترمذي (٢)، وابن
ماجه (٢٧٥)؛ أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((مفتاح الصلاة الطهور))، والمفتاح شأنه
التقديم على ما جعل مفتاحًا له، فصار المناسب هو البدء بالطهارة؛ لأنَّ الطهارة
من الحدث والخبث من شروط الصلاة، وشرط الشيء يسبقه.
وقال الغزالي في الإحياء: قال الله تعالى: ﴿لَّطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال، الآية: ١١].
وروى مسلم (٢٢٣) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله وَ لاته :
((الطهور شطر الإيمان)).
والطهارة لها أربع مراتب :
الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس.
الثانية: تطهير الجوارح من الجرائم والآثام.
الثالثة: تطهير القلب من الأخلاق المذمومة .
الرابعة: تطهير السرِّ عما سوى الله تعالى.
وهذا هو الغاية القصوى لمن قويت بصيرته فسَمَت إلى هذا المطلوب،
ومن عميت بصيرته، لم يفهم من مراتب الطهارة إلاَّ المرتبة الأولى.
والأصل: أنَّ الطهارة تكون بالماء؛ ذلك أنّه أحسن المذيبات، فكل المواد
تذوب فيه، وقوَّة تطهيره ترجع إلى بقائه على خلقته الأصلية؛ فإنه إذا خالطه ما
غيَّر مسماه، ضَعُفَتْ قوة إزالته وتطهيره؛ لأنَّه يفقد خفته ورقته وسيلانه ونفوذه.

١١٥
کتاب الطهارة - باب المياه
١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ الله عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَله
فِي البَحْرِ: ((هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْنَتُهُ)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ وَابْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، والَّلِفْظُ لَهُ، وَصَخَحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ
وَالشَّافِعِيُّ وأَحْمَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، سألت عنه البخاري فقال:
صحيح، وقال الزرقاني في شرح الموطأ: هذا الحديث أصلٌ من أصول
الإسلام تلقته الأمَّة بالقبول، وقد صحَّحه جماعةٌ: منهم البخاري والحاكم
وابن حبَّان وابن المنذر والطحاوي والبغوي والخطابي وابن خزيمة والدَّار قطني
وابن حزم وابن تيمية وابن دقيق العيد وابن کثیر وابن حجر، وغیرهم ممَّن یزید
علی ستّة وثلاثين إمامًا .
* مفردات الحديث:
- البحر: هو خلاف البر، وهو المساحات الشاسعة من الماء المالح، يجمع
على أبحر وبحار وبحور، سُمِّي بحرًا لعُمْقِهِ واتساعه.
- الطَّهُور: بفتح الطَّاء المشدّدة، من صيغ المبالغة: اسمٌ للماء الطَّاهر بذاته المطهّر
لغيره، واللام ليست للقصر؛ فلا ينفي طهورية غيره لوقوعه جواب سؤال، فـ((أل))
جاءت لبيان الحقيقة هنا، و((ماؤه)) فاعلٌ للطهور، والضمير عائدٌ إلى البحر.
(١) أبوداود (٨٣)، الترمذي (٦٩)، النسائي (٥٩)، ابن ماجه (٣٨٦)، ابن أبي شيبة
(١٣٠/١)، ابن خزيمة (٥٩/١)، مالك (٢٢)، الشافعي (١)، أحمد (٧١٩٢).

١١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وماء البحر حوى أملاحًا معدنية عديدة، ومحلول الأملاح فيه موصِّل
كهربائي، يكوّن أكبر نسبة من الموادِّ الذَّاتية فِي ماء البحر، وبهذا يكون أقدر
مِنْ غيره على إزالة الأنجاس ورفع الأحداث، ولله في خلقه أسرار.
- الحِلُّ: بكسر الحاء وتشديد اللَّم، وصفٌ من حَلَّ يحل - من باب ضرب -
ضد حرم، أي: الحلال؛ كما في رواية ((الدَّار قطني)).
- مَيْئَتُهُ: بفتح الميم، مالم تلحقه الذكاة الشرعية، وبكسرها: الهيئة كالجلسة،
والمراد الأول.
و((ميتته)) فاعل لِلْحِلّ، والمراد هنا ما مات فيه من دوابّه، مما لا يعيش إلاَّ
فيه، لا ما مات فيه مُطْلَقًا .
* ما يُؤْخَذُ مِنَ الحديث:
١ - قال الشَّافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة.
وقال ابن الملقِّن: هذا الحديث حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ من أصول الطهارة،
مشتملٌ على أحكام كثيرة، وقواعدَ مهمّة.
٢- في الحديث طهوريّة ماء البحر؛ وبه قال جميع العلماء.
٣- أنَّ ماء البحر يرفع الحدث الأكبر والأصغر، ويزيل النجاسة الطارئة على
محلٌّ طاهر، من بدنٍ، أو ثوب، أو بقعة، أو غير ذلك.
٤- أنَّ الماء إذا تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه بشيءٍ طاهرٍ، فهو باقٍ على طهوريته،
مادام ماءً باقيًا على حقيقته، ولو اشتدت ملوحته أو حرارته أو برودته
ونحوها .
٥ - يدل الحديث على أنّه لا يجب حمل الماء الكافي للطهارة مع القدرة على
حمله؛ لأنَّهم أخبروا أنَّهم يحملون القليل من الماء.
٦ - قوله: ((الطهور ماؤه)) تعريفه بالألف والَّلام المفيد للحصر لا ينفي طهورية
غيره؛ لوقوعِهِ جوابَ سؤال عن ((ماء البحر))؛ فهو مخصَّصٌ بنصوصٍ أُخرى.

١١٧
كتاب الطهارة - باب المیاه
٧- أنَّ ميتة حيوان البحر حلالٌ، والمراد بميتته: ما مات فيه من دوابه ممَّا لا
یعیش إلاَّ فيه.
٨- يجب أنْ يكون الماء الرَّافع للحدث والمزيل للخبث ماءً مطهِّرًا ؛ لتعليل
النَّبي ◌ُّ﴾ بجواز الوضوء منه يكون طهورًا.
٩ - جواز ركوب البحر لغير حج وعمرة وجهاد.
١٠ - فضيلة الزيادة في الفتوى على السؤال؛ وذلك إذا ظن المفتي أن السائل قد
يجهل هذا الحكم، أو أنه قد يُبْتَلَى به؛ كما في ميتة حيوان البحر لراكبه.
قال ابن العربي: وذلك من محاسن الفتوى؛ أن يُجَاء في الجواب بأكثر
مما سُئِلَ عنه؛ تتميمًا للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه، ويتأكد ذلك
عند ظهور الحاجة إلى الحكم - كما هنا - ولا يعد ذلك تكلُّفًا مما لا يعنيه.
خلاف العلماء:
ذهب الإمام أبو حنيفة: إلى إباحة السمك بجميع أنواعه، وحرَّم ما
عداه؛ مثل كلب الماء، وخنزيره، وثعبانه، وغيره ممَّا هو على صورة حيوان
البر، فإنَّهُ لا يحل عنده.
وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه: إلى إباحة حيوان البحر
كله، عدا الضفدع والحية والتمساح؛ فالضفدع والحية من المستخبثات، وأمَّا
التمساح فذو ناب یفترس به.
وذهب الإمامان مالك والشَّافعي: إلى إباحة جميع حيوان البحر بلا
استثناء؛ واستدلا بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، والصيد هنا يُرَاد به
المصيد، وبقوله وَاليه: ((أُحِلَّت لنا ميتتان: الجراد والحوت)) [رواه أحمد
(٥٦٩٠) وابن ماجه (٣٢١٨)]، قال في القاموس: الحوت هو السمك.
ولما جاء في حديث الباب ((الحل ميتته))، وهذا هو الأرجح.

١١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَهُ : ((إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)) أَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیحٌ، ویسمَّی (حدیث بئر بضاعة))، قال أحمد: حديث بئر
بضاعة صحيح، وقال الترمذي: حسن، وقد جوَّد أبوأسامة هذا الحديث، وقد
روي عن أبي سعید وغيره من غير وجه.
وذكر في التلخيص (٢٠/١) أنَّ الحديث صحَّحه أحمد، ويحيى بن
معين، وابن حزم. قال الألباني: رجال إسناده رجال الشيخين غير عبيدالله بن
عبدالرحمن بن رافع فقال البخاري: مجهول الحال، ولکن صححه من تقدم،
فهو حديثٌ مشهورٌ مقبولٌ عند الأئمة. قال الشيخ صديق حسن في الروضة:
قامت الحجة بتصحیح من صحّحه من الأئمة.
فقد صحَّحه غير من تقدم: ابن حبَّان، والحاكم، وابن خزيمة، وابن
تيمية، وغيرهم، وقد أعلَّه ابن القطان بجهالة راويه عن أبي سعيد، ولكن إعلال
ابن القطان وحده لا يقاوم تصحيح هؤلاء الأئمة الكبار.
مفردات الحدیث:
- طهور: بفتح الطاء، من صيغ المبالغة؛ فهو الطاهر بذاته المطهّر لغيره.
- ينجسه: يقال: نَجَسَ يَنْجُس، من باب قتل، على الأكثر، ونَجُسَ ضد طَهُرَ،
والاسم: النجاسة.
وهي في عرف الشرع: قذرٌ مخصوصٌ يمنع جنسه الصلاة؛ كالبول والدم.
(١) أحمد (١٠٨٦٤)، أبوداود (٦٧،٦٦)، الترمذي (٦٦)، النسائي (٣٢٦، ٣٢٧).

١١٩
كتاب الطهارة - باب المياه
٣- وَعَنْ أَبِى أَمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُوْلُ اللهَِّهِ: ((إنَّ المَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّ مَا غَلَبَ عَلَىْ رِيْحِهِ وَطَعْمِهِ
وَلَوْنِهِ)) أَخْرَجَهُ ابنُ مَاجَه، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ. وَلِلْبَنْهَقِيِّ: ((المَاءُ طَهُوْرٌ
إِلاَّ إِنْ تَغَيَّرَ رِيْحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيْهِ))(١).
* درجة الحديث:
أوَّلُ الحديث صحيحٌ، وعجزه ضعيف، ضعَّفه أبوحاتم كما في التلخيص
(٢١/١).
فقوله: ((إنَّ الماء لا ينجِّسهُ شيء)) قد ثبت في حديث بئر بضاعة.
وقوله: ((إلاَّ مَاغلب ... )) إلخ: قال النووي: اتفق المحدِّثون على
تضعيفه؛ لأنَّ في إسناده رِشْدَينَ بن سعد متفق على ضعفه، ونقل ابن حبَّان في
صحيحه الإجماع على العمل بمعناه.
وقال صديق حسن في الروضة: اتفق العلماء على ضعف هذه الزيادة؛
لكنَّه وقع الإجماع على مضمونها .
* مفردات الحديث:
- طَهُور: بفتح الطاء، اسمٌ للماء الذي يُتَطَهَّر به؛ فهو طاهر بذاته، مطهِّرٌ لغيره.
- ما: نكرة موصوفة بمعنى ((شيء))، أو موصولة بمعنى ((الذي)).
- غلب: يُقال: غَلَبَهُ يَغْلِبُهُ - من باب ضرب - غلبًا وغلبة: ظهر عليه وكثر،
والمراد: غلب على الماء ريح النجاسة أو طعمها أو لونها، ولو بإحدى هذه
الصفات؛ كما يفسِّر ذلك رواية ((البيهقي)).
(١) ابن ماجه (٥٢١)، البيهقي (٢٥٩/١).

(١٢٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- ريحه: الريح: هو النسيم، طيِّبًا أو نتنا.
- طعمه: الطعم: ما تدركه حاسَّة الذوق من طعام أو شراب؛ كالحلاوة، والمرارة،
والحموضة، وغيرها؛ يُقَال: تغيَّر طعم الشيء: خرج عن وضعه الطبيعي.
- لونه: اللون: صفة الجسم من السواد والبياض والحمرة، وما في هذا الباب.
وهذه الصفات الثلاث يسمِّيها فلاسفة الإسلام: أعراضًا تفتقر إلى
جوهرٍ تقوم به، والجوهر هو الجسم.
وفي الكيمياء الحديثة: صاروا يعدون هذه الصفات أيضًا جواهر، فهي آثار
جسمية حسية؛ فالماء هنا جوهر، خالطه جوهرٌ آخر، وهو الطعم أو اللون أو الرائحة.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - يدل الحديثان على أنَّ الأصل في الماء الطهارة.
٢- يُقَيِّد هذا الإطلاق بما إذا لاقته النجاسة، فظهر ريحها أو طعمها أو لونها
فیه؛ فإنّها تنجسه، قلَّ الماء أو كثر .
٣- الذي يقيد هذا الإطلاق هو إجماع الأمَّة على أنَّ الماء المتغيِّر بالنجاسة
نجسٌ، سواءٌ کان قليلاً أو کثیرًا.
أمَّا الزيادة التي جاءت في حديث أبي أمامة، فهي ضعيفة لا تقوم بها حجَّة،
لكن قال النووي: أجمع العلماء على القول بحكم هذه الزيادة.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه
نجاسة، فغيّرت له طعمًا، أو لونًا، أو ریحًا، فهو نجس.
قال ابن الملقُّن: فتلخّص أنَّ الاستثناء المذكور ضعيف؛ فتعيَّن الاحتجاج
بالإجماع؛ كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما .
قال شيخ الإسلام: ماأجمع عليه المسلمون فإنَّه يكون منصوصًا عليه؛ ولا
نعلم مسألة واحدة أجمع عليها المسلمون ولا نصَّ فيها .