Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ المقدمة المقاصد إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا؛ وهذا وقوله ما يدلُّ عليه مثلُ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَئِكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ فدلَّ الاستقراء من ١٧ الشريعة أنها وضعَتْ لمصالح العباد. المقاصد قسمان : أحدهما: يرجع إلى قصد الشارع مِنْ وضعه الشريعة. الثاني: يرجع إلى قصد المكلّف من أفعاله. ٨٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام القسم الأول فيما يرجع إلى قصد الشارع من وضع الشريعة وهو أنواع: النوع الأول: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة، وفيه مسائل : المسألة الأولى: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق: وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام : الأول: مقاصد ضرورية الثاني: حاجية. الثالث : تحسينية. فأما الضروريات فإنه لابُدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فُقِدَتْ لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد، وفي الآخرة تؤدِّي إلى فواتِ النجاة والنعيم، وحصول الخسران المبين . والحفظ لها يكون بالقيام بأركانِهَا، وتثبيتٍ قواعدها، كما يكون بما يَدْرَأُ عنها الاختلالَ الواقعَ أو المتوقَّع فيها: فأصولُ العبادات: راجعةٌ إلی حفظ الدین. والعادات: راجعةٌ إلى حفظ النفس، والعقل. والمعاملات: راجعةٌ إلى حفظ النسل، والمال. ومجموع الضرورات خمسة: هي حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. وأما الحاجيّات: فإنه يفتقر إليها مِنْ حيثُ التوسعة، ورفع الضيق المؤدِّي - غالبًا - إلى الحرج؛ ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد، وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات: ٨٣ المقدمة ففي العبادات: كالرخص في الطهارة والتيمُّم والمسح على الخف، وفي الصلاة؛ كالقصر والجمع للمسافر، وفي الحج؛ كالحج عن العاجز. وفي العادات: كالصيد والتمثُّع بالطَّيِّبات. وفي المعاملات: كالقرض والعارية. وفي الجنايات: كالحكم باللوث ووضع الدية على العاقلة. وأما التحسينيات: فهي من الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجُّب الأحوال المدنِّسات، ويجمع ذلك قسمُ مكارم الأخلاق: ففي العبادات كإزالة النجاسة، وفي العادات كأدب الأكل، وفي المعاملات كالمنع من بيع فضل الماء، وفي الجنايات: كمنع قتل الحر بالعبد، فهذه الأمورُ راجعةٌ إلى محاسنَ زائدةٍ على أصل المصالح الضروريَّة والحاجيّة؛ إذ ليس فقدانها بمُخِلِّ بأمر ضروري ولا حاجي، وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين. المسألة الثانية: المقاصد عامة في جميع التكاليف والأزمان والأحوال: وإذا ثبت أن الشارع قد قصَدَ بالتشريع إقامةَ المصالح الأخرويَّة والدنيويّة على وجهٍ لا يُخِلُّ لها به نظام، فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًّا، وكليًّا، وعامًّا في جميع أنواع التكليف، وجميع الأحوال، وكذلك وجدنا الأمر فيها، ولله الحمد . المسألة الثالثة: المقاصد المعتبرة في الشريعة: المقصدُ: هو جَلْبُ المصلحة أو تكميلُهَا، ودفعُ المفسدة أو تقليلُهَا، والمصالحُ المجتلبة شرعًا والمفاسدُ المستدفعة إنما تعتَبَرُ من حيثُ تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيثُ الأهواءُ والنفوسُ في جَلْبِ مصالحها العادية أو دَرْءِ مفاسدها العادية؛ ذلك أن الشريعة إنما جاءت لتخرج الناس من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادًا لله؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنِ فِيهِرَبَّهُ﴾ [المؤمنون: ٧١]. ٨٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام المسألة الرابعة: الدليل على اعتبار مقاصد الشريعة الكلية: الدليلُ على أنَّ الشارع قصَدَ المحافظةَ على القواعد الثلاثة: الضروريَّة، والحاجيّة، والتحسينيّة، هو استقراءُ الشريعة، والنظر في أدلَّتها الكليّة والجزئية، فقد تضافَرَ بعضها مع بعض، فصار من مجموعها التواتُرُ المعنويُّ؛ فإن العلماء لم يعتمدوا في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليلٍ مخصوصٍ؛ لأن في جزئيات الأدلَّة نوعَ ظنِّ عند بعض الأصوليين، وإنما أَلْفَوْا أدلَّة الشريعة كلَّها دائرةً على خطورة تلك القواعد، فمن كان مِنْ حملة الشريعة يسهُلُ عليه إثبات مقاصد الشارع مِنْ هذه القواعد الثلاث. ٨٥ المقدمة النوع الثاني: في بيان قصد الشّارع في وضع الشريعة للتكليف بالمقدور وما لا حرج فيه، ويحتوي على مسائل: المسألة الأولى: ثَبَتَ في الأصولِ أنَّ شَرْطَ التكليف أو سَبَبَهُ قدرةُ المكلَّف عليه، فما لا قدرةَ للمكلَّف عليه لا يصحُّ التكليفُ به شرعًا، وإنْ جاز عقلاً. فالأوصاف التي طُبعَ عليها الإنسانُ؛ كالشَّهوة إلى الطَّعام أو الشَّراب، لا يطلب رفعها، فإنَّه من تكليف ما لا يُطاق. المسألة الثانية: لا تكليفَ بما لا يطاق: الأوصاف التي لا قدرةً للإنسان على جَلْبِها ولا دفعها على قسمين: أحدهما: ماكان نتيجةَ عمل؛ كالعلم، والحب. الثاني: ماكان فطريًّا، ولم يكن نتيجة عمل؛ كالشجاعة، والجبن، والحلم. فالأول: ظاهر أنَّ الجزاء يتعلّق بها في الجملة من حيث كونُهَا مسبّبات مِنْ أسباب مكتسبة. أما الثاني۔۔ وهو ماکان منها فطرًّا - فينظر فيه من جهتين : إحداهما: أنَّها محبوبةٌ للشَّارع أو غيرُ محبوبة له. الثانية: مِنْ وقوع الثواب عليها أو عَدَم وقوعه. فالنظر الأوَّل: ظَاهرُ الدليل النَّقليِّ أنَّ الحبَّ والبغض يتعلَّق بها. والنظر الثاني: أنَّهما يصح تعلُّقهما بالذوات، وهي أبعدُ عن الأفعال من الصفات؛ كقوله تعالى: ﴿فَوْفَ بَأْتِىِ اَللّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ولا يسوغُ في هذا الموضع أن يقال: إنَّ المراد حبُّ الأفعال فقط، فكذلك لا يقال في الصفات إذا توجَّه الحبُّ إليها في الظاهر: إن المراد الأفعال. وإذا ثبت هذا، فيصح - أيضًا - أن يتعلَّق الحب والبغض بالأفعال؛ كقوله تعالى: ﴿﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَهِمِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِمٌ﴾ [النساء: ١٤٨]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ أَنْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، وقوله بَّهى: ((أبغض الحلال إلى الله ٨٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الطلاق)». فإذَا الحب والبغض مطلقٌ في الذوات والصفات والأفعال. المسألة الثالثة: لا تكليفَ بما فيه حرج: الشَّارع لم يقصدْ إلى التكليفِ بالمقدور عليه الشَّاقِّ الذي خرَجَ عمَّا جَرَتْ به العاداتُ قبل التكليف؛ والدليل على ذلك أمور: أحدها: النصوصُ؛ قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيِّدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال ◌َله: ((بُعثت بالحنيفية السمحة)). الثاني: ما ثبت من مشروعيّة الرخص؛ كرُخَصِ القصر، والفِطْرِ، وتناولِ المحرمات في الاضطرار؛ فإنَّ هذا يدل قطعًا على مطلق رَفْع الحرج والمشقّة. وكذلك ما جاء من النَّهي عن التعمُّق والتكلّف في الانقطاعَ عن دوَام الأعمال، ولو كان الشَّارع قاصدًا للمشقّة في التكليف، لَمَا كان ثَمَّ ترخيصٌ ولا تخفيف. الثالث: الإجماعُ على عدم وقوعِهِ في التكاليف، وهو يَدُلُّ على عدم قصد الشَّارع إليه، ولو كان واقعًا، لحصل في الشريعة التناقُضُ والاختلافُ؛ وذلك منفيٌّ عنها. لكن ليس معنى هذا نفي المشقّة عن التكليف؛ فإنَّه لا نزاع في أنَّ الشَّارِع قاصد للتكليف بما يلزم فيه مشقَّةٌ ما، ولكن لا تسمَّى في العادة المستمرَّةِ مشقَّةٌ، كما لا يُسمَّى مشقَّةً طلبُ المعاشِ بالتحرُّف؛ لأنَّه مُمكن معتاد، وأربابُ العادات یعدُّون المنقطع عنه كسلان . وإلى هذا المعنى يرجع الفرقُ بين المشقّةِ التي لا تُعَدُّ مشقَّةً عادةً والتي تعد مشقَّة، وهو: إنْ كان العمل يؤدِّي الدوامُ عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه، أو إلى وقوعِ خَلَلٍ في صاحبه في نفسه أو ماله أو حَالٍ من أحواله -: ٨٧ المقدمة فالمشقّة هنا خارجةٌ عن المعتاد. وإنْ لم يكن فيها شيءٌ من ذلك في الغالب، فلا يعد في العادة مشقَّة، وَإِنْ سميت كُلْفَةً، فأحوالُ الإنسان كلُّها كلفةٌ في هذه الدَّار. إذا تقرَّر هذا، فإنَّ التكليفَ الشاقَّ المعتاد على العباد ليس مقصودُ الشارع به المشقَّةَ على عباده، وإنَّما قصَدَ به المصالح العائدةَ عليهم. وإذا لم تكنِ المشقّةُ مقصودةَ الشَّارع في الأعمال المعتادة، فأولى أنْ لا تكونَ مقصودةً منه في غير المعتادة. المسألة الرابعة: الحكمة من نفي الحرج في التكليف: الحرَجُ مرفوعٌ عن المكلَّف لوجهين : أحدهما: الخوفُ من الانقطاع من الطريقِ وبُغْضِ العبادة. الثاني: خوفُ التقصيرِ عند مَزاحمةِ الوظائفِ المتعلّقةِ بالعَبْدِ المختلفةِ الأنواع؛ مثل قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أُخَر. فالأول: حفظ به على الخلق قلوبهم، وحبَّب إليهم تلك التكاليف، فلو عملوا على غير السهولة، لدخل عليهم فيما كلِّفوا به ما لا تخلص به أعمالهم. الثاني: أنَّ المكلَّف مطالَبٌ بأعمالٍ ووظائف شرعيَّةٍ لا بدَّ له منها، فإذا أوغَلَ في عملٍ شاقٌّ فربَّما قطعه عن غيره، ولا سيَّما حقوقُ الغير التي تتعلَّق به، فيكونُ بذلك ملومًا غير معذور؛ إذ المرادُ منه القيامُ بجمیعھا علی وجهٍ لا يخل بواحدٍ منها، وهذا في العمل الشاقِّ المأذونِ فيه، فأمَّا إنْ كان غيرَ مأذون فيه، فهو أظهر في المنع. المسألة الخامسة: مخالفةُ ما تهوى النَّفْسُ شاقٌ عليها وَصَعْبٌ خروجُهَا منه، وكفى ذلك شاهدًا عليه حَالُ المشركين وأهل الكتاب ممَّن صمَّموا على بقاءِ ما هم عليه، حتَّى رَضُوا بهلاكِ نفوسِهِمْ وَأَحوالِهِمْ، ولم يَرْضَوْا بمخالفة الهوى. والشَّارعِ قصد بوضع الشريعة إخراجَ المكلّفِ من اتِّباع هواه حتَّى يكون ٨٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عبدًا لله، وإذَا فمخالفةُ الهوَى ليستْ من المشقَّات المعتبرة في التكليف، وإنْ كانت شاقَّةً في مجاري العادات؛ إذ لو كانت معتبرةً حتَّى يشرع التخفيف لأجل ذلك، لكان ذلك نقضًا لما وُضِعَتِ الشريعةُ له؛ وذلك باطل. المسألة السادسة: الاعتدال في التكاليف والدعوة إلى امتثالها: .الشريعةُ جاريةٌ في التكليف على الطريق الوسط، الآخذ من الطرفَيْن بقِسْطٍ لا ميل فيه، الدَّاخلِ تحت كَسْبِ العبد من غير مشقَّةٍ عليه ولا انحلال؛ كتكليف الصلاة والزكاة والصيام والحج ابتداءً من غير سبب ظاهر، أوالسبب يرجع إلى عدم العلم؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله: ﴿﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وأشباه ذلك. فإِنْ كان التشريعُ لأجلِ انحراف المكلَّف إلى أحد الطرفَيْن، كان التشريع رادًّا إلى الوسط؛ لكن على وجهٍ يميل فيه إلى الجانب الآخر؛ ليحصُلَ الاعتدال فیه؛ فعلى الطبيب الرفيق حَمْلُ المریض على ما فيه صلاحُهُ بحسب حاله، حتَّی إذا استقلَّتْ صحّته، هيأ له له طريقًا في التدبير وسطًا لائقًا به في جميع أحواله. فإذا نظرت في كليّة شرعية، فتأملها تجدها حاملةً على التوسُّط، فإنْ رأيت ميلاً إلى جهة طرفٍ من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر: فطرف التشديد وعامَّةُ ما يكون في التخويف والترهيب يُؤْتَى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدِّين. وطرَفُ الثَّخفيفِ وعامَّةُ ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص يُؤْتَّى به في مقابلة مَنْ غَلَبَ عليه الحرجُ الشدید. فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، رأيت التوسّط لائحًا، ومسلَكَ الاعتدال واضحًا، وهو الأصلُ الذي يُرْجَعُ إليه. ٨٩ المقدمة النوع الثالث: في بيان قصد الشّارع في دخول المكلّف تحت أحكام الشريعة: ويشتمل على مسائل : المسألة الأولى: المقصدُ الشرعيُّ من وضع الشريعة إخراجُ المكلّف من داعية هواه؛ حتّى يكونَ عبدا لله اختيارًا، كما هو عَبْدٌ لله اضطرارًا، ومن أدلَّة ذلك: الأول: النَّصُّ الصَّريح على أنَّ العباد خُلِقُوا للتعبُّدِ لله، والدخولِ تحت أمر الله تعالى ونهيه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنِسَ إِلََّّ لِيَعْبُدُونِ ٥٦ [الذاريات: ٥٦]،،، إلى غيرها من الآيات الآمرة بالعبادة في عمومها وتفاصيلها، فكله راجعٌ إلى طاعة الله في جميع الأحوالِ، والانقيادِ إلى أحكامه على كلِّ حالٍ، وهو معنى التعبد. الثاني: ما دلَّ على ذمِّ مخالفة هذا القصد مِنَ النَّهي عن مخالفة أمر الله، وذَمِّ من أعرَضَ عن شرع الله، وإيعاده بالعذاب العاجل والآجل. الثالث: من علم التجارب والعادات مِنْ أنَّ المصالحَ الدينيّة والدنيوية لا تحصُّلُ مع الاسترسال في اتباعِ الهَوَى، والمَشْيٍ مع الأغراضِ، وهذا معروفٌ؛ ولذا اتفقوا على ذمِّ من اتبع شهَواته، وما اتفقوا عليه إلاّ لصحّته عندهم. وإذًا: فلا يصح لأحدٍ أنْ يدَّعي على الشريعة أنَّها وُضِعَتْ على مقتضى تشهِّي العباد وأغراضهم. وإذا علمنا أنَّ وَضْعَ الشريعة إنَّما جاء لمصالح العباد، فهي عائدةٌ عليهم بِحَسَبِ أمرِ الشارع، وعلى حَدِّه الذي حَدَّه، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم؛ ولذا كانت التكاليف الشرعية ثقيلةً على النفوس. وإذا تقرّر هذا، انبنی علیه قواعد: الأولى: أنَّ كلَّ عملٍ كان المتَّبَعُ فيه الهوَى من غير التفاتٍ إلى الأمر أو الَّهي أو التخيير، فهو باطل؛ لأنَّه لابدَّ للعمل مِنْ حاملِ يَحْمِلُ عليه، وداع ٩٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يدعو إليه . فأمَّا بطلانُ العباداتِ: فظاهر. وأمَّا العادات: فذلك من حيث عدم ترتُّب الثواب على مقتضى الأمر والنَّهي؛ فوجودُهَا في ذلك وعدَمُهَا سواء. الثانية: أنَّ اتباع الهوى طريقٌ مذمومٌ وإنْ جاء في ضمن المحمود؛ لأنَّه إذا تبيَّن أنَّه مضادٌّ بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحَمَ مقتضاها في العمل، كان مخوفًا؛ لأَنَّه سبَبُ تعطيلِ اَلأوامر وارتكابِ النَّواهي؛ ولأنَّه إذا اتُبَعَ رُبَّما أحدث للنَّفْسِ ضراوة. الثالثة: أنَّ اتباع الهوى في الأحكام الشرعية مَظِنَّةٌ لأنْ يَحْتَالَ بها على أغراضه. المسألة الثانية: تقسيم المقاصد إلى أصلية وتبعية: المقاصد الشرعية ضربان: مقاصد أصلية، ومقاصد تبعية: فأمَّا المقاصد الأصلية فهي التي لا حظّ فيها للمكلَّف، وهي الضروريَّات المعتبرة في كلِّ ملة، وإنَّما قلنا: إنَّها لا حظّ فيها للعبد؛ لأنَّها قيامٌ بمصالحَ عامَّةٍ . وأمَّا المقاصد التَّابعة: فهي التي رُوعِيَ فيها حَظُّ المكلَّف، فمن جهتها يحصُلُ له مقتضى ما جُبِلَ عليه من نَيْلِ الشَّهوات، والاستمتاع بالمباحاتِ، وَسَدِّ الخلات . وذلك أنَّ حكمة الله حَكَمَتْ أنَّ قيامَ الدِّين والدنيا إنَّما يصلُحُ ويستمرُ بدواعٍ من قِبَلِ الإنسانِ تَحْمِلُهُ على اكتسابِ ما يحتاجُ إليه؛ فخلَقَ له شهوةً الطعام والشَّراب إذا مسَّه الجوعُ ليحرِّكه ذلك الباعث إلى التسبُّب في سدِّ هذه الخلَّة بما أمكنه، وهكذا بقيّةُ الشهواتِ هي الأسبابُ الموصِّلة إليها . ثمَّ خَلَق الجنَّة والنَّار، وأرسل الرُّسُلَ؛ ليبيِّنوا أنَّ الاستقرار ليس هنا، ٩١ المقدمة وإنَّما هذه مزرعةٌ لدارٍ أخرى، وأنَّ السعادةَ الأبديَّة أو الشقاوة الأبديَّة هناك؛ لكنَّها تُكْتَسَبُ أسبابها هنا بالرجوع إلى ما حدَّه الشَّارعُ أو بالخروج عنه، فيأخُذُ المكلَّفُ في استعمالِ الأمورِ الموصِّلة إلى تلك الأغراض. المسألة الثالثة: العملُ إذا وَقَعَ على وَفْقِ المقاصد الشرعيَّةِ: فإمَّا أنْ يكون على المقاصد الأصلية أو المقاصد التّابعة: فإذا وقع على مقتضى المقاصد الأصلية بحيث راعاها، فلا إشكال في صحته وسلامته؛ ذلك أنَّ المقصود الشرعي من التشريع إخراج المكلّف عن داعية هواه حتَّی یکون عبدا لله، ویبنی علیه قواعد : من ذلك: أنَّ المقاصد الأصلیة إذا رُوعِیَتْ، كان العبد أقرب إلى إخلاص العمل وصيرورتِهِ عبادةً، وأبعد عن مشاركة الحظوظ التي تغيِّر في وجه محض العبودية . المسألة الرابعة: الإنسان قد يدع حظًّ نفسه في أمر إلى حظ ما هو أعلى منه: كما ترى النَّاس يبذلون المال في طلب الجاه؛ لأنَّ حظّ النَّفس في الجاه أعلى، ويبذلون النفوس في طلب الرئاسة حتَّى يموتوا في طريق ذلك، وهكذا الرهبان قد يتركون لذَّات الدنيا للذَّة الرئاسة والتعظيم فإنَّها أعلى، وحظُّ الذِّكْرِ والتعظيم والرئاسة والاحترام والجاه: أعظم الحظوظ التي يستحقر متاع الدنيا في جنبها عندهم. المسألة الخامسة: الرهبان ومن أشبههم ينقطعون في الصوامع والديارات، ويتركون الشهوات واللذات، ويسقطون حقوقهم؛ في التوجُّه إلى معبودهم، وَيَعْمَلون في ذلك غايةَ ما يمكنهم من وجوه التقرُّب إلى معبودهم، وما يظنُّون أنَّه سببٌ إليه، إلاَّ أنَّ كلَّ ما يعملون مردودٌ عليهم لا ينفعهم الله بشيءٍ منه في الآخرة؛ لأنَّهم بنوا على غير أصل كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةٌ ﴾َ عَمِلَةٌ ٩٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام تَصِيبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ ﴾ [الغاشية: ٢-٤]؛ والعياذ بالله !. ٤ ودونهم في ذلك أهل البدع والضلال من أهل هذه الملَّة؛ فقد جاء في الخوارج قوله قال: ((يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم ... )) الحديث. وعلى الجملة: فالإخلاص في الأعمال إنَّما ينفع إذا كان مبنيًّا على أصلٍ صحیح، فإن كان على أصلٍ فاسد، فبالضد. ۔۔ ٩٣ المقدمة العادة إذا قصد بالإتيان بها وجه الله: ومن المعلوم: أنَّ البناء على المقاصد الأصليّة يصيِّر تصرُّفات المكلّف كلها عبادات، سواءٌ كانت من قبيل العبادات أو العادات؛ لأنَّ المكلَّف إذا فهم مراد الشّارع من قيام أحوال الدنيا، وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم، فهو إنَّما يعمل من حيثُ طُلِبَ منه العمل، ويترك إذا طُلِبَ منه الترك، فهو أبدًا في إعانة الخلق على ما هم عليه من إقامة المصالح باليد واللسان والقلب، فأمَّا باليد: ففي وجوه الإعانات، وأمَّا باللسان: فبالوعظ، والتذكير بالله، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وبالدعاء، وبالقلب: لا يضمر لهم شرًّا؛ بل يعتقد لهم الخير ويعرِّفهم بأحسن أوصافهم ولو بمجرَّدِ الإسلام، ويَحْتَقِرُ نفسه بالنسبة إليهم، ،، إلى غير ذلك من الأمور القلبية المتعلّقة بالعباد. فالعامل بالمقاصد الأصلية: عاملٌ في هذه الأمور في نفسه؛ امتثالاً لأمر ربِّه، واقتداءً بنبيه بََّ، فكيف لا تكون تصرُّفات من هذه سبيلُهُ عبادةً كلها؛ بخلاف من كان عاملاً على حظّه، فإنَّه إنَّما يلتفت إلى حظّه، أو ما كان طريقًا إلى حظّه، وهذا ليس بعبادة على الإطلاق، بل عاملٌ في مباح إنْ لم يُخِلّ بحقٌ الله أو بحقِّ غيره فيه، والمباحُ لا يُتَعَبَّد إلى الله به. لا يكون العمل صحيحًا أو مقبولاً إلاَّ إِذَا رَاعَى وجه الله في القصد التابع: أما المقصدُ الأوَّل: إذا تحرَّاه المكلَّفُ يتضمَّن القصد إلى كلِّ ما قصده الشَّارع في العمل من حصول مصلحة أو درء مفسدة؛ فإنَّ العامل به إنَّما قصد تلبية أمر الشَّارع، إمَّا بعد فهم ما قصد، وإمَّا لمجرَّد امتثال الأمر؛ وعلى كلِّ تقدير: فهو قاصدٌ ما قصده الشَّارع. وإذا ثبت أنَّ قصد الشَّارِع أعمُّ المقاصد وأوَّلها وَأَوْلاَهَا، وأنَّه نورٌ صِرْفٌ لا يشوبه غرضٌ ولا حظ، كان المتلقّي له على هذا الوجه قد أخذه وافيًا كاملاً غير منسوبٍ ولا قاصرٍ عن مراد الشَّارعِ؛ فهو حريٌّ أنْ يترتَّب الثواب فيه ٩٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام للمكلَّف على تلك النسبة. وأمَّا القصد التابعُ: فلا يترتَّب عليه ذلك كله؛ لأنَّه حين أخذ الأمر والنَّهي بالحظ، أو أخذ العمل بالحظ؛ قد قصر الحظ عن إطلاقه، وَخَصَّ عمومه؛ فلا ينهض نهوض الأوّل، وشاهده قاعدة: ((الأعمال بالنيات)). يعظم الأجر بقصد المصلحة العامة: العمل على المقاصد الأصليّة يصيِّر الطَّاعةَ أعظَمَ، وإذا خُولِفَتْ، كانت معصيتها أعظَمَ . أمَّا الأوّل: فلأنَّ العاملَ على وَفْقها عاملٌ على الإصلاح لجميع الخلق، والدَّفْع عنهم على الإطلاق؛ لأنَّه إمَّا قاصدٌ لجميع ذلك بالفعل، وإمَّا قاصرٌ نفسَهُ عَلى امتثال الأمر الذي يدخُلُ تحت قصده كُلُّ ما قصده الشَّارِع بذلك الأمر، وإذا فعل، جُوزِيَ على كلِّ نفسٍ أحياها، وعلى كلِّ مصلحةٍ عامَّة قصدها، ولا شكَّ في عِظَم هذا العمل؛ ولذلك كان من أحيا النَّفس، فكأنَّما أحيا النَّاس جميعًا؛ بخلاف ما إذا لم يعمَلْ على وفقه، فإنَّما يبلغ ثوابُهُ مبلَغَ قصده؛ لأنَّ الأعمال بالنِّيات، فمتى كان قصده أعمَّ كان أجره أعظم، ومتى لم یعم قصده لم یکن أجره إلاّ على وزن ذلك، وهو ظاهر. وأمَّا الثاني: فإنَّ العامل على مخالفتها عاملٌ على الإفسادِ العامِّ، وهو مضادٌّ للعامل على الإصلاح العامِّ، وقد مرَّ أنَّ قصد الإصلاح العام يعظُمُ به الأجر، فالعاملُ على ضدِّه يَعَظُمُ به وزره؛ ولذلك كُتِبَ على ابنَ آدم الأوَّل كِفْلٌ من وِزْرِ كلِّ من قَتَلَ النفسَ المحترمة؛ لأنَّه أوَّلُ من سنَّ القتل، وكان من قتل النفس فكأنَّما قتل النَّاس جميعًا، ومن سنَّ سنَّة سيئةً كان عليه وِزْرُهَا وَوِزْر من عمل بها . ٩٥ المقدمة العادات إذا كانت مصلحتها تعبُّدية، جازت فيها النيابة: المطلوب الشرعي ضربان : أحدهما: ما كان مِنْ قبيل العادات الجارية بين الخلق في الاكتساب وسائر المعاملات الدنيويَّة، التي هي طرقُ الحظوظِ العاجلة؛ كالعقود على اختلافها، والتصاريف المالية على تنوُّعها -: فهذه النيابة فيها صحيحةٌ؛ فيجوز أنْ ينوب عن غيره منابَهُ في استجلاب المصالح له، ودرء المفاسد عنه، بالإعانة، والوكالة ونحو ذلك، ممَّا هو في معناه؛ لأنَّ الحِكْمَةَ التي يطلب بها المكلَّف في ذلك كلِّه صالحةٌ أنْ يأتي بها سواه، كالبيع، والشراء، والأخذ، والإعطاء، مالم يكن مشروعًا لحكمةٍ لا تتعدَّى المكلَّفَ عادةً أو شرعًا؛ كالأكل، واللبس، وغير ذلك ممَّا جرت به العادة، وكالنكاح وأحكامه التّابعة له مِنْ وجوه الاستمتاع التي لا تصحُّ النيابة فيه شرعًا؛ فإنَّ هذا مفروغٌ من النظر فيه؛ لأنَّ حكمته لا تتعدَّى صاحبها إلى غيره. الحاصل: أنَّ حكمة العادات إن اختصَّتْ بالمكلَّف، فلا نيابة؛ وإلاَّ صحّت النيابة . الثاني: التعبُّدات الشرعية؛ فلا يقوم فيها أحدٌ عن أحد، ولا يغني فيها عن المكلّف غيرُهُ، وعمل العامل لا يجزى بها غيره، ولا ينتقل بالقصد إليه. والدليل على صحّة هذه الدعوى أمور : أحدها: النصوص؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى ◌ّ [النَّجم: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ تَزَّكَّ فَإِنَّمَا يَتَزَّكَّ لِنَفْسِهِ،﴾ [فاطر: ١٥٧]. الثاني: المعنى، وهو أنَّ مقصودَ العبادات الخضوعُ لله، والتوجُّهُ إليه والانقياد تحت حكمه؛ حتَّى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غير غافلٍ عنه. والنيابة تنافي هذا المقصود. ٩٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الثالث: أنَّه لو صحَّت النيابةُ في العبادات البدنية، لصحَّت في الأعمال القلبية؛ كالإيمان وغيره من الصبر، والشكر، والرضا، والتوكل، والخوف، والرجاء، وما أشبه ذلك، ولم تكن التكاليف محتومةً على المكلّف عينًا؛ لجواز النيابة . وما تقدَّم من الآيات كلُّها عموماتٌ نزلَتِ احتجاجًا على الكفّار، وردًّا عليهم في اعتقادهم حَمْلَ بعضِهِمْ وِزْرَ بعض . خير العمل ما وُوظِبَ عليه: مِنْ مقصود الشَّارع في الأعمال: دوامُ المكلّف عليها؛ لقوله تعالى: [المعارج: ٢٣]. وفي الحديث: ((أحبُّ العمل ٢٣ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِعُونَ إلى الله ما داوَمَ عليه صاحبةٌ وإنْ قَلَّ)). فالمكلّف إذا أراد الدخول في عملٍ غير واجب، فمن حقه أنْ لا ينظر إلى سهولة الدخول فيه ابتداءً حتَّى ينظر في مآله فيه؛ فإنَّ المشقّة التي تدخل على المكلّف من وجهين : أحدهما: من جهّة شدَّة التكليف نفسه، بكثرته، أو ثقل في نفسه. الثاني: من جهة المداومة عليه، وإنْ كان في نفسه خفيفًا. الشريعة عامَّة ما لم يقم دليل الخصوصية: الشريعةُ بحسب المكلَّفين كليَّةٌ عامَّة، فلا يختصُّ بالخطاب بحكمٍ من أحكامها الكليّة بعضٌ دون بعضٍ؛ والدليلُ علی ذلك أمور : أحدها: النَّصوص؛ قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال وَلّ: ((بُعثت إلى الأحمر والأسود))، وأشباه هذين النَّصَّين مما يدل على أن البِعْثَةَ عامَّة لا خاصَّة. الثاني: أنَّ الأحكامَ إذا كانَتْ موضوعةً لمصالح العباد، فَهُمْ بالنسبة إلى ما تقتضيه مِنَ المصالح سواءٌ، فلو وضعت على الخصوص، لم تكن موضوعة ٩٧ المقدمة لمصالح العباد بإطلاق. الثالث: إجماعُ العلماء المتقدِّمين من الصحابة والتَّابعين ومَنْ بعدهم؛ ولذلك صيّروا أفعال النَّبِي وَِّ حجَّةً للجميع في أمثالها . القياس يدل على عموم الأحكام ولا خصوصية للصوفية: وهذا الأصلُ المتقدِّم يتضمَّن قواعدَ عظيمة : منها: أنَّه يعطي قوَّةً عظيمةً في إثبات القياس على منكريه؛ مِنْ جهة أنَّ الخطابَ الخاصَّ ببعض النَّاس يَعُمُّ أمثالها من الوقائع . ومنها: أنَّ كثيرًا ممَّن لم يتحقَّق بفهمِ مقاصد الشريعة يَظُنُّ أنَّ الصوفية جرَتْ على طريقةٍ غير طريقة الجمهور، وأنَّهم امتازوا بأحكام غيرِ الأحكام المبثوثة في الشريعة؛ مستدلِين على ذلك بأمور مِنْ أقوالهم وأفعالهم. أحكام العادات: العادات المستمرَّة ضربان: أحدهما: العاداتُ الشرعية التي أقرَّها الدليلُ الشرعيُّ أو نفاها. ومعنى ذلك: أنَّ الشرع أمَرَ بها إيجابًا أو ندبًا، أو نهى عنها كراهة أو تحريمًا. الثاني: العاداتُ الجارية بين الخلق بما ليس في نفيِهِ ولا إثباتِهِ دليلٌ شرعي. فالأوَّل: ثابتٌ أبدًا؛ كسائر الأمور الشرعية، كما قالوا في سَلْبِ العبد أهلية الشهادة، والأمرِ بإزالة النجاسة، وسَتْرِ العورة، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في النَّاس، إمَّا حسنة عند الشَّارع، أو قبيحة؛ فإنَّها من جملة الأمور الدَّاخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها، ولا يصح أنْ ينقلب الحسن فيها قبيحًا ولا القبيح حسنًا . وأمَّا الثاني: فقد تكونُ تلك العوائدُ ثابتةً، وقد تتبدّل، ومع ذلك فهي أسبابٌ لأحكام تترتَّب عليها، فالثابتةُ: كوجود شَهْوةِ الطعام، والوقاع، والنظر، والكلام، وأشباه ذلك، والمبتدِّلة: منها ما يكون متبدلاً في العادة مَن ٩٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام حسن إلى قبح، وبالعكس، مثل: كشف الرأس؛ فإنَّه يختلف بحسب البقاع في المواقع؛ فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد الشرقية، وغيرُ قبيح في البلاد الغربية؛ فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك. واعلم: أنَّ ما جرى ذكره هنا من اختلافِ الأحكام عند اختلافِ العوائد ليس في الحقيقةِ اختلافًا في أصل الخطاب؛ لأنَّ الشرع موضوع على أنَّه دائم أبدًا، وإنما معنى الاختلاف أنَّ العوائد إذا اختلفَتْ، رَجَعَتْ كلُّ عادة إلى أصل شرعيٍّ یحکم به عليها . الأصل في العبادات التعبد، وفي العادات التعليل: الأصل في العبادات: التعبُّدُ، دون الالتفاتِ إلى المعاني؛ والدليل على ذلك أمور: منها: الاستقراء؛ فإنا وجدنا الطهارة لا تتعدّى محل موجبها، وكذلك الصلواتُ خُصَّتْ بأفعالٍ مخصوصة إن خرجَتْ عنها لم تكن عبادة، وأنَّ الذكر المخصوصَ في هيئةٍ ما مطلوبٌ، وفي هيئة أخرى غيرُ مطلوب، وأنَّ الطهارة من الحدثِ مخصوصةٌ بالماء الطهور وإن أمكنتِ النظافةُ بغيره. ومنها: أنَّ وجود التعبُّدات لم يهتد إليها العقلاءُ اهتداءهم لوجوه معاني العادات، فقد رأيتُ الغالبَ فيها الضلال، ومن ثمَّ حصل التغيير فيما بقي من الشرائع المتقدِّمة، وهذا ما يَدُلُّ على أنَّ العقل لا يستقلُّ بدرك معانيها ولا بوصفها، فافتقرنا إلى الشريعة في ذلك. ولما كان الأمر كذلك، عَذَرَ اللهُ أهلَ الفترات في عدم اهتدائهم؛ قال ﴾ [الإسراء، الآية: ١٥]. ١٥ تعالى: ﴿ وَمَا كُتَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّ نَبْعَثَ رَسُولًا وإذا ثبت هذا، لم يكن بُدُّ من الرجوع في هذا الباب إلى مجرَّد ما حده الشارع، وهو معنى التعبد، ولذلك كان الواقف مع مجرَّد الاتباع فيه أولى بالصواب وأجدى على طريقة السلف الصالح. ٩٩ المقدمة وأما العادات: فالأصلُ الالتفاتُ فيها إلى المعاني؛ وذلك لأمور: الأوّل: الاستقراء، فإننا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تَدُورُ حيثما دار، فترى الشيء الواحد يُمْنَعُ في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحةٌ، جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل: يمتنعُ في المبايعة، ويجوز في القرض، وبيع الرطب بالیابس: يمتنع حیث یکون مجرد ربا وغرر مِنْ غير مصلحة، ويجوز إذا كان مصلحة راجحة، ولم يوجد هذا في باب العبادات مفهومًا، كما فهمناه في العادات. وقال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة، الآية: ١٧٩]، وقال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾ [البقرة، الآية: ١٨٨]،،، إلى غير ذلك مما لا يحصى، وجمیعه یشیر إلى اعتبار المصالح للعباد. الثاني: أنَّ الشارع توسّع في بيان العلل في تشريع بابِ العادات؛ بخلاف باب العبادات: فإنَّ المعلومَ فیه خلاف ذلك. الثالث: أنَّ الالتفات إلى المعاني قد كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرَتْ بذلك مصالحهم. إذا تقرر أنَّ الغالب في العادات هي المعاني، فإنَّه إذا وجد فيها التعبُّد، فلابد من الوقوف مع المنصوص؛ كطلب الصداق في النكاح، والذَّبْح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول، والفروضِ المقدرة في المواريث، وعَدَدِ الأشهر في العِدَدِ الطلاقية، وما أشبه ذلك. ١٠٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام القسم الثاني فيما يرجع إلى مقاصد المكلّف في التكليف وفيه مسائل : الأولى: إنَّما الأعمال بالنيَّات، والمقاصد معتبرة في التصرُّفات من العبادات والعادات، والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر، ويكفيك منها: أنَّ المقاصد تفرّق بين ما هو عادة وماهو عبادة، وفي العبادات بين ما هو واجب وغير واجب. وفي العادات بين ما هو واجب ومندوب، ومباح، ومكروه ومحرم، وصحيح وفاسد، والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة، ويقصد به شيء آخر، فلا یکون كذلك. والأعمال قسمان: عادات، وعبادات : فأما العادات: فلا تحتاج في الامتثال بها إلى نية، بل مجرد وقوعها كاف؛ كرد الودائع والمغصوب، والنفقة على الزوجات ونحو ذلك. وأما العبادات: فتحتاج إلى النية . والأعمال الداخلة تحت الاختيار لا تصير تعبدية إلاَّ مع القصد إلى ذلك، فأما ما وضع على التعبد؛ كالصلاة، والحج وغيرهما، فلا إشكال فيه، وأما العادات، فلا تكون تعبدیات إلاّ بالنيات. ينبغي أن يكون قصد المكلف من عمله موافقًا لقصد الشارع من تشريعه ذلك العمل: قصد الشارع من المكلّف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في