Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ المقدمة البدل: فهو القضاء، والقضاء: هو الإتيان بالخلف أو البدل. والمراد: أن الواجب هو أداء الأصل، فإذا لم يمكن إيفاؤه والإتيان به، فإنه ينتقل الحكم إلى البدل. ويكونُ ذلك في حقوق الله تعالى؛ كالصلاة في وقتها، ويكون في حقوق العباد؛ كرةّ المغصوب: فالواجب الإتيان بالأداء كاملاً؛ كالصلاة في وقتها مع الجماعة، فإن فات وقتها، أو فاتت الجماعة، أتى بالقضاء بعد فوات الجماعة، أو بعد خروج الوقت. والمغصوب الواجب ردُّه ردًّا كاملاً، فإن تعذر بتلفه أو عدم القدرة على ردّه، فيرد بدله مثلاً إن كان مثلًّا، أو قيمته إن كان متقومًا . ومن أدلة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ اَلْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨-٢٣٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٥٢]. القاعدة السادسة: (التصرف في أمور الرعية منوط بالمصلحة): المعنى اللغوي: الرعيَّة: عمومُ الناس. منوطٌ: اسمُ مفعول مِنْ ((ناط ينوط)) بمعنى: رَبَطَ وعلَّق، فمعناه: معلَّق ومرتبط به. المعنى الاصطلاحي: أن تصرُّفَ الإمام وكلِّ من ولي شيئًا من أمور المسلمين: يجب أن يكون مبنيًّا ومقصودًا به المصلحة العامة؛ وإلاّ فليس بنافذ ولا صحیح شرعًا. م فهذه القاعدة تضبطَ تصرُّفات كلٍّ من ولي شيئًا من أمور العامة؛ من إمام، وأميرٍ، وقاضٍ، وموظّفٍ، فتفيد أن أعمال هؤلاء وأمثالهم - لكي تكونَ ملزمةً - يجب أن تكون مبنية على مصلحة الجماعة، وأن الولاة وعموم الموظفين ليسوا عمَّالاً لأنفسهم، إنما وكلاء على الأمة في القيام بشؤونها؛ فعليهم أن يراعوا ٦٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام خير التدابير لصلاح الرعية. ومن أدلة هذه القاعدة: قوله وَّيهِ: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله عزَّ وجلَّ رعيةً يموت وهو غاشٌّ رعيته، إلاّ حرَّم الله عليه الجنة)) متفق عليه. ووجه الدلالة: أن عمله في غير مصلحة الرعية غشٌّ، والغشُّ مردودٌ باطلٌ لا یلزم به أحد. قال الإمام الشافعي: منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم. القاعدة السابعة: (المرء مؤاخَذ بإقراره): المعنى اللغوي: الإقرار من قَرَّ الشيءُ: إذا ثبت في مكانه. وتعريف الإقرار شرعًا: إخبارٌ عن ثبوت حَقِّ للغير على نفسه. المعنى الاصطلاحي: أنَّ الإنسان مؤاخذٌ في إخباره عن ثبوت حق لغير على نفسه . حكم الإقرار: أنه حجةٌ ملزمةٌ على مَنْ أقرّ، ومن يأتي عن طريقه. ومن أدلة القاعدة: قوله تعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسّ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وجاء في بعض الأحاديث: ((لا عذر لمن أَقَرَّ))، والحديث - وإن لم يعلم له أصلٌ - إلاّ أنه صحیح المعنى. دليل عقلي: هو رجحانُ صِدْقِ المُقِرِّ على كذبه؛ لأن العاقل لا يقر بضرر علی نفسه دون حق . والإقرارُ لا يصح ولا يعتبر شرعًا إلاَّ مِنْ مكلّف، وهو البالغ العاقل؛ فإقرارُ الصغیرِ والمجنونِ لا يصح. ولا يُقبَلُ رجوعُ المقر بحقوق الآدميين؛ لأنها مبنيةٌ على الشح، ويقبل في حقوق الله تعالى؛ كالحدود الخالص حقُّها لله؛ فإن حق الله تعالى مبنيٌّ على المسامحة والستر. ٦٣ المقدمة الإقرار حجة قاصرة على المقر نفسه، أو من يأتي من جهته؛ ذلك أن إقراره ملزم له فقط ؛ فلا يتعداه إلى غيره. القاعدة الثامنة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان): المعنى: أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل ما أُذِنَ له فيه شرعًا . فالمرتَّب على المأذون غيرُ مضمون إلاَّ بالتعدِّي أو التَّفريط، فمن حفر بئرًا في أرضه، فوقع فيها إنسان أو حيوان، فالحافر هنا غير ضامن؛ لأنه مأذون له، ولأنه غیر متعدٍّ. لكن لو حفر في الطريق حفرة، فوقع فيها إنسان أو حيوان، فهو ضامنٌ؛ لأنه غیر مأذون له فيه . القاعدة التاسعة: (اليد الأمينة لا تَضْمَنُ إلاَّ بالتَّعَدِّي أو التَّفريط): الشرح: كلٌّ من بيده مالٌ برضا صاحبه أو ولايته عليه، فهو أمينٌ عليه، سواءٌ کان للأمین فیما تحت يده حظ نفس أو لا . ويدخل في الأمين: الأجيرُ، والمرتَّهَنُ، والشريكُ، والمضارِبُ، والودیعُ، والوليُّ، والوصيُّ، والوكيلُ، والناظرُ، ونحوهم، سوء كانوا بعملهم مستأجرين أو متبرِّعين، فكل هؤلاء لا يضمنون ما تلف بأيديهم إلاَّ بإحدى حالتين : الأولى: التعدِّي، وهو فعل ما لا يجوز. الثانية: التفريط، وهو ترك ما يجب. وإن ادَّعوا تلف ما بأيديهم، أو ادَّعوا عدم التعدِّي أو التَّفريط فيه، فالقول قولهم. وأما إن ادَّعوا ردّها على صاحبها: فإن كانوا قبضوا العينِ لحظ أنفسهم، فإنه لا يقبل منهم دعوى الرد إلاَّ ببيِّنة، وإن كانوا قبضوها لِحَظَ صاحبها فقط، فالقول قولهم في الرد أيضًا. وكل من قلنا: القول قوله، فلابد من أمرين: أن لا يخالف قولُهُ عادة ٦٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وعرفًا، وأن عليه اليمينَ بطلب صاحبها . أما من كانت العين بيده بغير رضا صاحبها؛ كالغاصب، وَمَنْ في حكمه، فإنه ضامنٌ على كل حالٍ، سواء حصل التلف بتعدٍّ أو تفريطٍ أو لا؛ لأن يده ظالمة متعدية، فتضمن العين بمنافعها التالفة تحت يده، ويضمن النقص الحاصل عنده. القاعدة العاشرة: (الخراج بالضمان): هذه القاعدةُ حديثٌ أخرجه أبوداود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم؛ فهو من جوامع كلمه وَّ لاشتماله على معانٍ كثيرةٍ، وقد جرى مجرى المثل بوجازته وجمعه . المعنى اللغوي: قال في النهاية: الخراجُ: ما حَصَلَ من غَلَّةِ العين، والباء: متعلَّقة بمحذوف، تقديره: الخراج مستَحَقُّ بسبب الضمان، والضمان هو الكفالة والالتزام. المعنى الاصطلاحي: أن ما خَرَجَ من الشيءٍ من غَلَّةٍ ومنفعة، فهو للمشتري عِوَضَ ما كان عليه من ضمان الملك؛ فإنَّ العين المباعة لو تلفت كانت من ضمانه؛ فالغلة إذًا له في مقابل الغرم؛ لأن من يتحمّل الخسارة - لو حصلت - يجب أن يحصل على الربح، فالنقمة بقدر النعمة، والنعمة بقدر النقمة، والغُنْم بالغُرْم. القاعدة الحادية عشرة: (على اليد ما أخذَتْ حتى تؤدِّيه): هذه القاعدة نصُّ حديثٍ رواه أحمد، وأصحاب السنن، عن سمرة بن جندب. المعنی: أن من أخذ شيئًا بغير حقٍّ، کان ضامنًا له، فلا تبرأ ذمته حتى يرده. الضمان نوعان : ١- ضمان عقد . ٢- ضمان ید . فضمان العقد: مردُّه ما اتفق عليه العاقدان أو بدله. وضمان اليد: مرده المِثْلُ أو القيمة. ٦٥ المقدمة والمراد بالقاعدة: ضمان اليد لا العقد. فمن التقط لُقَطةً لنفسه، فيده يد غصبٍ وضمانٍ، حتى يؤديها لصاحبها . القاعدة الثانية عشرة: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص): المعنى اللغوي: يُقال: سَاعَ الشرابُ في الحَلْقِ: إذا سَهُلَ انحداره لانفتاح منفذه، و((لا مساغ)) أي: لا منفذ ولا طريق. والاجتهاد: هو بذلُ الجهد العِلْمِيِّ في استنباط الأحكام مِنْ أدلَّتها، وهو نوعان : ١ - اجتهادٌ في فهم النصوص لإمكان تطبيقها، وهذا واجبٌ على كل مجتهد. ٢ - اجتهادٌ عن طريق القياس والرأي، وهذا لا يجوزُ الالتجاءُ إليه، إلاّ بعد أن لا نجد حكمَ المسألةِ المبحوثِ عنها في الكتاب والسنّة والإجماع، وهو المقصودُ هنا. والاجتهاد: لا يُنْقَضُ بمثله؛ فإن أبابكر حكَمَ في مسائلَ خالفه فيها عمر، فلمَّا ولي عمر، لم ينقض حكم أبي بكر. فإذا اجتهد عالمٌ في مسألة وعمل باجتهاده، ثم بدا له رأيٌ آخر، فعدل عن الأول، فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشئ عن اجتهاده الأول. القاعدة الثالثة عشرة: (ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب): قالوا: إن هذه قاعدة أصوليّةٌ لا قاعدةٌ فقهية. وهذه القاعدة جزءٌ من قاعدة (الوسائلُ لها أحكامُ المقاصد). فالوسيلةُ إلى الغايةِ تأخذُ حكمها؛ فوسائل الواجبات واجبةٌ، ووسائل المحرَّمات محرَّمة، ووسائلُ المستحبَّات مستحبة، ووسائلُ المكروهات مكروهة، ووسائلُ المباحات مباحة. فإن الله تعالى إذا أمر بأمرٍ، فإنه قد أمر بما لا يتم إلاَّ به، وإذا نهى عن فعلٍ، فقد نهى عن الوسائل الداعية إليه ... وهكذا. ٦٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ومن أدلتها: قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ ج الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعٌ﴾ [الجمعة: ٩]. القاعدة الرابعة عشرة: (من استعجل شيئًا قبل أوانه، عُوقِبَ بحرمانِهِ): المعنى: أن من توصَّل بالوسائل التي ليست مشروعةً تعجُّلاً منه للحصول على مقصوده المستَحَقِّ له، فإنَّ الشرعَ عامَلَهُ بضدٌ مقصوده؛ فأوجب حرمانه جزاءَ فعله واستعجاله. فلو قَتَلَ وارثٌ مورِّثه مستعجلاً للإرث، فإنه يُحْرَمُ من الميراث، سواء کان متهمًا أو غیر متهم. وقد عبَّر ابن رجب عن هذه القاعدة بقوله: من أتى بسبب يفيد الملك أو الحل، أو يسقط الواجبات على وجه محرَّم، أَلْغِيَ ذلك السببُ، وصار وجوده کعدمه، ولم يترتَّب عليه أحكامه. مكانة هذه القاعدة: هذه القاعدةُ من باب السياسة الشرعية في سد الذرائع؛ كما في حرمان الوارث من الميراث إذا قَتَلَ مورِّثه ولو كان قتله خطأ . القاعدة الخامسة عشرة: (ما ثبت بالشرع مقدّم على ما ثبت بالشرط): دليل هذه القاعدة وأصلها: قوله وَّير: ((كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل» [متفق عليه]. والمراد بكتاب الله: أحكام الله تعالى، فكل ما تضمَّن مخالفة لأُسس الشريعة التي قرَّرها القرآن والسنَّة، فالتعاقد على ذلك أو اشتراطه باطل؛ فكتاب الله هنا ليس معناه القرآن؛ بل ما كتبه الله وأوجبه في شريعته التي شرعها . فهذه القاعدة تفيد أنَّ الشرط إذا ثَبَتَتْ منافاته لمقتضيات الشرع بحيث تتعطّل الغاية الشرعية من العقد - إن كان في العقود - فعندئذٍ: يبطل العقد إذا كان الشرط يعطِّل ركنا من أركان العقد، أو يعارض مقصود العقد الأصلي. وإذا كان الشرط لا يعطِّل ركنا من أركان العقد: فإن الذي يبطل هو الشرط ٦٧ المقدمة وحده، ويبقى العقدُ صحيحًا، لأن ما ثبت بالشرع مقدَّم على ما ثبت بالشرط. القاعدة السادسة عشرة: (إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة أفسدها، وإن عاد إلى أمر خارج عنها لم تفسد): الشرح: هذا الضابط في العبادات یبیِّن ما يفسدها وما لا يفسدها مما ورد النهي عنه : فإن كان النهي عائدًا إلى ذات العبادة؛ كالنهي عن الوضوء بماء محرَّم، أو الصلاة في ثوب محرَّم -: فإن الصلاةَ لا تَصِحُّ؛ فإن الطهارة والسترة من شروط الصلاة . أما إذا كان التحريم في أمرٍ خارج عنها؛ كالوضوء في إناء محرَّم، والصلاة بعمامة محرَّمة -: صحت الصلاة، وإن كان الفعل في ذاته محرَّمًا . ومثل الصلاة الصيام: فإن تناوَلَ شيئًا من المفطَّرات، فصومه فاسد، وإن اغتاب أو نَمَّ أو شَتَمَ، صحَّ صومه، وإن كان الفعل في ذاته محرَّمًا. القاعدة السابعة عشرة: (الأصل براءة الذمَّة): المعنى: الذمة وصفٌ شرعيٌّ يعبِّر به الإنسان أصلاً: لما لَهُ وما علیه من الحقوق، والأصل: هو عدم انشغال ذمة الإنسان بحق الآخر من الحقوق المدنية والحقوق الجزائية؛ فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ومع الشك یرجَّح جانب البراءة، ولو حصَلَ خطأ، فإن الخطأ في البراءة خَيْرٌ من الخطأ في إدانة بريء. وهذه القاعدة داخلة تحت القاعدة الكبرى ((اليقين لا يزول بالشك))؛ فإن الأصل بقاءُ ما کان علی ما كان حتَی یثبت خلافه. القاعدة الثامنة عشرة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان): الشرح: هذا أصلٌ كبيرٌ يفيد: أن اليقين لا يزولُ بالشك، فمن تيقَّن حالة من الحالات، أو أمرًا من الأمور، فإنه لا يزيله إلاَّ بيقين مثله؛ وإلاَّ فالأصل بقاؤه، وفروع الأصل كثيرة جدًّا. ٦٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ومن أمثلته: أن من تيَّقن الطهارة وشكّ في الحدث، فالأصل الطهارة، والعكس بالعكس؛ فمن تيقَّن الحدث وشكّ في الطهارة، فالأصل الحدث، وهكذا في جزئيات المسائل. وهو مستمدٌّ من نصوص كثيرة، منها الحديث الصحيح أنه شُكِيَ إلى النبيِّ وَّهِ ما يجده الرجلُ وهو في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)) [متفق عليه]، فمن تيقَّن أمرًا من الأمور، استصحبه حتی یتیقَّن زواله. وهذه القاعدة جزءٌ من القاعدة السابقة: ((اليقين لا يزول بالشك)). القاعدة التاسعة عشرة: (البيِّنة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه): هذه القاعدة: نص حديث شريف، الجملة الثانية منه في الصحيحين، وهي: ((اليمين على المُنكِر))، وأما الجملة الأولى، فهي من رواية البيهقي. المعنى: البيِّة عند بعض الفقهاء هي الشهادةُ، ولكنَّها عند المحقّقين منهم هي: كل ما أبان الحقَّ وأظهره. المدّعي: من إذا ترك دعواه، تُرِكَ. المدَّعَى عليه: هو مَن إذا ترك طَّلَبَ دعواه، طُلِبَ وأُخْضِر. وهذه القاعدة النبوية يؤيِّدها العقل؛ لأن الأصل براءة الذمة، فمن ادَّعى شيئًا وأنكره المدَّعى عليه، فعلى المدَّعي إثباتُهُ بطريقة أو أكثر من طرق الإثبات، وإن عجز، فليس له إلاّ يمينُ المدَّعَى عليه. وقد أجمع أهل العلم على هذا الأصل العظيم، واعتبروه قاعدةً يرجع إليها في فَضِّ المنازعات، حتى قال بعض العلماء: إن هذه القاعدةَ هي المرادة من ﴾ (ص) والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ القاعدة العشرون: (إذا قويت القرينة، قدِّمت على الأصل): الشرح: الاعتبارُ الشرعيُّ هو تقديمُ الأصل وَنَفْيُ ما عداه، لكن قد تَقْوَى ٦٩ المقدمة القرينةُ على الأصل؛ وحينئذٍ تقدَّم عليه. فإذا ادَّعت الزوجةُ التي في بيت زوجها أنه لم يُنْفِقْ عليها، لم تقبَلْ دعواها؛ لأن القرينة المبنيّة على العادة تكذِّبها. وإذا تنازع الزوجان في أثاث بيتهما، فالأصل أنهما شركاء فيه، ولكن قرينة أن كلَّ واحد منهما له ما يناسبه من الأثاث قويَتْ على هذا الأصل؛ فصار ما يصلُحُ للزوج فهو له، وما يصلح للزوجة فهو لها. ويأتي هنا تقديمُ غلبة الظنِّ لما يَشُقُّ الوصولُ إلى يقينه، واكتفى العلماء بغلبة الظن بأشياء، منها: الظن في الصلاة، والطوافِ، والسعي، وغيرها على الراجح مِنْ أقوال العلماء. القاعدة الحادية والعشرون: (الصلح جائز بين المسلمين إلاَّ صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالاً، والمسلمون على شروطهم إلاَّ شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالاً): الشرح: هذان الأصلان هما لفظ حديثَيْن صحَّحهما كثيرٌ من أئمة الحديث، وتلقَّتْهُمَا الأمة بالرضا والقبول؛ لما عليهما من أنوار كلام النبوة في الجمع والاختصار والبيان : فالأوَّل: يدل على أن أي صلح يقع بين المسلمين في الدماء والأموال وأحكام النكاح وغير ذلك، فإنه جائزٌ نافذٌ بين المتصالحَيْنِ، إلاَّ أن يكون الصلح أحَلَّ شيئًا ممَّا حرَّمه الله، أو حرَّم شيئًا مما أحله الله، فحينئذٍ يكون الصلح غير جائزٍ ولا نافذ؛ لأنه جاء على غير مراد الله تعالى. وأمثلة الصلح الجائز والصلح المحظور كثيرة. الأصل الثاني: أن كل شرط اشترطَهُ أحدُ المتعاقدَيْن، فهو لازمٌ، مُلْزِمٌ لمن شُرِطَ عليه، سواء كان في عقود الأنكحة، أو في عقود المعاملات، أو المعاهدات، أو غيرها؛ فهي صحيحة لازمة، ما لم تكن الشروط أحلَّت حرامًا، ٧٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أو حرَّمت حلالاً؛ فحينئذٍ تكون باطلة، وإن كانت مائةَ شرطُ، فشرط الله أوثَقُ. وأمثلة الشروط الجائزة والممنوعة كثيرة. والدليل على صحة تلك الشروط: أَمْرُ الله تعالى بالوفاء، وتحريمُ الإخلالِ بها قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ [المائدة: ١]، وأمثالها من النصوص . القاعدة الثانية والعشرون: (الأصل في العبادات الحظر، فلا يُشْرَعُ منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله): المعنى: أن العبادات توقيفية، فمن أتى بعبادة لم يدل عليها كتاب الله ولا سنة رسوله ◌َ فهي بدعة مردودة. والبدعة نوعان : أحدهما: بدعةُ حقيقيّة، وهي التي لا يوجد لها أصل في كتاب الله ولا سنَّة رسول الله كصلاة بر کوعین وسجود واحد. الثاني: إضافية، وهي الغالب في البدع، وذلك بأن یکون للعمل شائبتان: إحدهما: له تعلق بالشرع كأصل الصلاة والذكر. الثانية: أن لا يكون له تعلق بالشرع، وذلك بأن توقع على هيئة أو كيفية لم يقم عليها دليل، وذلك مثل صلاة الرغائب أو الأذان لصلاة العيد. وكل من النوعين مردود، ومن أدلة ردّها قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوْا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِدِينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اَللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وما جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي بَلو قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) أي مردود على صاحبه. القاعدة الثالثة والعشرون: (الأصل في العادات الإباحة؛ فلا يُمْنَعُ منها إلاَّ ما حَّمه الله ورسوله): العادات هي استعمال ما خلقه الله لعباده من المآكل والمشارب والمراكب ٧١ المقدمة والمساكن والصنائع والحرف والمخترعات والمعاملات، كلها مباحة جائزة إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله من الأشياء التي يرجع ضرر استعمالها إلى الأديان أو الأبدان أو الأعراض أو الأنساب أو الأموال. وهذا أصلٌ عظيم يدل على ما في الإسلام من سماحة وسعة وحركة، فالأصل في العقود والمعاملات والمقاولات والاتفاقيات وغيرها، الأصل فيها الحل ما لم تشتمل على مفسدة، ومفاسد العقود ترجع - غالبًا - إلى ثلاثة أمور: ٢-الغرر. ١- الربا. ٣- الخداع. وأدلة هذا الأصل كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ ◌ِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. القاعدة الرابعة والعشرون: (الشارع لا يأمر إلاَّ بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلاَّ عما مفسدته خالصة أو راجحة): الشرح: هذه القاعدة تشمل أصول الشريعة وفروعها، وحق الله وحق خلقه، فما أمرت به من المصالحة الأصولية إلاَّ وفيه مصلحة، كالإيمان والإسلام والإحسان وحسن القصد إلى الله بالتوكل والمحبة والخشية وغيرها، وكذلك ما أمرت به من الفروع كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف وغيرها من العبادات. ومثله ما أمرت به من الأخلاق الحسنة من العدل والصدق والبر والصلة والعفاف ونحوها من الأخلاق الفاضلة. كما أنها نهت عمَّا يضر في الدين والعقل والعِرض والنفس والمال من الكفر والشرك والقتل عدوانًا والزنا والربا والخمر. ثم قد يعرض أمر فيه مصلحة وفيه مضرة، وهنا يأتي باب الترجيح، فما زادت مصلحته على مفسدته فُعِل، وما زادت مفسدته على مصلحته اجتُنِب، ٧٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والنصوص لما تقدم كثيرة في الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى: ﴿﴿وَقَضَى رَبِّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآيات. وقوله تعالى: ﴿﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ١٥٢ [الأنعام: ١٥١-١٥٣]. فهذه الآيات الكريمات من سورة الإسراء ومن سورة الأنعام وغيرها من الآيات جمعت الأمر بكل خيرٍ، والنهي عن كل شرٍّ، وقد قال بعض المصلحين: إن الإسلام مبنيٌّ على ((تحقيق المصالح ودرء المفاسد)) وهو هذه القاعدة. القاعدة الخامسة والعشرون: (إذا تزاحمتِ المصالحُ، قدِّم أعلاها) و(إذا تزاحمت المفاسد، قدِّم أخفُّها): الشرح: هذان الأصلان الكبيران مِنْ محاسن الشريعة الإسلامية، ومن سُمُوِّها في أحكامها . الأصل الأول: إذا تزاحمت المصالح، وصار لابدَّ من فعل إحداها، قدِّم الأعلى منها على الأدنى؛ جلبًا للخير مهما أمكن : ففي العبادات: تقدَّم الواجباتُ على المستحبَّات، وفي الامتثال: تقدَّم طاعة الله على كل أحد، ثم طاعة الوالدين في المعروف على من سواهما، وهكذا الأقربُ فالأقربُ في البر والإحسان . والعاداتُ يقدَّم منها الأنفعُ على غيره؛ فتقدَّم الأعمالُ المتعدِّي نفعها إلى الخلق على القاصر نفعها. كلُّ هذا ليغتنمَ المسلم ما هو أجلُّ وأفضلُ وأعلى إذا لم يمكنه الإتيان بالأمرين كليهما: الفاضل والمفضول؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهٌُ﴾ [الزمر: ١٨]. الأصل الثاني: إذا تزاحمت المفاسد، وصار لابد من ارتكاب إحداها، قُدِّم الأخفُّ على الأغلظ؛ اتِّقاءً للشر مهما أمكن الأمر؛ ولهذين الأصلين أمثلة ٧٣ المقدمة كثيرة؛ فمن تقديم أخف المفسدتين على أشدهما: خرق الخَضِر للسفينة خشية من ذهابها كلها، وكقتله الغلام خشية من كفر أبويه بسبب بقائه. القاعدة السادسة والعشرون: (الضرورات تبيح المحظورات): الشرح: الضرورة هي العُذْرُ الذي يجوزُ بسببه إجراء الشيء الممنوع، وارتكابُ المحظورة؛ كأكل الميتة عند الضرورة، وإجراءٍ كلمة الكفر عند الإكراه الشدید. ويجب أن يلاحظ أن ما أبيح للضرورة يقدّر بقدرها، فمن اضطرّ إلى أكل الميتة، لا يأكُلُ منها إلاَّ بقدر ما يُمْسِكُ عليه حياته، ولا يَشْبَعُ منها. القاعدة السابعة والعشرون: (درء المفاسد أولى من جلب المنافع): الشرح: القصد من تشريع الأحكام دفعُ المفاسد عن الناس، وجَلْبُ المصالح لهم، والمصالحُ المحَضة أو المفاسد المحضة قليلة، ولكن إذا تعارضَتْ مفسدةٌ ومصلحة، فإنَّ دفع المفسدة يقدَّم على جلب المصلحة؛ بناءً على أن الشريعة عنيت بالمنهيات أكثَرَ من عنايتها بالمأمورات. القاعدة الثامنة والعشرون: (الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا): الشرح: هذه قاعدة جليلة؛ لأنَّ أحكامَ الله تعالی تدورُ علی حِكَمٍ سامية، وأسرار عالية؛ تحقَّق المصالح، وتدرأ المفاسد، فمتى وجدت هذه الأسرارُ والحِكَمُ الربّانية، وجدت أحكام تناسبها، ويدور الحكمُ حيث تدورُ العلةُ إثباتًا أو نفيًا. والحكمة التشريعية قد يَنُصُّ عليها الشارع الحكيم، وقد يستنبطها العلماء، وقد يكون للحكم الشرعيِّ عدةُ أسرار وحِكَم، ويثبت الحكمُ بوجود واحدة. وقليلٌ من الأحكام لا يَفْهَمُ العلماءُ لها حكمةً بيّنة، فيسمُّونها: الأحكام التعبدية، وأحكامُ الله تعالى تتمثَّل واضحة في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٧٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فكل ما أمر به: فهو معروفٌ شرعًا وعقلاً، وكل ما نهى عنه: فهو منكر شرعًا وعقلاً، وکل ما أباحه: فهو طيب، وكلُّ ما حرَّمه: فهو خبيث. وهذه الأسرارُ والحِكَمُ دائرةٌ في أحكام الشريعة كلُّها؛ أصولها وفروعها، عباداتها ومعاملاتها . فنسأل الله تعالى أن يبصِّر المسلمين بأمر دينهم؛ ليَرَوْا جماله وحسنه وموافقته للعقول الصحيحة والفِطَر السليمة، والله الموفق. القاعدة التاسعة والعشرون: (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني): الشرح: القصد في العقد: هو ما قصَدَهُ فاعلُهُ منها، فلا تترتَّب الأحكام على مجرَّد الألفاظ، وإنما تترتَّب على المقاصد والمعاني التي يقصدها العاقدان من الألفاظ المستعملة في صيغة العقد؛ لأن القصد الحقيقي من الكلام هو المعنى، وإنما اعتُبِرَ اللفظ دالاً عليه، فإذا أظهر القصد، كان الاعتبار له، ويقيَّد اللفظُ به وترتَّب الحکمُ بناءً علیه. فالهبةُ بشرطِ العوض بيعٌ، وإن كانتْ بغير لفظه،،، وهكذا .. القاعدة الثلاثون: (الحدود تُدرأ بالشبهات): لِمَا رُوِيَ عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعًا: ((ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم)). قال في فتح القدير للحنفية: أجمَعَ فقهاءُ الأمصار على أنَّ الحدود تدرأ بالشبهات . قال ابن نُجَيْمٍ: القصاصُ كالحدود في الدفع بالشبهة؛ فلا يثبت إلاّ بما تثبت به الحدود. قال العلماء: من شَرْطِ الشبهة المسقطة للحد: أن تكون قويةً؛ وإلاَّ فلا أثر لها. م وقالوا: الشبهة لا تُسْقِطَ التعزير. ٧٥ المقدمة قال ابن نجيم: ويخالف القصاصُ الحدودَ في سبع مسائل، منها: ١- الحدُّ لا يُورَث، والقصاصُ يُورث. ٢ - يصح العفو في القصاص، ولا يصحُّ في الحد إلاّ حذَّ القاذف. ٣- تصح الشفاعةُ في القصاص دون الحد. ٤- يتوقّف القصاصُ على الدَّعوى، بخلاف الحد، إلاَّ حد القذف. القاعدة الحادية والثلاثون: (الوجوب يتعلَّق بالاستطاعة؛ فلا واجب مع العجز، ولا محرَّم مع الضرورة): الشرح: كل من عجز عن شيء من الواجبات، فإنها ساقطة عنه غير واجبة عليه : كأركان الصلاة، وشروطها، وواجباتها، فيصلَّ المريض حسب قدرته. وكسقوط الصوم عمَّن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى شفاؤه. وكسقوط الجهاد عن الأعمى والأعرج ونحوهما. وكدرجات النهي عن المنكر . وهذه القاعدة الجليلة مأخوذةٌ مِنْ مثل قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وحديث: ((إذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم))، ونصوصُ أدلَّتها كثيرة. أما الجزء الثاني من القاعدة: فإن الممنوع شرعًا يباح عند الضرورة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]؛ وهذه قاعدةٌ أصولية فقهية. القاعدة الثانية والثلاثون: (الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول ( الجنة): الشرح: هذان الأصلان شرطان لكل عملٍ دينيٍّ ظاهرٍ أو باطنٍ، فأقوال اللسان، وأعمالُ الجوارح، وأعمالُ القلوب منوطٌ صلاحها وقبولها بتحقيقٍ ٧٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام هذَيْن الأصلين كليهما؛ فإن فُقِدَا أو فُقِدَ أحدهما في العبادة، فهي مردودة. ومن أدلة هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلِينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَآ ءَائَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله ◌َليهِ: ((إنما الأعمال بالنيات))، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رٌ))، وغير ذلك من النصوص؛ فأعمالُ المرائين وأعمالُ المبتدعين باطلة. وهذه القاعدة كما أنها تشمل جميع العبادات فإنها أيضًا تشمل المعاملات؛ فأي عقدٍ أو شرط ليس على وفق الشرع، فإنه محرَّم باطل. فائدة : قال الشيخ مصطفى الزرقا: لا تنحصر العقودُ في المعاملات المعروفة في صدر الإسلام من بيع، وإجارة، وهبةٍ، ورهنٍ، وشركةٍ، وصلح، وقسمةٍ، وإعارةٍ، وإيداع، وسائر العقود الأخرى؛ فيباح للناس إيجادُ أنواع أخر من العقود غير داخلةٍ في أحد الأنواع السابقة، فيمكنهم أن يتعارفوا على أنواع جديدة إذا دعتهم حاجتهم إلى نوع جديدٍ متى توفّرتِ الأركان العامَّة التي تعتبر من النظام العامِّ في الإسلام، بحيث لا يخالفُ العقدُ قواعدَ الشريعة التي عبَّر عنها النبيُّ نَّله بقوله: ((كل شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى، فهو باطل))، والله أعلم. وفي صباح يوم الأربعاء الموافق ٢٦ من شهر ربيع الأول عام ألف وأربعمائة وعشرة تمَّت هذه المقدّمة الثالثة، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. الأصل الرابع في المقاصد الشرعية ٧٩ المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي شرع لعباده من الأحكام ما فيه السداد، وجنّبهم طرق الغي والفساد، والصلاة والسلام على من أَرْسِلَ رحمةً للعباد، وعلى آله وأصحابه ذوي البصائر والرشاد. أما بعد : فإن التفقُّه بمقاصد الشريعة، ومعرفة حِكَم الله في أحكامه، ومعرفة أسرارِهِ في أوامره ونواهيه: مِنْ أنفع العلوم وأجلّها؛ ذلك أن الأحكام الشرعية في أصولها وفروعها معلَّلةٌ برعاية مصالح العباد في عاجلهم وآجلهم. فمعرفة أسرار الله تعالى في أحكامه، والتبصَّر فيها: هو كشف عن كنوز ثمينة تزيد المؤمن إيمانًا بربه، ورغبةً في القيام بشرعه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتخفّف عليه مشقةَ العبادة، وتعينه على اجتناب المعصية، وتقوِّي ثقته بربِّه جل وعلا؛ حينما يتفقَّه بشرعه، ويحصُلُ له المعرفة واليقين: أنه تعالى لم يأمر إلاَّ بما يصلح خلقه، ولا ينهى إلاَّ عما يضرُّهم في حياتهم الأولى والآخرة. لذا فإني بعد أن قَرَأْتُ الكتابَ القيِّم ((الموافقات)» للإمام الشاطبي، ذلك الكتاب الذي هو ومؤلِّفه غنيّان عن الإشادة والتعريف، لمَّا قرأْتُ غالبَ فصوله، استخَرْتُ الله تعالى أن ألخِّص منه نبذةً في المقاصد الشرعية، وأجعلها مقدِّمة الشرحي على ((بلوغ المرام)) لتكون رابعة للمقدمات الثلاث التي هي أصولُ العلوم الشرعية؛ فهو أصلٌ كبيرٌ، وعلم جليل، جاءت الإشارة إليه، والدلالةُ عليه من الكتاب والسنة بنصوص أكثر من أن تحصى: منها قوله تعالى: ﴿كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ [الأنبياء]، وقوله: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجَ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ٨٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله الَّ: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكر كم الآخرة»، وأشباه ذلك. ولعل أوّل من ألَّف فيه: الغزالي بكتابه ((شفاء الغليل، في مسالك التعليل))، والعزّ بن عبدالسلام في كتابه ((قواعد الأحكام))، ولابن القيِّم في كتابه القيِّم ((إعلام الموقّعين)) فصولٌ جيِّدةٌ في هذا الباب، بيَّن فيها حِكَمَ الله وأسرارَهُ في كثيرٍ من الأحكام؛ لاسيَّما في المسائل التي قال المعارضون: ((إنها جاءت على خلافٍ القیاس)». وأما أبو إسحاق الشاطبي: فقد أجاد فيه وأعطاه حقّه من التحقيق والتدقيق في كتابه الجليل ((الموافقات))؛ ممَّا دفعني إلى أن ألخِّص منه جملة كافية لطالب العلم، وفِقَرًا مفيدة تدرِّبه على التوسُّع في هذا العلم العظيم، والله الموفق.