Indexed OCR Text

Pages 941-960

!
٨٨٣
السلف رحمهم الله في هذين الأصلين، ومن ترتیب الأنواع فیھما، وتذییلها بما كان
يَليقُ بها، وتطبيقِ البعض منها بالبعض، وتَوْفِيَّةِ كلِّ من ذلك حَقَّه، على مُوجِبٍ
مقتضى الصناعة، وسيحمَدُ ما أوردتُ ذوو البصائر.
وإني أوصيهم / إن أورَثَهُم كلامي نوعَ استمالة، وفاتَهم ذلك في كلام السلف /٤٠٦
إذا تصفّحوه: أن لا يتخذوا ذلك مَغْمَزاً للسلف، أو فضلاً لي عليهم، فغيرُ مستبدَع
في أيِّ ما نوعٍ فُرِضَ: أن يَزِلَّ عن أصحابه ما هو أشبهُ بذلك النوع، في بعض
الأصولِ أو الفروع أو التطبيقِ للبعض بالبعض متى كانوا المخترعين له، وإنما يُستبدَعُ
ذلك ممن زَجِّى عُمُرَه رائعاً في مائدتهم تلك، ثم لم يَقْوَ أَن يتَنَّه!
وعلماءُ هذا الفنِّ وقليلٌ ما هم، كانوا - في اختراعه، واستخراجِ أصوله،
وتمهيدٍ قواعِدِها، وإحكامِ أبوابها وفصولها، والنظرِ في تفاريعِها واستقراءِ أمثلتِها
اللائقةِ بها، وتلقُّطِها من حيث يجبُ تلقُّطُها، وإتعابِ الخاطرِ في التفتيش والتنقير عن
ملاقِطِها، وكدِّ النَّفْسِ والرُّوحِ في ركوبِ المسالكِ المتوعّرةِ إلى الّفَرِ بها، مع تشَعُبٍ
هذا النوع إلى شُعَبِ بعضُها أدَقُّ من الْبَعْض، وتفنَِّها أفانينَ بعضُها أغمضُ من
بَعْض - كما عَسَى أَنْ يَقْرَعَ سَمْعَك طَرَفْ من ذاك، فَعَلُوا ما وَقَّتْ بِهِ القُوَّةُ البشرية
إِذْ ذاك، ثم وَقَعَ عند فُورِها منهم ما هو لازمُ الفُتُور.
الفائدة التاسعة
قد أَشكّل على بعض الباحثين قولُ بعض أرباب هذا الفن: يُشتَرَطُ في راوي
الصحيح أن يكون تامَّ الضبط، مع قولِهِ بتفاوتِ درجاتِ الصحيح بسبب تفاوتٍ
درجاتِ العدالة والضبط في رواته، وقال: إنَّ تمامَ الضبط لا يُتصوَّرُ فيه تفاوت،
= للدفاع عن إعجاز القرآن الكريم وبلاغته وفصاحته، وإذا نظرت في كتابه هذا تدهشك بلاغة
عبارته، ونصاعة ديباجته، ووضوح فكرته، فلله درُّهُ من عبقري عجمي مؤمن بليغ فصيح،
منافحٍ عن إعجاز القرآن الكريم وعلوم العربية. وقد خَدَم كتابه هذا نحوُ ثمانين عالماً بين شارح له
ومختصر وناظم ومحش، كما تراه في ((كشف الظنون)) ١٧٦٢:٢ - ١٧٦٨.

٨٨٤
فكيف يَصِحُّ أن يقال: إنَّ رواةَ الصحيح تتفاوَتُ درجاتُهم في العدالةِ والضبط،
بحیث یکون بعضُهم أدنى من بعض في ذلك.
وقد توهَّمَ أنه إذا قيل: هذا الراوي أَدنى من ذاك الراوي في الضبط، لم يَسُغ
أن يقالَ عنه: إنه تأمُّ الضبط، بل يُقالُ عنه حينئذٍ: سيّءُ الحِفظ أو ضعيفُهُ، وسيّءُ
الحفظِ أو ضعيفُه لا يُعَدُّ من رواةِ الصحيح .
وطَلَبَ تصويرَ هذه المسألةِ من القائلين بها.
وقد رأينا من الحكمة الإِجابةَ إلى ما طَلَب، لإِزالةِ ما نشأ من كلامِهِ من الشبهة
التي عَلِقَتْ بأذهانِ كثير من الناظرين فيه، مع أنَّ هذه المسألة من أهمِّ مسائل الفن،
وهي مما لا ريبَ فيه عِندَ أربابه وعندَ من أمعَنَ النظر فيها كثيراً من غيرهم .
ولِمَا في ذلك من زيادةِ البيان - وهي مطلوبةٌ في مثلِ ذلك - فنقولُ: لِنفرِضْ
أنَّ جماعةً من الراغبين في معرفة أشعار من يُستشهَدُ بكلامهم من الشعراء، قَصَدوا
أحَدَ أئمةِ أهل الأدب البارعين في ذلك للأخذِ عنه، فأجابهم إلى ما طلبوا منه،
واعتنى بأمرهم، وصار في کل یوم یروي لهم شيئاً مما عنده ليحفظوه، ثم يختبرُهم في
كل مُدَّة، ولم يَزَل الأمزُ كذلك حتى أَخذوا عنه نحوَ ألفِ بيت، فأحبَّ أن يختبرَهِم
اختباراً تاماً، يَعرِفُ به درجاتِهِم في الحفظِ والإِتقانِ، ليجعلَهم أقساماً يُلقِي على كل
قسمٍ منهم مقدارَ ما يقتضِیه استعدادُهُ رعایةً للحكمة، وكانوا ستین.
فنظَر أوّلاً في ضَعِيفي الحفظ، فرأى في أربعةٍ وعشرين منهم ضعفاً شديداً في
الحفظ، بحيث إنهم كانوا يُخُلُّون في كلِّ مئة بيتٍ بنحوِ ثلاثين بيتاً إلى نحو خمسين بيتاً،
فجعَلَ هؤلاء قسماً واحداً، ووَسَمَهم في نفسِهِ بِسُوءِ الحفظ وقلَّةِ الإِتقان، ولم يُهمَّه أمرٌ
تقسيمهم إلى أقسام بل أهمَّه أمرُ العناية بهم إشفاقاً عليهم، فإنَّ قوة العنايةِ كثيراً
ما تجعَلُ مثلَهم من أهل الدراية.
ثم نَظَر في بقيتهم وهم ستةٌ وثلاثون، فرآهم ثلاثةَ أقسام، كلُّ قِسم منهم يَبْلُغُ
اثنَيْ عَشَرَ، وهم متقاربون في أمرِهم، فأمعَنَ النظرَ في أعلاهم، وهو القسمُ الأول،

٨٨٥
فوجده يُخِلُّ في كلِّ مئةٍ بيتٍ بما دُون العَشْرِ، إلاّ أنَّ أفرادَه مختلفةٌ في ذلك، فمنهم من
يُخِلَّ منها بنحوِ / الثلاثة أو الأربعةِ فقط، ومنهم من يُخِلَّ منها بنحوِ الخمسةِ والستةِ،
ومنهم من يُخِلُّ منها بالسبعةِ إلى التسعةِ، فَتَبينَ أنَّ هذا القسمَ وهو الدرجَةُ العُلْيَا في
الحفظِ والإِتقان، ينقسِمُ إلى ثلاثٍ درجاتٍ: عُلْيا، وهي التي لا تُخِلُّ بأكثرَ من نحو
أربعةٍ أبيات في المئة، و: وُسْطَى، وهي التي لا تُخِلُّ بأكثرَ من نحو ستة فيها،
و: دنيا، وهي التي تُخِلُّ بنحو السبعةِ والثمانيةِ والتسعة.
وبهذا تَعلمُ أنَّ من لا يُخِلُّ في المئةِ بأكثر من نحوِ أربعةِ أبيات يُعَدُّ من أهل
الدرجة العُلْيَا، من الدرجةِ العُلْيَا في الحفظِ والإِتقان، وبينما اللبيبُ يُكبِرُ شأنَ أناس
من العلماء الأعلام، يكادُ الواحدُ منهم لا يُخطىء في كلِّ ألفٍ مسألة إلَّ بنحو عُشْرِ
عُشْرِها، وربما كان مُدْرَكُ الخطأ فيها خَفِيّاً، ويَعجَبُ مما أوتوا من فرطِ النباهةِ
والذكاء، إذا بالغبيِّ يُزرِي بهم، ويَستعظمُ ذلك الخطأَ إن كان منهم، وذلك لعدم
معرفتِهِ بلزوم ملاحظةِ النسبة، وأنَّ الإِنسان لا يخلو من الخطأ والسهوِ والنسيان.
ثم أمعَنَ النظر في أوسطهم وهو القسمُ الثاني، فوجده يُخلّ في كل مئةٍ بيتٍ بما
دُون العِشرين، ولا يَنقُصُ عن العَشْرِ، ثم أُمعَنَ النظر في أدناهم وهو القسمُ الثالث،
فوجده يُخِلُّ في كل مئةٍ بيتٍ بما دون الثلاثين، ولا يَنْقُصُ عن العشرين. ثم فَعَل في
هذين القسمين مثل ما فعل في القسم الأول. وقد أوردنا هذا المثالَ على طريق
التقريب، ومن فَهِمَ هذا المثال، انحلِّ عنه الإِشكالُ في هذا الموضع وفي غيره مما
يُشاكله.
قال بعضُ المحققين: اعلم أنَّ مَدارَ الرواية على عدالةِ الراوي وضبطِه، فإن
كان مُبرِّزاً فيهما فحديثُهُ صحيح، وإن كان دون المبرِّزِ فيهما أو في أحدِهما لكنه عَدْلٌ
ضابطً بالجملة فحدیثُهُ حسن.
ثم العدالةُ والضبطُ إما أنْ يُوجَدا في الراوي، أو ينَتَفِيًّا، أو يُوجّدَ أحدُهما دون
الآخر، فإن وُجِدَا في الراوي قُبِلَ حديثُه، وإن انْتَفَيَا فيه لم يُقْبَل حديثُه.
/٤٠٧

٨٨٦
وإن وُجِدَتْ فيه العدالةُ دون الضبط لم يُرَدَّ حديثُه لعدالته، ولم يُقبَل لعدم
ضبطه، بل يُتوقَّفُ فيهِ، إلَّ أن يَظهَرَ ما يُوجِبُ رُجحانَ جانبِ الرَدِّ فَيُرَدّ، أو رُججَانَ
جانبِ القبول فيُقبَل. ومن ذلك أن يُوقَفَ له على شاهدٍ يَحصُلُ به جَبْرُ الضَّعْفِ الذي
في راويه من جهة الضبطِ.
وإن وُجِدَ فيه الضبطُ دون العدالة، لم يُقبَل حديثُه، لأن العدالة هي الركنُ
الأكبرُ في الرواية. ثم كلُّ واحد من العدالةِ والضبطِ له مراتبُ عُلْيَا، ووُسْطَى،
ودُنْيًا. ويَحَصُلُ من تركيبٍ بعضها مع بعض مراتبُ للحديث مختلفةٌ في القوّةِ
والضعف.
وهنا أمرٌ مهم، يُعَدُّ عند العارفين به من أهل هذا الفن من قَبِيلِ المضنونِ به
على غير أهلِه، وهو أنه لا ينبغي تركُ الروايةِ عن الموسومِين بسُوءِ الحفظِ وقلةٍ
الإتقان، كما يَتوقَّمُه غيرُ العارف، بل في الرواية عنهم فائدةٌ عظيمة عند الجهابذة
النقّاد، ولذلك كانوا حريصين على ذلك، وتتبینٌ لك الفائدةُ فیما نحن فيه من أوجه:
أحدُها: أن نَفرِضَ أنَّ اثنين من القسم الأولِ وهي الدرجةُ العُليا في الحفظِ
والإِتقان، اختَلَفا في بيتٍ، فرواه أحدُهما على وجهٍ والآخَرُ على وجهٍ آخرٍ، فإنه يعترينا
خَيْرةٌ في الأمر، فإذا رأينا بعدَ ذلك أحداً ممن شاركهما في الأخذِ عن ذلك الإِمام
- وإن كان موسوماً بسُوءِ الحفظِ والإِتقان - قد رَوَاهُ على الوجهِ الذي رواه أحدُهما،
فإنها تترجَّحُ روايتُه على روايةِ الآخَر في الغالب، ويُنسَبُ المنفردُ بالروايةِ الأخرِى
للوَهَم في هذا الموضع، فقد أفادت روايةُ هذا الضعيف تقويةً روايةِ أحَدِ القويّينِ على الآخر.
بل لو فرضنا أنَّ أَحَدَ الراويين: من القسمِ الأول، وهي الدرجةُ العليا،
/٤٠٨ والآخَرَ: من القسمِ الثالث، وهي الدرجةُ الدُّنيا، ورأينا هذا / الراوي الضعيف قد
وافَقتْ روايتُه، نُرجِّحُها في الغالب على الرواية التي انفرد بها من كان في الدرجة
العُلْيَا، فيكون من قَبِيلِ قولهم: وضَعيفانٍ يَغْلِبانِ قَوِيّاً.
وإنما قلنا: في الغالب، لأنه قد تَقَعُ موانعُ من ذلك، ولا يُدركُها إلَّ الجهابذة،

٨٨٧
وقليلٌ ما هم، فينبغي لغيرهم أن لا يُزاحموهم في هذا الموضع، فإنه من مَزَالُ الأَقْدام.
الوجهُ الثاني: أن نَفرِضَ أنَّ واحداً من أَحَدِ الأقسام الثلاثةِ الموصوفة بالضبط
- وإن كانت مختلفة الدرجاتِ فیه ــ قد رَوَی قصيدةً خالیةً من بيتٍ یرویه فيها اثنانٍ
من الموصوفين بعدم الضبط، على وجهٍ واحد، وهو مما يُشاكِلُ تلك القصيدة، ولیس
في الأبياتِ التي تُعزَى لغيرها من القصائد، فإِنَّ اتفاق اثنين منهما إذا كان من غير
تواطُؤْ يُقُوِّي صحةَ روايتِهما على ما فيهما من الضعف، ويكونُ هذا مما حَفِظَهَ
الضعيفانِ وَنَسِيَه القويُّ، ولو كان من الدرجة الأولى في الضبط.
ومبنى هذا على أنَّ ليس كلُّ ما يرويه الحافظُ المتقِن صواباً، لاحتمالٍ أن يكون
قد زلَّ في بعض المواضع، وإن كان ذلك منه قليلاً، وليس كلُّ ما يرويه غيرُ الحافظِ
المتقِن خطأً، لإِصابتِهِ في كثير من المواضع. والعاقلُ اللبيبُ هو الذي يسعى لمعرفة
صوابٍ كل فريق ، ليأخُذَ به.
وقد بلغَتْ البراعةُ ببعض الجهابذة إلى أن كانوا يَعرفون صِدقَ الراوي من
كذِبه، ولهذا كان بعضُهم يروي عن بعضٍ من يُتَّهَمُ بالكذب، وكان يَنهى الناسَ
عن الرواية عنه، ولمَّا استُغرِبَ ذلك منه وقِيلَ له: أنت تروي عنه؟! قال: أنا أعرِفُ
صِدْقَهُ من كذِبه. اهـ. إلَّ أنَّ هذا أمرٌ لا يخلو عن غَرَر، وربما كان فيه خَطَر.
الوجهُ الثالثُ أن يَروِيَ كثيرٌ من غير أرباب الضبط بيتاً على وجهٍ واحدٍ
لا يختلفون فيه، ويَروِيَه واحدٌ من الضابطين على غير ذلك الوجه، فالظاهرُ ترجيحُ
روايةِ الكثير، لأنَّ عُروضَ الوَهَمِ للواحِدِ أكثرُ من عُرُوضِهِ للعدد الكثير، لا سيما إن
كان ما رَوَوْه أرجَحَ في الظاهر عند العارفين بذلك.
الفائدة العاشرة
قد ذكرنا فيما مَضَى(١) حُكمَ الرواية عمن وُسِمَ بسمة البدعة، إلَّ أنه ليس
كافياً في مثل هذه المسألة المهمة فاقتَضى الحالُ زيادةً البيان، فنقول: قال الحافظُ
(١) في ص ٢٤٧ .

٨٨٨
ابن حجر في ((شرح نخبة الفكر)(١): البدعةُ إِمَّا أن تكونَ بمكفِّر کان یَعتقِدَ ما يَستلزِمُ
الكفر، أو مُفَسِّقٍ .
...
فالأوَّلُ: لا يَقبَلُ صاحبَها الجمهور، وقيل: يُقبَلُ مطلقاً، وقيل: إن كان
لا يَعتقدُ حِلَّ الكذبِ لِنُصرةِ مقالتِهِ قُبِلَ. والتحقيقُ أنه لا يُرَدُّ كلُّ مُكَفَّرَ ببدعته، لأنَّ
كلَّ طائفة تدَّعي أنَّ مخالِفِيها مبتدِعة، وقد تُبالِغُ فتكفِّرُ مُخالِفِيها، فلو أُخِذَ ذلك على
الإِطلاق لاستلزَمَ تكفيرَ جميع الطوائف، فالمعتمَدُ أنَّ الذي تُرَدُّ روايتُه من أنكَرَ أمراً
متواتراً من الشرع، معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتَقَدَ عكسَه، فأمَّا من
لم يكن بهذه الصفة، وانضَمَّ إلى ذلك ضَبْطُه ◌ِمَا يرويه، مع وَرَعِهِ وتقواه، فلا مانعَ مُن
قبوله .
والثاني: هو من لا تقتضي بدعتُهُ التكفيرَ أصلاً، وقد اختُلِفَ في قبولِهِ ورَدِّه،
فقيل: يُرَدُّ مطلقاً، وهو بعيد، وأكثرُ ما عُلِّلَ به أنَّ في الرواية عنه ترويجاً لأمرِهِ، وتنويهاً
بذكره. وعلى هذا ينبغي أن لا يُروَى عن مبتدِع شيء يُشاركُهُ فيه غیرُ مبتدع، وقيل :
يُقبَلُ مطلقاً إلَّ إن اعتَقَّد حِلَّ الكذب كما تقدَّم. وقيل: يُقبَلُ من لم يكن داعيةً إلى
بدعته، لأنَّ تزيينَ بدعتِه قد يَحمِلُه على تحريفِ الروايات وتسويتها على ما يقتضيه
مذهبه، وهذا في الأصح .
وأغرَبّ ابن حبان فاذَّعى الاتفاقَ على قبولِ غير الداعية من غير / تفصيل،
إِلَّ إن رَوَى ما يُقوِّي بدِعتَه فَيُرَدُّ على المذهبِ المختار، وبه صَرَّح الحافظ أبو إسحاق
إبراهيم بن يعقوب الجُوْزَجاني شيخُ أبي داود والنسائي في كتابه «معرفة الرجال»،
فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغٌ عن الحقِّ أي عن السُّنَّة، صادقُ اللهجة، فليس
فيه حِيلة إلَّ أن يُؤْخَذَ من حديثه ما لا يكون منكراً إذا لم يُقُوِّ به بدعتَه. اهـ. وما قاله
مُتَّجِهٌ، لأن العلة التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهِرُ المروي يوافقٍ
مذهبَ المبتدع ولو لم يكن داعية، والله أعلم. اهـ.
/٤٠٩
(١) ص ٨٨ بحاشية عبد الله خاطر.

٨٨٩
وظاهرُ هذه العبارة يدلُّ على قبولِ روايةِ المبتدِعِ إذا كان عدلاً ضابطاً، سواء
كان داعيةً أو غيرَ داعية إلّ فيما يتعلَّقُ ببدعته. وقال بعضُ العلماء: لا تُقبَلُ روايةٌ
المبتدِعِ الذي يُكفِّرُ ببدعته، وأما الذي لا يُكفِّرُ بها فقد اختَلَفَ العلماءُ في روايته،
فمنهم من ردِّها مطلقاً، ومنهم من قَبِلَها مطلقاً إذا لم يكن ممن يَستحِلُّ الكذبَ في
نُصرةٍ مذهبِه أو لأهلِ مذهبه، سواءً كان داعيةً إلى بدعته أو غيرَ داعية، ومنهم من
قال: تُقبَلُ إذا لم يكن داعيةً إلى بدعتِهِ ولا تُقبَلُ إذا كان داعيةً إليها، وهذا مذهبُ
كثيرين من العلماء أو أكثرهم.
والقولُ بردِّ روايتهم مطلقاً ضعيفٌ جداً، ففي ((الصحيحين)) وغيرهما من كتب
أئمة الحديث الاحتجاجُ بكثير من المبتدِعة غير الدعاة، ولم يزل السلفُ والخَلَفُ على
قبولِ الرواية منهم والاحتجاج بها والسماعِ منهم وإِسماعِم من غير إنكار منهم. قال
الحافظ العراقيّ: وقد احتَجَّ الشيخانِ بالدُّعَاةِ أيضاً، وقد وقع لأناسٍ ممن يُفرِّقون بين
الداعيةِ وغيرِهِ حَيْرةٌ في ذلك.
وقد أشار إلى هذه المسألة الحافظُ ابنُ حزم في مبحث الإِجماع، في فَصْلٍ أفرده
لُحُكمِ أهلِ الأهواء، وقد أحببنا إيرادَ نُبَذٍ منه هنا، قال(١):
فَصْلُ في أهل الأهواء: هل يَدخلون في الإِجماع أم لا؟ قال قوم: لا يَدخُلُون
في جملةٍ من يُعتَّدُّ بقوله، وقالت طائفة: هم داخلون في جملتهم. قال أبو محمد:
والذين قالوا لا يدخلون في جملتهم قد تناقَضُوا، فأدخلوا في مسائل الخلافِ قولَ قتادة
وهو قَدَريّ مشهور، وأدخلوا الحسَنَ بنَ علي وهو رأسٌ من رؤوس الزيدية، وأدخلوا
(١) هذا (الفصل) في (أهل الأهواء) لم أجده في كتاب ((الإحكام في أصول الأحكام))
للإِمام ابن حزم الأندلسي، في النسخة المطبوعة، وقد عَقَد فيه فصلاً لأهل الأهواء في آخر مباحث
(الإجماع) ٤: ٢٣٥، و٤: ٥٨٠، هل يدخلون في الإجماع أم لا؟ وليس فيه هذا النص النفيس.
فتصفحت الكتاب كله فلم أقف فيه على شيء.
فاستعنتُ بالأخ الكريم العالم البحاثة النِّقَاب الأستاذ الشيخ أبي عبد الرحمن بن عقيل
الظاهري النجدي، باقر كتب ابن حزم وحامل عِلمِه وعَلَمِه، لينجدني في الدلالة على موضع هذا =

٨٩٠
عكرمةَ وهو صُفْرِيّ، وأدخلوا جابر بن زيد وهو إِياضيّ. قـ(١)
والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: إنَّ إجماع الأمةِ كلِّها بلا خلاف منها على
الاعتدادِ ممن ذكرنا في الخلاف، والإِجماعُ بُرهان ضروريٌّ کافٍ في فساد قولٍ من
قال: لا يدخلون في الإِجماع، وبيانٌ لتناقضهم.
قال أبو محمد: وقد فرَّق جماهيرُ أسلافنا من أصحابِ الحديث بين الداعيةِ من
أهلِ الأهواء وغير الداعية، فقالوا: إنَّ الداعيةَ مُطَرَحٌ، وغيرَ الداعيةِ مقبول.
وهذا قولٌ في غاية الفساد، لأنه تحكُّم بغير دليل. قـ ولأنَّ الداعيةَ أولى بالخير
وحُسنِ الظن، لأنه يَنصُرُ ما يَعتقِدُ أنه حقٌّ عنده، وغيرَ الداعية كاتمٌ للذي يَعتقِدُ أنه
حق، وهذا لا يجوزُ، لأنه مُقْدِمٌ على كتمان الحق، أو يكونُ معتقداً لشيء لم يَتِيقَّن أنه
حق، فذلك أسوأُ وأقبَحُ. قَـ فسَقَط الفَرْقُ المذكورُ، وصَحَّ أنَّ الداعيةَ وغيرَ الداعية
سواء. قـ
/ ٤١٠
وكلُّ من لم يكنّ مرتكباً لشيء مما أُجمَعَ على تحريمه، ولم يكن مع ذلك مُقْدِماً
على ما يعتقده حراماً، وإن كان مما اختُلِفَ فيه، وكان مَعْنِيًّ بأحكامِ القرآنِ والحديثِ
والإِجماع والاختلافِ، فهو ممن يُعتَدُّ بقولِهِ في الخلاف، ما لم يفارق ما قد ضَحَّ فيه
الإجماع، وسواء كان مُرْجِئاً، أو قَدَرِيّاً، أو شِيعيّاً، أو إِباضيّاً، أو صُفْرِياً، أو سُنِّاً
صاحب / رأيٍ أو قیاس، أو صاحِب حديث.
وكلُّ من كان فاسقاً سواءً كان مِنَّ، أو من مخالفينا، لا يُلتَفَتُ إليه وإن كان
عالمً، وكان قد نَفَرَ لِيتَفَقَّهَ، لأنه من الفُسَّاق الذين أُمِرنا أن نَتَبَّتَ في خبرِهم.
= (الفصل) من كتابه ((الإحكام)) أو غيره، فبحث وفتش، ونقَّب وقلَّب، ونظر كتبَ ابن حزم
مطبوعَها والمخطوطَ منها عنده، فلم يرله أثراً، ولم يجد منه خبراً، فأفاد - جزاه الله خيراً - أن هذا
الفصل يُقدَّرُ وجودُه في بعض النسخ من كتاب ((الإِحكام)) التي خرجت من الأندلس إلى المشرق
بعد سنة ٥٥٤ . انتهى. والله أعلم.
(١) هذا رأسُ القَاف، وسيكرره المؤلف ثلاث مرات قريباً، رمَزَ به إلى أنه حذّفَ من
الكلام المنقول جملاً يستغني المقام عنها، وقد سبق له مثله في ص ٨٧٧ - ٨٧٨، ونبهتُ عليه هناك.

٨٩١
وكلُّ من كان فاضلاً مسلماً سواءٌ كان مِنَّا أو مِن غيرنا من الفِرَق، إلَّ أنه لم يَنْفِر
لِيتَفَقَّه في الدين، وليس عالماً بالكتاب والحديثِ والإِجماع والاختلاف، لكنه مُشتَغِلٌ
إِما بعبادةٍ، أو بعلمٍ من العلوم المحمودة، كالكلام في أصولِ الاعتقاداتِ،
أو القرآآت، أو النحو، أو اللغة، أو رواية الحديث فقط دون تفقَّه في أحكامه،
أو التواريخٍ، أو الأخبار، أو الشعر، أو النَّسَبِ، أو الطِّبِّ، أو الحسابِ،
أو الهندسةِ، أو الفلسفةِ، أو علمِ الهيئة، أو كان مشغولاً بما أُبِيحَ له من أمور دنياه
ومکاسپه :
فليس يُعتَدُّ به في اختلافِ العلماء في الشريعة، لأنه ليس ممن أُمِرنا بقبولٍ
نِذارتِه في الأحكام والعبادات، لكنه مُحْسِنّ فيما عُنِيَ به من العلوم المذكورة، ويَلزمُ أن
يُرجَعَ إلى نقلِهِ في ذلك العلم الذي عُنِيَ به، أو العلومِ التي عُنِيَ بها، إن كان جامعاً
العلومٍ شتى، فُيُحتَجُّ بنقله فيما اعتَرَضَ في خلالِ أحكامِ الفقه، من لغةٍ أو نحوٍ
أو حُكمٍ في عَيْبِ أو جِنايةٍ أو حسابٍ دخولِ شهر، أو ما يتعلَّقُ بالأحكام من
الاعتقادات، وفي القِسْمَة للمَوَارِيثِ(١) والغنائمِ وبين الشركاء، وفي تعديلِ الرُّوَاة
وتجريحِهم، وفي أزمانِ الرواةِ ولقاءِ بعضِهم بعضاً، والفَرْقِ بين أسمائهم وأنسابهم
المفرِّقةِ بين أشخاصِهم.
وإذا أَقام الدليلَ من أصول عِلمِه على صحةٍ قوله قُبِل، ولا فَرْقَ في كلِّ ذلك
بين كلٍّ من كان من أهلٍ نحلتنا، وبين من كان مخالفاً لنا، ما لم يَخرُج من قُبَّة
الإِسلام وعن حظيرة الإِيمان، ولم يَستحقَّ عند جميع علمائنا الكفر، وقد بيَّنا من يُكَفَّرُ
ومن لا يُكفَّرُ في كتابنا الموسوم بكتاب ((الفِصَل)) لأنه أملَكُ بهذا المعنى ولله الحمد.
ولعلماءِ الأصولِ من المتكلِّمين هنا قولٌ مستغرَبٌ عندَ غيرهم، قد ذكره الإِمام
الغزالي في ((المستصفى))(٢)، حيث قال: المبتدِعُ إذا خالَفَ لم يَنعقِد الإِجماعُ دونه إذا
لم يُكَفَّرِ، بل هو كمجتهدٍ فاسق، وخِلافُ المجتهدِ الفاسقِ معتبر.
(١) جاء في الأصل: (وفي القسيمة المواريث)، فالظاهر أنه تحريف.
(٢) ١ : ١٨٣ في مسائل (الباب الثاني في بيان أركان الإجماع).

٨٩٢
فإن قيل: لعلَّه يَكْذِبُ في إظهار الخلاف وهو لا يعتقده، قلنا: لعله يَصْدُق ولا
بُدَّ من موافقتِهِ. كيف وقد نعلمُ اعتقادَ الفاسق بقرائنِ أحوالِهِ في مُناظراتِهِ
واستدلالاتِه. والمبتدِعُ ثِقَةٌ يُقبَلُ قولُهُ، فإنه ليس يَدْرِي أنه فاسِق. أمَّا إذا كُفِّر ببدعته
فعند ذلك لا يُعتبرُ خلافُهُ وإن كان يُصلِّ إلى القِبلة، ويعتقِدُ نفسَهُ مسلماً، لأنَّ الأمة
ليست عبارةً عن المصلّين إلى القِبلة، بل عن المؤمنين، وهو كافرٌ وإن كان لا يدري أنه
كافر. نعم لو قال بالتشبيه والتجسيم، وكفَّرناه، فلا يُستدَلُّ على بطلانِ مذهبِهِ بإجماع
مُخالِفِيه على بطلانِ التجسيم، مصيراً إلى أنهم كلُّ الأمة دونه، لأنَّ كونَهم كل الأمة
موقوفٌ على إخراج هذا من الأمة، والإِخراجُ من الأمة موقوفٌ على دليل التكفير، فلا
يجوز أن يكون دليلُ تكفيره ما هو موقوف على تكفيره، فيؤدِّي إلى إثباتِ الشيء
بنفسِه . :
نعم بعدَ أن كفَّرناه بدليلٍ عقليّ، لو خالَفَ في مسألةٍ أخرى لم يُلتَفَت إليه، فلو
تاب وهو مُصِرٌّ على المخالفة في تلك المسألةِ التي أجمعوا عليها في حالٍ كفره، فلا
يُلتَفَتُ إلى خلافِهِ بعدَ الإِسلام، لأنه مسبوقٌ بإجماع كلِّ الأمة، وكان المُجْمِعون في
ذلك الوقتِ كلَّ الْأُمَّةِ دونه، فصار كما لو خالَفَ كافرٌ كافَّةَ الأُمَّة، ثم أسْلَمَ وهو مُصِرٌّ
/٤١١ على ذلك الخلاف، فإنَّ ذلك لا يُلتَفَتُ إليه / إلَّ على قول من يشترط انقراض العصر
في الإجماع.
فإن قيل: لو تَرَكَ بعضُ الفقهاء الإِجماعَ بخلاف المبتدع المكفَّر إذا لم يَعلِم أنَّ
بدعتَه تُوجِبُ الكفر، وظَنَّ أَنَّ الإِجماع لا ينعقِدُ دونه، فهل يُعذَرُ من حيث إنّ
الفقهاء لا يَطَّلِعون على معرفةٍ ما يُكفَّرُ به من التأويلات؟
قلنا: للمسألة صورتان :
إحداهما أن يقول الفقهاءُ: نحن لا ندري أنَّ بدعتَهُ تُوجبُ الكفر أم لا، ففي
هذه الصورة لا يُعذَرُون فيه، إذْ يَلزمُهم مراجعةُ علماء الأصول، ويجبُ على العلماءِ
تعريفُهم، فإذا أفتَوْا بكُفْرِه فعليهم التقليد، فإن لم يُقنعهم التقليدُ فعليهم السؤالُ عن
الدليل، حتى إذا ذُكِرَ لهم دليلُه فَهِمُوهُ لا محالة، لأنَّ دليله قاطع، فإن لم يُدْرِكْه فلا

٨٩٣
يكون معذوراً، كمن لا يُدرِكُ دليلَ صِدقِ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنه
لا يُذْرَ مَعَ نَصْبِ الله تعالى الأدلةَ القاطعةً.
الصورةُ الثانيةُ أن لا يكون قد بلغَتْهُ بدعتُه وعقيدتُه، فَتَرَك الإِجماعَ لمخالفته،
فهو معذور في خطئه، وغيرُ مؤاخذٍ به، وكأنَّ الإِجماع لم ينتهض في حقُّه، كما إذا
لم يَبْلُغه الدليلُ الناسخ، لأنه غيرُ منسوب إلى تقصير، بخلاف الصورة الأولى، فإنه
قادرٌ على المراجعةِ والبحثِ فلا عذر له في تركه.
ثم ذَكَر أنَّ للمرءِ طَرِيقاً لمعرفة ما يُكفِّرُ به، غير أنَّ الخطب في ذلك طويل، وأنه
قد أشار إلى شيء منه في كتابه «فَيْصَل التفرقة بين الإِسلام والزندقة)).
الفائدة الحادية عشرة
القرآنُ هو الإِمامُ المبين، الذي لا تَنزِلُ بأحَدٍ في الدين نازلة إلَّ وفيه الدليلُ
على سَبيل الهُدَى فيها، قال تعالى: ﴿ما فرَّطْنا في الكتابِ من شيءٍ﴾(١)، وقال تعالى:
﴿ونَزَّلْنا عليك الكتابَ تِبياناً لكل شيءٍ وهُدَىَّ ورحمةً وَبُشْرَى للمُسْلِمِينَ﴾(٢).
والسنةُ تاليةُ القرآنِ ومبيِّنة لما فيه من إجمالٍ ونحوه، قال سبحانه وتعالى:
﴿وَأَنزَلْنا إليك الذِّكْرَ لتُبِينٌّ للناسِ ما نُزِّلَ إليهم ولعلَّهم يتفكرون﴾(٣).
قال بعضُ الأئمة: جميعُ ما حَكْمَ به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهو ما فَهِمه
من القرآن. وقال بعضُ علماء الأصول: ما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من شيء
فهو في القرآنِ أو فيه أصلُهُ، قَرُبَ أو بَعُدَ، فَهِمَهُ من فَهِمَهُ، وعَمِهَ عنه من عَمِهَ،
وكذا كل ما حَكَم به أو قَضَى به. وإنما يُدرِكُ الطالبُ من ذلك بقَدْرِ اجتهاده وبذلِ
وسعِهِ ومقدارِ فهمه. وقال سعيد بن جُبَير: ما بلَغَني حديثٌ عن رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم على وجهه إلَّ وَجَدتُ مصداقَهُ في كتاب الله .
(١) من سورة الأنعام، الآية ٣١.
(٢) من سورة النَّحْل، الآية ٨٩.
(٣) من سورة النَّحْل، الآية ٤٤.

٨٩٤
وقد اتَّفَقَتْ الفِرِقُ المنتميةُ إلى الإِسلام على وجوبِ الأخذ بالكتاب والسنة.
ونُقِلَ عن الخوارج أنهم لا يأخذون من السنةِ بما يكون مخالفاً مخالفةً مَّا لظاهِرِ القرآن،
كأن يكونَ فيها تخصيصٌ لما فيه من العموم ونحو ذلك، وإنما يأخذون منها بما كان فيه
بيانٌ لما أُجمِلَ في القرآن، وذلك كأوقاتِ الصلاة وعددٍ ركعاتها ونحو ذلك.
وقد توقَّفَ بعضُ المحققين في هذا النقل، حيث إنَّ الُورِدِين له لم يذكروا أنهم
نقلوه من كتبِهم، على أنَّ الفِرَقَ كلَّها قلَّما يُطمأَنُّ لما يَنقُهُ بعضُهم عن بعض، لأنَّ
کثیراً منهم قد يغلب عليه التعصُّبُ فلا ینقُل مذهب المخالفین له على وجهه، بل ربما
كان جُلُّ قصدِهِ إظهارَ الفَرْق بين الفِرَق، ولو كان بأمرٍ مختلف، ولذا قَلَّ الاطمئنان
إلى كثير مما يُذكَرُ في كتب الِلَل والنِّحَل، حتى إِنَّ بعض من ألَّفوا فيها مع كونهم في
أنفسهم ثقاتٍ، لَّا اعتمدوا في بعض المواضع على ما نقّلَه غيرُهم، ممن كان من أهلِ
التعصب، ولم يَشعروا بِحالِهِم، وقَعَ في كلامهم هناك زَلَل، فينبغي الانتباهُ لمثل هذا
الأمر.
وكيف يَتوقَّفُ عن الأخذِ بسُنَّةِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مطلقاً من يأخُذُ
/٤١٢ بالكتاب / المنزلِ عليه، وهو يتلو ما فيه من الآياتِ الدالةِ على وجوبِ اتّباعِهِ،
قال الله تعالى: ﴿والنّجْمِ إذا هَوَى. ما ضَلِّ صاحِبُكم وما غَوَى. وما يَنْطِقُ عِن
الْحَوَى. إِنْ هُوَ إلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(١). وقال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسولُ فخُذُوهُ وما
نهاكم عنه فانْتَهُوا﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿ومن يُطِع الرسولَ فقد أطاع الله﴾(٣)، وقال
عزَّ وجل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُون حتى يُحْكِّمُوكَ فيما شَجَر بينهم ثم لا يَجِدُوا في
أنفسِهم حَرَجاً مما قَضَيْتَ ويُسلِّموا تسليماً﴾(٤)، والآياتُ في هذا المعنى كثيرة، وهي
صريحةٌ ظاهرةُ الدلالة.
ومن ثَمَّ تَرَى كلُّ فِرقة تدَّعي أنها آخِذةٌ بالكتابِ والسُنَّة. وأَشَدُّ الفِرَقَ ادِّعاءً
(١) من أول سورة النجم، الآيات ١ - ٤.
(٣) من سورة النساء، الآية ٨٠.
(٤) من سورة النساء، الآية ٦٥.
(٢) من سورة الحشر، الآية ٧.

٨٩٥
لذلك الظاهِرِيُّون، غير أنهم لم يقتصروا على ذلك، بل نَسَبوا غيرَهم من الفِرَق إلى
الإِعراض عن السُّنَّة! حتى لم يَنْجُ منهم كثيرٌ ممن يُرجَعُ إليه في علم الحديث، وأكثروا
من التشنيع! وأعظَمُ الأسباب قولُ مخالِفِيهم بالقياس، وهم يُنكرونه إِنكاراً شديداً،
وأشدُّ القوم إفراطاً في ذمِّ المخالفين لهم ابنُ حزم، فإنَّ له فيهم أقوالاً تَسْتَكُّ منها
المسامع!
وقد امتَعَض من ذلك مُخالِفُوهم فوصفوهم بالجمود، وجعلوهم في باب الإجماع
بمنزلة العوامِّ الذين لا يُعتَّدُّ بخلافهم، حتى إنَّ بعضهم لم يَستثن من ذلك من يُنسَبُ
إليه هذا المذهبُ، وهو الإِمام المشهور أبو سُلَيمان داودُ بن عليّ الأصفَهاني المعروفُ
بالظاهري. قال بعضُ علماء الأصول: لا يُعتَدُّ بخلافٍ من أنكر القياس، لأن من
أنكره لا يَعرِفُ طُرُقَ الاجتهاد، وإنما هو متمسِّك بالظواهر، فهو كالعامِّيِّ الذي
لا معرفةً له، وهو مذهب الجمهور.
وقال بعضُ الفقهاء: إنَّ مخالفة داود لا تقدح في انعقاد الإجماع على المختار
الذي عليه الأكثرون والمحققون. وقال صاحبُ ((المُفْهِم)): قال جُلُّ الفقهاءِ
والأصوليين: إنه لا يُعتَدُّ بخلافهم، بل هم من جملة العَوَامٌ، وإنَّ من اعتَدَّ بهم فإنما
ذلك لأنَّ مذهبَه يَعتبرُ خِلافَ العوامِّ في انعقاد الإِجماع، والحقُّ خِلافُه.
وقد استنكَر بعضُ أهل الأصول القولَ بعدم الاعتداد بقولِ داود في الإِجماع،
مع أنه كان في الدرجةِ العُلْيَا في سَعةِ العلمِ، وسَدادِ النظر، ومعرفةٍ أقوال الصحابة
والتابعين، والقدرةِ على الاستنباط، مع الزهد والورع، وقد دُوِّنَتْ كتبُه، وكَثُرَتْ
أتباعُه، وقد بَلَغ ما ألَّفه ثمانيةَ عَشَر ألفَ وَرَقة، وكان مولده بالكوفة، ومنشأه ببغداد،
وبها تُوفّ سنة ٢٧٠ .
وقد تصدَّى ابنُ حزم لبيانٍ من يُعذَّرُ في الخطأ في هذا الموضع ومن لا يُعْذَر،
وقد أحببنا أن نُورد نُبَذَأَ مما ذكره، ليَطّلع عليه من يُرِيدُ الوقفَ على رأيه في هذه المسألة
المهمة، وها هو ذلك :

٨٩٦
قال في الباب الموفي أربعين من كتاب ((الإِحكام لأصول الأحكام))(١)، وهو
آخِرُ الكتاب: إنَّ أحكام الشريعة كلَّها قد بيَّنها الله تعالى بلا خلاف، فهي كلّها
مضمونةُ الوجود لعامة: العلماء، وإن تعذَّر وجودُ بعضِها على بعضِ النّاسِ ، فَمُجالٌ
أن يَتعذَّر وجودُه على كلِّهم، لأن الله لا يُكلِّفْنا ما ليس في وُسْعِنا، قال تعالى:
﴿لا يُكَلِّفَ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿ومَا جَعَل عليكم في الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ﴾(٣)، وتكليفُ إصابةِ ما لا سبيلَ إلى وجودِهِ حرج.
وقد اتفق العلماءُ على أنَّ القرآن والسنن مواضعُ لوجود أحكام النوازل، ثم
اختلفوا فقالت طائفة: لا موضعَ البتة لطلبٍ حكم النوازلِ من الشريعةِ ولا لوجودِهِ
غيرُ ذلك. وقال آخرون: بل ها هنا مواضعُ أُخَرُ يُطلَبُ فيها حكم النازلة، وهي
/٤١٣ دليلُ الخطاب، والقياسُ، وقولُ أكثرِ / العلماء، وعمَلُ أهل المدينة، وغير ذلك مما
شرحناه وبيَّنَا حكمه فيما سلف من كتابنا هذا.
وقد كانت في ذلك أقوالٌ لقومٍ من أهل الكلام قد دَرَسَتْ، مثلُ قولِ
بعضهم: الواجبُ أن يقالَ بأولِ ما يَقَعُ في النفس في أولِ الفِكْر، وقولِ بعضهم:
الواجبُ أن يقالَ بالأثْقلِ لأنه خلافُ الهوى، وقولِ بعضِهم: الواجبُ أن يقال
بالأخَفِّ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بكم الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤).
:
وهذه أقوالٌ فاسدة يُعارِضُ بعضُها بعضاً، وكلُّ ما ألزَمَنا الله فهو يُسرّ وإن ثَقُلَ
علينا. وكلُّ شريعةٍ نُكلَّفُ بها فهي خِلافُ الهوى، لأن تركها كان مُوافِقاً للهوى. وما
يقَعُ في أوائلِ الفِكر قَد يكونُ من قَبِيل الوسواس، فلا لازِمَ لنا إلَّ ما أَلْزَّمنا الله
تعالى، سواءٌ وقع في النفس أو لم يقع، وسواء كان أخفَّ أو أثقَلَ.
وقد أوضحنا فيما سَلَف البراهينَ الضروريةَ على أنَّ الحقَّ لا يكونُ في قولين
مختلفينِ في حكمٍ واحد، في وقتٍ واحد، في إنسانٍ واحد، في وجهٍ واحد. ونتوقَّفُ
(١) ١٣٣:٨ - ١٥٠، و١١٥٥:٨ - ١١٧٠. وقد هَذَّب المؤلف رحمه الله تعالى كلام
(٣) من سورة الحج، الآية ٧٨
ابن حزم تهذيباً حسناً جداً.
(٢) من سورة البقرة، الآية ٢٨٦ .
(٤) من سورة البقرة، الآية ١٨٥.

٨٩٧
فيما لم يَقُم على حكمِه عندنا دليل. وما كان بهذه الصفةِ فلا تَحِلُّ الفُتيا فيه لمن لم يَلْح
له وجهُه. ولا شك أنَّ عند غيرنا بيانَ ما جَهِلناه، كما أنَّ عندنا بیانَ كثير مما جَهِلَه
غيرُنا. ولم يَعْرَ بشرٌّ من نقصٍ أو نسيانٍ أو غَفْلة.
وإذا قام البرهانُ عند المرءِ على صحةٍ قولٍ مَّا، قياماً صحيحاً، فحقُّهُ التديُّنُ
به، والفُتْيَا به، والعمَلُ به، والدُّعاءُ إليه، والقطعُ بأنه الحقُّ عند الله عز وجل.
وليس من هذا: الحُكمُ بشهادةِ العدلينِ، وهما قد يكونانِ في باطِنِ أمرِهما عند الله
كاذِبَيْنْ أو مغَفَّلَينِ، إذْ لم يُكلِّفنا اللَّهُ تعالى معرفةَ باطِنَ ما شَهِدًا به، لكن كلَّفنا الحكمَ
بشهادتهما .
وقد عَلِمنا أنه لا يُمكنُ أن يَخْفى الحقُّ في الدِّين على جميع المسلمين، بل لا بُدَّ
أن يقَعَ طائفةٌ من العلماء على صحةٍ حكمِهِ بيقين، لما قدَّمنا من أنَّ الدِّينَ مضمونٌ
بيانُه وَرَفْعُ الإِشكالِ عنه بقول الله تعالى: ﴿يَبْيَاناً لكلِّ شيءٍ﴾(١)، وبقوله تعالى:
﴿لُبِينٌ للناسِ ما نُزِّلَ إليهم﴾(٢)، ولكن قد قال الله تعالى: ﴿وليس عليكم جُنَاحٌ
فيما أخطأتُم به ولكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلوبُكم﴾(٣)، فصَحَّ بالنص أنَّ الخطأ مرفوعٌ عنا.
فمن حَكْم بقولٍ ولم يَعرف أنه خطأ، وهو عند الله تعالى خطأ، فقد أخطأ ولم
يَتَعَمَّد الحكمَ بما يَدْرِي أنه خطأ، فهذا لا جُناحَ عليه في ذلك عند الله تعالى، وهذه
الآيةُ عمومُ دَخَل فيه الْمُقْتُون، والحكام، والعاملون، والمُعْتَقِدون، فارتَفَع الجُنَاحُ عن
هؤلاء بنص القرآن، فيما قالوه أو عَمِلوا به مما هم مخطئون فيه، وصَحَّ أنَّ الجناح إنما
هو على من تعَمَّدَ بقلبه الفُتيا، أو التدينَ، أو الحكمَ، أو العمَلَ، بما يَدرِي أنه ليس
حقاً، أو بما لم يَقُده إليه دليلٌ أصلاً.
ومن جاءَهُ من رَبِّهِ الهُدَى وهو البرهانُ الحقُّ، فلا يَجِلُّ له تركُه واتِّباعُ مَا هَوِيَتْ
نفسُه وظَنَّ أنه الحق. وسَواءٌ في هذا المقام عليه البرهانُ في فتياه، أو في معتقدِهِ في
(١) من سورة الحج، الآية ٨٩.
(٢) من سورة النحل، الآية ٤٤.
(٣) من سورة الأحزاب، الآية ٥.

٨٩٨
اعتزالِهِ، أو تشيعه، أو إرجائِه، أو شِرَايَتِه، ومن جَوَّز الشكَّ في البرهان، وتمادَى على
مخالفتِهِ، وقَطَع بظنَّهِ في أنه لعل هنا برهاناً آخَرَ يُبطِلُ هذا البرهان الذي أُقيمَ عليه،
فهذا مُبْطِل للحقائق كلِّها، وقولُهُ يَقُودُ إلى أن لا يُحقِّقَ شيئاً من الشرائع إلاّ بالظن
فقط .
وأما من اعتَقَد قولاً اتُّباعاً لمن نَشَأ بينهم فهو مذموم، صادَفَ الحقَّ
أو لم يصادفه، لأنه لم يقصِده من حيث أُمِرَ من اتّباع النصوص. ومن قال: إنَّ هذه
الآيةَ أو الخبرَ قد نَسَخهما الله عز وجل، أو خَصَّهما، أو خَصَّ منهما، أو لم يُلزمنا
ما فيهما، أو أراد بهما غيرَ ما يُفهَمُ منهما، ولم يأتِ على دعواه بنصٍ صحيح فقد قال
على اللَّهِ ما لم يعلم.
/ ٤١٤
وليس هو كمن تعلَّق بنصٍ لم يَبلغه ناسخُه ولا ما خَصَّه ولا ما زِيدَ / به عليه،
لأنَّ هذا قد أحسَن ولَزِمِ ما بَلَغَه، وليس عليه غيرُ ذلك حتى يَبلُغَه خلافُه مِن نصِ
آخر. فمن لم يَتعلّق بشيءٍ أصلًا بل تحكّم في الدين فهو على خطر عظيم جداً، ومن
قال بهذا ممن نشاهده وَهَلَّا ساهِياً غيرَ عارف بما اقتَحَم فيه من الدعوى، فهو معذورٌ
بجهله ما لم يُنَّه على خطئه، فإن نُبِّهَ عليهِ فَثَبَتَ على خلافِ ما بلغه عامداً فهذا غيرُ
معذور، لأنه خالَفَ الحقَّ بعد بلوغِهِ إليه.
وأما من رُوِيَ عنه شيء من ذلك ممن سلف، ممن يمكن أن يُظَنَّ به أنه سَمِعَ في
ذلك نصاً شُبِّهَ له فيه، وهو ممن يُظَنُّ به أحسَنُ الظنِّ فهو معذورٌ، ولا يقينَ عندنا أنه
تحگّم في الدین بلا شُبهة دخَلَتْ عليه.
وأما من شاهدناه أو لم نشاهده ممن صَحَّ عندنا يقينُ حالِهِ، فنحن على يقينٍ أنه
ليس عنده في ذلك أكثرُ من الدعوى والقولِ على الله تعالى بما لا يَعلم. ومن ادَّعَى في
حديثٍ صحيح قد أقرَّ بصحتِهِ أو بصحة مثلِهِ في إسنادِهِ: نَسْخاً أو تخصيصاً
أو تخصيصاً منه أو نَذْباً، فكما قلنا في مُدَّعِي ذلك في الآياتِ ولا فَرْقَ.
ومن تعلَّق بقولٍ لم يجد فيه مُخالِفاً، ولم يقطع بأنه إجماع، فهذا إن تَرَك لذلك

٨٩٩
عمومَ نصٍّ صحيح، أو خصوصَ نصِّ صحيح، فمعذورٌ مأجورٌ مَرَّةً، وإن أخطأ،
ما لم يُوقَّف على ذلك النص، فإن وُقِفَ عليه فتمادَى على خلافِهِ فهو ممن تمادَى على
مُخالفةِ أمرِ الله تعالى.
ومن تعلَّق بدليلِ الخطاب، أو القياسِ فهو مخطىءٌ يقيناً، إلَّ أنه معذورٌ
مأجورٌ مرةً، ما لم تَقُم الحُجَّةُ عليه في بطلانِهما. ومن تعلَّق بالرأيِ فظَنَّ أنه مصيب في
ذلك، فهو معذور مأجورٌ مرَّةً، إلاّ أن تقوم عليه الحُجَّةُ ببطلانه، فإن قامت عليه
الحجةُ ببطلانه، فَثَبَتَ على القولِ به، فهو ممن يَحِكُمُ في الدينِ: بما لم يأذن به الله
تعالى.
والحُكمُ بالرأيِ أضعَفُ من كلِّ ما تقدم، وقد تعلَّق القائلون به بالحديثِ
المنسوبِ إلى معاذ، وهو حديثٌ واهٍ ساقطٌ.
وأما الوجوهُ التي لا نَقطَعُ فيها بخطأ مخالِفِنا، بل نقولُ: نحن على الحقِّ عندَ
أنفسنا، ومخالِفُنا عندنا مخطىءٌ مأجور، فثلاثة:
الوجهُ الأولُ: وهو أدَقُّ ذلك وأغمضُه: أن تَرِدَ آيتانِ عامَّتانٍ، أو حدیثانٍ
صحيحان عامَّانٍ، أو آيَةٌ عامَّةٌ وحديثٌ صحيحٌ عام، وفي كل واحدةٍ من الآيتين،
أو في كل واحدٍ من الحديثين، أو في كل واحدٍ من الآيةِ والحديث: تخصيصٌ لبعضٍ
ما في عموم النص الآخَر منهما، وذلك كقولِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
(لا صَلاةَ لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن))، مع قولِهِ وقد ذَكَر الإِمامَ: ((وإذا قَرَأْ فَأَنْصِتُوا)).
قال خصومُنا: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، خَصَّ منه المأمومَ قولُه عليه
الصلاة والسلام إذا قرأ فأنصِتُوا، وقلنا نحن: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((وإذا قَرَأ
فأنصِتوا)) خَصَّ أمَّ القرآن منه قولُه: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن)).
الوجه الثاني: أن یرِد حدیثانٍ صحيحان متعارضان، أو آيتانٍ متعارضتان،
أو آيةٌ معارِضةٌ لحديث صحيح، تعارُضاً مُتقاوِماً، في أحَدِ النَّصَّينِ مَنْعٌ، وفي الثاني
إيجابٌ في ذلك الشيءٍ بعينه، لا زيادةً في أحَدِ النصين على الآخر، ولا بيانَ في أيِّهما

٩٠٠
الناسخُ من المنسوخ، كالنصِّ الواردِ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم «شَرِبُّ
قائمً)، والنَّصِّ الوارد أنه عليه الصلاة والسلام (نَهَى عن الشُّرْبِ قائمً)):
فإِنَّ من تَرَك الخبرِينِ، معاً، وَرَجَع إلى الأصلِ الذي كان يجبُ لو لم يَرِدِ ذلك
الخبرانِ، أو رَجَّحَ أحَدَ الخبرينِ على الْمُعَارِض له بكثرةِ رُوَاتِه، أو بأنه رواه من هو
أعدّلُ ممن رَوَى الآخَر وأحفَظُ، وما أشبه هذا من وجوهِ الترجيحات التي أوردناها في
/ ٤١٥ باب الكلام في الأخبار / من ديواننا هذا وبيانِ وجوهِ الصواب منها من الخطأ، فإنَّ
هذا أيضاً مكانٌ يَخْفى بيانُ الخطأ فيه جداً.
وأمَّا نحنُ فنقولُ بالأخذِ بالزائد شرعاً، إلاّ أننا نقولُ وبالله التوفيق: إنَّ من
مالَ إلى أحدٍ هذه الوجوه في مكانٍ، ثم تَركّه في مثل ذلك المكان، وأَخَذ بالوجهِ
الآخَرِ مقلِّداً أو مستحسناً، فما دام لم يُوقَف على تناقضِهِ وفسادِ حُكمِه فمعذورٌ
مأجور، حتى إذا وُقِفَ على ذلك فتمادَى فهو متَبَعٌ لهواه.
الوجهُ الثالثُ: أَن يَتَعلَّق بحديثٍ ضعيف، لم يتَبينَّ له ضعفُه، أو بحديثٍ
مُرسَل، أو ادْعَى تجريحاً في راوي حديثٍ صحيح، إمَّا بتدليسٍ أو نحوِه، أو ادَّعَى أنَّ
الناقل أخطأ فيه. فمن اعتَقَد صحةً ما ذُكِرَ من ذلك فهو معذورٌ مأجور.
فإذا تَرَك في مكانٍ آخَرَ مثلَ ذلك الحديث، أو رَدَّ مرسَلاً آخَرَ إِرسالِهِ فقط،
وأخَذَ بحديثٍ آخَرَ فيه من التعليل كما في الذي قد رَدَّه في مكانٍ آخر، ووُقِف على
ذلك - فتَمادَى - فهو مُتَّبع لهواه، لإِقدامِهِ على الحكم في الدين بما قد شَهِدَ لسانُه
ببطلانِه، وإن لم نقطع بأنه مخطىء، لإمكان أن يكون قد صادَف الحق.
فإن قال قائل: كيف تقولون فيمن بلَغَه نصُ قرآنٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ بِخَرٍ ليس
من باب الأمْر، إلاّ أنه قد جاء ذلك الخبرُ في نص آخر باستثناءٍ منه، أو زيادةٍ عليه،
ولم يبلغه النصُّ الثاني؟
فجوابُنا وبالله تعالى التوفيق: أنَّ هذا بخلافِ الأمر، لأن الأوامر قد تَرِدُ ناسخاً

٩٠١
بعضُها بعضاً، فَيَلزَمُه ما بَلَغَهُ حتى بَلَغَهُ ما نَسَخه، وليس الخبرُ كذلك، بل يَلزمُنا
تصديقُ ما بلَغَنا من ذلك، لأن الله تعالى لا يقولُ إلَّ الحق، وكذلك رسولُهُ صلَّى الله
عليه وسلَّم. وعليه أن يَعتقِدَ مع ذلك أنَّ ما كان في ذلك الخبر من تخصيصٍ لم يبلغه،
أو زیادةٍ لم تبلغه فهي حق.
ولا نقطعُ بتكذيب ما ليس في ذلك الخبر أصلاً، وكذلك أمْرُ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم إِذْ قال: ((لا تُصَدِّقوا أهلَ الكتاب إذا حدَّثوكم، ولا تُكَذِّبُوهم،
فتُكذِّبوا بحق، أو تُصدِّقُوا بباطل))، أو كلاماً هذا معناه، فهذا حُكمُ الأخبارِ الواردةِ
في الوعظ وغيره. وما كان من الأخبار لا يحتمِلُ خلافَ نَصِّه صُدِّق كما هو، ولَزِمَ
تكذيبُ كل ظَنِّ خالَفَ نصَّ ذلك الخبر، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعمَ
الوكيل.
والحديثُ المذكورُ أخرجه البخاري في صحيحه(١) عن أبي هريرة قال: ((كان
أهلُ الكتاب يَقرأون التوراةَ بالعِبرانية، ويُفسِرُونها بالعربيةِ لأهل الإِسلام، فقال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لا تُصَدِّقُوا أهلَ الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا:
آمَنَّا بالله وما أُنزِلَ، الآية)). قال الشراح: يعني إذا كان ما يُخبرونهم به محتملاً، لئلا
يكون في نفس الأمر صدقاً فيكذبوه، أو كذباً فُيُصدِّقوه فيقعوا في الحَرَج.
الفائدة الثانية عشرة
قد بيَّنا فيما سَبَق العلوم الشرعيةَ وأقسامَها(٢)، وحَدَّ كلُّ واحدٍ منها، وذكرنا فيه
(١) علَّقه البخاري على أبي هريرة في كتاب الشهادات، في (باب لا يُسأل أهل الشرك عن
الشهادة وغيرها ... ) ٢٩١:٥، ورواه متصلاً عنه في ثلاثة مواضع بالإِسنادِ نفسِه والمتنِ نفسِه،
وهذا من نوادر ما وقع للبخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، في تفسير سورة البقرة (باب قولوا
آمنا بالله وما أُنزِل إلينا) ٨: ١٧٠، وفي كتاب الاعتصام (باب قول النبي صلَّى الله عليه وسلّم:
لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء) ٣٣٣:١٣، وفي كتاب التوحيد (باب ما يجوز من تفسير
التوراة ... ) ١٣ :٥١٦.
(٢) في ص ٨١ في أول (الفائدة الثالثة).

٩٠٢
أنَّ علم الحديث ينقسِمُ إلى قسمين: قسمٌ يتعلَّقُ بروايته، وقسمٌ يتعلَّقُ بدرايته، وأنَّ
العلماء قَسَموا كلَّ واحدٍ منهما إلى أقسام، سَمَّوْا كلَّ واحدٍ منها باسم .
وقد أحببنا الزيادةَ هنا على ما ذُكِرَ هناك فنقول: قال بعضُ المحدثين(١):
تنقسمُ علومُ الحديث الآن إلى ثلاثة أقسام :
الأولُ: حفظُ متون الحديث، ومعرفةُ غريبها وفقهها، وهذا أشرَفُها.
والثاني: حفظُ أسانيدِها، ومعرفةُ رجالها، وتمييزُ صحيحها من سقيمها، وهذا
كان مُهمّاً، وقد كُفِيَهُ المشتغِلُ بالعلم بما صُنَّفَ فيه وأُلِّفَ من الكتب، فلا فائدةَ في
/٤١٦ تحصيل / ما هو حاصل.
والثالثُ: جَمْعُهُ، وكتابتُهُ، وسَمَاعُه، والبحثُ عن طُرُقِهِ، وطلَبُ العُلُوِّ فيه،
والرِّحلةُ إلى البلدان لأجلِ ذلك. والمشتغِلُ بهذا مشتغلُ عما هو الأهمُ من العلوم
النافعة، فضلاً عن العمل به الذي هو المطلوب الأصلي، إلاّ أنه لا بأسَ به لأهل
البطالة، لما فيه من بقاءٍ سِلسلة الإِسناد المتصلةِ بسَيِّدِ البَشَر.
وقد اعتَّرَض عليه بعضُ العلماءِ(٢) في قوله: وهذا قد كُفِيَهُ المشتغِلُ بالعلم بما
صُنِّفَ فيه وأُلِّفَ من الكتب، فقال: ويقالُ علیه: إِنْ كان التصنيفُ في - هذا
الفنِّ يُوجِبُ الاتكالَ على ذلك، وعدَمَ الاشتغال به، فالقولُ كذلك في الفنّ الأول،
فإِنَّ فِقْهَ الحديث وغريبَه لا يُحصىَ كم صُنِّفَ فيه، بل لو ادَّعى مُدَّعِ أنَّ التصانيفَ فيه
أكثرُ من التصانيف في تمييزِ الرجال والصحيحِ من السقيم، لما كان قولُه غير صحيح،
بل ذلك هو الواقع.
فإن كان الاشتغالُ بالأولِ مهماً فالاشتغالُ بالثاني أهمُّ، لأنه المرقاةُ إلى الأول،
فمن أخلَّ به خَلَط السقيمَ بالصحيح والمجرَّحَ بالمعدَّلَ وهو لا يَشِعُر قـ
(١) هو الإِمام أبو شامة المقدسي، كما في ((النكت)) للحافظ ابن حجر ٢٢٩:١.
(٢) هو الحافظ ابن حجر، كما في ((النكت)) له ٢٢٩:١ - ٢٣١.