Indexed OCR Text
Pages 781-800
٧٢٣ ومُهمَّاتِهِم، التي يَنقُصُ المحدِّثُ بالجهلِ بها نقصاً فاحشاً، فهو إن شاء الله جدير بأن تُقدَّم العنايةُ به)). وقد صار مُعَوَّلَ كلِّ من جاء بعدَه. وقد جَمَع كثيرٌ من العلماءِ نُكَتَاً عليه، تتضمَّنُ إمَّا تَقْبِيدَ مُطْلَق، أو إيضاحَ مُغْلَق، أو غيرَ ذلك من فائدةٍ مهمة، فينبغي للمَعْنِين بهذا الأمر الوقوفُ عليها، وتوجيهُ النظر إليها. ثم ليبدأ بالصحيحين، ثم بسنن أبي داود والنسائي والترمذي، ثم بسائرٍ ما تَسُ حاجةُ صاحبِ الحديث إليه من كتب المسانِد، وأهمُّها مسنَدُ أحمد، ومن كتبٍ الجوامع المصنَّفةِ في الأحكام، والمقدَّمُ منها هو موطأ مالك، ومن كتبٍ عِلَل الحديثِ ومن أجودِها كتابُ العِلَلِ عَنْ أحمد، وكتابُ العِلَل عَنْ الدارقطني، ومن كتبٍ معرفةٍ الرجال وتواريخِ المحدِّثين، ومن أفضلها تاريخُ البخاريِّ الكبيرُ، وكتابُ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم. وقد اقتَفَى فيه أَثَرَ البخاري، ومن كتبٍ الضبط لمشكلٍ الأسماء، ومن أكملها كتابُ الإِكمال لأبي نصر بن مَاكُولا . ولا يُحْهِدْ نفسَه في الطلب، ولا يُحِمِّلْها ما لا تُطِيقُ، ففي الحديث الصحيح: خُذُوا من الأعمال ما تُطيقون. وقال الزهريّ: من طَلَب العلمَ جُملةًّ فاتّهُ جُملةً. وقال: إِنَّ هذا العلم إن أخذتَهُ بالمكاثرةِ له غلَبَك، ولكن خُذْهُ مع الأيامِ واللياليِ أخذاً رفيقاً تَظْفِرْ به. ولا يَغْفُلْ عن المذاكرة، فإن لها نفعاً جزيلاً، قال علي بن أبي طالب: تذاكرُوا هذا الحديثَ، وإلَّ تفعلوا يَدْرُس. وقال عبد الله بن مسعود: تذاكَرُوا الحديثَ، فإن حياته مذاكرتُه. وقال إبراهيم النَّخَعي: من سَرَّ أن يحفَظَ الحديثَ فليُحدِّث به، ولو أن يُحدِّثَ به من لا يَشتهيه. وقال الخليل بن أحمد: ذاكِرْ بعلمِك تَذْكُر ما عندَك، وتستفِد ما ليس عندك. وليشتغِلْ بالتخريجِ والتأليفِ والتصنيفِ إذا استعدَّ لذلك، فقد قال بعضُ العلماء: قلّما يَجْهَرُ في علمِ الحديث، ويقِفُ على غوامِضِه، ويَستِينُ الخفيَّ من فوائده، إلَّ من ◌َع متفرِّقَهُ، / وأَلَّفَ مُتَشِيِّتُهُ، وضَمَّ بعضَه إلى بعض، واشتَغَل / ٣٢٥ : : ٧٢٤ بتضنيفِ أبوابه، وترتيبِ أصنافِه، فإنَّ ذلك الفعلَ مما يُقوِّي النفسَ، ويُثبِتُ الحِفِظَ، ويُذكي القلبَ، ويَشحَذُ الطبع، ويَبْسُطُ اللسان، ويُجيد البيان، ويكشِفُ المشتبِهِ، ويُوضحُ الملتبِس، ويَكسِب أيضاً جميلَ الذكر، ويُخُلِّدُه إلى آخِرِ الدهر، كما قال الشاعر: والجهلُ يُلحِقُ أمواتاً بأمواتٍ يَموتُ قومٌ فيُحسِي العلمُ ذِکرَهم . والتأليفُ أعمُّ من التخريجِ والتصنيفِ والانتقاءِ، إذ التأليفُ مُطلَقُ الضمّ. والتخريجُ إخراجُ المحدِّثِ الأحاديثِ من الكتب وسَوْقُها بروايتِهِ أو روايةٍ بعضِ شيوخه أو نحو ذلك، والكلامُ عليها، وعَزْوُها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين، وقد يُطلَقُّ على مجرَّدِ الإِخراجِ والعزو. والتصنيفُ جَعْلُ كل صِنْفٍ على حِدَة، وقد يُطلَقُ على مجرَّدِ الضمّ. والانتقاءُ إخراجُ ما ◌ُحتاجُ إلیه من الكتب. وللعلماءِ في تصنيفِ الحديثِ وجمعِهِ طريقان، إحداهما: التصنيفُ على الأبواب، وهو تخريجُه على أحكام الفقهِ وغيره، وتنويعُه أنواعاً، وجمعُ ما وَرَد في كلِّ حكمٍ وكلِّ نوعٍ في باب، بحيث يتميّزُ ما يَتْعلَّقُ بالصلاة مثلاً عما يتعلَّق بالصيام. وأهلُ هذه الطريقة منهم من اقتَصَر على إيرادِ ما صَحَّ فقط كالشيخين، ومنهم من لم يقتصر على ذلك كأبي داود والترمذي والنسائي. الثانيةُ: التصنيفُ على المسانِد، وهو أن يَجِمَعَ في ترجمةٍ كلِّ صحابي ما عندَهُ من حديثه، سواء كان صحيحاً أو غيرَ صحيح، ويَجعَله على حِدَةٍ وإن اختلفَتْ أنواعُه. وأهلُ هذه الطريقة: منهم من رتَّبَ أسماء الصحابة على حروف المعجم، كالطبراني في المعجم الكبير، والضياءِ المقدسيّ في المختارة التي لم تَكُل. وهذا أسهَلُ تناولاً. ومنهم من رتَّبَها على القبائل، فقدَّم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقربَ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في النسب. ومنهم من رتَّبها على السَّبْقِ في الإِسلام، فقدَّمَ العشَرَةَ، ثم أهلَ بَدْر، ثم أهلَ ٧٢٥ الْحُدَيْبِيَةِ، ثم من أسلَمَ وهاجَرَ بين الحديبية والفتح، ثم من أسلَم يوم الفتح، ثم أُصاغِرَ الصحابة سِنّاً كالسائبِ بن يزيد وأبي الطُّفَيل، وخَتَم بالنساء. وقد سَلَك ابنُ حبان في صحيحه طريقةً ثالثة فرتَّبَه على خمسة أقسام، وهي الأوامرُ، والنواهي، والأخبارُ عما احتِيجَ إلى معرفتِهِ كَبَدْء الوَحْيِ والإِسراء وما فُضِّلَ به نبيّنا على سائر الأنبياء، والإِباحاتُ، وأفعالُ النبي عليه الصلاة والسلام مما اختَصَّ به. ونوَّعَ كلَّ واحد من هذه الخمسة إلى أنواع. ولقد أغرب في ذلك، کما أغربَ بعضُ المحدِّثين في بیانِ سببٍ إغرابه حیث قال: صحيحُ ابن حبان ترتيبُه مختََّع، ليس على الأبواب، ولا على المسانِد، ولهذا سَّه التقاسِيمَ والأنواع، وسبُه أنه كان عارفاً بالكلام والنجوم والفلسفة، ولهذا تُكلِّم فيه، ونُسِبَ إلى الزندقة، وكادوا يَحكمُون بقتلِهِ، ثم نُفِيَ من سِجِسْتان إلى سَمَرْقَنْد. والكشفُ من كتابه عسيرٌ جداً. وقد رتَّبَه بعضُ المتأخرين على الأبواب، وعَمِلَ له الحافظ أبو الفضل العراقي أطرافاً، وجرَّد الحافظُ أبو الحسن الهَيْثَمِي زوائدَه على الصحیحین في مجلد. ولهم في ◌َمْع الحديث طُرُقٌ أخرى، منها جْعُه على حروفِ المعجم، فُيُجعَلُ مثلاً حديثُ: إنما الأعمالُ بالنيات في حرفِ الألف. وقد جَرَى على ذلك أبو منصور الدَّيْلَمي في مسنَد الفِرْدَوس وابنُ طاهر في أحاديثِ كتابٍ الكامل لابن عدي. ومنها جَمْعُه على الأطراف، وذلك بأن يُذكَرَ طَرَفُ الحديث ثم يُجُمَعَ أسانيدُهُ إِما مع عدمِ التقُّدٍ بكتبٍ مخصوصة، أو مع التقيُّدِ بها، وذلك مِثلُ ما فعَلَ أبو العباس أحمد بن ثابت العراقي / في أطرافِ الكتب الخمسة، والمِزِّيُّ في أطرافِ الكتب الستة، وابنُ حجر في أطرافٍ الكتب العَشَرة. ومن أعلى المراتب في تصنيف الحدیث تصنيفُهُ مُعلَّلاً، بأن يُجمّعَ في کل حديثٍ طُرقُهُ واختلافُ الرواةِ فيه، فإنَّ معرفة العِلَل أجلُّ أنواع الحديث، وبها يَظهَرُ إرسالُ ما يكون متصلاً، أو وقفُ ما يكون مرفوعاً، وغيرُ ذلك من الأمور المهمة. /٣٢٦ ٧٢٦ والذين صَنَّفوا في العِلَل: منهم من رتَّب كتابَهُ على الأبواب، كابن أبي حاتم، وهو أحسَنُ، لسهولةِ تناۇُلِه. ومنهم من رتَّبَ كتابَه على المسانِد، كالحافظِ الكبير الفقيه المالكي يعقوب بنِ شيبة البَصْري نزيل بغداد، أخَذَ عن أحمد وابن المديني وابنٍ معين، وتُونَّ في سنة اثنتين وستين ومئتين، فإنه ألَّف مُسنَداً معلِّلاً، غير أنه لم يَتِم، ولو تَمَّ لكان في نحوٍ مئتي مجلّد. والذي تَمَّ منه هو مسنَدُ العشَرَة، والعباسِ ، وابن مسعود، وعُتبة بنِ غزوان، وبعضِ الموالي، وعَمَّارٍ. ويقالُ: إنَّ مُسنَدَ علي منه في خمسٍ مجِلَّدات، ويقال: إنه كان في منزلِهِ أربعون لحافاً أعدَّها لمن كان يَبِيتُ عندَهُ من الورَّاقين الذين يُبيِّضون المسنّد، ولزِمَه على ما خَرَج من المسنَد عِشْرَةُ آلاف دينار. قال بعضُ المشايخ: إنه لم يَتِمَّ مُسنَدٌ معلَّلٌ قَط . هذا وقد جَرَتْ عادةُ أهل الحديث أن يُفرِدُوا بالجمع والتأليف بعضَ الأبواب والشيوخِ والتراجمِ والطّرق. أما الأبوابُ فقد أَفَرَدَ بعضُ الأئمة بعضَها بالتصنيف، وذلك كبابٍ رفع اليدين، فقد أفرَدَه البخاري بالتصنيف، وكذلك بابُ القراءة خلف الإِمام، وكباب القضاءِ باليمين مع الشاهدِ، فقد أفرَدَه الدارقطني بالتصنيف، وكبابِ القُنوت فقد أَفَرَدَه ابنُ مَنْدَهْ بالتصنيف، وكبابِ البَسْمَلة، فقد أفرَدَه ابنُ عبد البر وغیرُه بذلك، وغير ذلك. وأما الشیوخُ فقد جمع بعضُ العلماء حدیثَ شیوخٍ مخصوصین، كلّ واحدٍ منهم على انفرادِه، فجمَعَ الإِسماعيليُّ حديثَ الأعمش، وجَمَع النسائي حديثَ الفُضِيل بن عِيَاض، وَمَعَ غيرُهُما غيرَ ذلك. وأما التراجمُ فقدٍ جَمَعوا ما جاء بترجمةٍ واحدةٍ من الحديث، كمالكٍ، عن نافع، عن ابن عمر، وكسُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ونحو ذلك. ٧٢٧ وأما الطُرُقُ فقد جمعوا طُرُقَ بعضِ الأحاديث، وذلك كحديثٍ قَبْضِ العلم. فقد جَمَعِ ظُرُقَه الطُّوسيُّ، وحديثِ: من كذَبَ عليٍّ متعمِّداً. فقد جمع طُرُقَه الطبرانيُّ، وحديثٍ: طلَبُ العلم فريضة. فقد جمع طُرُقَّه بعضُ المحدِّثين، وغير ذلك. المسألةُ الرابعة: قد ذكرنا فيما سَبَق(١) أنَّ طالبَ علم الحديث ينبغي له أن يُقدِّمَ العنايةَ أولاً بمعرفةِ مصطلح أهلِه، ثم يَبتدِىءَ بالصحيحين، ثم بسنن أبي داود والنسائي والترمذي، ثم بسائرِ ما تَسُّ حاجةُ طالبٍ علم الحديث إليه، من كتبٍ المسانِد، وكتبٍ الجوامع المصنَّفة في الأحكام، وكتبٍ عِلَل الحديث، وكتبٍ معرفةٍ الرجال، وتواريخِ المحدِّثين، وذكرنا ما يَتعلَّقُ بالصحيحين على وجهٍ يُشْرِفُ الناظرُ فيه على حقيقة أمرِهما، ويَعرِفُ أنَّ لصاحبيْهما من الفضلِ ما لا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلَّ من عَرَفَ مقدارَ عنائِهما فيما تصدَّيا له وعنايتهما بإفادة الناس. وقد أحببنا أن نّبِّهَ الطالبَ هنا على أمورٍ ينبغي له أن يقِفَ عليها قبلَ الشروع فيها، ليأخُذَ للأمرِ عُدَّتَهُ من قَبْلُ، فعسى أن يُصبحَ بذلك عما قريبٍ معدوداً من ذوي الإِتقان، بل الإِيقان، عند أهل هذا الشان. الأمرُ الأولُ: قد قَسَم العلماءُ الحديثَ الصحيحَ باعتبارٍ تفاوتِ درجاتِهِ في القوة إلى سبعة أقسام(٢)، وفائدةُ هذا التقسيم تَظهَرُ عند التعارُضِ والاضطرارِ إلى الترجيح . القسمُ الأولُ: ما أخرجه البخاري ومسلم. / القسمُ الثاني: ما انفرد به البخاريُّ عن مسلم. /٣٢٧ القسمُ الثالثُ: ما انفرد به مسلمٌ عن البخاري. القسمُ الرابعُ: ما هو على شرطِهما، ولكن لم يُخرجه واحدٌ منهما. (١) ص ٧٢٢ . (٢) قال عبد الفتاح: قدمت نقدي تعليقاً في ص ٢٩٠ - ٢٩٥ لهذا التقسيم السَّبْعِيّ، المراتب الصحيح، فعد إليه لزاماً. : ٧٢٨ القسمُ الخامسُ: ما هو على شرطِ البخاري، ولكن لم يُخرجه. القسمُ السادسُ: ما هو على شرط مسلم، ولكن لم يُخرجه. القسمُ السابعُ: ما ليس على شرطِهما ولا شرطٍ واحدٍ منهما، ولكنه صَحَّ عند أئمة الحديث. وكلُّ قسم من هذه الأقسام يُحكَمُ له بالرُّجحانِ على ما بعدَه، وهذا الحكمُ إنما يؤخَذُ به في الجملة، ولذا قالوا: إنه يَسوغُ أن يُحكّمَ برُجحانِ حديثٍ على حديثٍ آخَرَ يكونُ من القِسم الذي هو أعلَى منه في الدرجة، إذا وُجِدَ له من زيادةِ التمكُّنِ من شُرُوطِ الصحةِ، ما يجعلُه أرجحَ منه، وعلى ذلك فُيُرجَّحُ ما انفرَدَ به مسلم إذا رُوِيُّ من طُرُقٍ مختلفة، على ما انفرَدَ به البخاري، إذا لم يُرْوَ إلَّ من طريقٍ واحدةٍ، وَيُرجِّحُ ما أخرجه غيرُهُما إذا ورَد بإسنادٍ يقالُ فيه: إنه أصحُ إسناداً، على ما أخرجه أحدُهما، لا سيما إن كان في إسنادِه من فيه مقال. وقال بعضُ الحفاظ مؤيِّداً لذلك: قد يَعرِضُ للمَفُوقِ ما يَجِعلُه فائقاً، وذلك كأن يَتَفِقَ البخاريُّ ومسلم على إخراجِ حديثٍ غريب، ويُخرِجَ مسلم أو غيرُه حديثاً مشهوراً، أو مما وُصِفَتْ ترجمتُه بكونها أصحَّ الأسانيد، وبذلك يُعلمُ أنَّ مرادَهم بترجيحٍ صحيحِ البخاري على صحيح مسلم إنما هو ترجيحُ الجملةِ على الجملةِ، لا ترجيحُ كلِّ فردٍ من أحاديثِه على كل فردٍ من أحاديثِ الآخَر. وهنا أمرٌ ينبغي الانتباهُ له، وهو أنَّ بعضَ العلماءِ يَظُنُّون أنَّ صاحبَيْ الصحيحينِ، يكتفيانِ في التصحيح، بمجرَّدِ النظرِ إلى حالِ الراوي في العدالةِ والضبطِ وعدمِ الإِرسال، من غير نظرٍ إلى غير ذلك، وليس الأمرُ كما يظنون بل ينظرون مَعَ ذلك إلى حالٍ من رَوَى عنه في كثرةٍ ملازمتِهِ له أو قِلَّتِها، أو كونِهِ من بلدِهِ مُمارِساً لحديثه، أو غريباً عن بلّدٍ من أخَذَ عنه، إلى غير ذلك من الأمور المهمةِ الغامِضة، التي لا يَشْعُرُ بها إلاّ من أمعَنَ النظر فيها، مع البراعةِ في الحديث وأصوله. وقد أشار إلى ذلك بعضُ الحفاظ حيث قال مجيباً لمن سأله عن شرطِ البخاري ٧٢٩ ومسلم: لهذا رجالٌ يَروِي عنهم تخِتَصُ بهم، وهذا رجالٌ يُروي عنہم يَخْتَصُّ بهم، وهما مشتركانٍ في رجالٍ آخرين، وهؤلاء الذين اتَّفَقا عليهم، عليهم مَدارُ الحديثِ المتفَقِ عليه، وقد يَروِي أحدُهم عن رجلٍ في المتابَعاتِ والشواهد دون الأصل، وقد يَروِي عنه ما عُرِفَ من طريقِ غيره، ولا يَروِي ما انفرَدَ به، وقد يَتَرُكُ من حديثٍ الثقةِ ما عَلِمَ أنه أخطأ فيه، فيَظنُّ من لا خِبرةَ له أنَّ كلَّ ما رَوَاه ذلك الشخصُ يَجِتَجُّ به أربابُ الصحيح، وليس الأمرُ كذلك. وعِلمُ عِلَل الحديث عِلمُ شريف، يَعرفه أئمةُ الفن، كيحيى بنِ سعيد القطان، وعليِّ بنِ المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاريِّ صاحبِ الصحيح، والدار قطنيٍّ، وغيرهم، وهي علومٌ يَعرفها أصحابها. الأمرُ الثاني: قد عرفتَ أنَّ (١) الخبر إن كان متواتراً أفاد العلم قطعاً، وإن كان غيرَ متواتر بل كان خبر آحادٍ لم يُقد العلمَ قطعاً، غيرَ أنَّ في أخبار الآحاد ما يُروَى على وجهٍ تَسكُّنُ إليه النفسُ، بحيث يُفيدُ غلبةَ الظنّ، وهي قد تُسمَّى عِلماً. وذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ أخبارَ الآحادِ إذا كانت مخرَّجةً في الصحيحينِ أو في أحدِهما، تُفيدُ العلم قطعاً، لتلقِّي الأمَّةِ لهما بالقبول. وأنكر الجمهورُ ذلك، وقالوا: إنَّ أخبارَ الآحاد لا تُفيدُ العلمَ قطعاً، ولو كانَتْ محرَّجةً في الصحيحين أو أحدِهما، وتلقّي الأُمَّةِ لهما بالقبولِ إنما يُفِيدُ وجوبَ العمل بما فيهما، بناءً على أنَّ الأَمَّ مأمورةٌ بالأخذِ بكلِّ خبرٍ يَغلِبُ على الظنِّ صِدقُه، ولا يُفيدُ أنَّ / ما فِيهما ثابتٌ في نفسِ الأمر قطعاً. /٣٢٨ وذلك كالقاضي، فإنه مأمورٌ بالحكم بشهادةٍ من كان عَدْلاً في الظاهر، وكونُهُ مأموراً بذلك، لا يَدُلُّ على أنَّ شهادةَ العدلِ لا بُدَّ أن تكون مُطابِقةً للواقع، وثابتةً في نفسِ الأمر، لاحتمالِ أن يكون قد شَهِدَ بخلافِ الواقع، إما لوَهَمٍ وَقَع له إذا كان (١) أي مما سبقَ في ص ١٠٨ وما بعدها. ٧٣٠ عَدْلًا في نفس الأمر، أو لكذبٍ لم يتحرَّج منه إذا كان عدلاً فيما يبدو للناس فقط، والقاضي على كل حال قد قام بما وَجَب عليه . وقد استثنى من ذَهَبَ إلى أنَّ أخبارَ الأحاد - إذا كانت مُخرَّجةً في الصحيحين أو في أحدِهما - تُفيدُ العِلمَ قطعاً: بَعْضَ الأحاديثِ من ذلك، وهي الأحاديثُ التي تَكلَّم فيها بعضُ أهلِ النقد من الحفاظِ، كالدارقطنيِّ وغيره. قال: وهي معروفةٌ عند أهل هذا الشأن. فإذا عرفتَ هذا ظَهَر لك أنه يجبُ على من أراد أن يَعرِف الصحيحين على وجهِ الإِتقان: أن يَعرِفَ هذه الأحاديثَ التي انْتُقِدَتْ، ويَنْظُرَ فيما أُورِدَ عليها، فما لم يَجِد عنه جواباً سديداً غادرَه في المستثنى، وما وَجَدَ عنه جواباً سديداً أخرَجَه منه وحكم له بالصحة، إمَّا في الظاهِرِ والباطن إن كان ممن يأخُذُ بهذا المذهب، أو في الظاهِرِ فقط إن كان ممن يأخُذُ بمذهب الجمهور. وقد قسموا الأحاديثَ التي انْتُقِدَتْ عليهما ستةً أقسام: القسمُ الأولُ: ما تختلِفُ الروايةُ فيه بالزيادة أو النقصِ من رجالِ الإِسناد، فإن أخرَجَ صاحبُ الصحيح: الطريقَ الَزِيدَةَ، وأعلَّ المنتَقِدُ ذلك بالطريقِ الناقصة، يُنظَرُ فإن كان الراوي قد سَمِعَهُ فالزيادةُ لا تضر، لأنه يكون قد سَمِعَه بواسطةٍ عن شيخِه، ثم لقِيَه فَسَمِعَه منه، وإن كان لم يَسمعه في الطريق الناقصةِ فهو منقطع، والمنقطعُ من قسمِ الضعيف، والضعيفُ لا يُعِلَّ الصحيحَ. وإن أخرج صاحبُ الصحيح الطريقَ الناقصة، وأعلَّ المنتَقِدُ ذلك بالطريقِ الَزِيدة، يُنظَرُ فإن كان ذلك الراوي صحابياً أو ثقةً غيرَ مدلِّس، قد أَدرَك من رَوَى عنه إدراكاً بيِّناً، أو صرَّح بالسماع من طريقٍ أخرى إن كان مُدَلِّساً، اندِفَعَ الاعتراضُ، وَثَبَتَ عدَمُ الانقطاع فيما صحَّحه صاحبُ الصحيح، وإلَّ ثَبَتَ الانقطاعُ، وحينئذٍ يُجابُ بأنَّ صاحبَ الصحيح إنما يُخرِجُ مِثلَ ذلك إذا كان له مُتَابِعٌ وعاصِدٌ وحَقَّتْهُ قرينةٌ تقويه، فيكونُ التصحيحُ قد وَقَع من حيث المجموعُ. ٧٣١ وقد وقع في البخاري ومسلم من ذلك حديثُ الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرين: وإنَّ أحدَهما كان لا يَستبرىءُ من بولِه. قال الدارقطني: خالَفَ منصورٌ فقال: عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرج البخاريُّ حديثَ منصور على إسقاطٍ طاوس. وقال الترمذي بعدَ أن أخرَج هذا الحديثَ: رواه منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس. وحديثُ الأعمش أصحُّ يعني المتضمِّنَ للزيادة. قال الحافظ ابنُ حجر: وهذا في التحقيق ليس بعلَّة، لأنَّ مجاهداً لم يُوصَف بالتدليس، وسماعُهُ من ابن عباس صحيحٌ في جملةِ الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقَنُ من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضاً من الحُفَّاظ، فالحديثُ كيفما دَارَ دارَ على ثقةٍ، والإِسنادُ کیفما دارَ كان متصلاً، فمثلُ هذا لا یَقدَحُ في صِحَّةِ الحدیث إذا لم یکن راوِیه مدلِّساً، وقد أكثر الشيخانِ من تخريج مثل هذا، ولم يستوعب الدار قطنيُّ انتقادَه. القسمُ الثاني: ما تختلِفُ الرُّواةُ فيه بتغيير بعضِ الإِسناد، فإن أمكْنَ الجمعُ، ولم يَقتصر صاحبُ الصحيح على أحدِ الوجهينَ أو الأوْجُه، لكون المختلِفِين متعادِلين في الحفظ ونحوِه، لم يكن في ذلك شيء، وذلك كما في حديث البخاري في بدء الخَلْق، من حديثٍ إسرائيل، عن الأعمشِ ومنصورٍ جميعاً، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدِ الله قال: كنا عند / النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في غارٍ، فنزلَتْ والْمُرْسَلاتِ. قال الدارقطني: لم يُتابَع إسرائيلُ، عن الأعمش، عن علقمة، أمَّا عن منصور فتابَعَه شيبانُ عنه. وكذا رواه مغيرةُ، عن إبراهيم، عنه. وقد حكى البخاريُّ الخلاف في ذلك. /٣٢٩ وإن لم يُمكن الجمعُ، وكان المختلِفون متفاوتين في الحفظ ونحوِهِ، فإذا أُخرَج صاحبُ الصحيح الطريقَ الراجحة، وأعرض عن غيرها أو أشار إليها، لم يكن في ذلك شيء أيضاً، فإنَّ مجرَّد الاختلاف غيرُ قادح، إذَ لا يَلزَمُ من مجرَّدِ الاختلافِ اضطرابٌ يُوجِبُ الضعف. وفي البخاريِّ من هذا حديثُ الليثِ، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعبٍ، عن جابر أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلّم: كان يجمعُ بين قَتْلَى أُحُد، ويُقدِّمُ أقرأهم. ٧٣٢ قال الدارقطني: رواه ابنُ المبارك، عن الأوزاعي، عن الزهري مرسلاً، ورواه مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي صُعَير(١)، عن جابر. ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، حدَّثني من سَمِعَ جابراً، وهو حديثٌ مضطرب. قال الحافظ ابن حجر: أطلَقَ الدار قطنيُّ القول بأنه مضطرِب، مع إمكان نفي الاضطرابِ عنه، بأن يُفسََّ المبْهَم بالذي في روايةِ الليث، وتُحمَلَ روايةُ مَّعْمَر على أنه سمعه من شیخین. وأمّا روايةُ الأوزاعِيِّ المرسَلةُ فَقَصََّ فيها بحذفِ الواسطة. فهذه طريقةُ من ينفي الاضطرابَ عنه، وقد ساق البخاري ذكرَ الخلافِ فيه، وإنما أُخرَج روايةَ الأوزاعيّ مع انقطاعها، لأنَّ الحديثَ عنده عن عبدِ الله بن المبارك، عن الليث والأوزاعيِّ جميعاً، عن الزهري، فأسقَطَ الأوزاعيُّ عبد الرحمن بن كعب، وأثبتّه الليثُ، وهما في الزهري سواء، وقد صرَّحا بسماعهما له منه، فقَبِلَ زيادةَ الليثِ لثقتِهِ، ثم قال بعدَ ذلك: ورواهٍ سليمانُ بن كثير، عن الزهري، عمن سَمِعَ جابراً، وأراد بذلك إثباتَ الواسطةِ بين الزهريِّ وبين جابرٍ فيه في الجملة، وتأكيدَ رواية الليث بذلك، ولم يَرَهَا عِلَّةً تُوجِبُ اضطراباً. وأمَّا روايةُ مَعْمَر فقد وافَقَه عليها سفيان بن عيينة، فرواه عن الزهري، عن ابن أبي صُعَير(١)، وقال؛ ثَبِّتَنِي فيه مَعْمَر. فرجَعَتْ روايتُهُ إلى رواية مَعْمُر. القسمُ الثالثُ: ما تفرَّدَ بعضُ الرواةِ بزيادةٍ فيه عمن هو أكثرُ عَدَداً أو أضبَطُ، فهذا لا يؤثر الإِعلالُ به إلَّ إن كانت تلك الزيادةُ فيها منافاة بحيث يَتعذّرُ الجمعُ. أمَا إن كانت تلك الزيادةُ لا منافاةً فيها فلا، إذْ تكونُ كالحديثِ المستقل، إلاّ أن يتضح بالدلائل أنَّ تلك الزيادةَ مُدرَجةٌ من كلامِ بعضِ الرواة. ومثالُ ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي عَرُوبة وجَرِير بن حازم، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِيْر بن نَّهِيك(٢)، عن أبي هريرة: من أعتَقَ شِقْصاً. وذَكَرا فيه الاستسعاءَ. (١) أبو صُعَير وابنُ أبي صُعَير كلاهما يقال. (٢) وقع بالأصل (بشر)، وهو تحريف. ٧٣٣ قال الدارقطني فيما انتَقَدَهُ عليهما: قد رواه شعبة وهشام وهما أثبتُ الناس في قتادة فلم يَذْكُرَا الاستسعاء، ووافَقَهما هَمَّامُ وفَصَلَ الاستسعاءَ من الحديث، وجعَلَه من قولٍ قتادة، وهو الصواب. وقال الأصيلي وابنُ القطان وغيرُهما: من أسقَطَ السِّعايةَ في الحديث أولَى ممن ذَكَرِها، لأنها ليسَتْ في الأحاديثِ الآخَرِ من رواية ابن عمر. وقال ابنُ عبد البر: الذين لم يَذْكُرُوا السِّعايةَ أثبَتُ ممن ذكروها. وقال غيرُه: وقد اختُلِفَ فيها عن سعيدٍ بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، فتارةً ذَكَرَها وتارةً لم يَذكُرِها، فدَلَّ على أنها ليست من متنِ الحديث كما قال غيرُه. قال مسلم في صحيحه في كتاب العِتق(١): حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قلتُ لمالكٍ: حدَّثك نافعٌ، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: من أَعتَقَ شِرْكاً له في عبدٍ، فكان له مالٌ يَبلغُ ثَمَنَ العبدِ قُوَّمَ عليه قِيمَةَ العَدْلِ ، فَأُعطِيَ شركاؤه حِصَصَهم وعَتَقَ / عليه العبدُ، وإلّ فقد عَتَقَ منه ما عَتَق. /٣٣٠ وحدثناه (٢) قُتيبة بن سعيد ومحمد بن رُمْح جميعاً، عن الليث بن سعد. ح وحدثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدثنا جَرِیرُ بن حازم. ح وحدثنا أبو الرَّبِيع وأبو كامل، قالا: حدثنا حماد، حدثنا أيوب. ح وحدثنا ابنُ ثُمَير، حدثنا أَبِي، حدثنا عُبَيْدُ الله . ح وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعید . (١) ١٠ :١٣٥. (٢) من هنا إلى آخر النص المنقول عن «صحيح مسلم»، وقع فيه في الأصل تحريف فاحش وتبديل سيِّء! فلذا أثبتُّ النصَّ هنا منقولاً من ((صحيح مسلم)، وجعلت النصَّ الذي كان في الأصل تعليقاً، ليُرَى فيه المغايراتُ الشديدة بينه وبين ما في ((صحيح مسلم)). ٧٣٤ ح وحدَّثني إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن جُرَيج، أخبرني إسماعيل بن أُمَيَّة . ح وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة . ح وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا ابن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذِئب. كلُّ هؤلاء عن نافع، عن ابنِ عمر، بمعنى حديثِ مالك عن نافع. وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، واللفظ لابن المثنى، قالا حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِير بن خَبِيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((في المملوك بين الرجلين فُيُعتِقُ أحدهما))، قال: يَضْمَن. وحدثني عَمْرو الناقدُ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن النَّضْر بن أنس، عن بشيربن نَهِيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: من أعتَق شِقْصاً له في عبد فخلاصُهُ في مالِه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استُسْعِيَ العبدُ غيرَ مشقوقٍ علیه. وحدثناهُ عليُّ بِن خَشْرَم، أخبرنا عيسى يعني ابنَ يونس، عِن سَعِيد بْن أبي عَرُوبة بهذا الإِسناد وزاد: إن لم يكن له مال قُوَّمَ عليه العبدُ قيمةَ عَدْل، ثم يُستَشْعَى في نصيب الذي لم يُعْتِق، غیرَ مشقوقٍ علیه. حدثني هارون بن عبد الله، حدثنا وَهْبُ بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعتُ قتادة يُحدث بهذا الإِسناد بمعنى حديثٍ ابن أبي عروبة، وذَكَر في الحديث: قُوَّمَ عليه قيمةً عَدْلَ(١). (١) وإليك النص الذي كان في الأصل، ووقع فيه التحريف والتبديل: (وحدثناه قتيبة بن سعيد ومحمد بن رُمْح جميعاً، عن الليث بن سعد حينئذ، وقال: حدثنا شيبان بن فَرُّوخ، قال: أنبأنا جرير بن حازم، قال: وحدثنا أبو الربيع وأبو كامل، قالَ: أنبأنا حماد، قال: أنبأنا أيوب حينئذ، قال: وحدثنا ابن ثُمَير، قال: أنبأنا أبي، قال: أنبأنا عُبَيْدُ الله حينئذ. قال: وحدثنا محمد بن مُثَنِّ، قال: أنبأنا عبد الوهاب، قال: سمعتُ يحيى بن سعيد حينئذ. قال: وحدثني إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني = ١ ٧٣٥ وقال البخاري في صحيحه(١): بابٌ إذا أعتَقَ عبداً مُشترَكاً بين اثنين أو أمّةً بين الشركاء، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عَمْرو، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: من أعتَقَ عبداً بين اثنين، فإن كان مُوسِراً قُوُّم عليه ثم يُعتَقُّ. حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قال: من أعتَقَ شِرْكاً له في عبدٍ فكان له مالُ يَبْلُغُ ثمنَ العبد قُوَّمَ العبدُ - عليه - قيمةَ عدل، - فَأَعطَى شركاءَهُ حِصَصَهم - وعتَقَ عليه - العبدُ - وإلَّ فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ. حدثنا عُبَيَدُ بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن = إسماعيل بن أمية حينئذٍ. قال: وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي، قال: أنبأنا وهب، قال: أخبرني أسامة حينئذ . - وقد حُرِّف فيه (ح) إلى (حينئذ)! كما وقع التحريف في غيره أيضاً -. قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: أنبأنا ابن أبي قُدَيك، عن ابن أبي ذِئب. كلُّ هؤلاء عن نافع، عن ابن عمر، بمعنی حدیث مالك عن نافع. وحدثنا محمد بن مثنّ وابن بشار، واللفظ لابن مثنى، قالَ: أنبأنا محمد بن جعفر، قال: أنبأنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشيربن نَّيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّى اللّه عليه وسلّم قال: في المملوك بين الرجلين، فُيُعتِقُ أحدُهما، قال: يَضْمَن. وحدثني عَمْرُو الناقدُ، قال: أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن نضر بن أنس، عن بشير بن نَبِيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم قال: من أَعتَق شِقْصاً له في عبدٍ فخلاصُهُ في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استُسْعِيَ العبدُ، غيرَ مشقوقٍ عليه . وحدثناهُ علي بن خَشْرَم، قال: أنبأنا عيسى يعني ابنَ يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، بهذا الإِسناد، وزاد: إن لم يكن له مال قُوِّمَ العبدُ قيمةَ عَدْل، ثم يُستَسْعَى في نصيبِ الذي لم يُعتِق، غيرَ مشقوق علیه . حدثني هارون بن عبد الله، قال: أنبأنا وهبُ بن جرير، قال: أنبأنا أبي، قال: سمعتُ قتادة يُحدِّثُ بهذا الإِسناد، بمعنى حديثٍ ابن أبي عروبة، وذَكَر في الحديث: قُوِّمَ عليه قيمةَ عدَلْ). (١) ٥ :١٥٠. ٧٣٦ ابن عمر، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: من أعتَقَ شِرْكاً له في مملوكٍ فعليه عِنْقُه كلِّهِ، إن كان له مالٌ يَبلُغُ ثمنَه، فإن لم يكن له مالٌ يُقوَّمُ عليه قِيمَةَ عَدْلٍ على المُعتِقِ، فأُعتِقَ ما أَعتَق .. حدثنا مسدَّد، حدثنا بشر، عن عبيد الله اختصره. حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: من أعتَقَ نصيباً له في مملوكٍ، أو شِرْكاً له في عبدٍ، وكان له من المالِ ما يَبلُغُ قيمتَهُ بقيمةِ العَدْل فهو عَتِيق، قال نافع: وإلّ فقد عَتَق منه ما عَتَق. قال أيوب: لا أدري أشيءٌ قاله نافع أو شيءٌ في الحديث. حدثنا أحمد بن مِقدام، حدثنا الفُضَيْلُ بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني نافع، عن ابن عمر، أنه كان يُفتي في العبدِ أو الأَمَةِ يكونُ بين الشركاءِ فَيُعْتِقُ أحدُهم نصيبَه منه، يقول: قد وَجَب عليه عتقُهُ كلِّهِ إِذا كان للذي أعتَقَ من المالِ ما يَبْلُغُ يُقوَّمُ من مالِهِ قِيْمةً العدل، ويُدفَعُ إلى الشركاء أنصباؤهم، ويُخُلِّ سَبِيلُ الْمُعْتَقِ، يُخبِرُ ذلك ابنُ عمر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. / ورواه الليثُ وابنُ أبي ذئب وابنُ إسحاق وجُوَيْرِيَةٌ ويحيى بنُ سعيد وإسماعيلُ بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مختصراً. /٣٣١ بابٌ إذا أُعتَقَ نصيباً في عبدٍ وليس له مال استُسْعِيَ العبدُ غيرَ مشقوقٍ عليهِ، على نحو الكتابة(١). حدثنا أحمد بن أبي رجاء، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت قتادة، قال حدثني النضر بن أنس بن مالك، عن بَشِيربن شَهِيك، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلَّى الله عليه وسلّم: من أعتَقَ شَقِيصاً من عبدٍ. (١) ٥ :١٥٦. ٧٣٧ وحدثنا مسدَّد، حدثنا يَزِيدُ بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِير بن نَهيك، عن أبي هريرة، أن النبي صلَّى الله عليه وسلّم قال: من أَعتَقَ نَصِيباً أو شَقِيصاً في مملوكٍ، فخلاصُهُ عليه في مالِهِ إن كان له مالٌ، وإلاّ قُوِّمَ عليه فاستُسْعِيَ به غيرَ مشقوق عليه. تابعَهُ حجاجُ بن حجاجٍ وأَبَانُ وموسى بنُ خلف، عن قتادة، اختصره شعبة . اهـ. قال بعضُ شراح البخاري(١) عند ذكر قوله: تابَعَه حَجَّاجُ بن حجاج وأبانُ وموسى بنُ خَلَف، عن قتادة: أراد المؤلِّفُ بهذا الردّ على من زَعَم أنَّ الاستسعاءَ في هذا الحديث غيرُ محفوظ، وأنَّ سعيدَ بن أبي عَرُوبة تفرَّدَ به، فاستَظهَرَ له بروايةٍ جرير بن حازم لموافقتِهِ، ثم ذَكَر ثلاثةً تابَعُوهما على ذكرِها، فنَفَى عنه التفُّدَ. ثم قال: واختَصَرَه شعبة، وكأنه جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّر، وهو أنَّ شعبة أحفظُ الناس لحديثٍ قتادة، فكيف تَرَك ذكرَ الاستسعاء؟ فأجاب بأنَّ هذا لا يؤثر فيه ضعفاً، لأنه أورده مختصراً، وغيرُهُ أوردَهُ بتمامه، والعدَدُ الكثيرُ أولى بالحفظِ من الواحد. وروايةُ شعبة أخرَجَها مسلم والنسائي من طريق غُنْدَر(٢) عنه، عن قتادة، بإسنادهِ ولفظِهِ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في المملوكِ بين الرجلينِ فُيُعتِقُ أحدُهما نصيبه، قال: يَضْمَنُ. ومن طريقِ معاذٍ، عن شعبة بلفظ: من أعتَقَ شِقْصاً من ملوكٍ فهو حُرِّ من مالِه. وقد اختَصَرِ ذِكرَ السِّعايةِ هِشَامٌ الدَّسْتَوائي، عن قتادة، إلَّ أَنَّه اختُلِفَ عليه في إسناده، فمنهم من ذكَرَ فيه النضرَ بن أنس، ومنهم من لم يَذكره. وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنَّ الاستسعاء مُدْرَجٌ في الحديثِ من كلام قتادة، (١) هو الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ١٥٧:٥. وغفر الله للمؤلف تجهيلَهُ القائل !! فما أدري ما وجه استحسانه تجهيل القائل هنا، وهو ابن حجر، فقد استحسن المؤلف ما ليس بحسن، وأعرض عن واضح السَّنَن! ولله في خلقه شؤون. (٢) هو محمد بن جعفر المُذَلي البصري. : ٧٣٨ كما رواه هُمَّام بنُ يحيى، عن قتادة، بلفظ: أنَّ رجلاً أعتَقَ شِقْصاً من مملوك، فأجاز النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ◌ِتقَه، وغرَّمه بقيةً ثمنِه. قال قتادة: إن لم يكن له مالٌ استسْعِيَ العبدُ غيرَ مشقوق عليه. أخرجه الدارقطنيُّ والخطَّابيُّ. وأبى ذلك جماعةٌ منهم الشيخانِ فصحَّحوا كونَ الجميع مرفوعاً، ورجّحَ ذلك ابنُ دقيق العيد، وذلك لأنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة أعرَفُ بحديثٍ قتادة، فإنه كان أكثرَ ملازمةً له وأخذاً عنه من هَمَّامٍ وغيره، وهَمَّامٌ وشعبةُ وإن كانا أحفظ من سعيد، لكن ما رَوَياه لا يُنافي ما رواه، وإنما اقتَصِرًا من الحديثِ على بعضِه، وليس المجلسُ متحداً حتى يُتوقَّفَ في زيادةٍ سعيد، فإنَّ ملازمةَ سعيدٍ لقتادة كانت أكثرَ منهما، فَسَمِعَ مِنْه ما لم يَسمعه غيرُهُ. وهذا كلُّه لو انفَرَد سعيدٌ، وهو مع ذلك لم ينفرد. وما أُعِلَّ به حديثُ سعيد من كونِهِ اختَلَط أو تفرَّدَ به مردودٌ، لأنه في الصحيحين وغيرهما من روايةٍ من سَمِعَ منه قبلَ الاختلاط كيزيد بن زُرَيع، ووافَقَّه عليه كثيرون منهم أربعةٌ قد تقدَّمَ ذكرُهم، وهَمَّام هو الذي انفرَدَ بفَصْلِ الاستسعاء من الحديث، وجعَلَهُ من قولٍ قتادة، فدَلَّ على أنه لم يَضبطه كما ينبغي . وقد احتَجَّ من لا يقولُ بالاستسعاءِ بحديثٍ عِمرانَ بن خُصّينِ: أنَّ رجلاً أعتَقُ سِنَّةً مملوكين له عندَ موتِهِ، لم يكن له مالٌ غيرَهم، فدعاهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فجزَّأهم أثلاثاً، ثم / أقرَعَ بينهم، فأعتَقّ اثنينٍ، وأَرَقَّ أربعةً. أخرجه مسلم. ووَجْهُ الدلالة فيه أنَّ الاستسعاءَ لو كان مشروعاً لنجَّزَ من كل واحدٍ منهم عِنْقَ ثلثِهِ، وأمَرَه بالسعي في أداء بقية قيمتِهِ لوَرَثةِ الميتِ. /٣٣٢ القسمُ الرابعُ: ما تفرَّدَ به بعضُ الرواةِ ممن ضُعَّفَ منهم، وفي البخاري من ذلك حدیثان : أحدهما(١) حديث أَبَيِّ بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده (١) في كتاب الجهاد، في (باب اسم الفرس والحمار) ٥٨:٦. ٧٣٩ قال: كان للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم فَرَسُ يقال له: اللُّخَيْف. قال الدارقطني: هذا ضعيف، وقد ضَعَّفه أحمد(١) وابن معين، وقال النسائي: ليس بالقويّ. لكن تابَعَه عليه أخوه عبدُ المهيمن بنُ عباس، قال في ((الميزان))(٢): أَبَيُّ وإن لم يكن ثَّبْتاً فهو حَسَنُ الحديثِ، وأخوه عبدُ المهيمن واهِي . وثانيهما في الجهاد من البخاري (٣) في باب إذا أَسلَم قومٌ في دار الحرب: حديثُ إسماعيل بن أَبي أُويس، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمر استَعَمَل مولَى له يُسمَّى هُنَّاً على الحِمَى. الحديث بطوله . قال الدارقطني: إسماعيل ضعيف. قال في ((الميزان))(٤): إسماعيلُ مُحَدِّث مُكثِرٌ، فيه لِين، رَوَى عن خالِهِ مالكٍ وأخيه عبد الحميد وأبيه، وعنه صاحِبًا الصحيح وإسماعيلُ القاضي والكبارُ. قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن أبي خَيْثَمَة عن يحيى : صَدُوق، ضعيفُ العقل، ليس بذاك. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، مُغَفَّل. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: لا أختارُه في الصحيح. وقال ابن عَدِي : رَوّى عن خالِهِ مالكٍ غرائبَ لا يُتابعُه عليها أحد. قال الحافظ ابن حجر: أظنُّ الدارقطنيَّ إنما ذَكَر هذا الموضعَ من حديث إسماعيل خاصَّةً، وأعرض عن الکثیر من حديثه عند البخاري، لکونٍ غيرِهِ شاركه في تلك الأحاديث، وتفرَّدَ بهذا، فإن كان كذلك فلم ينفرد بهذا بل تابَعَه عليه مَعْنُ بن عيسى، فرواه عن مالكٍ كرواية إسماعيل سَوَاءً. القسمُ الخامسُ: ما حُكِمَ فيه بالوَهَمِ على بعضِ رُواتِه. وهذا الحكمُ إنما يُقبَلُ إذا ظَهَر دليلٌ يدل على وقوع الوَهَم، وإلَّ نُسِبَ الوَهَمُ إلى من حَكُم بالوَهَم. قالَ بعضُ الحفاظ: قد وَقَعَ في صحيح مسلم ألفاظٌ قليلةٌ غَلِطَ فيها الراوي، مثلُ ما رُوِيَ: إِنَّ الله خَلَقَ الُّرْبَةَ يومَ السبت، وجَعَلَ خَلْقَ المخلوقاتِ في الأيامِ (١) قال أحمد فيه: منكَرُ الحديث. من ترجمته في ((الميزان)) ١: ٧٨. (٢) ١ :٧٨. (٤) ١ : ٢٢٢. (٣) ٦ : ١٧٥. ٧٤٠ السبعة. فإنَّ هذا الحديثَ قد بَيَنَّ أئمةُ الحديثِ مثلُ يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مَهْدِي والبخاريِّ وغيرهم أنه غَلَطِّ، وأنه ليس من كلامِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، بل صَرَّح البخاريُّ أنه من كلام كعب الأحبار. والقرآنُ قد بينَ أنَّ الخَلْقَ كان في ستة أيام، وثَبَتَ في الصحيح أنَّ آخِرَ الخَلْقِ كان يومَ الجمعة، فيكونُ أوّلُ الخلقِ يومَ الأحد. وكذلك ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صَلَّى الكسوفَ بركوعينِ أو ثلاثةٍ. فإنَّ الثابتَ الّرْوِيَّ في الصحيحين وغيرهما عن عائشة وابن عباس وعبدِ الله بن عَمْرو وغيرهم أنه صلَّى كلَّ ركعةٍ بركوعينَ. ولهذا لم يُخرج البخاريُّ غِيرَ ذلك، وضعَّفَ هو وغيره من الأئمةِ حديثَ الثلاثةِ والأربع، فإِنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنما صلَّى الكسوفَ مرةً واحدة. وفي حديثِ الثلاثِ والأربعِ أنه صلَّى صلاةً الكسوف يومَ مات إبراهيمُ ابنُه. وحديثُ الركوعين: كان في ذلك اليوم. فمِثلُ هذا الغَلَطِ إذا وقَع كان في نفس الأحاديثِ الصحيحةِ ما يُبَيِّنُ أنه غَلَطْ، والبخاريُّ إذا رَوَى الحديثَ بطُرُقٍ في بعضِها غَلَطْ في بعض الألفاظ، ذَكّرَ معها الطرقَ التي تُبيّنُ ذلك الغلط. وقالَ: وكما أنَّ أهل العلم بالحديث يستشهدون ويُعتبرون بحديثٍ الذي فيه سُوءُ حفظ، فإنهم يُضعِّفون من حديثِ الثقةِ الصدوقِ الضابطِ أشياءَ يتَبِينٌ لهم غلَطُه فيها، بأمورٍ يَستدلون بها، ويُسمُّون هذا عِلْمَ عِلَلِ الحديث، وهو من أشرفٍ /٣٣٣ علومِهم. وغلَطُ الثقةِ / الصَّدوقِ الضابطِ قد يُعرَفُ بسببٍ ظاهر، وقد يُعرَفُ يسبب خفي . ومما وقع فيه الغُلَطُّ ما في بعض طُرقِ البخاري: إنَّ النار لا تمتلىءُ حتى يُنشِىء اللَّهُ لها خَلْقاً آخَرَ. وهذا كثير، والناسُ في هذا البابِ طَرَفانٍ : طَرَفٌ من أهل الكلامِ ونحوِهم، ممن هو بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهلِه، ٧٤١ لا يُميِّزُ بين الصحيح والضعيف، فيَشكُّ في صحة أحاديث، أو في القطع بها، مع كونها معلومةً قطعاً عند أهل العلم بالحديث. وطَرَفٌ ممن يَدَّعي اتَّبَاعَ الحديثِ والعملَ به، كلَّما وَجَدَ لفظاً في حديث قد رواه ثقةٌ، أو رأى حديثاً بإسنادٍ ظاهرُهُ الصحة، يُريدُ أن يَجْعَلَ ذلك من جنسٍ ما جَزَمَ أهلُ العلم بصحتِهِ، حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ أخَذَ يتكلَّفُ له التأويلاتِ الباردة، أو يَجعلُهُ دليلاً في مسائل العلم، مع أنَّ أهل العلم بالحديث يعرفون أنَّ مثل هذا غلط، فكما أنَّ على الحديثِ أدلةً يُعلَمُ بها أنه صِدق، وقد يُقطَعُ به، فعليه أدلةٌ يُعلَمُ بها أنه كذِب، وقد يُقطَّعُ به، مثلُ ما يُقطَّعُ بكذبٍ ما يرويه الوضَّاعون من أهلِ البدع والغُلُوِّ في الفضائل. وقال محمد بن طاهر المقدسيّ: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحُمَيدي ببغداد يقول: قال لنا أبو محمد بن حزم: ما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يَحتمِلُ خْرَجاً إلَّ حديثينِ، لكل واحدٍ منهما حديثٌ تَمَّ عليه في تخريجه الوَهُمُ، مع إتقانهما وحفظهما وصحة معرفتهما. فَذَكَر مِن عندِ البخاريّ: حديثَ شَرِيك، عن أنس في الإِسراء، وأنه قَبْلَ أن يُوحَى إليه، وفيه شَقُّ صدره. قال ابنُ حزم: والآفَةُ من شَرِيك. والحديثُ الثاني عند مسلم حديثُ عكرمة بن عَمَّار، عن أبي زُمَّيْل، عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يُقاعدونه، فقال للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ثلاثٌ أعطِنِيهنَّ، قال: نعم، الحديث. قال ابنُ حزم: هذا حديثٌ موضوعٌ لا شك في وضعه، والآفَةُ فيه من عكرمة بن عمار. اهـ. وقد أشار شراحُ صحيح مسلم إلى أنَّ هذا الحديثَ من الأحاديثِ المشهورةِ بالإِشكال، وقد امتَعَضَ بعضُهم بما قاله ابنُ حزم، فبالغَ في التشنيع عليه، وقال: إنه كان هَجَّاماً على تخطئةِ الأئمةِ الكبار، وإطلاقِ اللسانِ فيهم، ولا نَعلَمُ أحداً من أئمة الحديثِ نَسَبَ عكرمةَ بنَ عمار إلى وضع الحديث. وقد وثَّقَه وكيعٌ ويحيى بنُ معين، وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة. ٧٤٢ وقال في الميزان: عكرمةُ بنُ عمار العِجْلِيُّ الْيَمَامِيُّ له روايةً عن طاوس وسالم وعطاء ويحيى بن أبي كثير، وعنه يحيى القطانُ وابنُ مهدي وأبو الوليد وخَلْقٌ، رَوَى أبو حاتم عن ابن معين أنه قال: كان أُمِّياً حافظاً. وقال أبو حاتم: صدوق ربما يَهِم وقال عاصم بن عليّ: كان مستجابَ الدعوة. وقال أحمد بن حنبل: ضعيفٌ الحديث، وكان حديثُهُ عِن إياس بن سَلّمة صالحاً. قال الحاكم: أكثَرَ مسلمٌ الاستشهاد به. وقال البخاريُّ: لم یکن له كتابٌ فاضطَّرَب حديثُه عن يحيى. وقال معاذ بن معاذ: سمعتُ عكرمة بن عمار يقول: أُحرِّجُ على رجلٍ يَرى القَدَرَ إلَّ قام فخَرَجَ عني، فإني لا أُحدِّثُهِ. وكانتِ البصرةُ عُشَّ القَدَرِيَّة. وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلاً منكراً عن سِمَاكِ الجنفيّ، عن ابن عباس، في الثلاثةِ التِي طَلَبها أبو سفيان، وثلاثةِ أحاديثَ أُخَرَ بالإِسناد. وأبو زُمَّيْل بضم الزاي وفتح الميم، واسمُهُ سِمَاك بن الوليد الحنفي اليمامي ثم الكوفي. القسمُ السادسُ: ما اختُلِفَ فيه بتغيير بعضِ ألفاظِ المتن. وهذا لا يتَرتَّبُ عليه قَدحٌ في الأكثر، وذلك لأنَّ منه ما يمكنُ الجمعُ فيه. وما يمكنُ الجمعُ فيه هو في / ٣٣٤ الحقيقةِ غيرُ مختلف، / بل هو مؤتلِف، وما لا يمكنُ الجمعُ فيه فإنه يُؤخَذُ فيه بالراجح إن تبینّ رجحان بعض الروایات على بعض. ويَبْقَى الإِشكالُ في نوع واحدٍ منه، وهو ما لم يمكن الجمعُ فيه، ولا ظهَرَ رُجحانُ بعضِ الرواياتِ فيه على بعض. وهذا لا سبيلَ فيه إلَّ التوقُّفُ، وهذا فيما يَظهرُ نادرٌ جداً، لأنه يَبْعُدُ مع كثرةِ المرجِّحاتِ أن لا يَجِدَ العالمُ النِّحريرُ مرجِّحاً لإِحدى الرواياتِ على غيرها، لا سيما بعدَ المبالغةِ في البحث والتتبع. ومن أمثلة القِسمِ السادسِ حديثُ أبي هريرة في قِصة ذِي الْيَدَينِ، وحديثٌ جابر في قصة الجَمَل، وحديثُهُ في وفاءِ دَيْنٍ أبيه. وقد ذكرنا حديث أبي هريرة في قصة ذِي اليدينِ وما يتعلّقُ بذلك على وجهِ التفصيل في بحثِ المضطرِب(١). (١) وقد تقدم في صن ٥٨٣.